الخطط العسكرية والاعلامية
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
التمهيد
تطالعنا في ثورة عاشوراء سلسلة من الخطط العسكرية والإعلامية التي مارسها الإمام الحسين (ع). وقد اتخذت اساليبه العسكرية امّا حالة الدفاع أو حالة الهجوم. وتركّز اسلوبه الإعلامي بشكل اساسي على توعية أبناء الامة، واستثمار هذه الحركة ما أمكن لأبلاغ رسالته، سواء في زمنه وما باشره بنفسه منها أم ما تمّ منها بعد استشهاده. وهناك حقيقة لا يرقى إليها الشكّ، وهي أنّه(ع) قد تصرّف في ثورة كربلاء كمقاتل يجيد جميع الخطط العسكرية والدفاعية والاعلامية وبمهارة فائقة.
وما يطرح انما هو مجرّد امثلة مستخلصة من التأمل في وقائع هذه النهضة، وهو ما يعكس بوضوح مقدرته الإدارية الرائعة وتنظيمه وتدبيره في تلك الحادثة التي امتزجت فيها المشاعر والعواطف بعنصر التعقل، وينقسم هذا الموضوع الى:
الخطط العسكرية
- الحماية الشخصية: عند لقاء سيد الشهداء(ع) بوالي المدينة، الوليد بن عتبة، بعد موت معاوية، سار إليه وبرفقته جماعة من شبّان بني هاشم وسيوفهم مسلولة ومخفيّة تحت ثيابهم، وأوصاهم بالبقاء خارج الدار فاذا ارتفع صوت الإمام من الداخل. فعليهم باقتحام الدار والعمل بما يأمرهم به[١]. ولم يكن هذا التدبير الوقائي إلّا احترازا من أي خطر أو سوء قد يبديه الوليد. وذكروا انّ المرافقين له بلغ عددهم ثلاثين شخصاً[٢].
- استطلاع التحركات المعادية: لمّا سار أبو عبد الله مع عياله وأتباعه من المدينة إلى مكّة، ابقى أخاه محمد بن الحنفية في المدينة كعين استطلاعية لموافاته بأيّ تحرّك من جانب السلطة، واطلاع الإمام على ما يجري في المدينة، قائلاً له: «أَمَّا أَنْتَ يَا أَخِي فَلاَ عَلَيْكَ أَنْ تُقِيمَ بِالْمَدِينَةِ فَتَكُونَ لِي عَيْناً لاَ تُخْفِي عَنِّي شَيْئاً مِنْ أُمُورِهِمْ»[٣].
- افشال محاولة الاغتيال: بلغ الإمام انّ يزيد أرسل جماعة بإمرة عمرو بن سعيد الأشدق لقتله أو القبض عليه. فعمل الإمام على افشال خطّة الاغتيال لأجل صيانة حرمة الحرم الإلهي ولكي لا يراق دمه في مكّة، فاستبدل الحجّ بالعمرة وخرج من مكة في الثامن من ذي الحجة[٤].
- جمع المعلومات: لمّا كان الاطلاع على وضعية العدو، واخبار الناس المؤيدين له دور فاعل في القرارات التي يتخذها القائد، لذلك اهتم الإمام بالحصول على المعلومات والاخبار الكافية عن الوضع الداخلي في الكوفة، وكان يحصل على هذه المعلومات ببعض السبل التالية:
- الاستفسار من المسافرين القادمين من الكوفة باعتبارهم شهود عيان لما يجري فيها. ومن امثلة ذلك بشر بن غالب الذي لقي الإمام في ذات عرق، الفرزدق الذي لقيه في منزل آخر.
- مكاتبة اتباعه في الكوفة والبصرة واليمن (وهي الولايات الأكثر محبّة لأهل البيت) والحصول منهم على الكتب والرسائل التي تتحدّث عن أوضاع تلك المناطق، والدعم الجماهيري الذي قد يتلقّاه عند اعلان ثورته. وحتّى انّه كان يعرض هذه المعلومات عند الحاجة على الجيش المعادي الذي أغلق عليه الطريق، أو تأهّب لقتاله.
