أبو إسحاق السبيعي
نبذة
أبو اسحاق عمرو بن عبد الله بن علي السبيعي الهمداني[١] من كبار المؤرخين ومن الطلائع الذين وضعوا للتاريخ الاسلامي مناهجه السليمة، كان قوي الارادة عصامي الاتجاه صاحب غزوات، شجاعاً كمياً مجاهداً مرابطاً، صادق اللهجة عابداً من عظماء العباد زاهداً في متاع الحياة، من كبار الزهاد مقارعاً للظلم كشافاً لخداع الدولة الأموية المهرجة مفنداً للأكاذيب التي تنشرها الدولة ضد الإمام، لقد كان السبيعي رجلاً إعلامياً بكل معنى الكلمة عاش الاعلام وناهض الاعلام المضاد انه من قمم مثقفي عصره من علمائهم، وبكلمة ان السبيعي من تلامذة مدرسة الإمام علي من التلامذة النابهين الذين ساروا على منهاج الإمام وتتبعوا خطاه وتأثروا بسيرته الساطعة الشذية، كانت شخصية السبيعي ذات ابعاد شاملة فهو صاحب قلم وسيف فإذا ما جنّه الليل هرع إلى محراب العبادة متبتلاً ضارعاً تاليا لاجزاء القرآن الحكيم ذارفاً دموع الخوف والخشوع، فإذا ما أصبح فهو المعلم الذي يربي جيل التلامذة ويغرس في نفوسهم معالم التقوى ومفاهيم الثقافة الإسلامية النابعة من صميم مدرسة الإمام، وإذا ما دعاه داعية الجهاد تقلّد سيفه ولبس لأمته واعد عدته وركب جواده وانطلق نحوساحات المعارك.
كان قوي البنية، ذا طاقة كبيرة، قوي العضلات، سليم الجسم، وكان قوي الذاكرة حافظاً للقرآن.
ومن منطلق هذه الخصائص العملاقة ارتفع صيته وانتشر في ارجاء العالم الإسلامي فرحل إليه طلاب الثقافة لينتهلوا من معين علومه ويقتبسوا من سيرته العطرة المهذبة.
تماماً كما أن شخصيته الفكرية والعصامية غزة بلاط الدولة، فاكبر الساسة من رجال الدولة خصائصه وجهوده رغم العداء الفكري والعقائدي بينه وبين رجال الدولة.
ولد ابو اسحاق السبيعي في سنة (٣٢) للهجرة النبوية في مدينة الكوفة الحديثة التأسيس والقريبة العهد بالبنيان والتشييد.
وعندما اتخذ الإمام مدينة صاحب الترجمة «عاصمة» الدولة كان صاحبنا صبياً قد تخطى عامه الثالث، وفي غضون خمسة أعوام إلا بضعة شهور من خلافة الإمام كان الصبي يسمع كثيراً من أبويه سيرة الإمام وخصائصه، علماً ان الأبوين كانا من مخلصي الدولة والهاتفين بحياتها، ومن المضحين في سبيل الإمام والمحبين للإمام الحب الخالص، هذا إذا علمنا أن الابويين كانا ينتميان إلى قبيلة (همدان) وهي شهيرة في ولائها للإمام وتفانيها في حبه وتعاضدها في سبيل تشييد دولته النموذجية، ان الصبي النابه ترعرع في ظل هذه الاسرة الخالصة الولاء وسمع من ابناء الإمام الشيء الكثير على مدار الاعوام الخمسة من دولة الإمام التي تمخضت عن جلائل الاعمال والتعاليم وكان الصبي كثيراً ما يشترك في مظاهرات مع لداته يهتفون بأصواتهم الشذية ونبراتهم المطعمة بالصفاء والنقاء بحياة الإمام وحياة دولته ومبادئها الهادفة، وينددون بطريقتهم الصبيانية الخالصة بوالي الرجعيين الأموي وبطانته.
نما وترعرع صاحبنا «السبيعي» في مثل هذا الجو الثوري، وانطبعت في نفسه الصافية حب الإمام وحب مبادئه، رغم أن المبادىء والشعارات التي كان يكررها ويحبذها كانت غامضة وهو في عمر البرعم - إلا ان المبادئ والشعارات أخذت مكانتها في قلبه الصغير، أخذت تتوضح وتكتشف لديه وتلقي عن نفسها قناع الإبهام والغموض كلما نما وكبر الصبي إلى ان ادرك صاحبنا المعاني والمبادىء وعرف محتوى الشعارات بشكل عميق، عندها كانت المعاني والمبادئ العلوية قد رسخت في نفس صاحبنا السبيعي، بل كانت سارية في نفسه وروحه سريان الدم في شرايينه بحيث اضحى لا يستطيع التنفس إلا في ظل تلك المبادئ ولوفي جوالاسرة والعشيرة أو في جوالمدرسة أو في جونادي الاصدقاء.
وفي ذات يوم صحب «السبيعي» أباه وقد بلغ السابعة من سنة، صحب اباه إلى المسجد الاعظم، وكان هناك جمهوراً غفيراً وزحاماً عظيماً، وكان الإمام (ع) يخطب لأمته ويعلمهم ويزكيهم ويفتح أمامهم الطريق، وفي خلال هذا الزحام لم يستطيع صاحبنا اليافع ان يرى «خطيب الامة» رغم تشوفه ومد عنقه الامر الذي انحنى ابوه عليه وحمله حتى رأى الإمام أمير المؤمنين (ع)، قال السبيعي وهو يصف هذه الرؤية الفريدة التي خلدت في ذاكرته: «رفعني ابى حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب، وهو أبيض الرأس واللحية»[٢].
والسبيعي الناشيء كثيراً ما كان يسرد حديث الرؤية، قال صاحب الطبقات بسنده عن زهير، قال حدثنا ابو اسحاق السبيعي: «انه صلى خلف علي (ع) الجمعة بالهاجرة بعد ما زالت الشمس، وانه رأى الإمام قائماً ابيض اللحية أجلح»[٣].
وقال صاحب الطبقات بسنده عن يونس بن أبي اسحاق، عن أبيه أبي اسحاق السبيعي قال: رأيت علياً...... قال لي أبي: قم يا عمرو، فانظر إلى أمير المؤمنين، فنظرتُ إليه فلم أره يخضب لحيته كان ضخم اللحية[٤].
الثقفي بسنده عن أبي اسحاق السبيعي قال: «كنتُ على عنق أبي يوم الجمعة وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب يخطب، وهو يتروح بكمه».
لفتت هذه الظاهرة انتباه «السبيعي» الامر الذي تسائل قائلاً: «يا أبة، أميرالمؤمنين يجد الحر». فقال له ابوه: «أمير المؤمنين لا يجد حراً ولا برداً ولكنه غسل قميصه وهو رطب، ولا له غيره فهويتروّح به»[٥].
ابونعيم بسنده عن أبي اسحاق قال: رأيت علي بن أبي طالب أبيض الرأس واللحية، وكان يصلي الجمعة إذا زالت الشمس.
وكان ابو اسحاق يقول: رفعني أبي حتى رأيت علي بن أبي طالب يخطب وهو أبيض الرأس واللحية، عريض ما بين المنكبين[٦].
قال الذهبي: ابو اسحاق السبيعي الحافظ أحد الأعلام رأى علياً وهو يخطب[٧].
ابو اسحاق العارف المتهجد
كان أبو أسحاق يعشق العبادة ويهتم بالصلاة ويتذوق الاتجاه إلى الله تعالى فإذا ما أقبل على الصلاة والليل ضارب نطاقه على الاجواء ولا تكاد تسمع نامة، كل الناس قد أخذوا مضاجعهم يغطون في نوم عميق، والهواء في نسمات رخية تثير اشجار النخيل، في ذلك الوقت الهاديء حيث النفحات الألهية تستقبل أعمال عباد الله الصالحين المتهجدين بالأسحار، في هذا الوقت المشرق بالأنوار الغيبية، في هذا الوقت بالذات كان أبو أسحاق السبيعي يقبل على صلاته وتهجده، وتخشع جوارحه وتتجه مشاعره واحاسيسه نحوشذي العبادة، والتوجه نحو بارئ السماوات والارض، وكانت في لحظات خاصة وفي دفعات متباعدة تتنزل عليه النفحات ذات الأريج الفواح فترتاح تلك النفس الهائمة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ولاجل هذه الظاهرة كان أبو أسحاق العابد الهائم يعشق العبادة ويبادر إلى الصلاة حيث يجد الروح والريحان وجنة نعيم بل وكان يلقي في تلك اللحظات الفواحة عن كاهله ثقل الدنيا وهمومها وثقل الجبابرة وعتوهم ويدعو الله راغباً وراهباً بفنون الدعوات المخلصة النابعة من قلب جريح، يدعو لأخوانه، لعشيرته، لأسرته، يدعولهم بالمغفرة والهداية والحياة الهنيئة تماماً كما يدعوعلى الجبابرة والولاة الطغاة بالهلاك والويل والثبور.
مارس صاحبنا السبيعي العبادة واقبل عليها عن وعي وعن ادراك بشروطها واهدافها، مارس العبادة اكثر من ثمانين عاماً، عبادة وصلاة تستوعب ساعات وساعات من الليل وشطراً من النهار، وقد اثرت هذه العبادة المستمرة الواعية في سلوكه وفي اخلاقه وفي تصرفاته، في مشيته المتواضعة الساكنة، وبكلمة اثرت العبادة المخلصة في جميع شؤون حياته تماماً كما اثرت هذه العبادة الهادفة في ملامح وجهه، فكان النور ساطعاً من وجهه المشرق سواءاً في شبابه أو في شيخوخته حيث اللحية البيضاء الناصعة، والجبهة المتغضنة البنية كانها ثفنة بعير، ولاجل الأستمرار في العبادة كان له «مسجداً» معروفاً باسمه.
ولنسأل المعاصرين للعلامة المتهجد أبي أسحاق السبيعي لنسأل تلامذته وعارفيه من اصدقائه، لنسألهم عن شخصية أبي اسحاق وملامحه وأيحاتها، قال المغيرة: «كنتُ إذا رأيت أبا اسحاق ذكرتُ الصدر الاول». قال ابن عياش: «سمعت ابا اسحاق السبيعي وهو في شيخوخته يتلهف على الصلاة ويقول: ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي.
ثم أضاف السبيعي قائلاً: اني اليوم اقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران[٨].
قال العلاء بن سالم العبدي وهو يستعرض شيخوخة السبيعي: ضعف ابو اسحاق عن القيام قبل موته بسنتين فكان لا يقدر أن يقوم الى الصلاة حتى يقام فاذا أقاموه، فأستتم قائماً دخل الصلاة ثم قرأ الف آية من القرآن الكريم وهو قائم[٩].
وقال ابن عياش وهو يستعرض سيرة أبي اسحاق العبادية من ايام ان كان مكتمل الرجولة الى سن الشيخوخة: سمعت ابا اسحاق يقول: ما قبلت عيني غمضاً منذ اربعين سنة.
قال محمد بن جعفر المؤدب: إن ابا اسحاق السبيعي صلى اربعين سنة صلاة الغداة بوضوء العتمة، وكان يختم القرآن في كل ليلة ولم يكن في زمانه أعبد منه[١٠].
قال عون بن عبد الله، لأبي اسحاق وهو في سن الشيخوخة: يا ابا اسحاق ما بقي منك. (ويعني عون في سؤاله هذا: كيف هي طاقتك على الصلاة والتهجد وكم بقي من قدرتك على ممارسة الهواية المحببة) فقال أبو اسحاق في نبرات هادئة: أصلي فأقرأ البقرة في ركعة، فقال عون وهو ينظر إلى أبي اسحاق وشيخوخته يداعبه: ذهب شرك وبقي خيرك[١١].
وأي شر يصدر من عابد بلغ سن الشيخوخة وعاش عمراً عتياً. قال ابو اسحاق: إذا استيقظتُ بالليل لم أقل عيني.
وكان اصحاب الحديث إذا رأو ا أبا اسحاق قالوا في اعجاب وتقدير: هذا عمرو القارئ، هذا عمرو الذي لا يلتفت[١٢].
قال ابن عياش وهو من اصدقاء السبيعي ومن تلامذته: قال ابو اسحاق: «وقد كبرت وضعفت ما أصوم إلا ثلاثة أيام من كل شهر، وشهور الحرم».
قال سفيان دخلت على أبي اسحاق في المسجد، وإذا هو في قبة تركية في مصلاه، وكان ابو اسحاق يومئذ ابن مائة سنة فلما رأيته قلت له: كيف انت يا ابا اسحاق، قال: مثل الذي اصابه الفالج ما تنفعني يد ولا رجل.
