البكاء عند أهل السنة
التعريف
المعنى اللغوي
الباء والكاف والواو والهمزة أصلان: أحدهما سيلان الدمع، والآخر نقصان الشيء وقلته [١].
فالأول: بكى يبكي بكاً وبكاءً،فهو باك، والجمع بكاة وبكي، فالبكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل، يقال إذا كان الصوت أغلب كالرغاء والثغاء وسائر هذه الأبنية الموضوعة للصوت، وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب [٢].
وقيل: هو بالقصر خروج الدمع فقط، وبالمد خروج الدمع مع الصوت.
قال الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها وما يغني البكاء ولا العويل [٣]
والأصل الآخر: قولهم للناقة القليلة اللبن هي بكيئةٌ، ومنه قول الشاعر: يقال محبسها أدنى لمرتعها ولو تعادى ببكءٍ كل محلوب [٤]
المعنى الاصطلاحي
قال الراغب: «البكاء بالمد سيلان الدمع عن حزن وعويل». [٥]
وقال السمعاني: «والبكاء حالة تعتري الإنسان من الهم وضيق القلب مع جريان الدمع على الخد» [٦]
والملاحظ أن هذه التعريفات عرفت البكاء بحالته الأكثر انتشاراً، وإلا فهناك بكاء لم ينشأ عن غم أو حزن؛ كبكاء الخشية من الله، وبكاء الفرح، وهو ما تنبه له ابن عاشور، فقال: «البكاء انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق» [٧].[٨]
البكاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بكي) في القرآن الكريم (٧) مرات [٩].
والصيغ التي وردت هي:
| الضيغة | عدد المرات | المثال |
|---|---|---|
| الفعل الماضي | ٢ | ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾[١٠] |
| الفعل المضارع | ٤ | ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾[١١] |
| اسم الفاعل | ١ | ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾[١٢] |
وجاء البكاء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: سيلان الدمع عن حزن وغيره [١٣].[١٤]
الألفاظ ذات الصلة
الخشوع
الخشوع لغة: خضع وذل وخاف، والخشوع: الخضوع والسكون والتذلل والخوف.
الخشوع اصطلاحاً: إقبال المرء بقلبه على الله في دعائه وصلاته؛ خوفاً وانقياداً، مع خضوع الجوارح والأعضاء [١٥].
الصلة بين الخشوع والبكاء: البكاء أثر من آثار الخشوع، والخشوع محله القلب.
الضحك
الضحك لغة: يقال ضحك يضحك ضحكاً وضحكاً وضحكاً وضحكاً أربع لغاتٍ، ومن ذلك الضحك وهو دليل الانكشاف والبروز [١٦].
الضحك اصطلاحاً: «انبساط الوجه وتكشر الأسنان من سرور النفس» [١٧].
الصلة بين الضحك والبكاء: الضحك ضد البكاء.[١٨]
الضحك والبكاء من دلائل القدرة
ذكر الحق سبحانه وتعالى- في معرض إثبات كمال قدرته وانفراده بالخلق والإيجاد في سورة النجم - «جملة من عجائب صنع الله في خلقه، ولاسيما ما في خلق الإنسان وتكوينه من أسرار ظاهرة وباطنة، لم يصل الإنسان نفسه حتى الآن إلى تحديدها، واستكناه حقيقتها» [١٩].
فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾[٢٠].
نسبة الإضحاك والإبكاء لله عز وجل
نسب الله تعالى لنفسه القدرة على الإضحاك والإبكاء بصيغة القصر الدالة على مطلق اختصاصه تعالى بهذا الفعل، ونفي إسناده لغيره، فقال: «﴿وَأَنَّهُ هُوَ﴾.
كما أن الفعلين ﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، لا مفعول لهما في هذا الموضع؛ لأنهما سيقا لبيان قدرة الله، لا لبيان المقدور، فلا حاجة إلى المفعول [٢١].
وقد اختلف أهل التأويل في بيان من المقصود بالإضحاك والإبكاء:
فقال مقاتل: أضحك أهل الجنة، وأبكى أهل النار [٢٢].
وقال التستري: أضحك المطيع بالرحمة، وأهلك العاصي بالسخط، وأضحك قلوب العارفين بنور معرفته، وأبكى قلوب أعدائه بظلمات سخطه [٢٣].
وقيل: أضحك بالوعد، وأبكى بالوعيد [٢٤].
وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر [٢٥].
والراجح من الأقوال أن الله تعالى أضحك الناس وأبكاهم؛ قال السمعاني: «والأصح من الأقاويل أنه أضحك الخلق وأبكاهم» [٢٦].
لكن، إذا كان فعل الإضحاك والإبكاء موجها للإنسان، فما المراد بذلك؟
اختلف المفسرون أيضاً في تعيين المراد بذلك، وهذا جماع أقوالهم:
قال الهواري: «خلق الضحك والبكاء» [٢٧].
وقال الماتريدي: «قوله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾[٢٨] يخرج على وجهين:
- على الكناية والاستعارة؛ جعل الضحك كناية عن السرور، والبكاء كناية عن الحزن؛ وكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم السرور ضحكوا، وإذا اشتد بهم الحزن بكوا.
- على حقيقة الضحك والبكاء، فهو على وجهين:
- أي أنشأهم بحيث يضحكون، ويبكون.
- يخلق منهم فعل الضحك والبكاء؛ فهو أشبه التأويلين عندنا» [٢٩].
وقال مكي بن أبي طالب القيسي: أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه [٣٠].
وقال القرطبي: «قضى أسباب الضحك والبكاء» [٣١].
وقال الزمخشري: «﴿أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، خلق قوتي الضحك والبكاء» [٣٢].
وأرى أن حمل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ على حقيقة الضحك والبكاء أولى؛ لأن حمل الألفاظ على حقيقتها أولى من صرفها إلى المجاز؛ ولذلك قال ابن حيان: «الظاهر حقيقة الضحك والبكاء» [٣٣].
وقال الماتريدي- بعد أن ذكر المعنى الحقيقي للإضحاك والإبكاء-: «فهو أشبه التأويلين عندنا» [٣٤].
ثم إن باقي المعاني تؤول إليه؛ لأن الضحك والبكاء من القوى والاستعدادات الغريزية التي فطر الله عليها الإنسان؛ وجعلها مقترنة بأسبابها وبواعثها من السرور والحزن؛ ولذلك قال الطاهر ابن عاشور: » وإسناد الإضحاك والإبكاء إلى الله تعالى؛ لأنه خالق قوتي الضحك والبكاء في الإنسان، وذلك خلق عجيب؛ ولأنه خالق طبائع الموجودات، التي تجلب أسباب الضحك والبكاء من سرور وحزن» [٣٥].
