الإمامة في نهج البلاغة
تمهيد
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[١].
هنا نتناول من خلال كلام أمیر المؤمنین (ع) في نهج البلاغة، مواضيع وحديث الإمامة حيث له تمام الأهمية لأنه يواكب ويتصل بحياتنا، وقد تحدث الإمام عن الإمامة كثیرًا في ذاتها وفي أهميتها وشروط القائم بها ونهجها الذي يجب أن تنهجه كي تقود الأمة للهداية عبر الطرق الإلهية الصحيحة، وعن الملابسات التأريخية التي اكتنفت وحفت هذا الموضوع الخطر، وحديث الإمام له أهمية خاصة باعتباره معنيًّا مباشرة بموضوع الإمامة، وهو رجل القضية وبطلها، وقوله الحق والفصل، ونتناول في هذا الحديث تعريف الإمامة وأهميتها ثم عرض المواضيع التي تناولها الإمام في نهج البلاغة.[٢]
أولًا: التعريف بالإمامة
التعريف اللغوي
الإمام بالمعنى اللغوي هو القدوة سواء كان في الحق: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾[٣]، أو في الباطل: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾[٤].[٥]
التعريف الاصطلاحي
أما في الاعتقاد فهناك تعاريفُ كثیرة ومنها ومن أشهرها تعريف العلامة الحي بأن الإمامة رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا، لشخصٍ من الأشخاص نيابةً عن النبي (ص).
فهي إذن رئاسة والناس مرؤوسون، وهي لا تحدُّ بحد بل هي في جميع الشؤون الدينية والدنيوية فهي في مجال الحكم التشريعي والتنفيذي فيما يتعلق بالإدارة والسياسة وجميع قضايا الحياة، بخلاف من يعرِّفُها بأنها خاصة بالسياسة فقط ولا تتصل بالمعتقد والشريعة.
وهي إذن ليست على غرار النبوة بل هي نيابة عن النبوة وامتداد لها،فلها جميع صلاحيات ومقومات النبوة باستثناء ما يتعلق بالوحي ويختص بالنبي فالإمام ليس نبيًّا.[٦]
ثانيًا: أهميتها
وأحسب أن أهميتها للحياة والبشر أمر بدهي لا حاجة إلى الإفاضة فيه، فحتى في المحيط الضيق في العائلة أو المدرسة ندرك بالوجدان أنه إذا لم يكن هناك من يقوم بشؤونها وينظر في مصالحها فإن مآلها إلى الضياع نظرًا لتشتت الأهواء وعبث الأفكار واختلاف المقاييس: وقد «ضَلَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ حَكيمٌ يُرشِدهُ»[٧].
فإن الذي يضبط الأمور إما أن يكون عقل الفرد أو المجتمع أو الدين أو الإمام، فأما عقل الفرد فقد يكون مغلوبًا خاضعًا للأهواء ومؤثرات أخرى، قاصرًا عن إدراك المصالح، وأما المجتمع فتختلف فيه النزعات والأهواء وتتضارب المقاييس، وأما الدين فقد يكون معارَضًا غیر قادر أن يبثَّ تشريعاته كما هي الحال في فترات كثیرة من التأريخ كان الحكم فيها لغیر الدين بل لحكومات لا تحكم بالدين مطلقًا أو لا تحكم بكل تشريعاته، فلا بدَّ إذن من إمام، أما الإمام الجائر أو الجاهل فلا يزيد الأمة إلا ضلالاً وشقاء، فا بد من إمام عالم عادل يأخذ بالبشرية إلى الطريق الصحيح ويكفل لها سعادتها، ومتى وُجِدَتْ أمة في التأريخ دون حاكم؟ نعم ظهرت جماعة غیر إسلامية تتبنى فكرة أو مذهبًا وتدعو إلى إحياء الفوضوية وعدم وجود أي حكومة تحكم البشر، وقد كان هذا كردة فعل نظرًا لأن الحكومات بطبعها مستبدة وجائرة تتحكم فيها الأهواء والعواطف، إلاَّ أنه -كما نعتقد- ليس هذا هو الحل، بل الحل في وجود إمام عادل.
ومن مظاهر أهمية الإمامة والتركيز عليها وجود حجة من قبل الله تعالى في عموم تأريخ البشر، فيوم أن كان وجود البشر منحصرًا في فرد واحد هو آدم (ع) كان هو نفسه الحجة، ولم يخلُ الناس من حجة في عموم حياتهم، فكان الأنبياء وكان أوصياؤهم الذين حملوا هديهم إلى الناس، حتى وصل الأمر إلى خاتم الأنبياء وامتدَّ في إمامة الأئمة عليه وآله وعليهم الصلاة والسلام.