وكان السبيعي إمام قومه «الهمدانيين» في المسجد الذي شيدوه لإمامهم الأعظم هذا، وحمل المسجد اسمه ومعالم سيرته، وكان يصلي فيه الفرائض ويأتم به الناس من همدان وغيرهم[١٣]، وفي ذات يوم قائظ دخل الإمام السبيعي إلى المسجد ليؤدي فريضة الصلاة، وكان المصلون ينتظرونه على آخر من الجمر حيث ان الشمس الصيفية كانت قد هيمنت بحرارتها وحممها على كل مكان في المدينة، والمسجد كان في ضمنها مشبوبة الحرارة، دخل الإمام المسجد وهو مشغول الفكر في معضلة علمية متوهج الخاطر... كبر الإمام وكبر المصلون معه وفي كل مرة عند السجدتين، يقول زهير، وكان أحد من إثتم بالسبيعي: «كان أبو اسحاق يأخذ قلنسوته عن رأسه فيضعها على الأرض ثم يكر ويعود ويأخذ قلنسوته من الأرض فليبسها». وهذا يعبر عن التوهج الفكري الذي أحدث هذا الانفعال النفسي الأمر الذي ضاق بقلنسوته المثيرة للحرارة في هامته مما جعله وهو في الصلاة يزيح القلنسوة ثم يلبسها ويزيحها ويلبسها وهكذا إلى أن تمت الصلاة.
كان لقاء الله تعالى ودعاءه ومناجاته تعالى شغله الشاغل، وكانت المتعة النفسيه التي يجدها في الصلاة والتوجه إلى الله تعالى لا يجدها في شيء اطلاقا، كانت نفسه تطير فرحاً وابتهاجاً إذا ما انبلج الفجر وهو لايزال في صلاته ودعاءه وتلاوة قرآنه الحبيب إليه ونجواه مع الله تعالى، وكانت طبيعة فصول السنة تتدخل في نشاط السبيعي العبادي التهجدي؛ نشاط السبيعي العبادي التهجدي؛ ففي فصل الصيف حيث ان الليل قصير لا تعدو ساعاته سوى أربع ساعات اعتباراً من الساعة العاشرة إلى الساعة الثانية أو الثانية والنصف حيث موقع اذان الفجر الصادح وابنلاج الصبح المبشر[١٤]، فكان صاحبنا «السبيعي» يقوم الليل كله في الصلاة والتهجد لا تغمض له عين. وقد جاء عن هذا العابد المتبتل في استعراضه لفصل الصيف: انه لم تغمض له عين في الليل طوال اربعين عاماً.
واما في فصل الشتاء حيث ساعات الليل تستمر عشر ساعات اعتباراً من السابعة ليلاً حتى الخامسة صباحاً حيث اذان الصبح، فكان السبيعي يتأهب لنشاطه العبادي في الشطر الأو ل من الليل ثم يأخذ مفجعة ويهجع ثم ينهض من النوم في آخر الليل ويؤدي نوافله الليليه[١٥].
السبيعي الحافظ لكتاب الله الحكيم
وكان العلامة السبيعي يتمتع بذاكرة قوية، فربما كان يسمعه السامع يقول: حدثنا «صلة» منذ ستين سنة[١٦]، وقد حفظ القرآن الكريم... وقد استعان بذاكرته القوية على حفظ كتاب الله الحكيم عن ظهر خاطر، فكان تهجده بالاسحار وفي الليل البهيم يتلو آي الذكر الحكيم مستعرضاً سورها سورة تلو السورة، متدبراً فيها خاشعاً لمفاهيمها مستوحياً لمعانيها.
وكان ابو اسحاق يحفظ اسماء اساتذته وعلماء الصحابة الذين يروي عنهم، رغم كثرتهم وقد عدهم بعض الباحثين فبلغ (٣٠٠) أو (٤٠٠) شخصاً، ورغم شيخوخته وقد ناهز التسعين عاماً، قال العلاء بن سالم: كان الاعمش يتعجب من حفظ أبي اسحاق لرجاله الذين يروي عنهم[١٧].
تفريط العلماء لأبي اسحاق السبيعي واكبارهم له
احتل العلامة السبيعي مكانة كبيرة لدى علماء الحديث والفقه والتاريخ.
قال ابن معين والنسائي: «أبو اسحاق ثقة»، وقال العجلي: «ابو اسحاق كوفي تابعي ثقة»، وقد وثقه ابوحاتم، قال رجل لشعبة: سمع ابو اسحاق من مجاهد، فقال شعبة غاضباً: ما كان يصنع ابو اسحاق بمجاهد، كان هوأحسن حديثاً من مجاهد ومن الحسن - اي البصري – وابن سيرين[١٨].
قال جرير: كان يقال من جالس ابا اسحاق فقد جالس علياً (ع)، قال محمد بن جعفر المؤدب: لم يكن في زمان أبي اسحاق السبيعي اعبد منه ولا اوثق في الحديث عند الخاص والعام وكان من ثقات الإمام علي بن الحسين (ع)[١٩].
وعدّ الجوزجاني: ابا اسحاق من كبار محدثي الكوفة من زعمائهم، وكان العلماء يخضعون لحديثه ورواياته على اساس صدق لسانه وتحرزه عن الكذب[٢٠].
جاء في تقريب التهذيب: عمرو بن عبد الله الهمداني أبو اسحاق السبيعي مكثر عابد...
قال الفيروزآبادي: السبيع بن سبع أبو بطن من همدان منهم: الإمام أبو اسحاق عمر [و] بن عبد الله[٢١].
قال ابن دريد: والسبيع هو الذي أكل السبع عنمه... منهم أبو اسحاق الفقيه الذي يقال له السبيعي[٢٢].
قال أبو حاتم: أبو اسحاق ثقة يشبه الزهري في الكثرة وهو احفظ من أبي اسحاق الشيباني[٢٣].
قال فضيل بن غزوان: كان أبو اسحاق يختم القرآن في كل ثلاث، وقيل كان صواماً قواماً متبتلاً من أو عية العلم ومناقبه غزيرة[٢٤].
ذكر الفقيه الطوسي: أبا اسحاق الهمداني السبيعي من اصحاب أمير المؤمنين (ع) ومن أصحاب الإمام الحسن المجتبى[٢٥].
والجدير بالذكران الطوسي عد اسمين: أبا اسحاق الهمداني وابا اسحاق السبيعي حاسبا أنهما اثنان والحال انهما واحد، فابو اسحاق السبيعي هو الهمداني وسبيع هو بطن من همدان القبيلة العربية المعروفة في التاريخ الإسلامي.
قال أحمد بن عبدة سمعت أبا داوود الطيالسي يقول: وجدنا الحديث عند أربعة: الزهري، وقتادة وأبي اسحاق والأعمش؛ فكان قتادة أعلمهم بالاختلاف والزهري أعلمهم بالاسناد وأبو اسحاق أعلمهم بحديث علي (ع)... وكان عند الأعمش من كل هذا ولم يكن عند واحد من هؤلاء الا الفين الفين[٢٦].
ويرجع اهتمام العلماء والفقهاء بأبي اسحاق السبيعي الى أسباب أهمها:
- انه درس في مدرسة الإمام وتلمذ على خريجي هذه المدرسة وعرفنا ان أبا اسحاق رأى الإمام ووعى مبادئه، وكانت هذه المبادئ خير زاد له طوال حياته العلمية والعبادية والجهادية، قال أبو نعيم وابن الجوزي في هذا الصدد ورأى أبو اسحاق علي بن أبي طالب وسمع منه[٢٧].
- درس أبو اسحاق على أكثر من (٣٠٠) من صحابة رسول الله (ص) الصحابة الذين كانت عاصمة الأمام يومئذ تعج بهم... هذا وقد رحل السبيعي الى المدينة وسمع منهم هناك وتلمذ لديهم واسند عنهم الثقافة الاسلامية.
- الصدق الذي كان يتحلى به، الصدق في كل شؤنه الاجتماعية والعلمية والحديثية، الصدق الذي اضحى «ملكة» يتمتع بها أبو اسحاق السبيعي الى باقي خصائصه النفسية والفكرية والعلمية التي بوأته أن يحتل تلك المكانة القيمة في صدور العلماء والمحدثين.
- ان ابا اسحاق كان من العرفاء بالله تعالى، ان هذه المعرفة التي يتحلى بها العرفاء والتي تخشع لها قلوبهم وتنتفض منها جوارحهم، المعرفة التي ملكت عليهم مشاعرهم واحاسيسهم فهم مستغرقون في هذه المعرفة، متذوقون بها، ان هذه المعرفة الواعية لا يصل اليها الا القليل من عباد الله الصالحين، وكان أبو اسحاق السبيعي أحدهم بل كبيرهم وسيدهم.
من الخلق الرفيع
جمع مجلس بين أبي اسحاق السبيعي وبين الشعبي الشهير في طرائفه ونكته، وكان أكبر من صديقه السبيعي بسنتين، فقال الشعبي للسبيعي: أنت خير مني يا أبا اسحاق، فقال: لا والله ما انا بخير منك بل أنت خير مني وأسن مني[٢٨].
ان هذا لهو التواضع الجم الذي نراه في حياة قادة الفكر وأصحاب الاجتهاد والتبتل، ومن لا يفضل أبا اسحاق تلك الشخصية العملاقة في التاريخ العلوي وفي مجال العبادة والاجتهاد، وشجاعته الفريدة في نشر تاريخ أمير المؤمنين وفقهه ومبادئه المعطاءة في ظروف كانت الأفواه تكم عن الإصحار بالحقيقة.
روايته، والرواية عنه
يقال إن أبا اسحاق السبيعي حدث عن ثلثمائة شيخ[٢٩] قال أبو اسحاق: رأيت عدة من أصحاب رسول الله: أسامة بن زيد، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب يتزرون الى انصاف سوقهم[٣٠]. وكان أبو اسحاق السبيعي قد قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، والأسود بن يزيد[٣١].
لقد روى أبو اسحاق السبيعي عن استاذ البشر ومعلم الإنسانية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، عشقه وهام في حبه. وروى أيضاً عن:
- سليمان بن صرد.
- زيد بن أرقم.
- البراء بن عازب.
- جابر بن سمرة.
- حارثة بن وهب الخزاعي.
- حبيش بن جنادة.
- عبد الله بن يزيد الخطمي.
- عدي بن حاتم.
- عمرو بن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي.
- أبي جحيفة السوائي.
- الأسود بن يزيد النخعي.
- عبد الرحمن بن يزيد. (أخيه)
- عبد الرحمن بن الأسود. (ابنه)
- الأغر أبي مسلم.
- يزيد بن أبي مريم.
- الحارث الأعور، ولم يسمع منه الا اربعة أحاديث والباقي كتاب.
- حارثة بن مضرب.
- سعيد بن جبير.
- سعيد بن وهب.
- صلة بن زفر.
- عامر بن سعيد البجلي.
- الشعبي.
- عبد الله بن عتبة بن مسعود.
- أسامة بن زيد.
- عبد الله بن معقل بن مقرن.
- أبي ميسرة عمروبن شرحبيل.
- مصعب.
- العيزار بن حريث.
- مسروق بن الاجدع.
- هانئ بن هانئ.
- هبيرة بن يريم.
- أبي وائل، قال شعبة: لم يسمع أبو اسحاق من أبي وائل الا حديثين.
- أبي الأحوص الجشي.
- أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود.
وأكثر الرواية عن البراء بن عازب. وروى عن خلق كثير. قال ابن المديني: احصينا مشيخة أبي اسحاق السبيعي نحواً من ٣٠٠ شيخاً، وقال مرة: ٤٠٠، وقد روى عن ٧٠ أو ٨٠ شيخاً لم يروعنهم غيره[٣٢].
تلامذة أبي اسحاق والرواة عنه
وروى عن أبي اسحاق السبيعي:
- يونس بن أبي اسحاق. (ابنه)
- اسرائيل بن يونس بن أبي اسحاق. (حفيده)
- يوسف بن اسحاق بن أبي اسحاق السبيعي. (حفيده)
- قتادة.
- سليمان التيمي.
- اسماعيل بن أبي خالد.
- الأعمش.
- فطر بن خليفة.
- جرير بن حازم.
- محمد بن عجلان.
- عبد الوهاب بن بخت.
- حبيب بن الشهيد.
- يزيد بن عبد الله بن الهاد.
- شعبة.
- زهير بن معاوية.
- مسعر.
- زائدة بن قدامة.
- زكريا بن أبي زائدة.
- الثوري وهو أثبت الناس فيه.
- الحسن بن حمزة.
- حمزة الزيات.
- رقبة بن مصقلة.
- أبو حمزة السكري.
- أبو الأحوص.
- عمرو بن قيس الملائي.
- مطرف بن طريف.
- أبو بكر بن عياش.
- مالك بن مغول.
- الأجلح بن عبد الله الكندي.
- زيد بن أبي انيسة.
- سليمان بن مسعود.
- عمر بن عبيد الطنافسي.
- المطلب بن زياد.