البكاء نعمة ومنة كبرى على جنس الإنسان
البكاء نعمة من النعم الكبرى التي امتن بها سبحانه على جنس البشر، واختصهم بها دون سائر مخلوقاته الأخرى، وهي آية معجزة دالة على انفراده سبحانه وتعالى بالإيجاد والقهر، وقد دل على إعجاز صفة البكاء في تكوين الإنسان، أن العلم لا يستطيع تعليله وفهم كيفية وقوعه، ولا تعيين مختلف المتغيرات المؤثرة في إنشائه وإحداثه.
قال الامام الرازي: «اختار هذين الوصفين للذكر والأنثى؛ لأنهما أمران لا يعللان، فلا يقدر أحد من الطبيعيين أن يبدي في اختصاص الإنسان بالضحك والبكاء وجها وسببا، وإذا لم يعلل بأمر، ولا بد له من موجد فهو الله تعالى، بخلاف الصحة والسقم فإنهم يقولون: سببهما اختلال المزاج وخروجه عن الاعتدال، ويدلك على هذا أنهم إذا ذكروا في الضحك أمرا له الضحك، قالوا: قوة التعجب، وهو في غاية البطلان؛ لأن الإنسان ربما يبهت عند رؤية الأمور العجيبة ولا يضحك، وقيل: قوة الفرح، وليس كذلك؛ لأن الإنسان يفرح كثيرا، ولا يضحك، والحزين الذي عند غاية الحزن يضحكه المضحك، وكذلك الأمر في البكاء، وإن قيل لأكثرهم علما بالأمور التي يدعيها الطبيعيون إن خروج الدمع من العين عند أمور مخصوصة لماذا ؟ لا يقدر على تعليل صحيح» [٣٦].
وقد بين سيد قطب كثيراً من حقائق الإعجاز في خلق الإنسان كائنا ضاحكا باكيا، بأسلوب بليغ وعبارة رشيقة فقال: «أضحك وأبكى.. فأودع هذا الإنسان خاصية الضحك وخاصية البكاء؛ وهما سر من أسرار التكوين البشري لا يدري أحد كيف هما، ولا كيف تقعان في هذا الجهاز المركب المعقد، الذي لا يقل تركيبه وتعقيده النفسي عن تركيبه وتعقيده العضوي، والذي تتداخل المؤثرات النفسية والمؤثرات العضوية فيه، وتتشابكان، وتتفاعلان في إحداث الضحك، وإحداث البكاء.
وأضحك وأبكى.. فأنشأ للإنسان دواعي الضحك ودواعي البكاء، وجعله - وفق أسرار معقدة فيه - يضحك لهذا ويبكي لهذا، وقد يضحك غدا مما أبكاه اليوم، ويبكي اليوم مما أضحكه بالأمس، في غير جنون ولا ذهول؛ إنما هي الحالات النفسية المتقلبة، والموازين والدواعي والدوافع والاعتبارات التي لا تثبت في شعوره على حال!
وأضحك وأبكى.. فجعل في اللحظة الواحدة ضاحكين وباكين، كل حسب المؤثرات الواقعة عليه، وقد يضحك فريق مما يبكي منه فريق؛ لأن وقعه على هؤلاء غير وقعه على أولئك.. وهو هو في ذاته؛ ولكنه بملابساته بعيد من بعيد!
وأضحك وأبكى.. من الأمر الواحد صاحبه نفسه، يضحك اليوم من الأمر ثم تواجهه عاقبته غدا أو جرائره فإذا هو باك، يتمنى أن لم يكن، وأن لم يكن ضحك، وكم من ضاحك في الدنيا باك في الآخرة حيث لا ينفع البكاء !
هذه الصور والظلال والمشاعر والأحوال.. وغيرها كثير، تنبثق من خلال النص القصير، وتتراءى للحس والشعور، وتظل حشود منها تنبثق من خلاله؛كلما زاد رصيد النفس من التجارب؛ وكلما تجددت عوامل الضحك والبكاء في النفوس؛ وهذا هو الإعجاز في صورة من صوره الكثيرة في هذا القرآن» [٣٧].
فقد بين هذا النص أن قدرة الضحك والبكاء، من الخصائص المودعة في الإنسان، وهي سر من أسرار التكوين؛ إذ لا تعقل ماهيتهما ولا كيفية وقوعهما،كما لا يفهم سببهما ودواعيهما؛ إذ كيف يضحك قومٌ مما يبكي منه آخرون؟ وكيف يبكي الواحد اليوم ما كان أضحكه بالأمس القريب؟ وصدق الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾[٣٨].[٣٩]
أسباب البكاء
سبق القول إن البكاء عملية معقدة تتفاعل في إحداثها عوامل داخلية عضوية ونفسية وفطرية، وأخرى خارجية وفق سنة الله تعالى في ربط الأسباب بمسبباتها.
وإن تتبع جميع الأسباب التي تثير البكاء وتحمل عليه شأنه أن يحيد بنا عن صلب هذا البحث المخصص للمفهوم في القرآن، ولذلك سأقتصر على الأسباب الواردة في السياقات القرآنية المتضمنة للبكاء بلفظه أو بمعناه:
البكاء لسماع آيات الله والتأثر بمواعظه
يعد البكاء لسماع آيات الله تعالى من أعظم أوصاف أنبياء الله تعالى وعباده المتقين، ولذلك مدحهم الله به في مواضع من كتابه العزيز، منها:
قوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾[٤٠].
فقد ذكر الله أن هؤلاء المنعم عليهم من النبيين إذا تتلى عليهم آيات الله خروا سجداً وبكياً، استكانة لله، وتذللاً وخضوعاً لأمره وانقياداً.
والمراد بآيات الرحمن في هذا السياق: «أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه» [٤١].
قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ا﴾[٤٢].
وقد وردت هذه الآيات في سياق محاجة الكفار المكذبين بالقرآن، والمطالبين بالآيات المعجزة، يأمر الله فيها نبيه عليه الصلاة والسلام بأن يقول لهم: » آمنوا بهذا القرآن - الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا - أو لا تؤمنوا به، فإن إيمانكم به لن يزيد في خزائن رحمة الله، ولا ترككم الإيمان به ينقص ذلك، وإن تكفروا به، فإن الذين أوتوا العلم بالله وآياته -من قبل نزوله من مؤمني أهل الكتابين- إذا يتلى عليهم هذا القرآن يخرون تعظيما له وتكريما، وعلما منهم بأنه من عند الله، لأذقانهم سجدا بالأرض» [٤٣].
وقد ذكر مجاهد أن المراد بالذين ﴿أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل الله على محمد قالوا سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً [٤٤].
وذكر مقاتل أنها نزلت في مؤمني أهل التوراة عبد الله بن سلام وأصحابه [٤٥].
أما المتلو فهو القرآن الكريم لدلالة السياق عليه.