- المصادرة: اثناء نزول الإمام في منزل التنعيم عند مسيره إلى العراق، التقى بقافلة متّجهة من اليمن إلى الشام وهي تحمل بضائع نفيسة ليزيد، فصادر الإمام تلك البضاعة لكي لا يكون الطريق آمنا لاتباع يزيد، وقال للقائمين عليها: من شاء منكم المجيء معنا إلى العراق ندفع له اجرته ونحسن إليه، ومن اراد مفارقتنا ندفع له اجرته إلى هنا. ففارقه بعضهم، وجاء بعضهم الآخر معه[٥]، وهو بهذا الاسلوب اضرّ باقتصاد حكومة يزيد من جهة، وحصل على بعض الاتباع من جيش العدو من جهة اخرى.
- كسب الأنصار: استثمر الحسين(ع) كلّ فرصة لاستمالة الأشخاص من الجبهة المعادية إلى جبهة الحقّ. وكمثال على أحد تلك المواقف المتعددة، لقاءه مع زهير بن القين في منزل زرود. كان زهير في بداية الأمر يتحاشى لقاء الإمام، لكنّه التحق به من بعد ذلك اللقاء وسطّر ملحمة خالدة يوم الطف حتّى استشهد.
- تطهير الجيش: أعلن الإمام عدّة مرّات طوال الطريق إلى الكوفة، بعد استقرائه لمجمل الاوضاع، بانّه سيقتل هو واهل بيته وأنصاره، وكان غرضه من ذلك تطهير جيشه من الاشخاص الذين رافقوه طمعا في المغانم الدنيوية، ولتبقى معه الفئة الخالصة المتأهبة للاستشهاد، والتي تتحلّى بالانضباط والطاعة. وقد حصل مثل هذا التطهير في منزل زبالة، وفي كربلاء في ليلة عاشوراء. ففي منزل زبالة انصرف عنه البعض، ولكن في ليلة عاشوراء لم ينصرف عنه احد[٦].
- اعداد المعسكر: لمّا نزل الإمام الحسين في كربلاء أمر بضرب الخيام قريبة من بعضها وان تتداخل حبالها فيما بينها، وان يكون موقفهم أمام الخيام في مواجهة العدو، قال ابن شهر اشوب في مناقبه: «أمر بإطناب البيوت، فقرّبت حتّى دخل بعضها في بعض، وجعلوها وراء ظهورهم لتكون الحرب من وجه واحد، وأمر بحطب وقصب كانوا جمعوه وراء البيوت، فطرح ذلك في خندق جعلوه والقوا فيه النار وقال: لا نؤتى من ورائنا»[٧].
- تنظيم الجيش: في صبيحة يوم عاشوراء نظّم الإمام الحسين جيشه ونظم أصحابه فما ان فرغوا من صلاة الصبح حتّى جعل زهير بن القين قائدا للجناح الأيمن، وحبيب بن مظاهر على الجناح الأيسر، ودفع اللواء إلى العباس، وجعل الخيام وراء ظهورهم والقوا الحطب في الخندق الذي حفروه وراء الخيام وكان هذا الخندق قد حفر في ليلة عاشوراء للحيلولة دون هجوم العدو من الخلف، واضرموا فيه النار[٨].
- إيجاد الموانع: حاولت زمرة من جيش العدو في يوم عاشوراء الهجوم من الخلف حيث الخط الدفاعي، والتسلّل من بين الخيام (وكانت حبال الخيام من جملة الموانع). فتصدّى لهم ثلاثة أو أربعة من أنصار الإمام. وأمر ابن سعد باحراق الخيام. فقال الحسين: دعوهم فليحرقوها (طبعا الخيم الخالية للأنصار و... الخ) فإنّهم اذا حرقوها لا يستطيعون أن يجوّزوا إليكم منها. فكان كذلك. وهذا التخطيط تجلّى أيضاً حتّى في اختيار الموضع المناسب لضرب الخيام، اذ نزل في موضع تكثر فيه التلال لاتخاذها كحواجز طبيعية ضد تقدم العدو، أو لغرض احتواء هجومه المحتمل من جهة اليسار. كما كان حفر الخندق واضرام النار فيه كاجراء لايجاد حاجز امام العدو[٩].
