نقاش:البكاء عند أهل السنة
الموسوعة الفقهية الكويتية
التعريف
البكاء: مصدر بكى يبكي بكى، وبكاء[١].
قال في اللسان: البكاء يقصر ويمد. قال الفراء وغيره: إذا مددت أردت الصوت الذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. قال كعب بن مالك في رثاء حمزة:
| بكت عيني وحق لها بكاها | وما يغني البكاء ولا العويل |
قال الخليل: من قصر ذهب به إلى معنى الحزن، ومن مده ذهب به إلى معنى الصوت. والتباكي: تكلف البكاء كما في الحديث فإن لم تبكوا فتباكوا.[٢]
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن ذلك.[٣]
الألفاظ ذات الصلة
- الصياح والصراخ: في اللغة: هو الصوت بأقصى الطاقة، وقد يكون معهما بكاء، وقد لا يكون، ويرد الصراخ أيضا لرفع الصوت على سبيل الاستغاثة[٤].
- النياح والنياحة لغة: البكاء بصوت على الميت[٥]. وقال في المصباح، وهو قريب مما جاء في القاموس: ناحت المرأة على الميت نوحا من باب قال، والاسم النواح وزان غراب، وربما قيل: النياح بالكسر، فهي نائحة، والنياحة بالكسر: الاسم منه، والمناحة بفتح الميم: موضع النوح[٦].
- الندب: لغة: الدعاء إلى الأمر والحث عليه. والندب: البكاء على الميت وتعداد محاسنه. والاسم: الندبة[٧].
- النحب، أو النحيب: النحب لغة: أشد البكاء، كالنحيب[٨].
- العويل: هو رفع الصوت بالبكاء، يقال: أعولت المرأة إعوالا وعويلا[٩]. هذا ويتضح مما تقدم أن النحيب والعويل معناهما البكاء الشديد، وأن الصراخ والصياح متقاربان في المعنى، وأن النواح يأتي بمعنى البكاء على الميت، وأن الندب هو تعداد محاسن الميت، وأن البكاء ما كان مصحوبا بصوت، والبكى ما كان بلا صوت، بأن كان قاصرا على خروج الدمع.[١٠]
الحكم التكليفي للبكاء في المصيبة
البكاء قد يكون قاصرا على خروج الدمع فقط بلا صوت، أو بصوت لا يمكن الاحتراز عنه، وقد يكون مصحوبا بصوت كصراخ أو نواح أو ندب وغيرها، وهذا يختلف باختلاف من يصدر منه البكاء، فمن الناس من يقدر على كتمان الحزن، ويملك السيطرة على مشاعره، ومنهم من لا يستطيع ذلك.
فإن كان البكاء مجردا عن فعل اليد، كشق جيب أو لطم، وعن فعل اللسان، كالصراخ ودعوى الويل والثبور ونحو ذلك، فإنه مباح[١١] لقوله إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان[١٢] ولقوله أيضا إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم.[١٣].[١٤]
أسباب البكاء
للبكاء أسباب، منها: خشية الله تعالى، والحزن، وشدة الفرح.
البكاء من خشية الله تعالى
المؤمن يعيش في جهاد مع نفسه، ويراقب الله في جميع أفعاله وتصرفاته، فهو يخاف الله، ويبكي عند ذكره سبحانه تعالى، فهذا من المخبتين الذين بشرهم الله
بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾[١٥] وهم الذين عناهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[١٦].
ومما قاله القرطبي في تفسير هذه الآية، مع الإشارة إلى غيرها من الآيات القريبة منها في المعنى: وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ونظير هذه الآية ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾[١٧]، فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب، والوجل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض، وقد جمع الله بين المعنيين في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾[١٨] أي تسكن نفوسهم مع الله من حيث اليقين، وإن كانوا يخافون الله.
فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته. لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام، من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير، فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وجد وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[١٩]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم، فمن كان مستنا فليستن بهم، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا، والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي حتى أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم، فصعد المنبر، فقال: سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم، ما دمت في مقامي هذا. فلما سمع ذلك القوم أرموا[٢٠] ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي. . . . وذكر الحديث.[٢١] وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا[٢٢].
وقال صاحب روح المعاني في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾[٢٣] أي خافت قلوبهم منه لإشراق أشعة الجلال عليها[٢٤].