وهو الذي رجحه ابن جرير الطبري فقال: «وإنما قلنا: عني بقوله: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن، لأنه في سياق ذكر القرآن لم يجر لغيره من الكتب ذكر، فيصرف الكلام إليه، ولذلك جعلت الهاء التي في قوله: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ من ذكر القرآن؛ لأن الكلام بذكره جرى قبله، وذلك قوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ وما بعده في سياق الخبر عنه؛ فلذلك وجبت صحة ما قلنا، إذا لم يأت بخلاف ما قلنا فيه حجة يجب التسليم لها» [٤٦].
فهؤلاء الذين أوتوا العلم من مؤمني أهل الكتابين من قبل نزول الفرقان، تلين قلوبهم لسماع القرآن، ويخرون على وجوههم سجدا وبكيا، وهو «مشهد مصور لحالة شعورية غامرة، يرسم تأثير هذا القرآن في القلوب المتفتحة لاستقبال فيضه؛ العارفة بطبيعته وقيمته؛ بسبب ما أوتيت من العلم قبله» [٤٧]، خلافاً لمن يقابل آيات الله بالإستهزاء والصدود، كأولئك المخاطبين بقوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾[٤٨].
إن هذه الآيات لما سمعها أهل الصفة بكوا حتى أخضلوا؛ فعن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ الآية، بكى أصحاب الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما سمع رسول الله (ص) حنينهم بكى معهم، وبكينا لبكائه، فقال عليه الصلاة والسلام: «لا يلج النار من بكى من خشية الله تعالى، ولا يدخل الجنة مصر على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، ثم يستغفرون، فيغفر لهم» [٤٩].
وبهذا يتبين أن البكاء لسماع القرآن سمة العلماء وأمارة الشوق والمحبة، وحري بكل سالك إلى الله تعالى أن يجتهد في تحصيل وبلوغ هذه المنزلة.
البكاء لمعرفة الحق
ما أعظم فرح القلب سرورا بمعرفة الحق، وما أشد هذا الفرح إذا فاضت العين بالدمع تعبيرا عن تأثرها العميق بهذا الحق.
هذا مقام طائفة من النصارى حكى القرآن أحوالهم، فقال عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[٥٠].
وقد قال بعض المفسرين: إنها نزلت في النجاشي وأصحابه؛ لما كان جعفر وأصحابه رضوان الله عليهم يتلون عليهم بعض ما أنزل من القرآن على النبي عليه الصلاة والسلام؛ جعلت دموعهم تفيض بسبب ما عرفوا من الحق [٥١].
وقال غيرهم: إنها نزلت في الوفد من العلماء والقساوسة الذين بعثهم النجاشي إلى رسول الله ((ص)) ينظرون إليه ويسألونه، فلما لقوه فقرأ عليهم ما أنزل إليه، بكوا وأسفوا، فأنزل الله فيهم ﴿وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخر الآية [٥٢].
وقال آخرون: بل هذه صفة قوم كانوا على شريعة عيسى من أهل الإيمان، فلما بعث الله تعالى نبيه محمداً (ص) آمنوا به [٥٣].
والآيات تحمل على عمومها؛ فتشمل كل من علم الحق من النصارى، فزاده ما نزل من القرآن على رسول الله (ص) إيمانا وتصديقا.
ولذلك قال ابن جرير الطبري: «والصواب في ذلك من القول عندي: أن الله تعالى وصف صفة قوم قالوا: ﴿إِنَّا نَصَارَى﴾، أن نبي الله (ص) يجدهم أقرب الناس وداداً لأهل الإيمان بالله ورسوله، ولم يسم لنا أسماءهم؛ وقد يجوز أن يكون أريد بذلك أصحاب النجاشي، ويجوز أن يكون أريد به قومٌ كانوا على شريعة عيسى، فأدركهم الإسلام فأسلموا لما سمعوا القرآن وعرفوا أنه الحق، ولم يستكبروا عنه»[٥٤].
وقد وصف القرآن الكريم أعين هذه الطائفة بأنها تفيض من الدمع، أي تمتلئ بالدمع حتى يسيل من جوانبها.
وذكر الإمام الرازي أن قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فيه وجهان:
- المراد أن أعينهم تمتلئ من الدمع حتى تفيض، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء وغيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه.
- أن يكون المراد المبالغة في وصفهم بالبكاء فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها [٥٥].
وسبب هذا البكاء العميق تأثرهم بالحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وتطابقه مع ما أوتوه من العلم، وتيقنهم من صدقه عليه الصلاة والسلام.
قال أبو زهرة: «معناه أن سبب البكاء هو ما عرفوه من الحق، وهذا يدل على أمرين: أولهما: أنه تحقق لديهم ما وجدوه من أوصاف النبي (ص) . ثانيهما: أنهم كانوا لنفاذ بصائرهم، وعظم مداركهم يحسون بأنهم كانوا في ضلال فعرفوا الطريق، وكانوا في ظلام فاستناروا وكانوا في حيرة فاطمأنوا» [٥٦].
إن هذه الطائفة من النصارى استحقت التنويه والإشادة بحالها الخاشعة وهي لم تعلم إلا بعض الحق،كما هو واضح من حرف التبعيض المقرون بالحق ﴿مِنَ الْحَقِّ﴾، فكيف لو عرفوا الحق كله ؟
وهذا يبين مبلغ هؤلاء القساوسة والرهبان من الخشية والرهبة، واستعدادهم لتلقي الحق والانخراط مع أنصاره وأتباعه:﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[٥٧]}}.
البكاء لفوات الخير وتحسرا عليه
مشهد آخر من مشاهد البكاء يقصه القرآن الكريم عن نفر من المومنين[٥٨]، جاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسألونه نفقة تعينهم على الخروج إلى الجهاد وقتال العدو مع المومنين، لكنهم صادفوا شحة في الرواحل، ونقصا في النفقات، لم يستطع النبي عليه الصلاة والسلام - معها- أن يوفر لهم ما يطلبون من الحملان، فعذرهم في الخروج، وسامحهم في التخلف لهذا السبب.
ولكنهم من فرط حبهم للجهاد، وصدق رغبتهم في الخروج للقتال، لم يستسيغوا التخلف، ولم يطيقوا التأخر عن صفوف النافرين لقتال العدو، وإذ لم يجدوا حيلة ولا اهتدوا إلى سبيلٍ للجهاد، فقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع، حزنا على حالهم، وتحسرا على ما فاتهم من فضل الخروج مع النبي (ص) وأصحابه.
قال الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾[٥٩].
إن مشهد التخلف عن صفوف الزاحفين إلى ذروة سنام الإسلام يفلق الأكباد ويقطع الأحشاء، ولو كان لعذر وضرورة، وهذا ما جعل هذه الطائفة المؤمنة المأذون لها بالقعود تعود إلى ديارها، والحزن يعتصر قلبها، ويفيض الدمع من أعينها، «وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه» [٦٠].