- سفيان بن عيينة، وآخرون[٣٣].
وذكر إن أبا إسحاق السبيعي روى من ذى الجوشن، وسليمان بن صرد، والنعمان بن بشير، وجابر بن سمرة. ولكن هناك نفر من المحدثين وأصحاب الجرح والتعديل نفوا ان يروي عن هؤلاء، قال أبو زرعة: لم يسمع أبو اسحاق من ذي الجوشن ثم أضاف قائلاً: ان حديث ابن عيينة عن أبي اسحاق عن ذي الجوشن هو مرسل.
قال البرديجي: قيل ان أبا اسحاق لم يسمع من: سليمان بن صرد، ولا من النعمان بن بشير، ولا من جابر بن سمرة[٣٤]. قال البغوي: وقد رأى أبو اسحاق حجر بن عدي وما أظنه سمع منه. قال ابن الجوزي: وانفرد السبيعي بالرواية عن ثلاثة من الصحابة لم يرو عنهم غيره وهم: عبدة بن حزن ومطر بن عُكامس وأبى قوم أن يكون لهؤلاء صحبة[٣٥].
روايات أبي اسحاق السبيعي
- الصدوق بسنده عن أبي اسحاق، عن الحارث قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَحَقَّ بِطُولِ اَلسِّجْنِ مِنَ اَللِّسَانِ»[٣٦].
- الصدوق بسنده عن أبي اسحاق، «عَنِ اَلْحَارِثِ اَلْأَعْوَرِ عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إِنَّ اَلدِّينَارَ وَ اَلدِّرْهَمَ أَهْلَكَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَ هُمَا مُهْلِكَاكُمْ»[٣٧].
- الصدوق بسنده عن أبي اسحاق، عن مسروق، عن عائشة انها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله عندي يصلي بعد العصر ركعتين»[٣٨].
- الصدوق بسنده عن اسرائيل، عن أبي اسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله، عن علي (ع) أنه قال: «أَنَا عَبْدُ اَللَّهِ وَ أَخُو رَسُولِهِ قَالَ اِبْنُ نُمَيْرٍ فِي حَدِيثِهِ وَ أَنَا اَلصِّدِّيقُ اَلْأَكْبَرُ لاَ يَقُولُهَا بَعْدُ إِلاَّ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ وَ لَقَدْ صَلَّيْتُ قَبْلَ اَلنَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ»[٣٩].
- الصدوق بسنده عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي اسحاق السبيعي قال: سمعت بعض أصحاب أمير المؤمنين (ع) ممن يوثق به قال: سمعت علياً (ع) يقول: «إنّ في صَدري هذا لَعِلما جَمّا، عَلَّمَنيهِ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه و آله، لَو أجِدُ لَهُ حَفَظَةً يَرعَونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ ويَروونَهُ كَما يَسمَعونَهُ مِنّي إذا لَأَودَعتُهُم بَعضَهُ، فَعَلَّمَ بِهِ كَثيرا مِنَ العِلمِ، إنَّ العِلمَ مِفتاحُ كُلِّ بابٍ، وكُلُّ بابٍ يَفتَحُ ألفَ بابٍ»[٤٠].
- ويذكر الصدوق بسنده عن عمروربن أبي المقدام، عن أبي أسحاق السبيعي، عن الحارث، عن محمد بن الحنفية: ان عالماً من علماء أهل الكتاب جاء إلى أمير المؤمنين علي (ع)، فسأله العديد من الأسئلة، فأجابه أمير المؤمنين (ع) ويستغرق الجواب ١٧ صفحةً[٤١].
- كتاب أمير المؤمنين إلى أهل مصر ومحمد بن أبي بكر، الطوسي بسنده عن أبي اسحاق السبيعي: «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمُ اَللَّهَ اَلَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ فِيمَا أَنْتُمْ عَنْهُ مَسْئُولُونَ وَ إِلَيْهِ تَصِيرُونَ، فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وَ يَقُولُ: وَ يُحَذِّرُكُمُ اَللّٰهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اَللّٰهِ اَلْمَصِيرُ وَ يَقُولُ: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ `عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ. فَاعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَائِلُكُمْ عَنِ اَلصَّغِيرِ مِنْ عَمَلِكُمْ وَ اَلْكَبِيرِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَنَحْنُ أَظْلَمُ، وَ إِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ. يَا عِبَادَ اَللَّهِ، إِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ اَلْعَبْدُ إِلَى اَلْمَغْفِرَةِ وَ اَلرَّحْمَةِ حِينَ يَعْمَلُ لِلَّهِ بِطَاعَتِهِ وَ يَنْصَحُهُ بِالتَّوْبَةِ، عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اَللَّهِ، فَإِنَّهَا تَجْمَعُ اَلْخَيْرَ وَ لاَ خَيْرَ غَيْرُهَا، وَ يُدْرَكُ بِهَا مِنَ اَلْخَيْرِ مَا لاَ يُدْرَكُ بِغَيْرِهَا مِنْ خَيْرِ اَلدُّنْيَا وَ خَيْرِ اَلْآخِرَةِ، قَالَ اَللَّهُ (عَزَّ وَ جَلَّ): وَ قِيلَ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا مٰا ذٰا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قٰالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هٰذِهِ اَلدُّنْيٰا حَسَنَةٌ وَ لَدٰارُ اَلْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دٰارُ اَلْمُتَّقِينَ. اِعْلَمُوا يَا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ لِثَلاَثٍ مِنَ اَلثَّوَابِ: إِمَّا لِخَيْرِ [اَلدُّنْيَا] فَإِنَّ اَللَّهَ يُثِيبُهُ بِعَمَلِهِ فِي دُنْيَاهُ، قَالَ اَللَّهُ (سُبْحَانَهُ) لِإِبْرَاهِيمَ: وَ آتَيْنٰاهُ أَجْرَهُ فِي اَلدُّنْيٰا وَ إِنَّهُ فِي اَلْآخِرَةِ لَمِنَ اَلصّٰالِحِينَ فَمَنْ عَمِلَ لِلَّهِ تَعَالَى أَعْطَاهُ أَجْرَهُ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ كَفَاهُ اَلْمُهِمَّ فِيهِمَا، وَ قَدْ قَالَ اَللَّهُ (تَعَالَى): يٰا عِبٰادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هٰذِهِ اَلدُّنْيٰا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةٌ إِنَّمٰا يُوَفَّى اَلصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ فَمَا أَعْطَاهُمُ اَللَّهُ فِي اَلدُّنْيَا لَمْ يُحَاسِبْهُمْ بِهِ فِي اَلْآخِرَةِ، قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ وَ اَلْحُسْنَى هِيَ اَلْجَنَّةُ وَ اَلزِّيَادَةُ هِيَ اَلدُّنْيَا، [وَ إِمَّا لِخَيْرِ اَلْآخِرَةِ] فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُكَفِّرُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ سَيِّئَةً، قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ اَلْقِيَامَةِ حُسِبَتْ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ، ثُمَّ أَعْطَاهُمْ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: جَزٰاءً مِنْ رَبِّكَ عَطٰاءً حِسٰاباً وَ قَالَ: فَأُولٰئِكَ لَهُمْ جَزٰاءُ اَلضِّعْفِ بِمٰا عَمِلُوا وَ هُمْ فِي اَلْغُرُفٰاتِ آمِنُونَ فَارْغَبُوا فِي هَذَا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ وَ اِعْمَلُوا لَهُ وَ تَحَاضُّوا عَلَيْهِ. وَ اِعْلَمُوا يَا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ اَلْمُتَّقِينَ حَازُوا عَاجِلَ اَلْخَيْرِ وَ آجِلَهُ، شَارَكُوا أَهْلَ اَلدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَ لَمْ يُشَارِكْهُمْ أَهْلُ اَلدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ، أَبَاحَهُمُ اَللَّهُ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا كَفَاهُمْ بِهِ وَ أَغْنَاهُمْ، قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّٰهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبٰادِهِ وَ اَلطَّيِّبٰاتِ مِنَ اَلرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا خٰالِصَةً يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ سَكَنُوا اَلدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ، وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ، شَارَكُوا أَهْلَ اَلدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ فَأَكَلُوا مَعَهُمْ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا يَأْكُلُونَ، وَ شَرِبُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا يَشْرَبُونَ، وَ لَبِسُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَلْبَسُونَ، وَ سَكَنُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَسْكُنُونَ، وَ تَزَوَّجُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَتَزَوَّجُونَ، وَ رَكِبُوا مِنْ أَفْضَلِ مَا يَرْكَبُونَ، أَصَابُوا لَذَّةَ اَلدُّنْيَا مَعَ أَهْلِ اَلدُّنْيَا، وَ هُمْ غَداً جِيرَانُ اَللَّهِ تَعَالَى، يَتَمَنَّوْنَ عَلَيْهِ فَيُعْطِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ، لاَ تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ، وَ لاَ يُنْقَصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَللَّذَّةِ، فَإِلَى هَذَا يَا عِبَادَ اَللَّهِ يَشْتَاقُ إِلَيْهِ مَنْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ وَ يَعْمَلُ لَهُ بِتَقْوَى اَللَّهِ، وَ لاَ حَوْلَ وَ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. يَا عِبَادَ اَللَّهِ، إِنِ اِتَّقَيْتُمْ وَ حَفِظْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ عَبَدْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا عُبِدَ، وَ ذَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا ذُكِرَ، وَ شَكَرْتُمُوهُ بِأَفْضَلِ مَا شُكِرَ، وَ أَخَذْتُمْ بِأَفْضَلِ اَلصَّبْرِ وَ اَلشُّكْرِ، وَ اِجْتَهَدْتُمْ أَفْضَلَ اَلاِجْتِهَادِ، وَ إِنْ كَانَ غَيْرُكُمْ أَطْوَلَ مِنْكُمْ صَلاَةً وَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ صِيَاماً فَأَنْتُمْ أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهُ، وَ أَنْصَحُ لِأُولِي اَلْأَمْرِ. اِحْذَرُوا يَا عِبَادَ اَللَّهِ اَلْمَوْتَ وَ سَكْرَتَهُ، فَأَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَفْجَأُكُمْ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، بِخَيْرٍ لاَ يَكُونُ مَعَهُ شَرٌّ أَبَداً، أَوْ بِشَرٍّ لاَ يَكُونُ مَعَهُ خَيْرٌ أَبَداً، فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا، وَ مَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلنَّارِ مِنْ عَامِلِهَا إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ اَلنَّاسِ تُفَارِقُ رُوحُهُ جَسَدَهُ حَتَّى يَعْلَمَ إِلَى أَيِّ اَلْمَنْزِلَيْنِ يَصِيرُ: إِلَى اَلْجَنَّةِ أَمِ اَلنَّارِ، أَ عَدُوٌّ هُوَ لِلَّهِ أَمْ وَلِيٌّ فَإِنْ كَانَ وَلِيّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ، وَ شُرِعَتْ لَهُ طُرُقُهَا، وَ رَأَى مَا أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُ فِيهَا، فَفَزِعَ مِنْ كُلِّ شُغُلٍ، وَ وُضِعَ عَنْهُ كُلُّ ثِقْلٍ، وَ إِنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلنَّارِ، وَ شُرِعَ لَهُ طُرُقُهَا، وَ نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اَللَّهُ لَهُ فِيهَا، فَاسْتَقْبَلَ كُلَّ مَكْرُوهٍ وَ تَرَكَ كُلَّ سُرُورٍ، كُلُّ هَذَا يَكُونُ عِنْدَ اَلْمَوْتِ، وَ عِنْدَهُ يَكُونُ اَلْيَقِينُ، قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[٤٢] وَ يَقُولُ: ﴿اَلَّذِينَ تَتَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا اَلسَّلَمَ مٰا كُنّٰا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلىٰ إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ `فَادْخُلُوا أَبْوٰابَ جَهَنَّمَ خٰالِدِينَ فِيهٰا فَلَبِئْسَ مَثْوَى اَلْمُتَكَبِّرِينَ﴾[٤٣]. يَا عِبَادَ اَللَّهِ، إِنَّ اَلْمَوْتَ لَيْسَ مِنْهُ فَوْتٌ، فَاحْذَرُوهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَ أَعِدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ، فَإِنَّكُمْ طَرْدُ اَلْمَوْتِ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، وَ هُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ، اَلْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ، وَ اَلدُّنْيَا تُطْوَى خَلْفَكُمْ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اَلْمَوْتِ عِنْدَ مَا تُنَازِعُكُمْ إِلَيْهِ أَنْفُسُكُمْ مِنَ اَلشَّهَوَاتِ، وَ كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظاً، وَ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَثِيراً مَا يُوصِي أَصْحَابَهُ بِذِكْرِ اَلْمَوْتِ، فَيَقُولُ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ اَلْمَوْتِ، فَإِنَّهُ هَادِمُ اَللَّذَّاتِ، حَائِلٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اَلشَّهَوَاتِ. يَا عِبَادَ اَللَّهِ، مَا بَعْدَ اَلْمَوْتِ لِمَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ أَشَدُّ مِنَ اَلْمَوْتِ: اَلْقَبْرَ، فَاحْذَرُوا ضِيقَهُ وَ ضَنْكَهُ وَ ظُلْمَتَهُ وَ غُرْبَتَهُ، إِنَّ اَلْقَبْرَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: أَنَا بَيْتُ اَلْغُرْبَةِ، أَنَا بَيْتُ اَلتُّرَابِ، أَنَا بَيْتُ اَلْوَحْشَةِ، أَنَا بَيْتُ اَلدُّودِ وَ اَلْهَوَامِّ، وَ اَلْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ اَلْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ اَلنِّيرَانِ، إِنَّ اَلْعَبْدَ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ اَلْأَرْضُ، مَرْحَباً وَ أَهْلاً، لَقَدْ كُنْتَ مِمَّنْ أُحِبُّ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِي، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صُنْعِي بِكَ، فَتَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ اَلْبَصَرِ. وَ إِنَّ اَلْكَافِرَ إِذَا دُفِنَ قَالَتْ لَهُ اَلْأَرْضُ: لاَ مَرْحَباً وَ لاَ أَهْلاً، لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَبْغَضِ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي، فَإِذَا وُلِّيتُكَ فَسَتَعْلَمُ كَيْفَ صُنْعِي بِكَ، فَتَضُمُّهُ حَتَّى تَلْتَقِيَ أَضْلاَعُهُ. وَ إِنَّ اَلْمَعِيشَةَ اَلضَّنْكَ اَلَّتِي حَذَّرَ اَللَّهُ مِنْهَا عَدُوَّهُ عَذَابُ اَلْقَبْرِ، إِنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَى اَلْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ تِنِّيناً، فَيَنْهَشْنَ لَحْمَهُ، وَ يَكْسِرْنَ عَظْمَهُ، وَ يَتَرَدَّدْنَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُ، لَوْ أَنَّ تِنِّيناً مِنْهَا نَفَخَ فِي اَلْأَرْضِ لَمْ تُنْبِتْ زَرْعاً أَبَداً. اِعْلَمُوا يَا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ أَنْفُسَكُمُ اَلضَّعِيفَةَ، وَ أَجْسَادَكُمُ اَلنَّاعِمَةَ اَلرَّقِيقَةَ اَلَّتِي يَكْفِيهَا اَلْيَسِيرُ تَضْعُفُ عَنْ هَذَا، فَإِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَجْزَعُوا لِأَجْسَادِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ مِمَّا لاَ طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ وَ لاَ صَبْرَ لَكُمْ عَلَيْهِ، فَاعْمَلُوا بِمَا أَحَبَّ اَللَّهُ وَ اُتْرُكُوا مَا كَرِهَ اَللَّهُ. يَا عِبَادَ اَللَّهِ، إِنَّ بَعْدَ اَلْبَعْثِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ اَلْقَبْرِ، يَوْمٌ يَشِيبُ فِيهِ اَلصَّغِيرُ، وَ يَسْكَرُ مِنْهُ اَلْكَبِيرُ، وَ يَسْقُطُ فِيهِ اَلْجَنِينُ، وَ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ، يَوْمٌ عَبُوسٌ قَمْطَرِيرٌ، وَ يَوْمٌ كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. إِنَّ فَزَعَ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ لَيُرْهِبُ اَلْمَلاَئِكَةَ اَلَّذِينَ لاَ ذَنْبَ لَهُمْ، وَ تُرْعَدُ مِنْهُ اَلسَّبْعُ اَلشِّدَادُ، وَ اَلْجِبَالُ اَلْأَوْتَادُ، وَ اَلْأَرْضُ اَلْمِهَادُ، وَ تَنْشَقُّ اَلسَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ، وَ تَتَغَيَّرُ فَكَأَنَّهَا وَرْدَةٌ كَالدِّهٰانِ، وَ تَكُونُ اَلْجِبٰالُ كَثِيباً مَهِيلاً بَعْدَ مَا كَانَتْ صُمّاً صِلاَباً، وَ يُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَيَفْزَعُ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّٰ مَنْ شٰاءَ اَللّٰهُ، فَكَيْفَ مَنْ عَصَى بِالسَّمْعِ وَ اَلْبَصَرِ وَ اَللِّسَانِ وَ اَلْيَدِ وَ اَلرِّجْلِ وَ اَلْفَرْجِ وَ اَلْبَطْنِ، إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اَللَّهُ لَهُ وَ يَرْحَمْهُ مِنْ ذَلِكَ اَلْيَوْمِ لِأَنَّهُ يَقْضِي وَ يَصِيرُ إِلَى غَيْرِهِ، إِلَى نَارٍ قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ، وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ، وَ مَقَامِعُهَا حَدِيدٌ، لاَ يَفْتُرُ عَذَابُهَا وَ لاَ يَمُوتُ سَاكِنُهَا، دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَ لاَ يُسْمَعُ لِأَهْلِهَا دَعْوَةٌ. وَ اِعْلَمُوا يَا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ مَعَ هَذَا رَحْمَةَ اَللَّهِ اَلَّتِي لاَ تُعْجِزُ اَلْعِبَادَ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، لاَ يَكُونُ مَعَهَا شَرٌّ أَبَداً، لَذَّاتُهَا لاَ تُمِلُّ، وَ مُجْتَمِعُهَا لاَ يَتَفَرَّقُ، وَ سُكَّانُهَا قَدْ جَاوَرُوا اَلرَّحْمَنَ، وَ قَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمُ اَلْغِلْمَانُ، بِصِحَافٍ مِنَ اَلذَّهَبِ فِيهَا اَلْفَاكِهَةُ وَ اَلرَّيْحَانُ. ثُمَّ اِعْلَمْ يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ أَعْظَمَ أَجْنَادِي فِي نَفْسِي، أَهْلَ مِصْرَ، فَإِذَا وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ مِنْ أَمْرِ اَلنَّاسِ فَأَنْتَ حَقِيقٌ أَنْ تَخَافَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِكَ وَ أَنْ تَحْذَرَ فِيهِ عَلَى دِينِكَ، فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ لاَ تُسْخِطَ رَبَّكَ بِرِضَا أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَافْعَلْ، فَإِنَّ فِي اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَفاً مِنْ غَيْرِهِ، وَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ سِوَاهُ خَلَفٌ مِنْهُ، اِشْتَدِّ عَلَى اَلظَّالِمِ وَ خُذْ عَلَيْهِ، وَ لِنْ لِأَهْلِ اَلْخَيْرِ وَ قَرِّبْهُمْ، وَ اِجْعَلْهُمْ بِطَانَتَكَ وَ أَقْرَانَكَ، وَ اُنْظُرْ إِلَى صَلاَتِكَ كَيْفَ هِيَ، فَإِنَّكَ إِمَامٌ لِقَوْمِكَ [يَنْبَغِي لَكَ] أَنْ تُتِمَّهَا وَ لاَ تُخَفِّفَهَا، فَلَيْسَ مِنْ إِمَامٍ يُصَلِّي بِقَوْمٍ يَكُونُ فِي صَلاَتِهِمْ نُقْصَانٌ إِلاَّ كَانَ عَلَيْهِ، لاَ يُنْقَصُ مِنْ صَلاَتِهِمْ شَيْءٌ، وَ تَمِّمْهَا وَ تَحَفَّظْ فِيهَا، يَكُنْ لَكَ مِثْلُ أُجُورِهِمْ، وَ لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئاً. وَ اُنْظُرْ إِلَى اَلْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ اَلصَّلاَةِ، تَمَضْمَضْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَ اِسْتَنْشِقْ ثَلاَثاً، وَ اِغْسِلْ وَجْهَكَ ثُمَّ يَدَكَ اَلْيُمْنَى ثُمَّ اَلْيُسْرَى ثُمَّ اِمْسَحْ رَأْسَكَ وَ رِجْلَيْكَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلْوُضُوءَ نِصْفُ اَلْإِيمَانِ. ثُمَّ اِرْتَقِبْ وَقْتَ اَلصَّلاَةِ، فَصَلِّهَا لِوَقْتِهَا، وَ لاَ تَعْجَلْ بِهَا قَبْلَهُ لِفَرَاغٍ، وَ لاَ تُؤَخِّرْهَا عَنْهُ لِشُغُلٍ، فَإِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) عَنْ أَوْقَاتِ اَلصَّلاَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَتَانِي جَبْرَئِيلُ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ) فَأَرَانِي وَقْتَ اَلصَّلاَةِ حِينَ زَالَتِ اَلشَّمْسُ، فَكَانَتْ عَلَى حَاجِبِهِ اَلْأَيْمَنِ، ثُمَّ أَرَانِي وَقْتَ اَلْعَصْرِ فَكَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى اَلْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى اَلْعِشَاءَ اَلْآخِرَةَ حِينَ غَابَ اَلشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى اَلصُّبْحَ فَأَغْلَسَ بِهَا وَ اَلنُّجُومُ مُشْتَبِكَةٌ، فَصَلِّ لِهَذِهِ اَلْأَوْقَاتِ، وَ اِلْزَمِ اَلسُّنَّةَ اَلْمَعْرُوفَةَ وَ اَلطَّرِيقَ اَلْوَاضِحَةَ، ثُمَّ اُنْظُرْ رُكُوعَكَ وَ سُجُودَكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) كَانَ أَتَمَّ اَلنَّاسِ صَلاَةً، وَ أَحَقَّهُمْ عَمَلاً بِهَا. وَ اِعْلَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِكَ تَبَعٌ لِصَلاَتِكَ، فَمَنْ ضَيَّعَ اَلصَّلاَةَ فَإِنَّهُ لِغَيْرِهَا أَضْيَعُ. أَسْأَلُ اَللَّهَ اَلَّذِي يَرَى وَ لاَ يُرَى، وَ هُوَ بِالْمَنْظَرِ اَلْأَعْلَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكَ مِمَّنْ يُحِبُّ وَ يَرْضَى حَتَّى يُعِينَنَا وَ إِيَّاكَ عَلَى شُكْرِهِ وَ ذِكْرِهِ، وَ حُسْنِ عِبَادَتِهِ، وَ أَدَاءِ حَقِّهِ، وَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ اِخْتَارَ لَنَا فِي دُنْيَانَا وَ دِينِنَا وَ آخِرَتِنَا. وَ أَنْتُمْ يَا أَهْلَ مِصْرَ، فَلْيُصَدِّقْ قَوْلَكُمْ فِعْلُكُمْ، وَ سَرَّكُمْ عَلاَنِيَتُكُمْ، وَ لاَ تُخَالِفْ أَلْسِنَتُكُمْ قُلُوبَكُمْ. وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لاَ يَسْتَوِي إِمَامُ اَلْهُدَى وَ إِمَامُ اَلرَّدَى، وَ وَصِيُّ اَلنَّبِيِّ وَ عَدُوُّهُ، إِنِّي لاَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مُؤْمِناً وَ لاَ مُشْرِكاً، أَمَّا اَلْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اَللَّهُ بِإِيمَانِهِ، وَ أَمَّا اَلْمُشْرِكُ فَيَحْجُزُهُ اَللَّهُ عَنْكُمْ بِشِرْكِهِ، وَ لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ اَلْمُنَافِقَ، يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ يَعْمَلُ بِمَا تُنْكِرُونَ. يَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، اِعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ اَلْفِقْهِ اَلْوَرَعُ فِي دِينِ اَللَّهِ، وَ اَلْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، وَ إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اَللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَ عَلاَنِيَتِكُمْ وَ عَلَى أَيِّ حَالٍ كُنْتَ عَلَيْهَا، اَلدُّنْيَا دَارُ بَلاَءٍ وَ دَارُ فَنَاءٍ، وَ اَلْآخِرَةُ دَارُ اَلْجَزَاءِ وَ دَارُ اَلْبَقَاءِ، فَاعْمَلْ لِمَا يَبْقَى وَ اِعْدِلْ عَمَّا يَفْنَى، وَ لاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ اَلدُّنْيَا. أُوصِيكَ بِسَبْعٍ هُنَّ مِنْ جَوَامِعِ اَلْإِسْلاَمِ: تَخْشَى اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لاَ تَخْشَ اَلنَّاسَ فِي اَللَّهِ، وَ خَيْرُ اَلْقَوْلِ مَا صَدَّقَهُ اَلْعَمَلُ، وَ لاَ تَقْضِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ بِقَضَاءَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَيَخْتَلِفَ أَمْرُكَ وَ تَزِيغَ عَنِ اَلْحَقِّ، وَ أَحِبَّ لِعَامَّةِ رَعِيَّتِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَ اِكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ وَ أَهْلِ بَيْتِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَوْجَبُ لِلْحُجَّةِ وَ أَصْلَحُ لِلرَّعِيَّةِ، وَ خُضِ اَلْغَمَرَاتِ إِلَى اَلْحَقِّ، وَ لاَ تَخَفْ فِي اَللَّهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، وَ اِنْصَحِ اَلْمَرْءَ إِذَا اِسْتَشَارَكَ، وَ اِجْعَلْ نَفْسَكَ أُسْوَةً لِقَرِيبِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ بَعِيدِهِمْ. جَعَلَ اَللَّهُ مَوَدَّتَنَا فِي اَلدِّينِ، وَ خُلَّتَنَا وَ إِيَّاكُمْ خُلَّةَ اَلْمُتَّقِينَ، وَ أَبْقَى لَكُمْ طَاعَتَكُمْ، حَتَّى يَجْعَلَنَا وَ إِيَّاكُمْ بِهَا إِخْوٰاناً عَلىٰ سُرُرٍ مُتَقٰابِلِينَ. أَحْسِنُوا أَهْلَ مِصْرَ مُؤَازَرَةَ مُحَمَّدٍ أَمِيرِكُمْ، وَ اُثْبُتُوا عَلَى طَاعَتِكُمْ، تَرِدُوا حَوْضَ نَبِيِّكُمْ (صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، أَعَانَنَا اَللَّهُ وَ إِيَّاكُمْ عَلَى مَا يُرْضِيهِ، وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ..»[٤٤].