- طلب المهلة ليلة عاشوراء للصلاة والدعاء وقراءة القرآن. وهذا الامر وان كان من الممكن النظر إليه باعتباره امرا عباديا ومعنويا، ولكن نظرا لاهمية الدور المعنوي في اذكاء روح القتال لدى المحارب، فقد كان له تأثيره الفاعل ويمكن اعتباره جانبا من التخطيط العسكري. لا سيّما ان رؤية الأنصار لمكانتهم في الجنّة جعلتهم يتحرقون شوقا للشهادة، أو انها دفعت بعضهم للمزاح مثل موقف برير.
- في اللحظات الأخيرة التي عزّ فيها الناصر على سيد الشهداء، أخذ يقاتل راجلا كقتال الفارس الشجاع، يتّقي الرمية، وينتهز غفلة العدو فيشدّ عليهم[١٠].
- التستّر للالتحاق بالحسين: كان عدد من اصحاب الإمام قد قدموا إلى كربلاء مع جيش عمر بن سعد، وهناك التحقوا بمعسكر الإمام واستشهدوا إلى جانبه. وهذا الاسلوب في التستر يدلّ على وجود رقابة مشدّدة آنذاك على مداخل الكوفة للحيلولة دون التحاق أنصار الإمام الحسين بمعسكره، حتّى انّ بعض الشيعة لم يكن أمامهم من سبيل سوى الوصول إلى معسكر الإمام تحت غطاء المسير مع جيش عمر بن سعد.
- اتّخذ موضع ضرب الخيام، وتأهّب العسكر للدفاع في وسط ذلك الموضع شكلا شبيها بحذوة الفرس، للسيطرة على مواضعهم وخيامهم، وليكونوا هم في وسط ذلك الموضع، ولكي لا يتاح للجيش المعادي محاصرتهم.
خصائص منطقة العمليات
كانت خصائص ساحة القتال في كربلاء على النحو التالي:
- قريبة من نهري دجلة والفرات.
- يقع نهر دجلة إلى يسار كربلاء، ونهر الفرات إلى يمينها.
- تقع في منطقة مناخها جاف وحار من أرض العراق، وتقع ايران إلى الشمال الشرقي منها، والحجاز في جنوبها الغربي.
- المنطقة رملية، وبعض أجزائها تغطيها الغابات.
- كثرة النخيل خصوصا جانب نهر العلقمي.
- تكثر فيها التلال والمرتفعات والمنخفضات.
- ينبع نهر العلقمي من الفرات، ويمرّ قرب الموضع الذي خيّم فيه الإمام الحسين.
- تتميز المنطقة بارتفاع درجة حرارتها في فصل الصيف.
- تقع كربلاء على أطراف نهر الفرات ومقبرة اليهود.
- من حيث الموقع الجغرافي، تتّسم المنطقة بأنّها منطقة ميّتة ومنسية، وليس لها أي أهمية سياسية أو ثقافية أو عسكرية أو اقتصادية.
خصائص التحرك على أرض المعركة عند سيد الشهداء
(الإنسحاب المؤقت، في وقت غير متوقّع)
- استغلال عامل الأرض للحرب النفسية.
- اختيار مساحة الأرض التي تساعد على ابتكار أساليب جديدة في المعركة.
- اختيار الوقت المناسب، وسلب ميزة اختيار الوقت من يد العدو.
- ايجاد حالة من التوازن الدفاعي.
- تشتيت قوة العدو وجعله يهوي نحو الضعف.
- الاخلال بالتقسيم العسكري لجيش العدو، وارغامه على تغيير موقع قيادته.
- الاخذ بزمام المبادرة وسلبها من العدو.
- ايجاد الاضطراب في نظام القرار لدى قادة الجيش المعادي.
- الانسحاب المؤقت والمدروس.
- الأخذ بزمام المبادرة فيما يخصّ الأرض.
- إرغام العدو على اتّخاذ مواقف انفعالية.