ولذلك سمي هؤلاء النفر من المومنين (البكاؤون) [٦١]، واستحقوا أن يخصوا بالذكر رغم أنهم مندرجون مع أصحاب الأعذار- لاسيما الذين لا يجدون ما ينفقون- المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[٦٢]
«لأنهم بالغوا في تحصيل ما يخرجون به إلى الجهاد حتى أفضى بهم الحال إلى المسألة، والحاجة لبذل ماء وجوههم في طلب ما يحملهم إلى الجهاد، والاستعانة به حتى يجاهدوا مع الرسول (ص)، ولا يفوتهم أجره» [٦٣].
قال المراغي: «وهؤلاء -وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل- قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم، وجعلهم كأنهم قسم مستقل» [٦٤].
وفي ذلك تنويه بصدق البكائين وإخلاصهم وعلو مكانتهم عند الله.
البكاء بسبب نزول المصائب وتتالي الأحزان
من أسباب البكاء الواردة في القرآن الكريم الحزن الشديد على فقد حبيب من الأحبة، وهذا كان حال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام؛ فقد فجع بفقد ولده يوسف (ع)، وظل يندبه لسنين طويلة، ثم تتالت عليه الأحزان بفقد ابنه الآخر، فثوى إلى معزل، واستأنف البكاء والتفجع حتى ابيضت عيناه.
قال الله تعالى حكاية عن يعقوب (ع): ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾[٦٥]. والأسف أشد الحزن.
قال البقاعي: «﴿يَا أَسَفَى﴾ أي يا أشد حزني، والألف بدل عن ياء الإضافة، لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد له» [٦٦].
وهذا الحزن الشديد الطويل تسبب في ابيضاض عيني يعقوب (ع)، أي في إصابتها بالعمى، لأن الحزن الدائم يوجب البكاء الدائم وهو يوجب العمى؛ وإنما كان البكاء الدائم يوجب العمى؛ لأنه يورث كدورة في سوداء العين.
قال الزمخشري: «إذا كثر الاستعبار محقت العبرة سواد العين، وقلبته إلى بياض كدر» [٦٧]، لأن توالي إحساس الحزن على الدماغ يفضي إلى تعطيل عمل عصب الإبصار [٦٨].
وهذا العمى حقيقي- كما قرره جمهور المفسرين- وليس مجرد امتلاء العين بالماء، لغلبة البكاء فتصير كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، لأن الله عز وجل حكى عن يوسف أنه قال لإخوته: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[٦٩].
وقال تعالى كذلك: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[٧٠].
وورد ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ مقابلا ﴿الْأَعْمَى﴾ في آيات القرآن الكريم، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾[٧١].
قال ابن جرير: «وقوله: ﴿فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ رجع وعاد مبصراً بعينيه، بعد ما قد عمي» [٧٢].
وقال ابن كثير: «وكان قد عمي من كثرة البكاء» [٧٣].
وقال ابن عاشور: «وعندي أن ابيضاض العينين كناية عن عدم الإبصار» [٧٤].
ولا يتعارض هذا مع القول بعصمة الأنبياء، واستحالة اتصافهم بما ينفر، أو يمنع من التبليغ؛ لأن بياض عيني يعقوب حصل بعد التبليغ؛ ولم يكن أصليا في خلقته؛بل عرض له، وهو من البلاء الذي يشتد على الأنبياء؛ لرفعة قدرهم، وعلو شأنهم عند الله تعالى، والله تعالى أعلم.
وابيضاض عيني يعقوب (ع) ليس بسبب الحزن، ولكن بسبب توالي البكاء، فقوله ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ تعليل بالأصل الذي نشأ منه البكاء وهو الحزن [٧٥].
ويستفاد من قصة يعقوب وحزنه على ولده يوسف، جواز التأسف والبكاء عند النوائب؛ فإن الكف عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف؛ فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى رسول الله (ص) على ولده إبراهيم، وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون»[٧٦].
بكاء الحسرة والندم ونزول العذاب
توعد الله المنافقين بالبكاء المرير يوم القيامة، حسرة على تضييع حدود الله، وندامة على اتخاذ آياته هزؤا، ومعاقبة لهم على تخلفهم عن رسول الله، وفرحهم بخذلان المؤمنين.
قال تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾[٧٧].
عن ابن عباس قال: «الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاءوا ﴿لْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدا» [٧٨].
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً﴾، قال: «يضحكوا قليلاً في الدنيا، وليبكوا كثيراً في الآخرة في نار جهنم، جزاء ما كانوا يكسبون» [٧٩].
فالآيات القرآنية السابقة إذن متضمنة إخباراً بحقيقة ضحك وبكاء المنافقين، فإنهم مهما ضحكوا وتمتعوا في هذه الدنيا، فإن ذلك يعد قليلاً، بالنظر إلى ما ينتظرهم من عذاب الآخرة، وما يعقبه من حسرة وبكاء دائم، لأن الدنيا «دار قلعة وزوال وانزعاج وارتحال» [٨٠]، أما الآخرة فهي دار قرار ومقام وخلود.
وقد أخرج هذا الإخبار من الله تعالى بما سيؤول إليه حال المنافقين على صيغة الأمر، للدلالة على أنه حتم واجب.
قال رشيد رضا: «وإنما كان الأمر في الآية بمعنى الخبر؛ لأنه إنذار بالجزاء لا تكليف، وقد قيل في فائدة هذا التعبير عن الخبر بالإنشاء أنه يدل على أنه حتم لا يحتمل الصدق والكذب كما هو شأن الخبر لذاته في احتمالهما، لأن الأصل في الأمر أن يكون للإيجاب وهو حتم؛ ويمكن أن يقال: إن الأمر بما ذكر يتضمن الإخبار بسببه؛ فيكون مؤكدا للخبر ببناء الحكم عليه، ويقابله التعبير عن الأمر بصيغة الخبر للتفاؤل بمضمونه كأنه وقع بالفعل» [٨١].
ويستفاد من هذا الوعيد الموجه للمنافقين أنهم لن يطيب لهم فيها عيش بعد أن هتك الوحي أستارهم، وكشف عوارهم، وأمر الرسول والمؤمنون بمعاملتهم بما يقتضيه نفاقهم، وعدم الاعتداد بما يظهرون من إسلامهم، وأن فرحهم عاقبته الحزن والكآبة، والخيبة والندامة، في الدنيا ويوم القيامة [٨٢].
في سياق هذا الوعيد أيضاً نفهم بعض الأحاديث الثابتة عن النبي (ص) التي يأمر فيها بالإكثار من البكاء والتقليل من الفرح، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً) [٨٣].
وعن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله: ما النجاة ؟ قال: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) [٨٤].