- الكليني بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عمن حدثه ممن يوثق به، قال: «سَمِعْتُ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَقُولُ: إِنَّ اَلنَّاسَ آلُوا بَعْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى ثَلاَثَةٍ آلُوا إِلَى عَالِمٍ عَلَى هُدًى مِنَ اَللَّهِ قَدْ أَغْنَاهُ اَللَّهُ بِمَا عَلِمَ عَنْ عِلْمِ غَيْرِهِ وَ جَاهِلٍ مُدَّعٍ لِلْعِلْمِ لاَ عِلْمَ لَهُ مُعْجَبٍ بِمَا عِنْدَهُ قَدْ فَتَنَتْهُ اَلدُّنْيَا وَ فَتَنَ غَيْرَهُ وَ مُتَعَلِّمٍ مِنْ عَالِمٍ عَلَى سَبِيلِ هُدًى مِنَ اَللَّهِ وَ نَجَاةٍ ثُمَّ هَلَكَ مَنِ اِدَّعَى وَ خٰابَ مَنِ اِفْتَرىٰ»[٤٥].
- الكليني بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عمن حدثه قال: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ اَلدِّينِ طَلَبُ اَلْعِلْمِ وَ اَلْعَمَلُ بِهِ وَ أَنَّ طَلَبَ اَلْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ اَلْمَالِ إِنَّ اَلْمَالَ مَقْسُومٌ بَيْنَكُمْ مَضْمُونٌ لَكُمْ قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ وَ ضَمِنَهُ سَيَفِي لَكُمْ بِهِ وَ اَلْعِلْمَ مَخْزُونٌ عَلَيْكُمْ عِنْدَ أَهْلِهِ قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْهُمْ فَاطْلُبُوهُ»[٤٦].
- الكليني بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عن بعض أصحاب أمير المؤمنين ممن يوثق به، قال: «أَنَّ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ تَكَلَّمَ بِهٰذَا الْكَلَامِ وَ حُفِظَ عَنْهُ وَ خَطَبَ بِهِ عَلىٰ مِنْبَرِ اَلْكُوفَةِ اَللَّهُمَّ إِنَّهُ لاَ بُدَّ لَكَ مِنْ حُجَجٍ فِي أَرْضِكَ حُجَّةٍ بَعْدَ حُجَّةٍ عَلَى خَلْقِكَ يَهْدُونَهُمْ إِلىٰ دِينِكَ وَ يُعَلِّمُونَهُمْ عِلْمَكَ كَيْلَا يَتَفَرَّقَ أَتْبَاعُ أَوْلِيَائِكَ ظَاهِرٍ غَيْرِ مُطَاعٍ أَوْ مُكْتَتَمٍ يُتَرَقَّبُ إِنْ غَابَ عَنِ اَلنَّاسِ شَخْصُهُمْ فِي حَالِ هُدْنَتِهِمْ فَلَمْ يَغِبْ عَنْهُمْ قَدِيمُ مَبْثُوثِ عِلْمِهِمْ وَ آدَابُهُمْ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ مُثْبَتَةٌ فَهُمْ بِهَا عَامِلُونَ»[٤٧]. قال الكليني: «وَ يَقُولُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فِي هَذِهِ اَلْخُطْبَةِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيمَنْ هَذَى وَ لِهَذَا يَأْرِزُ اَلْعِلْمُ إِذَا لَمْ يُوجَدْ لَهُ حَمَلَةٌ يَحْفَظُونَهُ وَ يَرْوُونَهُ كَمَا يَسْمَعُونَهُ- مِنَ اَلْعُلَمَاءِ وَ يَصْدُقُونَ عَلَيْهِمْ فِيهِ اَللَّهُمَّ فَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ اَلْعِلْمَ لاَ يَأْرِزُ كُلُّهُ - وَ لاَ يَنْقَطِعُ مَوَادُّهُ وَ أَنَّكَ لاَ تُخْلِي أَرْضَكَ مِنْ حُجَّةٍ لَكَ عَلَى خَلْقِكَ ظَاهِرٍ لَيْسَ بِالْمُطَاعِ أَوْ خَائِفٍ مَغْمُودٍ كَيْلاَ تَبْطُلَ حُجَّتُكَ وَ لاَ يَضِلَّ أَوْلِيَاؤُكَ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَهُمْ بَلْ أَيْنَ هُمْ وَ كَمْ هُمْ أُولَئِكَ اَلْأَقَلُّونَ عَدَداً وَ اَلْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اَللَّهِ قَدْراً.»[٤٨].
- الكليني بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عمّن حدثه قال: «عَنْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ قَالَ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ اَلدِّينِ طَلَبُ اَلْعِلْمِ وَ اَلْعَمَلُ بِهِ وَ أَنَّ طَلَبَ اَلْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ اَلْمَالِ إِنَّ اَلْمَالَ مَقْسُومٌ بَيْنَكُمْ مَضْمُونٌ لَكُمْ قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ وَ ضَمِنَهُ سَيَفِي لَكُمْ بِهِ وَ اَلْعِلْمَ مَخْزُونٌ عَلَيْكُمْ عِنْدَ أَهْلِهِ قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْهُمْ فَاطْلُبُوهُ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ كَثْرَةَ اَلْمَالِ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ مَقْسَاةٌ لِلْقُلُوبِ وَ أَنَّ كَثْرَةَ اَلْعِلْمِ وَ اَلْعَمَلَ بِهِ مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ سَبَبٌ إِلَى اَلْجَنَّةِ وَ اَلنَّفَقَاتُ تَنْقُصُ اَلْمَالَ وَ اَلْعِلْمُ يَزْكُو عَلَى إِنْفَاقِهِ وَ إِنْفَاقُهُ بَثُّهُ إِلَى حَفَظَتِهِ وَ رُوَاتِهِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ صُحْبَةَ اَلْعَالِمِ وَ اِتِّبَاعَهُ دِينٌ يُدَانُ اَللَّهُ بِهِ وَ طَاعَتَهُ مَكْسَبَةٌ لِلْحَسَنَاتِ مَمْحَاةٌ لِلسَّيِّئَاتِ وَ ذَخِيرَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رِفْعَةٌ فِي حَيَاتِهِمْ وَ جَمِيلُ اَلْأُحْدُوثَةِ عَنْهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِنَّ اَلْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ فَرَأْسُهُ اَلتَّوَاضُعُ وَ عَيْنُهُ اَلْبَرَاءَةُ مِنَ اَلْحَسَدِ وَ أُذُنُهُ اَلْفَهْمُ وَ لِسَانُهُ اَلصِّدْقُ وَ حِفْظُهُ اَلْفَحْصُ وَ قَلْبُهُ حُسْنُ اَلنِّيَّةِ وَ عَقْلُهُ مَعْرِفَةُ اَلْأَسْبَابِ بِالْأُمُورِ وَ يَدُهُ اَلرَّحْمَةُ وَ هِمَّتُهُ اَلسَّلاَمَةُ وَ رِجْلُهُ زِيَارَةُ اَلْعُلَمَاءِ وَ حِكْمَتُهُ اَلْوَرَعُ وَ مُسْتَقَرُّهُ اَلنَّجَاةُ وَ فَائِدَتُهُ اَلْعَافِيَةُ وَ مَرْكَبُهُ اَلْوَفَاءُ وَ سِلاَحُهُ لَيِّنُ اَلْكَلاَمِ وَ سَيْفُهُ اَلرِّضَا وَ قَوْسُهُ اَلْمُدَارَاةُ وَ جَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ اَلْعُلَمَاءِ وَ مَالُهُ اَلْأَدَبُ وَ ذَخِيرَتُهُ اِجْتِنَابُ اَلذُّنُوبِ وَ زَادُهُ اَلْمَعْرُوفُ وَ مَأْوَاهُ اَلْمُوَادَعَةُ وَ دَلِيلُهُ اَلْهُدَى وَ رَفِيقُهُ صُحْبَةُ اَلْأَخْيَارِ»[٤٩].
- قال أبو اسحاق السبيعي: «كُنْتُ عَلَى عُنُقِ أَبِي يَوْمَ اَلْجُمُعَةِ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَخْطُبُ وَ هُوَ يَتَرَوَّحُ بِكُمِّهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ يَجِدُ اَلْحَرَّ؟ فَقَالَ: لاَ يَجِدُ حَرّاً وَ لاَ بَرْداً، وَ لَكِنَّهُ غَسَلَ قَمِيصَهُ وَ هُوَ رَطْبٌ وَ لاَ لَهُ غَيْرُهُ فَهُوَ يَتَرَوَّحُ بِهِ»[٥٠].
- عن أبي اسحاق السبيعي، عن الحارث قال: «أَنَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دَخَلَ اَلسُّوقَ قَالَ يَا مَعْشَرَ اَللَّحَّامِينَ مَنْ نَفَخَ مِنْكُمْ فِي اَللَّحْمِ فَلَيْسَ مِنَّا فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُوَلِّيهِ ظَهْرَهُ فَقَالَ كَلاَّ وَ اَلَّذِي اِحْتَجَبَ بِالسَّبْعِ فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ قَالَ يَا لَحَّامُ وَ مَنِ اَلَّذِي اِحْتَجَبَ بِالسَّبْعِ فَقَالَ رَبُّ اَلْعَالَمِينَ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ أَخْطَأْتَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ إِنَّ اَللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ لِأَنَّهُ مَعَهُمْ أَيْنَ مٰا كٰانُوا فَقَالَ اَلرَّجُلُ مَا كَفَّارَةُ مَا قُلْتُ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اَللَّهَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ قَالَ أُطْعِمُ اَلْمَسَاكِينَ قَالَ لاَ إِنَّمَا حَلَفْتَ بِغَيْرِ رَبِّكَ»[٥١].
- عن أبي اسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: «أَنَّ عَلِيّاً عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَسَمَ قَسْماً فَسَوَّى بَيْنَ اَلنَّاسِ»[٥٢].
- الثقفي بسنده عن أبي اسحاق السبيعي الهمداني قال: «إنَّ امرأتين اتنا علياً عند القسمة أحداهما من العرب والأخرى من الفرس «الموالي»؛ فأعطى كل واحدة خمسة وعشرين درهماً وكراً من الحنطة «الطعام»، فقالت السيدة العربية وقد حسبت ان هذه القسمة من الفي هي قسمة غير عادلة، أليست هي من سيدات المسلمين الذين فتحوا البلاد بقوة سلاحهم وايمانهم ودخل الناس وهذه السيدة الفارسية في دين الله أفواجاً، اذن كيف يساوي الإمام أمير المؤمنين بين السيدة العربية الفاتحة وبين الفارسية التي دخلت في دين الله بفضل قومها الأمر الذي عاتبت الإمام أمير المؤمنين معترضة على هذه القسمة قائلة: يا أمير المؤمنين اني امرأة من العرب ثم أشارت إلى صديقتها الفارسية وقالت: وهذه امرأة من العجم، ثم سكتت وكانها ارادت ان تضيف: اذن يجب ان تزيدني من الدراهم والبر اضعافاً، أو على الأقل ضعفين، ولكن الإمام أمير المؤمنين الذي تربى في مدرسة الوحي قال: إني والله لا أجد لبني اسماعيل في هذا الفي فضلاً على بني اسحاق»[٥٣]. وبهذه الكلمة الفاصلة المعبرة رفع تلك السيرة الطبقيه التي حاول الحكام قبله (ع) ترسيخها في المجتمع الاسلامي يحدوهم في هذا التمييز الطبقي رواسب جاهلية.
