أفضلية الإمامة على النبوة
شبهة تقديم مقام الإمامة على مقام النبوة
إن من بين الشبهات التي يثيرها أهل السنة ضد التشيع هي ما عليه الشيعة من الاعتقاد بأفضلية مقام الإمامة على مقام النبوة، والذي يذهب الشيعة على أساسه إلى تقديم مقام الأئمة(ع) على مراتب الأنبياء(ع).
مناقشة وتحليل
البحث في تعريف النبوة والإمامة والفرق بينهما بحث قرآني وكلامي، وعليه يمكن لكل مدرسة أو فرقة أن تبين رأيها في هذا الشأن، شريطة أن يكون هذا الرأي قائماً على قاعدة دينية وأن يستند إلى الكتاب والسنة.
عندما ننظر فى آراء أهل السنة والشيعة حول تعريف الإمامة نقف على اختلافهما المبنائي في هذا الشأن. حيث عمد علماء أهل السنة إلى تفسير الإمامة في كتبهم الكلامية بالرئاسة الدنيوية الناظرة إلى أمر الحكومة والسياسة، وغاية ما على الحاكم أنه يتكفل به من تنظيم هذه الأمور الدنيوية.
بهذه الرؤية إلى تعريف الإمام والإمامة يتضح أن أهل السنة يقدمون تعريفاً عاماً للإمامة في القرآن والسنة[١]؛ ذلك لأن الإمام والإمامة قد استعملا في القرآن في مقام النبوة وما هو أسمى منها، كما استعملا في غير مقام النبوة من قبيل الحكومة وقيادة المجتمع حتى لو كان من نوع الكفر والإلحاد أيضاً، من قبيل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾[٢]، وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾[٣]. وعليه يمكن القول من هذه الناحية: إن بإمكان أهل السنة أن يفسروا الإمامة بما دون النبوة والنبي، ولكن لا يحق لهم وليس من المنطقي أن يتهموا الشيعة بمخالفة القرآن والإسلام لمجرد مخالفتهم في تعريف الإمامة؛ لأن تعريف الشيعة للإمامة يستند إلى القرآن أيضاً.
توضيح ذلك: في تعريف الإمامة من وجهة نظر الإمامية واختلافهم عن توجّه أهل السنة في هذا الشأن، مع بيان اختلاف وخصائص تعريف الشيعة بشكل مسهب، وكان من بين أهم خصائص الإمامة عند الشيعة عبارة عن:
- مشروعية الإمامة الإلهية.
- الصفات الخاصة من قبيل: (العلم والعصمة).
- المرجعية العلمية والدينية.
- واسطة الفيض والقطب (الولاية العامة).
- الإلهام.
وعليه طبقاً لهذا التعريف والخصائص، لا يمكن لأي شخص - حتى إذا كان حاكماً عادلاً - أن يصبح إماماً؛ وذلك لأن الجمع بين هذه الصفات صعب بالنسبة إلى الإنسان العادي، بل هو ضرب من المحال، ولا يمكن جمع هذه الصفات في شخص إلا إذا شملته العناية الإلهية، وتم التنصيص عليه من قبل الله ورسوله.
بالالتفات إلى التعريف الخاص للإمام والإمامة المطروح من قبل الشيعة - وقد ورد في الروايات أيضاً بطبيعة الحال - يتضح أن الذي تتوفر فيه هذه الصفات ليس نبياً، وإنما سيكون في نفس مراتبهم، غاية ما في الأمر أنه لا يأخذ عن الوحي ولا ينزل إليه كتاب، ولكن من الممكن في الوقت نفسه أن يكون مقام الذي يتحلى بصفات الإمامة أسمى من بعض الأنبياء أيضاً. بل يمكن إثبات هذه الحقيقة (أفضلية الإمامة على النبوة) بالقطع واليقين من خلال الاستناد إلى الآية الآتية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[٤].
بالالتفات إلى شأن نزول هذه الآية وتاريخها يتضح أن إعطاء مقام الإمامة لإبراهيم الخليل(ع) كان بعد إعطائه النبوة، إذ تم له ذلك في آخر عمره الشريف، وبعد اجتياز كثير من الاختبارات المتنوعة. وعليه يتضح أن مقام الإمامة يختلف عن مقام النبوة، ويمتاز منها، وإنه أفضل وأسمى منها؛ لأن إعطاء الإمامة يكون بعد مقام النبوة، وإذا كان مقام الإمامة هو عين مقام النبوة لكان الحديث عن إعطائها وتفريعها على الابتلاء بالكلمات الإلهية لا مبرر له.