البكاء بسبب الكذب والمخادعة
قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾[٨٥].
هذا كان شأن أبناء يعقوب لما ألقوا أخاهم يوسف في غيابات الجب، جاءوا أباهم باكين أو متباكين، ومعهم قميصه مضمخا بالدماء؛ ليوهموه أنهم صادقون في نسبة افتراسه للذئب؛ ولأنهم كاذبون، فقد «جاءوا في ظلمة العشاء ليكونوا أجرأ على الاعتذار بالكذب» [٨٦].
والعشاء محل الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب؛ ومن مناقضة كذب ألسنتهم؛ لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث؛ بل بحديث مختلق، وقد تخدعهم حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم؛ فقالوا: الليل أخفى للوجه من النهار، وأستر للفضائح؛ وحين ندخل على أبينا عشاء؛ فلن تكشفنا انفعالاتنا؛ وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي يتوارون فيه من أحداثهم [٨٧].
وإذا كان البكاء انفعالاً غريزياً يسيل معه الدمع من العينين عند ورود باعثه على القلب، فقد أطلق هنا على البكاء المصطنع وهو التباكي، «وإنما اصطنعوا البكاء تمويها على أبيهم لئلا يظن بهم أنهم اغتالوا يوسف (ع)، ولعلهم كانت لهم مقدرة على البكاء مع عدم وجدان موجبه، وفي الناس عجائب من التمويه والكيد» [٨٨].
ويستفاد من تباكي إخوة يوسف أمام أبيهم يعقوب (ع) أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله؛ لاحتمال أن يكون تصنعا [٨٩].[٩٠]
أنواع البكاء
عدد ابن قيم الجوزية في كتابه (زاد المعاد)أنواع البكاء، وحصرها في عشرة أنواع:
- بكاء الرحمة والرقة.
- بكاء الخوف والخشية.
- بكاء المحبة والشوق.
- بكاء الفرح والسرور.
- بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
- بكاء الحزن.
- بكاء الخور والضعف.
- بكاء النفاق، وهو أن تدمع العين، والقلب قاسٍ.
- البكاء المستعار والمستأجر عليه؛ كبكاء النائحة بالأجرة، فإنها- كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -: «تبيع عَبْرَتَها، وتبكي شجو غيرها».
- بكاء الموافقة، وهو أن يرى الرجل الناس يبكون لأمر ورد عليهم، فيبكي معهم، ولا يدري لأي شيء يبكون؛ ولكن يراهم يبكون، فيبكي [٩١].
ترى ما أنواع البكاء الواردة في القرآن الكريم ؟
تبين من المبحث السابق أن أسباب البكاء في القرآن الكريم متعددة، ولا يخفى أن كل سبب من هذه الأسباب يرتبط به نوع أو أكثر من أنواع البكاء، فإذا كان سبب البكاء- على سبيل التمثيل- تأثراً بسماع القرآن ومواعظه كان البكاء بكاء خشية أو خشوع أو فرح... وإذا كان السبب حزنا، كان البكاء من جنسه، إما بكاء حسرة وندم، أو بكاء تألم وكرب...
وعموماً يمكن تقسيم أنواع البكاء الواردة في القرآن الكريم باعتبارات متعددة:
باعتبار السبب الباعث عليه
يمكن ترتيب البكاء الوارد في القرآن الكريم باعتبار السبب الباعث عليه والجالب له إلى الأنواع الآتية:
- بكاء الفرح: البكاء الناشئ عن سرور القلب وبهجة النفس وانشراح الصدر.
- بكاء الخشوع والإنابة: وهو بكاء الأنبياء والرسل والصالحين والمهديين والمجتبين. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾[٩٢]. وهو أيضاً بكاء الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾[٩٣].
- بكاء معرفة الحق: وهو بكاء العارفين بالله تعالى، العالمين بأمره، المسارعين إلى مغفرته ورضوانه حينما تتجلى لهم الحقائق، وتلوح لهم البصائر. ويأتي الموقف الذي حكاه الله تعالى عن بعض قساوسة ورهبان النصارى صورة مجلية لهذا النوع من البكاء، إذ لما سمعوا بينات القرآن وبصائره تتلى عليهم، فاضت أعينهم فرحاً وانشراحاً وحبوراً. قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾[٩٤].
- بكاء الحزن: حينما تشتد الأحزان على القلب وتتوالى عليه المصائب وتنزل به الكروب، يفيض الدمع، ويبكي المحزون والمكروب،ويتخذ هذا النوع من البكاء صورا في القرآن الكريم منها:
- بكاء الحزن على فقد محبوب: وأدق مثال له بكاء يعقوب (ع) على فقد فلذة كبده يوسف (ع)، فقد بكاه حتى شرق بماء دمعه،وشحب وجهه، وتقرحت أجفانه. قال تعالى حكاية لشأنه: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾[٩٥]. ويمكن عد هذا البكاء أيضاً بكاء شوقٍ وحنينٍ للقاء المحبوب.
- بكاء الحزن على فوات مرغوب: وأغلى مرغوب للمؤمن تحصيل الطاعات وعمل الصالحات، فإذا فاته شيئ من ذلك -لعجزه عنه مع حبه واشتياقه إليه- لم يجد ما يعبر به عن هذا الفوات إلا بإسبال العبرة وإذراء الدمعة، كما صنع البكاؤون لما فاتهم شرف الخروج مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الجهاد، قال عز وجل: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾[٩٦].
- بكاء الحسرة والندم على التفريط في جنب الله: وهذا بكاء المنافقين المستهزئين بالحق، والمعرضين عن سبيل الله، يكثر بكاؤهم ويطول يوم القيامة، كما كثر فرحهم وتخلفهم في الدنيا،قال الحق سبحانه وتعالى منذرا ومخبرا بمصيرهم: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[٩٧].
- البكاء المصطنع: وهو بكاء مفتعل، لم يصدر على السجية، ولم يبعث عليه باعث مقبول من فرح أو حزن، وإنما هو دمعة مختلقة، وعبرة مصطنعة، غايتها التضليل والخداع، وإخفاء الحقيقة؛كما هو حال بكاء إخوة يوسف، وقد أضاعوا أخاهم، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، قال الله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾[٩٨].
- بكاء السماء والأرض: قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾[٩٩].
نفت هذه الآية أن تكون السماء والأرض بكت على قوم فرعون، فاقتضى أن للسماء والأرض بكاء.
واختلف المتأولون في معنى ذلك، فحمله قوم على الحقيقة، وقالوا: إن الرجل المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض موضع عبادته أربعين صباحاً، وبكى عليه من السماء موضع صعود عمله، ولم يكن في قوم فرعون من هذه حاله.