وقد تحدث الإمام (ع) كثیرًا عن هاتین النقطتین وما يتعلق بهما، فمن جملة ذلك ما يلي:
- ١. لما سمع قول الخوارج «لا حكم إلا لله» قال (ع)[٨]:
- «كلمةُ حقِّ يُرادُ بها باطل... وإنه لا بدَّ للناسِ من أمرٍ بَرٍّ أو فاجرٍ يَعْمَلُ في إِمرتِهِ المؤمنُ، ويَسْتَمْتِعُ فيها الكافرُ، ويُبَلِّغُ اللهُ فيها الأجلَ، ويُجمَعُ بهِ الفيءُ، ويُقاتَلُ بهِ العدوُّ، وتَأْمَنُ بهِ السُّبُلُ، ويُؤْخَذُ بهِ للضعيفِ من القويِّ...».
- وليس من غرضي هنا التفصيل في هذه النصوص الشريفة وإنما نأخذ منها مواضع الشواهد، فالإمام (ع) يشیر إلى الرورة الملحة للإمرة سواءً كان يعني بها الإمامة أو الإدارة بشكل عام.
- ٢. وتحدث عن الأمان بالإمام من الاختلاف والضلال فقال (ع)[٩]:
- «فَيَا عَجَباً! وَ مَا لِيَ لاَ أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ اَلْفِرَقِ عَلَى اِخْتِلاَفِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لاَ يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لاَ يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ ... كَأَنَّ كُلَّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ»: فيعجب الإمام من ذلك الشتات فالكل له حجة ودليل والكل يرى أنه على الحق، ويقرن الإمام ضلالهم بعدم اتباع النبي أو الوصي اللذين هما في منصب إمامة الناس، فكل فرد إذن أصبح وكأنه إمام نفسه.
- ٣. ويركز الإمام على أهمية الإمامة ثم على ممارسات الإمام في صدد تعليله لطلبه للحكم، فيقول (ع)[١٠]:
- «وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اَلْوَالِي عَلَى اَلْفُرُوجِ وَ اَلدِّمَاءِ وَاَلْمَغَانِمِ وَاَلْأَحْكَامِ وَإِمَامَةِ اَلْمُسْلِمِينَ اَلْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ وَلاَ اَلْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ وَلاَ اَلْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ وَلاَ اَلْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ وَلاَ اَلْمُرْتَشِي فِي اَلْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ...»: فهناك أحكام يجب القيام بها وتستلزم وجود الإمام، ومن أهم هذه القضايا النكاح والدماء أي ما يتعلق بها من قصاص وغیره وكذلك غنائم الحرب، وهناك إمامة المسلمين بشكل عام، فلابد إذن من وجود الإمام، وهذا الإمام له صفات تميزه وتؤهله للقيام بهذا المنصب وهذه القضايا، فلا يكون الإمام بخيلاً فيطمع في أموالهم ويستأثر بها لنفسه، ولا جاهلاً فيقودهم ولكن إلى الضلال، فهم بحاجة إلى عالم بما يصلحهم، ولا الجافي الذي لا أريحية ولا لین فيه فيقطعهم ويقسو عليهم.
- وينبغي أن يلاحظ أن تكرار الإمام لبعض المعاني في نصوص مختلفة إنما هو بسبب اختلاف المناسبات والحاجة إلى تلك المعاني بعينها فيها، وفي هذا النص التالي يأخذ الإمام بأسلوب آخر، وذلك حین استشاره عمر في أن يخرج مع الجيش لقتال الفرس سواء في القادسية أو غيرها[١١]، فقال (ع)[١٢]:
- «وَمَكَانُ اَلْقَيِّمِ بِالْأَمْرِ مَكَانُ اَلنِّظَامِ مِنَ اَلْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَ يَضُمُّهُ فَإِنِ اِنْقَطَعَ اَلنِّظَامُ تَفَرَّقَ وَ ذَهَبَ ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَداً»: فقد أشار الإمام على عمر بعدم الخروج، وقد يكون ذلك لحكمة ظاهرة كالحفاظ على من جُعِلَ رمزًا وسُمِّيَ خليفة للمسلمين، أو كان السبب هو خوف الإمام من هزيمة المسلمين بسبب القائد الذي كانت على يديه الهزيمة أولًا في خيبر، أو كان ذلك لحكمة لا نعلمها، فعلى أي حال فإن مصلحة الإسلام عند الإمام هي فوق كل اعتبار آخر، وتشبيه الإمام هنا تشبيه حسي يصور فيه الناس كالخرز، وإمامهم بمثابة النظام وهو السلك الذي يجمع الخرز، فإذا انقطع السلك تناثر الخرز وتعسّر جمعه، وذلك كناية عن شتات الناس وضياعهم دون إمام.