من هنا يتضح أن رؤية الإمامية في تفضيل مقام الإمامة على مقام النبوة لها مستند من القرآن الكريم.
وقد صرّح الإمام الرضا(ع) - ضمن إشارته إلى محدودية أذهان الناس وقصورها عن بلوغ حقيقة الإمامة - بأن الإمامة أفضل من النبوة، واستدل لذلك بإعطاء النبي إبراهيم مقام الإمامة بعد النبوة، فقال: «إِنَّ اَلْإِمَامَةَ خَصَّ اَللَّهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ اَلْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بَعْدَ اَلنُّبُوَّةِ وَ اَلْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَ فَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا»[٥].
ثم استطرد الإمام قائلاً إن هذه المنزلة خاصة بذرية الإمام علي(ع) حصراً. وقد أشار الإمام الصادق(ع) في مقام بيان صفات ومناقب النبي إبراهيم الخليل(ع) إلى المفاهيم الآتية:
مؤكداً على أن هذه المنازل والمقامات إنما هي مقامات تراتبية، بمعنى أنه كان عبداً أول الأمر، ثم نبياً، ثم رسولاً، ثم خليلاً، ليصبح في نهاية المطاف إماماً، وإليك نص الرواية: «إِنَّ اللهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيَّاً، وَاتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولاً، وَاتَّخَذَهُ رَسُولاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلاً، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ إِمَاماً، فَلَمَّا جَمَعَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَقَبَضَ يَدَهُ، قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾[٦]».[٧]
وقد عمد الإمام السجاد(ع) إلى تعريف نفسه وأسلافه وأخلافه بأنهم أئمة المسلمين، معدداً الآثار والمنافع التي يتركونها على الناس والكون بأسره، حيث قال: «نَحْنُ أَئِمَّةُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ حُجَجُ اَللَّهِ عَلَى اَلْعَالَمِينَ وَ سَادَةُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ قَادَةُ اَلْغُرِّ اَلْمُحَجَّلِينَ وَ مَوَالِي اَلْمُؤْمِنِينَ وَ نَحْنُ أَمَانُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ نَحْنُ اَلَّذِينَ بِنَا ﴿يُمَسِّكُ﴾[٨] اَللَّهُ ﴿السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾[٩] وَ بِنَا يُمْسِكُ اَلْأَرْضَ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَ بِنَا ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾[١٠] وَ بِنَا يَنْشُرُ اَلرَّحْمَةَ وَ تَخْرُجُ بَرَكَاتُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ وَ لَوْ لاَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مِنَّا لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا.»[١١].
وهذه الصفات من مختصات الأئمة التي لم يشاركهم فيها حتى الأنبياء السابقين باستثناء النبي الأكرم(ص) إن أفضلية الإمامة ومصاديقها الحصرية بالأئمة الاثني عشر(ع) على سائر الأنبياء.
حاصل الكلام أن الاختلاف بين الشيعة وأهل السنة في تعريف الإمامة هو اختلاف مبنائي، ويمكن غض الطرف عنه بشكل من الأشكال. وأن موضع النقاش الرئيس في هذا البحث يكمن في مؤديات هذا المبنى، حيث يتوصل الشيعة من خلال تعريفهم الخاص للإمامة إلى إمامة الأئمة الاثني عشر، ومن ثُمَّ يتوصلون إلى تفضيلهم على جميع الأنبياء باستثناء النبي الأكرم(ص)، وهنا يعمد أهل السنة إلى اتهام الشيعة بالإفراط والغلو.
بعبارة أخرى: هل هناك من غير الأنبياء من بلغ مقام الإمامة أم لا؟ يجيب الإمامية عن هذا السؤال بالإيجاب، حيث يذهبون إلى الاعتقاد - انطلاقاً من الآيات والروايات - إلى أن الأئمة الاثني عشر قد بلغوا هذه المرتبة.[١٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج ٤، ص ٤٤، تفسير الآية ١٢٤ من سورة البقرة.
- ↑ سورة القصص، الآية ٤١.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، ج ٢، ص ٦ - ١٩٥ ؛ الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ١٩٩؛ كتاب الحجة، ب نادر جامع، ح ١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ الكليني، الكافي، ج ١، ص ١٧٥.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٠.
- ↑ سورة الحج، الآية ٦٥.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ فرائد السمطين، ج ١، ص ٤٥؛ موسوعة الإمامة في نصوص أهل السنة، ج ٥،ص ٢٨٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٩٤-٩٩.