وممن ذهب إلى هذا القول: علي بن أبي طالب، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير[١٠٠]
وقال ابن عطية: «والمعنى الجيد في الآية أنها استعارة باهية فصيحة تتضمن تحقير أمرهم،وأنهم لم يتغير عن هلاكهم شيء، وهذا نحو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾[١٠١]»[١٠٢].
ورجح القرطبي: القول الذي يحمل بكاء السماء والأرض على الحقيقة، إذ لا استحالة في ذلك، وكما أن السماوات والأرض تسبح وتسمع وتتكلم... فهي كذلك تبكي، مع ما جاء من الخبر في ذلك [١٠٣].
فإذا كان الأمر كذلك، لم نحتج إلى تكلف كيفية هذا البكاء، كما فعله بعض المفسرين، لأن ذلك يتوقف على الخبر الصحيح المرفوع.
ويتحصل لنا من هذه الآية أن الدموع رحمة لا يستحقها إلا المطيعون والمخبتون، ولو صدرت من السماء والأرض.
باعتبار القصد
يقسم البكاء باعتبار قصد الباكي إلى قسمين:
- البكاء الممدوح: وهو البكاء المحمود المشروع الذي يكون قصد صاحبه مشروعا وحسنا، «كالبكاء من خشية الله تعالى، وخوفا منه، وطمعا في رحمته، أو البكاء من سماع القرآن وما فيه بعد تدبره وتأمله، أو البكاء لمعنى إنساني نبيل؛ كما فعل سيد البشر (ص) حين مات ابنه إبراهيم» [١٠٤].
- البكاء المذموم: وهو ما كان قصد صاحبه سيئا ومنكرا، مثل «بكاء التصنع وما فيه، سواء أكان ذلك لإثبات صدق قول أم دعوى أم ما إلى ذلك، كما فعل إخوة يوسف، فهذا من البكاء المذموم؛ لأنه لا يكاد يدل على صدق الإنسان في فعله أو فعاله»[١٠٥].
باعتبار الموافقة أو المخالفة للشرع
ينقسم البكاء باعتبار الموافقة والمخالفة إلى:
- بكاء موافق: وهو ما كان الباعث عليه أمرا فطريا مقبولا، وكان القصد منه محمودا، وصدر عن صاحبه موافقا لشرع الله، ومنسجما مع هدي رسول الله (ص) .
- بكاء مخالف: وهو البكاء الذي اختل فيه شرط إما في سببه، أو في قصد صاحبه، أو في كيفية وقوعه، ويدخل في ذلك البكاء النابع من تسخط النعمة، وعدم الرضا بالمقدور، أو كان قصد صاحبه إبطال الحق، وخداع الناظرين إليه، أو كان بكاء مقرونا بالعويل والصياح المنكر كما يفعله «جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير، ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير» [١٠٦].[١٠٧]
فوائد البكاء
فوائد البكاء كثيرة، واستقصاؤها جميعا ليس من مقاصد هذا البحث، وحسبي أن أورد نماذج منها، مرتبة في محورين هما:
كيفية حدوث البكاء وفوائده الجسدية
تتكون الدموع من ثلاثة مكونات:
- الزيت.
- الماء.
- المخاط.
كما تحتوي الدموع على مواد معروفة باسم الأجسام المضادة التي تحمي من العدوى.
تصنع الدموع من قبل جهاز من الغدد والقنوات الخاصة تتوضع حول العينين،يعرف باسم الجهاز الدمعي.
توجد الغدد الدمعية، أو الغدد المنتجة للدمع:
- تحت عظم الحاجب خلف الجفن العلوي.
- عند حواف تجويف العين.
- في الجفون.
تنتقل الدموع من الغدد الدمعية إلى سطح العينين عبر قنوات صغيرة، كما أن هناك دوراً للجفون في الحفاظ على رطوبة العينين بنشر الدموع على امتداد العينين.
تصرف الدموع من العينين عبر ثقوب صغيرة جداً اسمها النقاط الدمعية، وتعرف تلك الثقوب الصغيرة جداً أيضاً باسم قنوات الدمع؛ وهي تتوضع عند الجفنين العلوي والسفلي، وتدخل الدموع من النقاط إلى أنابيب صغيرة اسمها النفيقات، توجد تلك الأنابيب عند الزاوية الداخلية للجفنين، ومن هناك، تعبر الدموع إلى كيس الدمع؛ يقع كيس الدمع بجوار الزاوية الداخلية للعينين (الموق)؛ بين العينين والأنف. عندما تطرف العين، تجبر الحركة كيسي الدمع على الانضغاط؛ وهذا يعصر الدموع لخارج كيسي الدمع، ويحركها بعيداً عن العينين، ولداخل القناة الأنفية الدمعية.
تصرف القناة الأنفية الدمعية الدمع إلى مؤخرة الأنف، وتعرف القناة الأنفية الدمعية والقنوات الدمعية أيضاً باسم قنوات الدمع [١٠٨].
بعد هذا السرد الفيزيولوجي التشريحي، نجمل بعض الفوائد الصحية العضوية للدموع فيما يأتي:
- تساعد الدموع على مرونة حركة الجفون العلوية والسفلية.
- تساعد أيضاً على حمايتها كأداة لتطهيرها بصورة مستمرة.
- تساعد على حمايتها من الإصابة بالجفاف.
- كما تساعد على طرد أي مواد مهيجة للعين، مثل الفلفل والدخان أو مواد صلبة كالأتربة.
- وتقوم عن طريق الغدة الدمعية بإدرار الدموع، وطرد هذه الأجسام الغريبة، لتعود إلى شفافيتها وتنظيفها.
- كما تقوم الدموع على شفافية القرنية وحمايتها من الجفاف.
- تساعد على وضوح الرؤية وقوة الابصار ودقتها.
- تخلص الجسم من المواد الكيماوية المتعلقة بالضغط النفسي [١٠٩].
الفوائد النفسية والروحية للبكاء
الفوائد الروحية المعدودة في هذا المطلب مستندة إلى نصوص شرعية من كتاب الله وسنة نبيه (ص)، وهي غيض من فيض، غايته التمثيل الباعث على الامتثال وسلوك هدي الشرع في البكاء:
- البكاء دليل الصدق والإخلاص: أوضح مثال لذلك دموع البكائين المشار إليهم آنفاً التي فاضت شوقا للجهاد في سبيل الله، وتحسرا على فوات الطاعة.
- البكاء من سمات الخاشعين، ومن علامات الخائفين: ولقد حكى الله تعالى عن أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن، خشعت قلوبهم، واهتزت جوارحهم، فخروا على أذقانهم ساجدين لعظمة الله، باكين من خوفه تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا﴾[١١٠]. وكذلك يفعل المنعم عليهم من العلماء، والصالحين، والعارفين: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾[١١١]. وقد كان رسول الله (ص) يبكي حتى يسمع لصوته أزيز؛ فعن عبد الله بن الشخير، قال: (أتيت رسول الله (ص) وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء) [١١٢]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «لَأَنْ أَدْمَعَ دمعةً من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينارٍ» [١١٣].