والبكاء خشية من الله له أثره في العمل، وفي غفران الذنوب، ويدل لذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس أن النبي قال: عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله.[٢٥]
قال صاحب تحفة الأحوذي: قوله: عينان لا تمسهما النار أي لا تمس صاحبهما، فعبر بالجزء عن الجملة، وعبر بالمس إشارة إلى امتناع ما فوقه بالأولى، وفي رواية: «أبدا» وفي رواية: لا يقربان النار.[٢٦]
وقد ذكر صاحب روح المعاني أخبارا وردت في مدح البكاء خشية من الله تعالى، من بينها هذا الحديث المتقدم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله تعالى ودخان جهنم[٢٧].[٢٨]
البكاء في الصلاة
يرى الحنفية أن البكاء في الصلاة إن كان سببه ألما أو مصيبة فإنه يفسد الصلاة؛ لأنه يعتبر من كلام الناس، وإن كان سببه ذكر الجنة أو النار فإنه لا يفسدها؛ لأنه يدل على زيادة الخشوع، وهو المقصود في الصلاة، فكان في معنى التسبيح أو الدعاء. ويدل على هذا حديث الرسول أنه كان يصلي بالليل وله أزيز كأزيز المرجل من البكاء.[٢٩]
وعن أبي يوسف أن هذا التفصيل فيما إذا كان على أكثر من حرفين، أو على حرفين أصليين، أما إذا كان على حرفين من حروف الزيادة، أو أحدها من حروف الزيادة والآخر أصلي، لا تفسد في الوجهين معا، وحروف الزيادة عشرة يجمعها قولك: أمان وتسهيل[٣٠].
وحاصل مذهب المالكية في هذا: أن البكاء في الصلاة إما أن يكون بصوت، وإما أن يكون بلا صوت، فإن كان البكاء بلا صوت فإنه لا يبطل الصلاة، سواء أكان بغير اختيار، بأن غلبه البكاء تخشعا أو لمصيبة، أم كان اختياريا ما لم يكثر ذلك في الاختياري.
وأما إذا كان البكاء بصوت، فإن كان اختياريا فإنه يبطل الصلاة، سواء كان لمصيبة أم لتخشع، وإن كان بغير اختياره، بأن غلبه البكاء تخشعا لم يبطل، وإن كثر، وإن غلبه البكاء بغير تخشع أبطل[٣١].
هذا وقد ذكر الدسوقي أن البكاء بصوت، إن كان لمصيبة أو لوجع من غير غلبة أو لخشوع فهو حينئذ كالكلام، يفرق بين عمده وسهوه، أي فالعمد مبطل مطلقا، قل أو كثر، والسهو يبطل إن كان كثيرا، ويسجد له إن قل[٣٢].
وأما عند الشافعية، فإن البكاء في الصلاة على الوجه الأصح إن ظهر به حرفان فإنه يبطل الصلاة؛ لوجود ما ينافيها، حتى وإن كان البكاء من خوف الآخرة. وعلى مقابل الأصح: لا يبطل لأنه لا يسمى كلاما في اللغة، ولا يفهم منه شيء، فكان أشبه بالصوت المجرد[٣٣].
وأما الحنابلة فإنهم يرون أنه إن بان حرفان من بكاء، أو تأوه خشية، أو أنين في الصلاة لم تبطل؛ لأنه يجري مجرى الذكر، وقيل: إن غلبه وإلا بطلت، كما لو لم يكن خشية؛ لأنه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى كالكلام، قال أحمد في الأنين: إذا كان غالبا أكرهه، أي من وجع، وإن استدعى البكاء فيها كره كالضحك وإلا فلا.[٣٤].[٣٥]
البكاء عند قراءة القرآن
البكاء عند قراءة القرآن مستحب، ويفهم ذلك من قوله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾[٣٦]
قال القرطبي: هذا مدح لهم، وحق لكل من توسم بالعلم، وحصل منه شيئا أن يجري إلى هذه المرتبة، فيخشع عند استماع القرآن ويتواضع ويذل[٣٧]. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾[٣٨] أي يزيدهم لين قلب ورطوبة عين[٣٩].