- استثمار الغطاء الطبيعي والصناعي في الأرض للاستتار والاختفاء.
- الحيلولة دون تمركز قوات العدو عند الهجوم، واحداث فاصلة جغرافية بين القيادة ومراكز التموين والاتصال.
- دفع العدو إلى التعجيل في اتّخاذ القرار العسكري، والإبطاء في التنفيذ.
- سلب العدو القدرة على استثمار عامل الأرض.
- التضييق على العدو في ميدان العمل، وخفض ميزان كفاءته.
- فرض جهة الهجوم وطبيعة التقسيم العسكري للعدو، بواسطة عامل الأرض.
- المبادرة إلى اسلوب التعبئة العسكرية واعادة التحشد كمّا وكيفا.
- إرغام العدو على كيفية الاستفادة من الأرض (بالصورة المطلوبة).
- اتّخاذ الموضع والتنظيم اللازم لصدّ الهجوم المعادي.
- احراز الاستعداد في جميع الظروف وفي كلّ وقت، وحرمان العدو منها، من خلال عامل الأرض.
- ايجاد الاضطراب في جيش العدو لعدّة ساعات من خلال الحرب النفسية وبدون أي تحرّك أو اهدار أيّة طاقة[١١].
مواصفات الجبهة الحربية لأبي عبد الله (ع)
- اسم المعركة: «هَيْهَاتَ مِنَّا اَلذِّلَّةُ ».
- سنة المعركة: عام ٦١ للهجرة.
- شهر المعركة: محرّم الحرام.
- يوم المعركة: الجمعة العاشر من محرّم.
- طبيعة القتال: الجهاد الابتدائي.
- الهدف من التحرك والهجوم: فضح وجوه النفاق. تشكيل الحكومة.
- الموقف الحربي: دفاعي.
- طول الجبهة الدفاعية (قطر الحذوة): ١٨٠ متراً.
- طول محور العمليات: ٣٦٠ متراً.
- الفواصل بين الخيام: ٢ متر.
- عدد الخيام: ٦٠ خيمة.
- تشكيلة القوات: بنو هاشم، والأنصار، والنساء، والاطفال.
- الحالة النفسية والروحية: حبّ الحفاظ على المبادئ.
- عدد الفرسان: ٣٢ فارسا.
- عدد الرجالة: ٤٠ راجلا.
- عدد كلّ القوات المقاتلة: ٧٢ مقاتلاً.
- القائد العام: أبو عبد الله الحسين (ع) .
- حامل اللواء: أبو الفضل العباس (ع) .
- قائد الجناح الأيمن: زهير بن القين.
- قائد الجناح الأيسر: حبيب بن مظاهر.
- الحالة التموينية: حصار تام.
- حالة التجهيزات: نقص حاد.
- حالة الماء والطعام: حصار (اضافة إلى الجوع والعطش).
- الموقع الجغرافي: المقتل.
- وقت وساعة الصفر: بعد ساعتين من الفجر.
- الرمز السري للهجوم: لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم.
- نوع التعبئة العسكرية: دائري، مثلث، هلالي.
- عدد مرّات الاخلال بتعبئة العدو: ثلاث مراحل، وانتهت الرابعة منها بالقتال الفردي.
- الوقت الذي استغرقته المعركة: ثمان ساعات.
- وقت انتهاء المعركة: غروب ذلك اليوم.
مواصفات الجبهة الحربية لجيش يزيد
- اسم المعركة: البيعة الجائرة.
- هدف المعركة: القضاء على الإسلام المحمدي الأصيل.
- حالة القوات: كاملة العدد والعدّة.
- الموقع الجغرافي: افضل المناطق موقعا.
- الحالة الروحية والنفسية: سبات سياسي عميق.
- عدد الفرسان: ما لا يحصى من الكثرة.
- عدد الرجالة: ما لا يحصى من الكثرة.
- عدد الكلي للقوات: ٣٠ الفاً.
- قائد العسكر: عمر بن سعد.
- حامل اللواء: دريد، مولى عمر بن سعد.