- البكاء دليل المعرفة والتبصر: يتبوأ النبي عليه الصلاة والسلام مقاماً علياً في المعرفة بالله والتبصر بحقائق الآخرة، ولذلك تعددت صور بكائه الشاهدة على هذا المقام السني،ومن ذلك حديث ابن مسعود، قال: قال لي النبي (ص): (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك، وعليك أنزل ؟ قال: (فإني أحب أن أسمعه من غيري) فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً﴾[١١٤]. قال: (أمسك)، فإذا عيناه تذرفان) [١١٥]. وإنما بكى(ص) عند هذا «لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة وشدة الحال الداعية له إلى شهادته لأمته بتصديقه، والإيمان به وسؤاله الشفاعة لهم ليريحهم من طول الموقف وأهواله؛ وهذا أمر يحق له طول البكاء والحزن» [١١٦]. وعن أنس قال: خطب رسول الله (ص) خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: «لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً»، فغطى أصحاب رسول الله (ص) وجوههم ولهم خنين. وإنما بكى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لاطلاعه على ما ينتظر أمته من منازل الآخرة وأهوالها. وسبق ذكر أحوال الرهبان والقساوسة، ومسارعتهم إلى الإنابة والخضوع لأمر الله، وقد دل فيض الدمع وسكب العبرات على امتلاء قلوبهم بالمعرفة، واستبصارهم للحقائق الإيمانية التي يتنكر لها كثير من عميان البصائر.
- البكاء دليل الرحمة والرقة في قلب المومن: إذا كانت الرحمة رقةً طبع الله تعالى قلوب عباده المومنين عليها، فإن البكاء أحد مظاهرها الخارجية. ولذلك ثبت من حديث أسامة بن زيد (أن رسول الله (ص) رفع إليه ابن ابنته وهو في الموت؛ ففاضت عينا رسول الله (ص) ؛ فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمةٌ جعلها الله تعالى في قلوب عباده؛ وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) [١١٧]. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: (أن النبي (ص) تلا قول الله عز وجل في إبراهيم ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[١١٨]. وقول عيسى (ع) ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[١١٩]. فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى؛ فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله (ص) بما قال - وهو أعلم - فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك) [١٢٠].
- البكاء من سمات الشاكرين: يعد البكاء الصادر من المؤمن شكرا عمليا؛ لأنه جمع رقة القلب، وعمل الجارحة، وهذا أبلغ الشكر وأعظمه؛ ولذلك حرم الله تعالى على النار عينا بكت من خشية الله؛ لأنها أدت شكر المنعم بفيض الدمع، وقد يفصح الدمع عما لا يستطيع القول كشفه وبيانه. وقد كان رسول الله (ص) يتعبد ربه ويبكي حتى تخضل لحيته، إقراراً بالعبودية الخالصة بين يدي الله تعالى، وشكراً له عز وجل على جزيل العطاء وجميل الامتنان. فعن عبيد بن عمير رحمه الله، أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله (ص)؟ قال: فسكتت ثم قالت: (لما كانت ليلة من الليالي، قال: يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي، قلت: والله إني أحب قربك، وأحب ما يسرك. قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي، حتى بل حجره ! قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي (ص) حتى بل لحيته ! قالت: ثم بكى حتى بَلَ الأرض! فجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي،وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟!، قال: أفلا أكون عبداً شكورا ؟!، لقد أنزلت علي الليلة آية، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها ! ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾[١٢١]. [١٢٢]
- البكاء طريق موصل إلى محبة الله ورضوانه: من الأشياء التي توصل إلى محبة الله تعالى، وتكسب رضوانه عبراتٌ تسكب من خشية الله، فعن أبي أمامة قال النبي (ص): «ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع خشية الله، وقطرة دم تهراق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله»[١٢٣].
- البكاء من طرق الفوز بظل عرش الرحمن: فعن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: «سبعةٌ يظلهم الله: رجلٌ ذكر الله ففاضت عيناه» [١٢٤].
- البكاء من خشية الله منجاة من النار: عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: «لا يلج النار رجل بكى من خشية الله تعالى حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان نار جهنم» [١٢٥]. وعن ابن عباس قال سمعت رسول الله (ص) يقول: «عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» [١٢٦].[١٢٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٨٥/١.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ١٤١.
- ↑ البيت لكعب بن مالك كما رجحه ابن بري، انظر: لسان العرب ١/٤٧٥.
- ↑ مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٢٨٦، والبيت في ديوان سلامة بن جندل السعدي، ص٦.
- ↑ المفردات ص١٤١.
- ↑ تفسير القرآن، السمعاني ٢/٣٣٣.
- ↑ التحرير والتنوير١٥/٢٣٥، وقارنه بالتعريف الوارد في روضة النعيم ٣/٨٣٣: »إراقة الدموع من أثر الخوف من الله أو للتعبير عن حزن في الفؤاد».
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 260
- ↑ انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص ١٣٣.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٢٩.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٩.
- ↑ سورة مريم، الآية ٥٨.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/٢٨٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٢/٢٦٨، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٤١، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢/٢٢٢-٢٢٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 261
- ↑ المفردات للأصفهاني ص٢٨٣، الفروق اللغوية العسكري ص٢٤٨، التعريفات للجرجاني ص٩٨.
- ↑ لسان العرب، ابن منظور،١٠/ ٤٥٩، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣/ ٣٩٣.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٥٠١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 262
- ↑ التيسير في أحاديث التفسير، المكي الناصري ٦/ ١١٩.
- ↑ سورة النجم، الآية ٤٣.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/١٩.
- ↑ تفسير مقاتل ٣/ ٢٩٤.
- ↑ تفسير التستري، ص١٥٧.
- ↑ تفسير القرآن، السمعاني ٥/ ٣٠١.
- ↑ زاد المسير ابن الجوزي ٨/٨٣.
- ↑ انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥/٣٠١.
- ↑ تفسير كتاب الله العزيز، الهواري ٤/٢٤٧.التفسير المظهري، محمد ثناء الله المظهري ٩/١٣١.
- ↑ سورة النجم، الآية ٤٣.
- ↑ تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤/٦١٤ .
- ↑ تفسير الهداية، مكي بن أبي طالب، ص ٧١٧٣.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/١٠٣.
- ↑ الكشاف، الزمخشري ٤/٤٢٨.
- ↑ البحر المحيط، أبو حيان، ٨/١٦٥.
- ↑ تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤/٦١٤.
- ↑ التحرير والتنوير ٢٧/١٤٣.
- ↑ مفاتيح الغيب ٢٩/٢٠.