وقال الطبري عند الكلام على هذه الآية: يقول تعالى ذكره. ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين، من قبل نزول الفرقان، إذا يتلى عليه القرآن لأذقانهم يبكون، ويزيدهم ما في القرآن من المواعظ والعبر خشوعا، يعني خضوعا لأمر الله وطاعته استكانة له.[٤٠]
ويفهم استحباب البكاء أيضا عند قراءة القرآن بما أخرجه ابن ماجه وإسحاق بن راهويه والبزار في مسنديهما من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا: إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.[٤١].[٤٢]
البكاء عند الموت وبعده
اتفق الفقهاء على أن البكاء إن كان قاصرا على خروج الدمع فقط بلا صوت فإنه جائز، قبل الموت وبعده، ومثله غلبة البكاء بصوت إذا لم يقدر على رده، ومثله حزن القلب. واتفقوا أيضا على تحريم الندب بتعداد محاسن الميت برفع صوت، إلا ما نقل في الفروع عن بعض الحنابلة.
واتفقوا على تحريم النواح وشق الجيب أو الثوب ولطم الخد وما أشبه ذلك، إلا أن الحنفية عبروا في ذلك بالكراهة، ومرادهم الكراهة التحريمية، وبذلك لا يكون بين الفقهاء في ذلك خلاف.
وأما إذا كان البكاء بصوت وغير مصحوب بنياحة وندب أو شق جيب أو نحو ذلك، فيرى الحنفية والمالكية والحنابلة أنه جائز، واشترط المالكية عدم الاجتماع للبكاء، وإلا كره.[٤٣]
وللشافعية تفصيل أتى به القليوبي، فقال: إن البكاء على الميت إن كان لخوف عليه من هول يوم القيامة ونحوه فلا بأس به، أو لمحبة ورقة كطفل فكذلك، ولكن الصبر أجمل، أو لصلاح وبركة وشجاعة وفقد نحو علم فمندوب، أو لفقد صلة وبر وقيام بمصلحة فمكروه، أو لعدم تسليم للقضاء وعدم الرضى به فحرام[٤٤].
وقال الشافعي: يجوز البكاء قبل الموت، فإذا مات أمسكن. واستدل بحديث النسائي عن جابر بن عتيك كما يأتي قريبا [٤٥]. والفقهاء فيما قالوه في ذلك استدلوا بما ورد في السنة، فقد أخرج الترمذي عن جابر قال: أخذ النبي بيد عبد الرحمن بن عوف فانطلق به إلى ابنه إبراهيم، فوجده يجود بنفسه، فأخذه النبي فوضعه في حجره فبكى، فقال له عبد الرحمن: أتبكي؟ أولم تكن نهيت عن البكاء؟ قال: لا. ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان.[٤٦]
وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله قال: ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية. [٤٧] فهذا يدل على عدم جواز ما ذكر فيه من اللطم وشق الجيب ودعوى الجاهلية.
وأخرج النسائي عن جابر بن عتيك: أن رسول الله جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب، فصاح النسوة وبكين، فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية. قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت.[٤٨].[٤٩]
البكاء عند زيارة القبر
البكاء عند زيارة القبر جائز، والدليل على ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: زار النبي قبر أمه فبكى، وأبكى من حوله. . . إلخ الحديث[٥٠].[٥١]
اجتماع النساء للبكاء
اجتماع النساء للبكاء عند المالكية مكروه إن كان بلا صوت، وحرام إن كان معه صوت[٥٢]. والشافعية لا يجيزون الاجتماع للبكاء[٥٣].
ولم يتعرض الحنفية ولا الحنابلة لاجتماع النساء للبكاء. على أن الفقهاء متفقون على جواز البكاء بالدمع فقط بلا صوت، وإنما تأتي الكراهة أو التحريم على ما إذا قصد الاجتماع له.
هذا، وإذا كان اجتماع النساء للبكاء مكروها أو محرما فكراهة أو تحريم اجتماع الرجال له أولى، وإنما خص الفقهاء النساء بالذكر لأن هذا شأنهن[٥٤].[٥٥]
أثر بكاء المولود عند الولادة
إذا بكى المولود عند ولادته، بأن استهل صارخا، فإن ذلك يدل على تحقق حياته، سواء انفصل بالكلية كما عند الشافعية، أم لم ينفصل كما عند الحنفية. فإن لم يبك، ولم توجد منه علامة تدل على الحياة فلا يحكم بحياته. فإن بدا منه ما يدل على حياته، كالبكاء والصراخ ونحو ذلك، فإنه يعطى حكم الأحياء، فيسمى ويرث، ويقتص من قاتله عمدا، ويستحق مواليه الدية في غير العمد فإن مات بعد تحقق حياته فإنه يغسل ويصلى عليه ويورث.[٥٦]
أثر بكاء البكر عند الاستئذان لتزويجها
إذا استؤذنت البكر في النكاح فبكت، فإن للفقهاء في دلالته على الرضا وعدمه اتجاهات ثلاثة:
- فالحنفية والشافعية يقولون: إن كان البكاء بلا صوت فيدل على الرضا، وإن كان بصوت فلا يدل على الرضا[٥٧].