- أبو نعيم: بسنده عن أبي اسحاق، عن زياد بن مطرف، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (ص): «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْيَا حَيَاتِي وَ يَمُوتَ مَوْتَتِي وَ يَسْكُنَ جَنَّةَ اَلْخُلْدِ اَلَّتِي وَعَدَنِي رَبِّي فَلْيَتَوَلَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَإِنَّهُ لَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ هُدًى وَ لَنْ يُدْخِلَكُمْ فِي ضَلاَلَةٍ»[٥٤].
- عن أبي اسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: قال رسول الله (ص): «إني سيد الناس يوم القيامة، يدعوني ربي فأقول: لبيك وسعديك والخير بيديك تباركت وتعاليت، لبيك وحنانيك والهادي من هديت عبدك بين يديك لا منجا منك الا اليك تباركت وتعاليت»[٥٥].
- وقال: «إنَّ قَذْفَ المُحصَنَةِ يَهدِمُ عملَ مائةِ سنةٍ»، أبو نعيم بسنده عن أبي اسحاق، عن صلة بن زفر، عن علي (ع) قال: قال رسول الله (ص): قال الله عز وجل: «اَلصَّوْمُ لِي وَ أَنَا أَجْزِي بِهِ». ثم قال رسول الله (ص): «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ».
- عن أبي اسحاق، عن شقيق بن سلمة، عن الحسن بن عليهما السلام قال: «جاءت امرأة إلى النبي (ص) ومعها ابناها فسألته فأعطاها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحد تمرة فأكلاهما ثم نظرا إلى أمهما فشقت التمرة - الثالثة - باثنين فأعطت كل واحد نصف تمرة، فقال رسول الله (ص): رحمها الله برحمتها ابنيها».
- أبو نعيم بسنده عن أبي اسحاق، عن أبي جحيفة قال: «ان جماعة من الصحابة قالوا لرسول الله (ص): يا رسول الله نراك قد شبت، فقال رسول الله (ص): شيبتني هود واخواتها».
- كان أبو اسحاق السبيعي ربما تحفظ في القاء الحديث أو إملاءه الأمر الذي كان بعض تلامذته يراجعونه بين الفينه والفينة حتى يسمعوا الحديث من فيه، ولكن أبا اسحاق يصر على سكوته وربما مر عام على بعض التلامذة، وهو يحاول في خلال هذه الفترة الطويلة أن يسمع من أبي اسحاق حديثا في موضوع خاص أو خطبة سياسية في حادثة معينة، ولكن أبا اسحاق لم يهتم بلهاث تلميذه ويبدوان السلطة الحاكمة كانت تراقبه وتراقب تصرفاته وتراقب محاضراته خوفاً ان يذيع الثقافة العلوية أو يقوم بهجوم ضد الدولة الأمر الذي كان أبو اسحاق يبث تلك الثقافة العلوية خاصة ما كان منها مطبوعة بالطابع السياسي بين تلامذته الذين يعون مسؤلياتهم في تلك الظروف السياسية الحازبة، فمثلاً هذا عمرو بن ثابت يقول: كنت اختلف إلى أبي اسحاق السبيعي وهو في شيخوخته سنة كاملة أسأله عن الخطبة التي خطب بها الحسن بن علي عليهما السلام عقيب وفاة أبيه ولكن كان السبيعي يسوف في الحديث ولا يحدثني بتلك الخطبة إلى ان دخلت عليه في يوم شات شديد القر فشاهدته جالساً في الشمس وعليه برنسه في هيئة غريبة، فلما شاهدني أبو اسحاق تسائل قائلاً: من أنت، فأخبرته بهويتي وانتسبت له فلما عرفني طفق يبكي ويذرف الدموع ويسألني: كيف حال أبيك وكيف حال اهلك. فأجبت بحمد الله كلهم صالحون، وهنا تذكر السبيعي اهتمامي بخطبة الإمام الحسن (ع)، فقال في نبرة هادءة وهو يمسح دموعه: في أي شيء تتردد منذ سنة. فقلت وأنا أشعران الفرح يلفني: في خطبة الإمام الحسن بن علي عليهما السلام بعد وفاة أبيه...
- قال السبيعي: ان معاوية قال في خطبته بالنخيلة: الا ان كل شيء اعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفى به، ثم قال السبيعي وهو يتأمل هذا الكلام: وكان والله غداراً قال الذهبي: وقع لي عدة أحاديث من عوالي أبي اسحاق. ثم ينقل حديثا عن رسول الله (ص) بتسع وسائط. واليك نص الحديث:
- الذهبي بسنده عن أبي اسحاق، عن البراء قال: «خَرَجَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَصْحَابُهُ فَأَحْرَمُوا بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ قَالَ اِجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً فَقَالَ اَلنَّاسُ قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ يَا رَسُولَ اَللَّهِ فَكَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً قَالَ اُنْظُرُوا كَيْفَ آمُرُكُمْ فَافْعَلُوا فَرَدُّوا عَلَيْهِ اَلْقَوْلَ فَغَضِبَ وَ دَخَلَ اَلْمَنْزِلَ وَ اَلْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ فَرَأَتْهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَ اَلْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَتْ مَنْ أَغْضَبَكَ أَغْضَبَهُ اَللَّهُ فَقَالَ مَا لِي لاَ أَغْضَبُ وَ أَنَا آمُرُ بِالشَّيْءِ فَلاَ يُتَّبَعُ»[٥٧].
- الكشي بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عن هانئ بن هانئ قال: «قَالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): اِسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى اَلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَعَرَفَ صَوْتَهُ فَقَالَ: مَرْحَباً اِئْذَنُوا لِلطَّيِّبِ اِبْنِ اَلطَّيِّبِ»[٥٨].
- الكشي بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عن هانئ بن هانئ، «عَنْ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قَالَ: اِسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى اَلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) فَقَالَ مَنْ هَذَا قَالَ عَمَّارٌ قَالَ: مَرْحَباً بِالطَّيِّبِ اَلْمُطَيَّبِ»[٥٩].
- عن أبي اسحاق السبيعي، عن عبد الرحمن بن يزيد، ان علياً (ع) صلى بين القنطرة والجسر ركعتين[٦٠]. وهذا في مسيره (ع) إلى صفين، صلى الركعتين على مقربة من الكوفة.
- نصر بسنده عن أبي اسحاق السبيعي قال: «خَرَجَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَوْمَ صِفِّينَ وَ بِيَدِهِ عُنَيْزَةٌ فَمَرَّ عَلَى سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ اَلْهَمْدَانِيِّ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ أَ مَا تَخْشَى يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَغْتَالَكَ أَحَدٌ وَ أَنْتَ قُرْبَ عَدُوِّكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ عَلَيْهِ مِنَ اَللَّهِ حَفَظَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ يَتَرَدَّى فِي قَلِيبٍ أَوْ يَخِرَّ عَلَيْهِ حَائِطٌ أَوْ تُصِيبَهُ آفَةٌ فَإِذَا جَاءَ اَلْقَدَرُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ»[٦١].
- قيل لابي اسحاق السبيعي: متى ذل الناس. فقال: حين قتل الحسين بن علي (ع)، وادعى زياد، وقتل حجر بن عدي[٦٢].
- قال أبو اسحاق السبيعي: قتل علي بن أبي طالب (ع) وله ثلاث وستون سنة.
- أبو نعيم بسنده عن أبي اسحاق السبيعي، عن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله(ص) ولمحت عنفقته فإذا هي بيضاء، فقال قائل لأبي جحيفة: وما كانت مهنتك يومئذٍ فقال: ابرى النبل واريشها [٦٣].
- وكان أبو اسحاق السبيعي في جيش محمد بن عبد الرحمن وكان مكرماً له، ولكن أبا اسحاق كان يتهرب منه، ويبدو أن السلطة فرضت عليه أن يدخل الجيش فبعد أن ثار محمد على السلطة اقبل يسير بالناس من سجستان فسأل عن أبي اسحاق السبيعي وكان قد كتبه في أصحابه وكان يقول له: أنت خالي، فقيل لأبي اسحاق ألا تأتيه، فقد سأل عنك، فكره أن يأتيه، ثم اقبل حتى مر بكرمان ونزل أبو اسحاق بها، فلم يدخل في فتنته حتى كانت الجماجم[٦٤].
- وفي أيام شبابه غزا الروم في جيش الصائفة فسأله معاوية: كم كان عطاء أبيك فقال أبو اسحاق له: ثلاثمائة ففرضها له[٦٥].
- قال أبو اسحاق: كنا زمن معاوية بخراسان لا نجمع.
- قال أبو اسحاق: غزوت في زمان زياد ست أو سبع غزوات، ومات زياد قبل معاوية.[٦٦]
وفاة أبي اسحاق السبيعي
وبعد كفاح مرير في شتى المجالات العلمية والفكرية والنضالية والعبادية التهجدية، وبعد أن أدى واجبه تجاه الاسلام والإمام أمير المؤمنين (ع) بممارسة نشر الثقافة الاسلامية الناصعة، وتبديد الاعلام الاموي ضد الإمام وضد الحقائق القائمة، وبعد كشف مؤامرة الدولة المتسترة تحت ستار الاسلام، مؤامرتها ضد الاسلام وأهل بيت الاسلام بعد هذا الجهاد المستميت في حقول الفكر والسياسة والنضال الحربي، وبعد العمر الطويل المكلل بكل هذه الامجاد توفى عام ١٢٧ أو ١٢٩ ه عن عمر بلغ ٩٧ سنة.[٦٧]
أو لاده
خلف أبو اسحاق السبيعي ذرية صالحة مثقفة سارت في خطى أبيهم وتتبعت مساراته العلمية والفكرية والعقائدية، وكان الأب يحرص على تعليم أو لاده وتوعيتهم حتى يضحوا مؤهلين لتراث أبيهم الضخم. وتذكر المصادر هذه الأسماء:
- يونس بن أبي اسحاق السبيعي: وكان من العلماء المحدثين والفقهاء، وفي نفس الوقت اتبع سيرة أبيه في الزهد والعبادة حتى كان يشار اليه بالبنان فيقال في اعتزاز وفخر: هذا ابن أبي اسحاق، وينقل عنه الطبري طائفة من الأحداث التاريخية برواية أبي مخنف. [٦٨] قال صاحب رياض العلماء: وكان لأبي اسحاق ولد اسمه يونس كان محدثاً زاهداً مثله، توفى سنة ١٦٠.
- اسرائيل بن يونس بن أبي اسحاق، و يوسف بن اسحاق بن أبي اسحاق: وأما حفيدا أبي اسحاق، فقد مر ذكرهما في جدول الرواة الذين اقتبسوا من أبي اسحاق ورووا عنه وهما اسرائيل بن يونس بن أبي اسحاق، ويوسف بن اسحاق بن أبي اسحاق... وربما يوسف هذا مصحف يونس ابن أبي اسحاق وليس بحفيد له.
- عيسى بن يونس بن أبي اسحاق: وهناك حفيد لأبي اسحاق السبيعي فقيه محدث قارئ ومن الزهاد الكبار اسمه: عيسى بن يونس بن أبي اسحاق السبيعي، ويكنى أبا عمرو كان صبيا أو يكاد يراهق حينما توفى جده أبو اسحاق السبيعي، فلم يتلمذ عليه، بل تلمذ على تلامذة جده واصدقاءه مثل: اسماعيل بن أبي خالد، والاعمش وغيرهما.
وكان عيسى هذا ذكيا المعيّاً ذا عارضة وفصاحة وطرائف ممتعة، وفي نفس الوقت كان زاهداً زاريا لعروض الحياة ومتعها ومناصبها الزائفة، مقبلا على التدريس والتعليم ونشر الثقافة في جيله الصاعد تماما كان على منهاج جده أبي اسحاق في الورع والتقى والاهتمام بالعلم والفقه والحديث بعيداً عن أجواء المناصب في الدولة وما يستتبعها من ظروف وملابسات مهينة لكرامة الفقيه العالم، ورغم عزوف حفيد السبيعي عن الدنيا ومتعها وجاهها فإنه كان قد ارتفع صيته واشتهر في ارجاء العالم الاسلامي وغزا صيته البلاط العباسي، وكان يومئذ مكتمل الرجولة قد ناهز الأربعين من سنه.