- ↑ في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/٣٤١٥-٣٤١٦.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٢١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 263
- ↑ سورة مريم، الآية ٥٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري ١٨/٢١٤.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٦-١٠٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري ١٧ /٥٧٧.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/٥٧٨.
- ↑ تفسير مقاتل ٢/٢٧٦.
- ↑ جامع البيان، الطبري ١٧/٥٧٨-٥٧٩.
- ↑ في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/٢٢٥٤.
- ↑ سورة النجم، الآية ٥٩-٦٢.
- ↑ أخرجه الترمذي في الجامع، رقم ١٦٣٣، ورقم ٢٣١١، والنسائي في السنن الصغرى، رقم٣١٠٧- ٣١٠٨. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٢-٨٣.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٨/٥٩٤.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٨/٥٩٤، وتفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٤/١١٨٤.
- ↑ انظر: جامع البيان ٨/٥٩٧.
- ↑ انظر: جامع البيان ٨/٥٩٧.
- ↑ مفاتيح الغيب ١٢/٧٢.
- ↑ زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥/٢٣٢٨.
- ↑ سورة المائدة، الآية 83.
- ↑ لمعرفة اختلاف العلماء في تعين أسماء البكائين. انظر: تفسير ابن جرير الطبري ١٤/٤٢١ وما بعدها.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٩٢.
- ↑ في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/١٦٨٥.
- ↑ انظر: سيرة ابن هشام ٤/٣٩٩ .
- ↑ سورة التوبة، الآية ٩١.
- ↑ البحر المحيط ٥/٨٨.
- ↑ تفسير المراغي ١٠/١٨٣.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٨٤.
- ↑ نظم الدرر، البقاعي ٤/٨٩.
- ↑ الزمخشري ٢/٤٦٨.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/٤٣.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٩٣.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٩٦.
- ↑ سورة فاطر، الآية ١٩.
- ↑ جامع البيان١٣/٣٣٢.
- ↑ تفسير ابن كثير٤/٤٠٩.
- ↑ التحرير والتنوير١٣/٤٣.
- ↑ البحر المحيط، أبو حيان ٥/٣٣٣.
- ↑ إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/٣٠٢. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب قول النبي (ص): »إنا بك لمحزونون»،رقم ١٣٠٣، عن أنس بن مالك.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٨١-٨٢.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٦/١٨٥٥.
- ↑ تفسير الصنعاني ١/٢٤٨.
- ↑ نظم الدرر، البقاعي ٣/٣٦٩.
- ↑ تفسير المنار ١٠/٤٩٨.
- ↑ تفسير المنار ١٠/٤٩١-٤٩٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب قول النبي (ص) «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»، رقم ٦٤٨٥- ٦٤٨٦، وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير، باب (لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)، رقم٤٦٢١، من حديث أنس بن مالك وأبي هريرة. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب توقيره (ص) وترك إكثار سؤاله، رقم ٢٣٥٩.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، ٤/ ٦٠٥.
- ↑ سورة يوسف، الآية ١٦.
- ↑ تفسير القرآن، السمعاني ٣/١٤.
- ↑ انظر: تفسير الشعراوي ١١/٦٨٨٢.
- ↑ التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢/٢٣٦.
- ↑ أحكام القرآن، ابن العربي ٣/٣٨-٣٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 266
- ↑ زاد المعاد ١/١٨٤.
- ↑ سورة مريم، الآية ٥٨.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٧-١٠٨.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٢-٨٣.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٨٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٩٢.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٨٢.
- ↑ سورة يوسف، الآية ١٦.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٢٩.
- ↑ «عن سعيد بن جبير، قال: أتى ابن عباس رجلٌ، فقال: يا ابن عباس، أرأيت قول الله تبارك وتعالى: (گ گ گ ڳ ڳ ڳ ڳ ڱ ڱ)، فهل تبكي السماء والأرض على أحد ؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، بكى عليه وإذا فقده مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها، ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم يكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى السماء منهم خير، قال: فلم تبك عليهم السماء والأرض». أخرجه الصنعاني في تفسيره ٢/٢٠٨، والطبري في تفسيره ٢٢/٣٤،وابن أبي حاتم في تفسيره١٠/ ٣٢٨٨-٣٢٨٩.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٤٦.
- ↑ المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/٦٥.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن ١٦/١٤٢.
- ↑ انظر: نضرة النعيم ٣/٨٣٤.
- ↑ انظر: نضرة النعيم ٣/٨٣٤.
- ↑ انظر: هذا المعنى في الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/٣٦٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 275
- ↑ موسوعة الملك عبد الله بن عبد العزيز العربية للمحتوى الصحيح.
- ↑ أسرار الدموع، محمد السقا عيد، ص ١٠، مقال منشور في مجلة حراء العدد: ٣٥ مارس، أبريل ٢٠١٣.
- ↑ سورة مريم، الآية ٥٨.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٠٧-١٠٩.
- ↑ أخرجه أبو داوود في سننه، كتاب الصلاة، باب البكاء فى الصلاة، رقم ٩٠٤، والنسائي في الصغرى، كتاب الصلاة، باب البكاء فى الصلاة، رقم ١٢١٤. وصححه الشيخ الألباني في «صحيح الترغيب «رقم ٥٤٤ .
- ↑ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٢ /٢٥٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ٤١.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد، وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)، رقم ٤٥٨٢، ومسلم في صحيحه، باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر، رقم ٨٠٠.
- ↑ شرح صحيح البخاري ابن بطال ١٠/٢٧٩.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب قول النبي (ص): »يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» إذا كان النوح من سنته، رقم ١٢٨٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الجنائز، باب البكاء على الميت، رقم ٩٢٣، من حديث أسامة بن زيد.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٣٦.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١١٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب دعاء النبي (ص) لأمته وبكائه شفقة عليهم، رقم ٢٠٢.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٠.
- ↑ أخرجه ابن حبان في صحيحه ٢ / ٣٨٦ . قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب ٢/٨٨، رقم ١٤٦٨، والسلسلة الصحيحة، رقم ٦٨.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه،كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله، رقم ١٦٦٩. وقال: هذا حديث حسن غريب. وحسنه الشيخ الألباني في صحيح الترمذي رقم ١٣٦٣ .
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب البكاء من خشية الله، رقم ٦٤٧٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، رقم ١٠٣١.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد عن رسول الله (ص)، باب ما جاء في فضل البكاء من خشية الله، رقم ١٦٣٣. والنسائي في السنن كتاب الجهاد، فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، رقم ٣١٠٨. وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم ٧٧٧٨.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، كتاب فضائل الجهاد عن رسول الله صلى الله عليه وآله، باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله، رقم ١٦٣٩. وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن زريق. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة ٦ / ٣٨٠ رقم٢٦٧٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، ص 279