- قائد الفرسان: عروة بن قيس الاحمصي.
- قائد الرجالة: شبث بن ربعي.
- قائد الجناح الأيمن: عمرو بن الحجّاج.
- قائد الجناح الأيسر: شمر بن ذي الجوشن.
- الحالة التموينية: سريعة وكاملة.
- وضعية العدة: تكفي لعدّة اشهر.
- حالة الماء: السيطرة على نهر الفرات.
- حالة الطعام: يكفي لعدّة اشهر.
- طبيعة الحرب: هجومية.
- مقارنة القوّة: رجحان كمي (٤٠٠ شخص مقابل شخص واحد).
- الاتّجاه السياسي والثقافي: النفاق.
- الرمز السري الأول للمعركة: انهضي يا جيوش الله.
- الرمز السري الثاني للمعركة: رمي السهم على يد عمر بن سعد.
- التحشّد العسكري: ثلاث مرات.
- التحشّد الأول: مدوّر، مدرّج اليمين واليسار (للمشاة).
- التحشّد الثاني: الجناح الأيسر، الفرسان.
- التحشّد الثالث: الجناح الأيمن، الفرسان.
- المواجهة الفردية: خطيّة، وتعبوية، وعامة، وفرسان.
- مراعاة القوانين الحربية: النقض الكامل.
الأساليب النفسية والاعلامية
الأساليب التي انتهجها سيد الشهداء(ع) طوال مدّة ثورته، وفي يوم عاشوراء، وكذا الأساليب التي مارسها أهل بيته من بعده كانت كفيلة بالحفاظ على ديمومتها وصيانة صورتها. وكان منهجه عاملا لبثّ المعنويات لدى المشاركين في تلك الملحمة، وهم الذين فدوا الإمام بكلّ وجودهم، وكانت سببا أيضاً في زعزعة اندفاع جيش الكوفة، واضحت عنصر اضعاف أو فضح احباط لدعايات العدو. ويمكن الإشارة إلى بعض تلك الأساليب كما يلي:
- عدم الاعتراف بشرعية خلافة يزيد: فقد زعزع الإمام الحسين بواسطة طرحه لهذا الموضوع، أفكار أتباع يزيد ؛ محطّما بإحجامه العلني عن البيعة حاجز الصمت الذي ساد تلك الأجواء.
- شهود الواقعة: اصطحب الإمام الحسين معه في مسيره إلى كربلاء النساء والاطفال ليكونوا شاهدا حيّا في تسجيل جميع المواقف والوقائع التي شاهدوها للحيلولة دون تحريف حقيقة الثورة ومسخ صورتها الأصيلة، اضافة إلى انّ وجود النساء والاطفال في قافلته كان له دور عاطفي تحريضي ضد الأمويين على طول طريق سفره، وحتى من بعد استشهاده وفي فترة السبي أيضاً.
- مكاتبة وجهاء الكوفة والبصرة وزعماء القبائل، وايفاد المبعوثين إلى الكوفة للاتّصال بقواعد المؤيدين والأنصار.
- تقييم الآراء: حساب الظروف المساعدة على اتّخاذ أي اجراء في الكوفة من خلال ارسال مسلم بن عقيل إلى هناك لتقييم الوضع العام للأتباع ومن كتب له الكتب والرسائل، والطلب من مسلم بن عقيل اعلامه بدقّة عن اوضاع الكوفة ومدى التزام الناس بالعهود والمواثيق.
- شرعية الثورة: ربط الإمام حركته السياسية هذه ضد السلطة الأموية بالتكليف الشرعي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وباحياء سنّة النبيّ (ص)، ليضفي بهذا الربط الشرعية على ثورته، ويصمّ الخلافة آنذاك بعدم الشرعية، والتعارض مع السنّة النبوية.