وفي ذات يوم أرسل جعفر بن خالد البرمكي أحد كبار رجال الدولة والحبيب الى نفس هارون الرشيد ارسل جعفر هذا من مدينة «الرقة» رسولاً مصحوباً برسالة إلى صاحبنا «عيسى السبيعي» حفيد السبيعي الأكبر يدعوه الى الرقة ليحاضر هناك في ثقافة الاسلام من منطلق حديث رسول الله صلى الله عليه وآله. وطالما كانت الدعوة دعوة ثقافية فلم لا يلبى عيسى السبيعي هذه الدعوة، وخاصة ان جعفراً كان شهيراً في الأو ساط الشعبية بلين العريكة والذكاء والاريحية والكرم، لقد لبى صاحبنا السبيعي الدعوة وهناك اجتمع مع جعفر البرمكي الرجل الثاني في الدولة العباسية، ودشن السبيعي اجتماعه هذا بثلة مباركة من احاديث رسول الله (ص) تستعرض مواضيع اجتماعية ومالية، وكيف يجب على الدولة ان تعامل الشعب المعاملة الحسنة العادلة، وكيف يجب توزيع المال على الشعب بطرق عادلة بعيدة عن جشع أصحاب السلطة، وكانت هناك أحاديث في التحذير من الظلم، والتحذير من عقاب الله تعالى يوم القيامة، كان الحديث هوقطب المقابلة بين العالم الزاهد وبين البرمكي ثم ان جعفر البرمكي عرض على صاحبنا عيسى بعض المناصب التي تليق به في الدولة، ولكن عيسى السبيعي أبى هذا العرض، ثم ان السبيعي قابل رجالاً في الدولة، وربما اجتمع مع نفس الخليفة هارون الرشيد واستفسروه عن بعض المواضيع الفقهية فأجاب على تلك الأسئلة بوضوح وبنفس واثقة هادءة، ولكن صاحبنا «عيسى» مرض في خلال تواجده في الرقة على اثر المآكل الشهية التي كانت تقدم اليه في قصر الخليفة المآكل التي لم يعهدها طوال عمره بل ولم يكن قد عنها اطلاقاً، ولما سمع كانت معدته غير مهيئة لمثل هذه المآكل الملوكية الأمر الذي فقدت معدته توازنها ففقد الرجل الزاهد صحته، ولما ان تماثل السبيعي للشفاء قال له جعفر البرمكي: يا أبا عمروقد أمر لك بعشرة آلاف درهم.
كأنه يريد أن يقول أن الخليفة قد أمر لك بهذا المال، ولكن أبا عمرو السبيعي التفت إلى جعفر البرمكي وقال وكأنه كان في غفلة عن كلامه: ماذا تقول...؟ وكم. وهنا عملت أريحية جعفر وقال: قد أمر لك بخمسين ألف درهم.
خمسون ألف... انه مال ضخم جداً ولكن السبيعي الزاهد المتحصن بزهده وتقواه والمتتبع خطى جده لم يقبل هذا العرض السخي، ثم كيف يقبل السبيعي هذا المال الضخم من بيت مال المسلمين ان هذا المال تكدس في خزانة الدولة من آلاف الفلاحين الذين يكدحون في الأرض ليستثمروها في صالح عوائلهم واسرهم واذا بجلاوزة الدولة تهرع اليهم عند نضج الثمار والمحاصيل الزراعية والغلات يطالبون الفلاحين حصة الدولة من هاتيك المحاصيل وهي حصة الأسد ومن أبي من الفلاحين الا السيرة العادلة تناوله الجلاوزة الذين كان يطلق عليهم يومئذ «عمال الصدقة»، تناولوا الفلاح وبطحوه أرضا ثم جلدوه حتى يشبع ولا يعود يبدي عقيدته أو يدافع عن كدحه وعرق جبينه وجنى يديه، وليكون الفلاح المسكين عبرة لغيره من الفلاحين، ان هذا المال الذى عرضه البرمكي على السبيعي الزاهد التقى انساب الى خزينة الدولة عن هذا الطريق الغير المشروع ومن طرق أخرى تحوطها الشبهة وغير نزيهة فكيف لصاحبنا العصامي الزاهد ان يتقبل هذا العرض، فقال: لا حاجة لي فيها.
ولكن البرمكي الذي كان ينام ويستيقظ على ملايين «البدر» المثقلة بالذهب والفضة حسب ان استاذ الحديث قد استقل المال المغدق عليه مما دعاه ان يقول في نبرة استنكار: وَلِمَ، ثم أضاف قائلاً: والله لأهنئكها هي والله ١٠٠/٠٠٠ درهم.
يبدوأنّ صديق الخليفة وابن الوزير «جعفر» ظن ان استاذ الحديث السبيعي يساوم في هذه المناورة، فهولا يقبل هذه العروض السخية حتى يزيد الغريم في أرقام «البدر» وأرقام الدراهم: هي والله ١٠٠/٠٠٠إِنِّي لأحسب ان «١٠٠/٠٠٠» درهم تعاون على استثمارها أكثر من «١٠/٠٠٠» فلاحاً وعاملاً، فإذا ما أخذ استاذ الحديث السبيعي هذا المال الضخم فيصبح مدينا لعشرة آلاف إنسان كادح، ثم من أين له طاقة أو حيلة أن يرد هذه الآلاف المؤلفة من الدراهم إلى الآلاف المؤلفة من الكادحين المساكين، ثم ان هذه «الجائزة» الكبيرة ستكون بمثابة غل في العنق وصك عبودية للدولة والائتمار بأو امرها مهما كانت الأو امر مخالفه للضمير الإنساني أو التشريع الاسلامي.
إن هذه هي الحوافز التي دفعت بالسبيعي ان يمتنع من أخذ هذه الجائزة الكبيرة الثرية. ولكن هذه الاريحية التي أبداها «جعفر» أو قل هذا الألحاح الذي حاوله جعفر في سبيل ان يتقبل «السبيعي» الجائزة أو قعت صاحبنا الزاهد التقي في حيرة الأمر الذي قال مبرراً عدم تقبله للجائزة: لا والله لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً، ثم أضاف السبيعي معاتباً: ألا كان هذا «العطاء» قبل أن تُرسلوا إليَّ، ثم قال في عزيمة الدفاع عن قدسية «حديث رسول الله»، وأنها ليست سلعة تباع وتشترى وان معلمها ومحدثها ليست تغريه هذه العروض أو يأكل أموال الناس بالسُّنة النبوية الشريفة قال: «فأما على الحديث فلا والله ولا شربة ماء ولا هليلجة»[٦٩].
وهكذا اطلق السبيعي كلمة الفصل فهولا يطالب على تعليم الحديث النبوي شربة ماء بل ولا حبة هليلجة فكيف ب «١٠/٠٠٠»، «٥٠/٠٠٠»، «١٠٠/٠٠٠» درهماً، وقد أعجب هذه الظاهرة الفريدة في الإباء والأنفة والعصامية النفسية، الكثير من تلامذة الحديث النبوي وأضحت «الظاهرة» نموذجا يقتدى به، بل واشاد بهذه السيرة الطيبة كبار اساتذة الحديث وفقهاء مدرسة الإمام، ثم ان المناعة النفسية التي كان يتمتع بها عيسى السبيعي كانت تسير معه على طول الخط، أي ان الاباء كان نابعا من الطبيعة من كيان عيسى بعد ان بلورت مدرسة الإمام هذه الطبيعة واعطتها خطا تسير عليه تماما كما سار جده أبو اسحاق على نفس الخط.
وفي عام من أعوام خلافة «الرشيد» عزم الخليفة أن يحج بيت الله الحرام، وفي طريقه دخل الرشيد مدينة الكوفة وكانت المدينة يومئذ جامعة علمية من أمهات جامعات العالم الاسلامي، وأمضى الرشيد أياما في هذه المدينة التي يسكنها السبيعي «عيسى»، وفي ذات يوم استأذن الأمين والمأمون ابنا الرشيد ان يزورا فقيه المدينة «عيسى السبيعي»، وبالفعل اذن الرشيد في هذه الزيارة ليكسب الى جانبه عالم المسلمين وفي نفس الوقت ستنتج من هذه الزيارة مكاسب إعلامية لدولته ويكون لولديه شعبية في صفوف الشعب. ومن يدري أن هذه الزيارة كانت بايحاء «جعفر البرمكي» الذي كان معجبا ب «عيسى السبيعي» والذي تربى في حضنه وتحت رعايته «المأمون بن الرشيد»، ركب الأمين والمأمون جواديهما وكانا يومئذ في سن المراهقة، ثم سارا في موكب مهيب الى دار «عيسى السبيعي» ولكن السبيعي لم يكن في الدار بل كان في المسجد الشهير ب «مسجد السبيعي» والقريب من دار السبيعي والذي يقع في حي آل السبيعي وهناك استقبل الناس من الهمدانيين وخليط من الناس استقبلوا وليي العهد «الأمين والمأمون» بالدعاء، واطلقوا الهتافات بحياتهما، نزل وليا العهد من جواديهما يحف بهما الوزراء وكبار رجال الدولة، ثم دخل الجميع الى المسجد وكان مسجداً متواضعاً صغيراً وهناك استقبلهما الفقيه الكبير وعالم الأمة «عيسى السبيعي الهمداني» مع ثلة من تلامذته فأحتضنهما «الفقيه الكبير»، وقبلهما ودعا لهما، ثم طلب الأمين والمأمون من سماحته أن يملى عليهما من «حديث رسول الله صلى الله عليه وآله» وسرعان ما لبى السبيعي الطلب واستقل المنبر ثم طفق يتحدث في صوت عذب يعلوه المهابة ونور الايمان، يتحدث عن الكلمات الحكيمة التي تحث على طلب العلم والاهتمام بالعلماء، وتحدث عن الراعي والرعية ومسؤليات كل منهما، كان حديثاً ممتعاً اجتذب المأمون خاصة.
وأكبر رجال الدولة هذه الشخصية التي يزورها أبناء الخلفاء رغم عزوفها عن الدولة والتقرب إليها والاهتمام بعروض الدنيا ومناصبها ومفاخرها الزائفة، وبعد ان القى الفقيه كلمته واملى المنهاج النبوي في مسيرة الحياة في مجالات العلم والاجتماع نزل من المنير ونهد إلى مكان وليي العهد وجلس بجانبهما وتحدث معهما حديثاً ودياً، ثم ان الامين والمأمون لما أرادا ان يغادرا المكان أمر المأمون.
نعم أمر المأمون خاصة بجائزة قدرها «١٠/٠٠٠» درهماً تقدم للفقيه عيسى السبيعي، ولكن الفقيه كما هي سيرته أبى ان يقبلها تماماً كما أبي ان يقبل صلة الدولة من قبل كما سبق الحديث عنها آنفا، ولكن المأمون حسب ان الجائزة قليلة وان الفقيه استقلها فلم يقبلها الأمر الذي صدر أمر المأمون أن تكون الجائزة عشرين ألف درهماً، وهنا أحرجت هذه الأو امر صدر الفقيه الأبي العصامي فقال في عزيمة صادقة وكرر شعاره في مثل هذه المواطن قال: لا والله ولا اهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله (ص)، ثم نظر إلى المأمون نظرة فاحصة في حشد رجال الدولة وثلة التلامذة وقد ملكتهم الدهشة من هذا الاباء الفذ وهم - أي رجال الدولة - الذين يتكالبون على حطام الدنيا ولو على درهم واحد وهم يملكون الضياع والمزارع الفيحاء والقصور الشماء والمماليك كأنهم أقمار الجمال والجواري كأنهن شذى الربيع، نعم في وسط هذه المشاعر والانفعالات نظر الفقيه الكبير إلى المأمون وقال في نبرة اعتداد: «ولو ملأت لي هذا المسجد ذهباً إلى السقف» [٧٠].
اذن المسألة ليست مسألة قلة الجائزة أو كثرتها وإنما المسألة مسألة إباء وعزوف عن مثل هذه الصلات ومسألة تحرر وانعتاق ان يسير السبيعي في ركب الدولة كما تسير الدمى لا حول لها ولا قوة ولا شعور بالمسؤلية، ولقد ضرب «السبيعي» في تصرفه هذا الفريد أفضل الأمثلة لتلامذته وللعلماء عامة ولرجال الدولة الذين كانوا يحسبون أنفسهم في عالم الأحلام والرؤى لا في عالم الواقع الملموس، ولقد أثرت هذه الظاهرة في «ابن المبارك» وهو أحد كبار الشخصيات العلمية التي كانت تشاهد المباريات في ساحة الاباء والاعتدا بالنفس، فقال لتلميذ من تلامذة الفقيه السبيعي: «اكتب نَفَس هذا الشيخ»[٧١] أي ان كل كلمة يتفوه بها هذا الشيخ هي كلمة حكيمة مضيئة تنير الدرب في عالم النفس والحياة، ثم ان صاحبنا الفقيه السبيعي رحل من مدينة الكوفة الى «الحَدَث» من أرض الثغر ليؤدي هناك واجبه الجهادي والإعلامي، يحمل سيف الجهاد ولسان التبليغ والدعوة إلى الاسلام الناصع في نية خالصة واستقبل هناك استقبالاً حافلاً من قبل الجنود والضباط وخاصة وان شهرة الفقيه السبيعي قد بلغت إلى تلك الأصقاع. وتوفى هناك في ساحة المعركة في الحدث في شهر شعبان سنة ١٨٧ أو ١٩١[٧٢].