- والمالكية يقولون: إن بكاء البكر غير المجبرة، وهي التي يزوجها غير الأب من الأولياء، يعتبر رضا؛ لاحتمال أن هذا البكاء إنما هو لفقد الأب مثلا، فإن علم أنه للمنع من الزواج لم يكن رضا.[٥٨]
- والحنابلة يقولون: إن البكاء إذن في النكاح، لما روى أبو هريرة قال رسول الله: تستأمر اليتيمة فإذا بكت أو سكتت فهو رضاها، وإن أبت فلا جواز عليها[٥٩] ولأنها غير ناطقة بالامتناع مع سماع الاستئذان، فكان ذلك إذنا منها كالصمات. والبكاء يدل على فرط الحياء لا الكراهة. ولو كرهت لامتنعت، فإنها لا تستحي من الامتناع[٦٠].
بكاء المرء هل يكون دليلا على صدق مقاله: بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله، ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة يوسف ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾[٦١]. فإن إخوة يوسف تصنعوا البكاء ليصدقهم أبوهم بما أخبروه به، مع أن الذي أخبروه به كذب، هم الذين دبروه وفعلوه. قال القرطبي قال علماؤنا: هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله؛ لاحتمال أن يكون تصنعا، فمن الخلق من يقدر على ذلك، وفيهم من لا يقدر، وقد قيل: إن الدمع المصنوع لا يخفى.[٦٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ القاموس المحيط والمصباح المنير مادة: «بكى».
- ↑ حديث: «. . . فإن لم تبكوا فتباكوا» أخرجه ابن ماجه (١ / ٤٢٤ - ط الحلبي) وقال البوصيري: في إسناده أبو رافع، اسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٦٧.
- ↑ القاموس المحيط والمصباح المنير.
- ↑ القاموس المحيط.
- ↑ المصباح المنير.
- ↑ القاموس المحيط والمصباح المنير.
- ↑ القاموس المحيط والمصباح المنير.
- ↑ المصباح المنير.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٦٧.
- ↑ نيل الأوطار للشوكاني ٤ / ١٤٩، ١٥٠ ط دار الجيل.
- ↑ حديث: «إنه مهما كان من العين. . .» أخرجه أحمد (١ / ٢٤٧ - ط الميمنية) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف. تهذيب التهذيب لابن حجر (٨ / ٣٢٣ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
- ↑ حديث: «إن الله لا يعذب بدمع. . .» أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٧٥ - ط السلفية) .
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٦٨.
- ↑ سورة الحج، الآية ٣٤-٣٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٢٨.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٢٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٣.
- ↑ أرم الرجل إرماما: إذا سكت، فهو مرم.
- ↑ حديث: «سلوني، لا تسألوني عن شيء. . . .» أخرجه مسلم (٣ / ١٨٣٤ - ط الحلبي) .
- ↑ القرطبي ٧ / ٣٦٥، ٣٦٦، ط دار الكتب المصرية. وحديث العرباض: «وعظنا رسول الله . . .» أخرجه ابن ماجه (١ / ١٦ - ط الحلبي) وأبو داوود (٥ / ١٦ـ ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٩٦ـ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢.
- ↑ روح المعاني ١٧ / ١٥٤ ط المنيرية.
- ↑ حديث: «عينان لا تمسهما النار: عين. . .» أخرجه الترمذي (٤ / ١٧٥ - ط الحلبي) وأبو يعلى كما في فتح الباري (٦ / ٨٣ - ط السلفية) وحسن إسناده ابن حجر
- ↑ تحفة الأحوذي ٥ / ٢٦٩ ط الفجالة.
- ↑ روح المعاني ١٥ / ١٩٠، ١٩١ ط المنيرية. وحديث: «لا يلج النار رجل بكى من. .» أخرجه الترمذي (٤ / ١٧١ـ ط الحلبي) . وقال: حديث حسن صحيح.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٦٨-١٧٠.