- استثمار الجانب العاطفي: لمّا كان المسلمون يعتبرون الحسين بن علي(ع) ابن النبي وفاطمة، فقد استثمر الإمام هذا الشعور العاطفي في قلوب الناس سواء لغرض استقطاب الأنصار أم لسلب دافع الحرب لدى العدو، وفضح ماهيّة السلطة الحاكمة. وهذا الاسلوب مارسه الإمام بنفسه، ومارسته من بعده زينب أيضاً، وسار عليه الإمام السجاد وسائر أهل البيت. وحتى ارتداء البردة ودرع وعمامة رسول الله وتقلد سيف ذي الفقار، والتذكير بقرابته من الرسول كان له فعله في اثاره العواطف الدينية لدى الجيش المعادي، وكأداة اعلامية ونفسية مجدية.
- اتمام الحجّة: لجأ ـ سلام الله عليه ـ لالقاء الحجة واتمامها، عدّة مرّات لغرض انتزاع اي سبب للتعلل والاعتذار والتبرير والتأويل، للحيلولة دون إراقة دمه من جهة ولغرض استمالة الأنصار إلى جبهة الحقّ من جهة اخرى، فكان يستند تارة على حسبه ونسبه كما أكّد على هذا الجانب في خطبته التي ألقاها في صبيحة يوم عاشوراء، وكان غرضه منها زعزعه دوافع الخصم حين قال: «فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا، أَ لَسْتُ ...؟ أَ لَسْتُ ...؟»[١٢]. وكان كلامه ذاك ازالة لكل شبهة، وتجريداً للخصم من سلاحه الدعائي.
- الاعداد النفسي: كان الإمام قد أعدّ أنصاره وأهل بيته من الوجهة النفسية لتقبّل نتائج واقعة عاشوراء. وكانت خطبه وأحاديثه تخلق لدى الأنصار اندفاعا نحو الشهادة ولدى اهل بيته حوافز للصبر والتحمل، مزيلا كلّ غموض يكتنف المسير والهدف والمصير.
- الاستقطاب العاطفي: وقد تجلّى هذا السلوك في موقفه ازاء جيش الحر الذي كان يشكو العطش في ظهيرة النهار، إذ سقاهم بأجمعهم، ومن بعدها اقيمت صلاة الجماعة بامامته وتحدّث خلالها إلى جيش الحر باسلوب توجيهي وارشادي مزج فيه اللين بالتوعية. فكان لذلك الموقف دوره في اجتذابهم عاطفيا، وهو ما ادّى بالحر في نهاية المطاف ان يلتحق بمعسكر الحسين.
- التعويض عن الكمية بالكيفيّة: مع انّ أنصار الإمام في كربلاء كانوا قلّة قليلة إلّا انّه عوّض عن قلّة العدد بالنوعيّة الممتازة، والمعنويات العالية التي خلقها لدى اتباعه بخطبه طوال الطريق، أو بواسطة اراءة أماكنهم في الجنّة، وكذلك مواقف الاصحاب التي اعلنوا فيها عن استعدادهم للتضحية بالأنفس في سبيله.
- تقوية البعد المعنوي: كان طلب المهلة ليلة عاشوراء وقضاء تلك الليلة بمناجاة الله والعبادة وتلاوة القرآن، عنصرا مفيدا في تقوية الروح المعنوية في الليلة التي سبقت المعركة، ودفعت بالأنصار إلى ترقّب الشهادة بشوق بالغ وإلى المزاح مع بعضهم، لأنّهم لم يكونوا يجدوا بينهم وبين الجنة سوى ضربات السيوف.
- مخاطبة العدو: انّ الخطب التي القيت في يوم عاشوراء في ساحة المعركة بصوت جهوري من قبل الإمام وأكابر أنصاره، كان بمثابة نوع من اتمام الحجّة، والكلام الأخير لزعزعة صفوف العدو، وإغلاق السبيل امام أي تبرير في المستقبل، والسعي لايقاظ الضمائر الميتة.
- الرجز: كما واستغل الرجز الحماسي من قبل الإمام وأنصاره في المبارزة الفردية أو في المعركة الشاملة لتقوية عزائم المقاتلين، والاستهانة بالعدو، وهو في الوقت نفسه يكشف عن دوافع وافكار وايمان الذين ناصروا الحسين.