ومن عشيرة أبي اسحاق السبيعي عالم حلب في عاصمة وعهد سيف الدولة الحمداني الا هو: الحافظ العلامة أبو محمد الحسن بن أحمد بن صالح الهمداني السبيعي الحلبي من كبار علماء حلب، بل من زعماءهم في الفقه والحديث في مدينة حلب وكان هذا على عهد سيف الدولة الحمداني، وكان سيف الدولة يعظمه ويناصره يزوره في بيته وكان أثيراً لديه وكان الشعب يربطه بهذا العالم الكبير عاطفة الحب والولاء فكانوا يستفتونه ويبثونه مشاكلهم الاجتماعية والفكرية، وكانت زيارة سيف الدولة لزعيم المسلمين في حلب لها صدى كبيراً لدى الشعب، ولأجل هذه الروابط العاطفية بين الزعيم السياسي والزعيم الديني ألف هذا الأخير كتاب: «التبصرة في فضل العترة المطهرة».
وكانت احدى احياء حلب يطلق عليها «حي السبيعي» باسم صاحبنا تماما كما ان السبيعي الزعيم هذا لولاءه الشديد لأهل البيت وتفانيه في حبهم حاول ان يبر سلالة الرسول الكريم فقام بتشييد حمام كبير فيه كل مرافق الاستحمام ثم أو قف هذا الحمام: «حمام السبيعي» على العلوية، ورحل السبيعي هذا إلى دمشق وبغداد وبقية البلدان يومذاك لمشاهدة معالمها والاجتماع بعلماءها ومحدثيها، بل والاستفادة في الرواية والحديث منهم، وفي عام من الأعوام زار الوزير «ابن خنزابة»[٧٣]. مدينة حلب وهناك استقبلته الدولة مع هتافات الشعب بكل حفاوة وتكريم وكان صاحبنا أبو محمد السبيعي في مقدمة الشخصيات العلمية التي استقبلت الوزير وبعد اللقاءات التي اجراها الوزير مع الشخصيات السياسية والعلمية في حلب عرف أن السبيعي هذا يتمتع بشعبية ساحقة ويعتبر من علماء الحديث الأمر الذي حاول أن يختبره حتى يعلم مدى شوطه في علم الحديث، فقال الوزير ابن خنزابة له: أتعرف إسناداً فيه أربعة من صحابة رسول الله كل واحد منهم عن صاحبه.
فقال السبيعي: نعم، ثم ذكر له الحديث المنشود. ومن منطلق هذا الامتحان الناجح اضحى السبيعي له مكانته المرموقة عند الوزير واهتمامه الكبير به فكان يسأل عنه اذا ما غاب ويجله ويرعاه اذا ما حضر في الحفل.[٧٤]
أساتذة أبي محمد السبيعي ومن روى عنهم
وروى عن أبي محمد السبيعي كل من:
- الشيخ محمد ين محمد بن النعمان الشهير بـ الشيخ المفيد، والدارقطني.
- أبي محمد عبد الغني الأزدي.
- أبي بكر البرقاني.
- أبي طالب بن بكير.
- أبي نعيم الحافظ.
- أبي العلاء الواسطي[٧٦].[٧٧]
آيات الثناء العاطر
قال الذهبي: كان عسراً في الرواية زعر الاخلاق من أئمة هذا الشأن - أي أئمة الحديث - على تشيع فيه[٧٨].
قال الحسيني: أنا لا أفقه كيف يجتمع في رجل عالم ضيق الصدر والخلق الغاضب المتجهم مع التفاف الجاهير حوله، بل لابد أن يكون على مستوى رفيع من الخلق النبيل، علما أن الجماهير لا تلتف حول ضيقي الخلق، سيئى التصرفات ضيقى العطن، ثم ان السبيعي كان عسر الرواية كما يزعم الذهبي، والخطيب - كما يأتي – يرجع أسبابه إلى أن السبيعي لم يكن يبتذل حديث رسول الله فيرويه لكل صادر ووارد أو لكل إنسان لا يستشف منه التقدير، أو لا يجد فيه مؤهلات حمل الحديث.
وقال الذهبي: وثقة أبو الفتح بن أبي الفوارس[٧٩]، قال أسامة الحلبي: لولم يكن للحلبيين من الفضيلة ألا الحسن بن أحمد السبيعي لكفاهم[٨٠].
قال الخطيب: كان أبو محمد السبيعي ثقة حافظاً مكثراً وكان عسراً في الرواية، ولما كان بأخرة عزم على التحديث والاملاء في مجلس عام فتهيا لذلك ولم يبق الا تعيين يوم المجلس، فمات... قال القاضي أبو العلاء: رأيت أبا الحسن الدار قطني جالساً بين يدي أبي محمد السبيعي كجلوس الصبي بين يدي المعلم هيبة...، وقال محمد بن أبي الفوارس: وكان أبو محمد السبيعي ثقة قد كتب كتاباً كبيراً وكان يحفظ حفظاً حسناً ويذاكر... [٨١].[٨٢]
وفات أبو محمد السبيعي
توفى أبو محمد السبيعي يوم الاثنين السابع عشر من ذي الحجة سنة احدى وسبعين وثلاثمائة[٨٣].
الطوسي عد «أبا اسحاق الهمداني» من أصحاب أمير المؤمنين (ع)[٨٤].
وعده أيضاً من أصحاب الإمام الحسن المجتبى بن علي عليهما السلام[٨٥].
وعده أيضاً «أبا اسحاق السبيعي» من أصحاب الإمام الحسن المجتبى(ع) على انه رجل آخر[٨٦].[٨٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ السبيعي، بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة، وسبيع بطن من همدان، وفي الكوفة لهم: «محلة السبيع»، و«جبانة السبيع» و«مسجد السبيع».
- ↑ وفيات الأعيان ٣: ١٢٩ – ١٣٠.
- ↑ الطبقات الكبرى ٦: ٣١٤؛ تهذيب التهذيب ٨: ٦٥.
- ↑ الطبقات ٦: ٣١٤؛ تهذيب التهذيب ٨: ٦٥.
- ↑ الغارات ١: ٩٨.
- ↑ الغارات ١: ٩٩.
- ↑ تذكرة الحفاظ ١: ١١٤.
- ↑ حلية الأو لياء ٤: ٣٣٨ - ٣٥٠.
- ↑ حلية الأو لياء ٤: ٣٣٨ - ٣٥٠.
- ↑ الاختصاص للمفيد: ٨٣.
- ↑ تهذيب التهذيب ٨: ٦٦.
- ↑ المصدر نفسه ٨: ٦٦
- ↑ قال القمي: وقد قرأ ابن عساكر في هذا المسجد الحديث سنة (٥٠١) على الشريف أبي البركات العلوي. ولد ابن عساكر سنة (٤٩٩)؟!.
- ↑ علماً أن أذان المغرب في فصل الصيف تصدح في الساعة الثامنة أو السابعة والنصف حيث مغيب الشمس. أما في فصل الشتاء فإن وقت أذان الغروب هوالساعة الخامسة أو الخامسة والنصف حيث مغىب الشمس. وهذا توقيت محلي وأقليمي.
- ↑ صفوة الصفوة: ٣: ١٠٤.
- ↑ طبقات ابن سعد: ٦: ٣١٥.
- ↑ تهذيب التهذيب ٨: ٦٦.
- ↑ يراجع تهذيب التهذيب ٨: ٦٥.
- ↑ الاختصاص ٨٣ والجديد بالذكر ان الطوسي لم يذكره من اصحابه (ع).
- ↑ تهذيب التهذيب ٨: ٦٧.
- ↑ القاموس: مادة «سبع».
- ↑ الاشتقاق: ٤٢٧.
- ↑ تذكرة الحفاظ ١: ١١٤
- ↑ نفس المصدر ١: ١١٤.
- ↑ ىراجع رجال الطوسي ٦٤، ٧١.
- ↑ تذكرة الحفاظ ١: ١١٥
- ↑ حلية الأو لياء ٤: ٣٤١؛ وفيات الأعيان ٣: ١٢٩ – ١٣٠ وصفوة الصفوة ٣: ١٠٤ - ١٠٥.
- ↑ الطبقات الكبرى: ٣١٤.
- ↑ تذكرة الحفاظ ١: ١١٤.
- ↑ حلية الاولياء ٤: ٣٤١.
- ↑ تذكرة الحفاظ ١: ١١٤.
- ↑ يراجع: تهذيب التهذيب ٨: ٦٥؛ تذكرة الحفاظ ١: ١١٤؛ حلية الأو لياء ٤: ٣٤١.
- ↑ تهذيب التهذيب ٨: ٦٣؛ تذكرة الحفاظ ١: ١١٤.
- ↑ تهذيب التهذيب ٨: ٦٥.
- ↑ صفوة الصفوة ٣: ١٠٥.
- ↑ الخصال: ١٤.
- ↑ الخصال: ٤٣.
- ↑ الخصال: ٧١.
- ↑ الخصال: ٤٠١ - ٤٠٢.
- ↑ الخصال: ٦٤٥ طبعة جامعة المدرسين.
- ↑ يراجع الخصال: باب السبعة، ٣٦٤ - ٣٨٢.
- ↑ سورة النحل، الآية ٣٢.
- ↑ سورة النحل، الآية ٢٨.
- ↑ مصباح البلاغة ٤: ٩٨ - ١٠٩ عن الطوسى في أماليه.
- ↑ أصول الكافي ١: ٣٣ - ٣٤.
- ↑ أصول الكافي ١: ٣٠. وستأتي قريباً خطبة هي أطول من هذه الخطبة.
- ↑ أي ان غاب عن الناس شخص الحجج فان علومهم مثبتة في قلوب المؤمنين.
- ↑ أصول الكافي ١: ٣٣٩.
- ↑ نهج السعادة ١٠ - ١٤.
- ↑ الغارات ١: ٩٨ ومر هذا الحديث.
- ↑ الغارات ١: ١١٢.
- ↑ الغارات ١: ١١٤.
- ↑ الغارات ١: ٧٠.
- ↑ حلية الأو لياء ٤: ٣٣٨-٣٥٠.
- ↑ حلية الأو لياء ٤: ٣٤٩.
- ↑ اخواتها: سورة الواقعة والمرسلات عرفا وعم يتسائلون واذا الشمس كورت.
- ↑ تذكرة الحفاظ ١: ١١٥ - ١١٦. من منشورات محمد أمين دمج - بيروت.
- ↑ رجال الكشي: ٣٤، طبعة جامعة مشهد – اىران. صفىن: ٣٢٣.
- ↑ رجال الكشي: ٣٤.
- ↑ وقعة صفين: ١٣٣.
- ↑ وقعة صفين: ٢٥٠.
- ↑ الخصال للصدوق: ١٨١.
- ↑ حلية الأو لياء ٤: ٣٤٤- ٣٤٥.
- ↑ يراجع: تاريخ الطبري ٦: ٣٣٧. وقد ذكرنا هذه الثورة بتوسع في ترجمة عامر بن واثلة.
- ↑ يراجع: تذكرة الحفاظ ١: ١١٤.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٧-٤٢.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٤٢.
- ↑ يراجع على سبيل المثال «تاريخ الطبري» ٦: ٣٢٧، و٣٤٥، تحقيق محمد أبي الفضل ابراهيم.
- ↑ صفة الصفوة لابن الجوزي ٣: ٢٦٠-٢٦١.
- ↑ صفوة الصفوة ٣: ٢٦٠.
- ↑ صفة الصفوة ٣: ٢٦١.
- ↑ صفة الصفوة ٣: ٢٦١.
- ↑ هوالفضل بن جعفر أبو الفتح.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٤٢-٥٠.
- ↑ تذكرة الحفاظ ٣: ٩٥٢؛ تاريخ الخطيب ٧: ٢٧٣.
- ↑ تذكرة الحفاظ ٣: ٩٥٢.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٥٠-٥١.
- ↑ تذكرة الحفاظ ٣: ٩٥٢.
- ↑ تذكرة الحفاظ ٣: ٩٥٢.
- ↑ نفس المصدر ٣: ٩٥٢.
- ↑ تارىخ الخطىب ٧: ٢٧٣-٢٧٤.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٥١-٥٢.
- ↑ نفس المصدر ٧: ٢٧٣؛ تذكرة الحفاظ: ٩٥٤.
- ↑ رجال الطوسي ٦٤-٢٤.
- ↑ رجال الطوسي ١: ٧١.
- ↑ رجال الطوسي ٢: ٧١.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٥٢.