- ↑ حديث: «كان يصلي بالليل وله أزيز. . .» أخرجه أبو داوود (١ / ٥٥٧ - ط عزت عبيد دعاس) والنسائي (٣ / ١٣ - ط المكتبة التجارية) .
- ↑ تبيين الحقائق ١ / ١٥٥، ١٥٦ ط دائرة المعرفة، وفتح القدير ١ / ٢٨١، ٢٨٢ - ط دار صادر.
- ↑ حاشية الشيخ علي العدوي على مختصر خليل، وهي بهامش الخرشي ١ / ٣٢٥، ط دار صادر، وجواهر الإكليل ١ / ٦٣، ومواهب الجليل ٢ / ٣٣.
- ↑ حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٨٤ - ط دار الفكر.
- ↑ نهاية المحتاج ٢ / ٣٤، وحاشية قليوبي وعميرة١ / ١٨٧، ومغني المحتاج ١ / ١٩٥.
- ↑ الفروع ١ / ٣٧٠، ٣٧١.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٠.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٩.
- ↑ القرطبي ١٠ / ٣٤١.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٩.
- ↑ الكشاف ٢ / ٤٦٩، ط دار المعرفة.
- ↑ مراده بالآيتين: الآية ١٠٧، والآية ١٠٩ من سورة الإسراء، والطبري ١٥ / ١٨١، ١٨٢ـ ط الحلبي، وروح المعاني ١٥ / ١٩٠ - ط المنيرية.
- ↑ حديث: «إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا. . .» سبق تخريجه (ف١) .
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٢.
- ↑ فتاوى قاضيخان والبزازية مع الفتاوى الهندية ١ / ١٩٠، وحاشية الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٣٨٣، وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٧، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٢، جواهر الإكليل ١ / ١١٢، مواهب الجليل مع التاج والإكليل ٢ / ٢٣٥، والخرشي مع حاشية العدوي ٢ / ١٣٣.
- ↑ القليوبي ١ / ٣٤٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٥٥، ٣٥٦، ونهاية المحتاج ٣ / ١٤، ١٥، والمهذب للشيرازي ١ / ١٤٦.
- ↑ المجموع للنووي ٥ / ٣٠٧.
- ↑ حديث: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين. . .» أخرجه الحاكم (٤ / ٤٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
- ↑ حديث: «ليس منا من لطم الخدود. . .» أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٦٣ - ط السلفية) .
- ↑ حديث: جابر بن عتيك «أن رسول الله جاء يعود. . .» أخرجه أبو داوود (٣ / ٣٨٢ - ط عزت عبيد دعاس)، وفي إسناده جهالة عيتك بن الحارث، والتهذيب لابن حجر (٧ / ١٠٥ - ط دائرة المعارف النظامية) .
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٢.
- ↑ حديث: «زار النبي قبر أمه فبكى. . .» أخرجه مسلم (٢ / ٦٧١ - ط الحلبي) .
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٣.
- ↑ جواهر الإكليل ١ / ١١٤، ومواهب الجليل ٢ / ٢٤٠، ٢٤١، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤.
- ↑ مغني المحتاج ١ / ٣٥٦.
- ↑ حاشية الدسوقي ١ / ٤٢٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٤.
- ↑ الموسوعة الفقهية (كتاب)|الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٤.
- ↑ الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٩٢ ط دار المعرفة، وفتح الباري ٩ / ١٩٣ - ط الرياض.
- ↑ الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي٢ / ٢٢٧ ط دار الفكر.
- ↑ حديث: «تستأمر اليتيمة، فإذا بكت أو سكتت. . .» أخرجه أبو داوود (٢ / ٥٧٣ - ٥٧٥ - ط عزت عبيد دعاس) وقال أبو داوود: وليس «بكت» بمحفوظ، وهو وهم في الحديث، الوهم من إدريس أو محمد بن العلاء. وأما أصل الحديث دون قوله «بكت» فأخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٩١ - ط السلفية) .
- ↑ مطالب أولي النهى ٥ / ٥٦، ٥٧ ط - المكتب الإسلامي.
- ↑ سورة يوسف، الآية ١٦.
- ↑ الموسوعة الفقهية، ج٨، ص ١٧٥.