- دور السبايا: بعد الواقعة استغلّ السبايا كلّ تحشّد جماهيري في الكوفة، وفي مجلس ابن زياد، وفي الشام، ودمشق، وحتى في مجلس يزيد، لابلاغ رسالة الشهداء إلى الامة، وقدّموا انفسهم للناس وعرّفوهم بشخصية الحسين، إضافة إلى فضح الحكّام. وقد انتهجوا هذا الاسلوب في الخطب وفي المواقف الاخرى الفردية.
- مجالس الذكر: بعد عودة أهل البيت من كربلاء إلى المدينة أخذوا يقيمون المآتم ومجالس العزاء ويذكرون فيها على الدوام حادثة عاشوراء والفجائع التي ارتكبها جيش الكوفة. وكان من أبرز تلك المواقف هو ذكر الإمام السجاد للحسين وكيفية استشهاده بشفاه عطشى، وهذا الذكر يكون اثناء شرب الماء، أو عند رؤية ذبح الخراف.
- ثقافة البكاء والعويل: أكّد ائمّة الشيعة كثيراً على ضرورة ذكر حادثة عاشوراء على الدوام وابقائها حيّة في الأذهان. واتّخذت ثقافة الذكر هذه قالبها في مفاهيم شتّى من قبيل: البكاء، والنياح، وقراءة المراثي، والزيارة، وتربة سيد الشهداء، وسقي المولود الجديد بماء الفرات أو تحنيكه بتربة الحسين، وذكر عطش الحسين حين شرب الماء، واقامة المجالس العزاء على مصائب أهل البيت، وما شابه ذلك. وقد ادت هذه الثقافة إلى صيانة تلك الملحمة وابقائها حيّة إلى الآن.
وعلى العموم فانّ ثورة عاشوراء قد اتّخذت لنفسها أساليب ومحاور سواء في البعد العملي أم النظري، بهدف:
- إيصال رسالة الثورة إلى الجميع.
- كشف وفضح المنافقين المتسللين إلى المناصب والمسئوليّات الحكومية، على المدى البعيد.
- إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واصلاح الفساد الاجتماعي.
- بلورة منهج المواجهة السياسية الثقافية للأجيال القادمة.
وقد أكّد أئمّة الشيعة وأتباع مدرسة عاشوراء على طرح هذه المفاهيم، وأحيوا بذلك تلك الملحمة الخالدة التي كانت على الدوام عاملا للوحدة وعنصرا للارشاد والتوجيه، وأصبح الاندفاع نحو الشهادة، وزيادة الوعي السياسي واتّحاد التيارات المؤمنة بولاية وقيادة الأئمّة من جملة نتائج هذا الاتجاه.[١٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الكامل في التاريخ ٢: ٥٣٠، مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٨٢.
- ↑ مقتل الحسين للخوارزمي ١: ١٨٣.
- ↑ بحار الانوار ٤٤: ٣٢٩، اعيان الشيعة ١: ٥٨٨.
- ↑ حياة الإمام الحسين ٣: ٤٦، موسوعة كلمات الإمام الحسين: ٣٢٤.
- ↑ تاريخ الطبري ٤: ٢٨٩، حياة الإمام الحسين ٣: ٥٩، الكامل لابن الاثير ٢: ٥٤٧.
- ↑ الكامل لابن الاثير ٢: ٥٤٩.
- ↑ مناقب ابن شهر اشوب ٤: ٩٩، الكامل لابن الاثير ٢: ٥٦٠.
- ↑ مناقب ابن شهر اشوب ٤: ٩٩، الكامل لابن الاثير ٢: ٥٦٠.
- ↑ الكامل لابن الاثير ٢: ٥٦٦.
- ↑ الكامل لابن الاثير ٢: ٥٧٢.
- ↑ مستقى من كراس: «تشكيلات توحيدي عاشوراء» ٢٤: ٢٧. وقد عرض المؤلف هذه النقاط استنادا خارطة ساحة المعركة وتصوير المشاهد، والوثائق التاريخية.
- ↑ الكامل لابن الأثير ٢: ٥٦١.
- ↑ جواد المحدثي، موسوعة عاشوراء، ص ١٦٠.