- ٤. وفي كتاب هو من عجائب الدهر وجهه إلى عثمان بن حنيف الأنصاري عامله على البصرة وقد بلغه أنه دُعِيَ إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، فمما قاله (ع) في هذا الكتاب في شأن الإمامة[١٣]:
- «أَلاَ وَ إِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَ يَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلاَ وَ إِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اِكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ[١٤]، ومِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ...».[١٥]
ثالثًا: أحاديث الإمام (ع) حول الإمامة
تحدث الإمام (ع) كثیرًا عن موضوع الإمامة، ونعرض هنا بعض المواضيع والتي سوف نتناولها فيما نستقبل من دروس إن شاء الله تعالى، فقد بثَّ شجونه وآهات جراحه التي ضمها، فذكر الوصية والإمامة وموقع أهل البيت (ع) منها،
وذكر مناقبه التي هي مؤهلاته للإمامة، وفي هذا أيضًا نعيٌ ونقدٌ واعتراض على الذين كان لهم الحكم مع أنهم يفقدون كل مقوِّمات الإمامة والحكم، فتقدموا وأخَّروه رغم ما كان يملكه من كمالات، وأنزله الدهر حتى صار يقرن بتلك النظائر.
وتحدث الإمام (ع) عن ضياع الناس وحيرتهم بعد الرسول (ص) حتى أنتجت سقيفتهم ما أنتجت، فخاض الإمام هذا الموضوع بما فيه من حساسية بقلب مألوم، وانتقد بكل وضوح وصراحة من تولى الحكم، وهذا النقد والاعتراض له أهميته الخاصة لأنه صدر من البطل الذي عاصر الدعوة من أولها إلى آخرها وبقى بعدها ورأى الحال التي وصلت إليها الأمة، وهذا النقد لا نجده عند غیر الإمام وهذا سبب آخر لأهميته، فقد سجل في مناسبات عدة على الحاكمین ملاحظات وجوانب نقد سواء كان في مؤهلاتهم العلمية أو الإدارية أو الحكمة أو غيرها من الجهات.
كما تحدث الإمام عن برنامجه ونظامه في الحكم من أحكام إلهية كان يحب للناس أن يهتدوا بهديها، إلا أنه نحي عن الحكم فترة، ثم أتاه الناس يريدونه حاكماً بعد أن أحدث الأولون في الدين والأمة ما أحدثوا، فكانت المهمة صعبة، وفوق كل ذلك انشغل بحروب طويلة فكانت الجمل وكانت صفین وكانت النهروان، فلم يتأتَّ له أن يطبق نهجه الإلهي العظيم في الحكم، وقد بین الإمام جوانب من هذا النهج في عهده العظيم الخالد لصاحبه ورفيق دربه العزيز على قلبه مالك الأشتر، رضوان الله تعالى عليه، مبينًا فيه نظام الحكم كما أراده الله تعالى أن يجري ويطبق، ولكن الناس أبوا واتبعوا أهواءهم ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾[١٦].[١٧]
الإمامة في نهج البلاغة
الإمامة: - لغةً - ما يطلق عليها اليوم بالرئاسة العامّة، أو الخلافة، ومصدر الفعل «أمّ» ويعني التقدّم، كما يعني الاقتداء، يقال: أمّ الرجل القوم في الصلاة: صار إماماً لهم، فاقتدوا به في صلاتهم. والإمامة شرعاً: منصب إلهي يمنحه الله سبحانه لمن يشاء، وليس أمرها بيد الناس، لذا قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾[١٨].
قال(ع) في بيان شروط الإمام الحقّ: «لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ وَالدِّمَاءِ وَالْمَغَانِمِ وَالْأَحْكَامِ وَ إِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ، فَتَكُونَ في أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ»[١٩].
فالله سبحانه لا ينصب شخصاً للإمامة إلّاإذا استكمل محاسن الأخلاق والصفات، وتنزّه عن الرذائل والمساوئ.
وقال(ع) في مبايعة الناس للإمام(ع): «وَلَعَمْرِي، لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لاَ تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنْ سَبِيلٍ»[٢٠]. أي أنّ الإمامة لا يشترط في صحّة انعقادها أن يحضرها الناس كافّة؛ لتعذّر اجتماع المسلمين من أطراف الأرض.
ومن ردّه(ع) على قول الأنصار: منّا أمير، ومنكم أمير: «لَوْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ (الإِمَارَةُ) فِيهِمْ لَمْ تَكُنْ الْوَصِيَّةُ بِهِمْ»[٢١].
فقد أوصى رسول الله(ص) المهاجرين بأن يحسنوا إلى محسنهم، ويتجاوزوا عن مسيئهم؛ لكون زمام الأُمور بيد الإمام الذي هو من المهاجرين، لا الأنصار.[٢٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٧٣.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٧٣.
- ↑ سورة القصص، الآية ٤١.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٧٣-٢٧٤.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٧٤.
- ↑ عن أمير المؤمنين (ع). الفصول المهمة في معرفة الأئمة ٢/ ٨٥٩ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣١.
- ↑ من أجل الوقوف على تفصيل هذه الاستشارات يمكن مراجعة شرح المیرزا حبيب الله الخوئي لهذا النص الشريف في كتاب (منهاج البراعة).
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٦.
- ↑ الكتاب رقم ٤٥، ص ٤١٧ .
- ↑ الطِّمْرُ: الثوب الَخلِقُ البالي.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٧٤-٢٧٨.
- ↑ سورة الجن، الآية ١٦.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٧٨-٢٧٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٢٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٧٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٦٧.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ، ج۱، ص ٢٨٥-٢٨٦.