عاشوراء

من إمامةبيديا
(بالتحويل من يوم عاشوراء)

تمهيد

انقضت ليلة الهدنة، وطلع ذلك اليوم الرهيب يوم عاشوراء، يوم الدم والجهاد والشّهادة، وطلعت معه رؤوس الأسنة والرماح والأحقاد وهي مشرعة لتلتهم جسد الحسين (ع)، وتفتك بدعاة الحق والثوّار من أجل الرسالة والمبدأ.

نظر الحسين (ع) إلى الجيش الزاحف، ولم يزل (ع) كالطود الشامخ، قد اطمأنت نفسه، وهانت دنيا الباطل في عينه، وتصاغر جيش الباطل أمامه، ورفع يديه متضرّعاً إلى الله تعالى قائلاً: « اَللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ وَ أَنْتَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ وَ أَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَ عُدَّةٌ كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ عَنْهُ اَلْفُؤَادُ وَ تَقِلُّ فِيهِ اَلْحِيلَةُ وَ يَخْذُلُ فِيهِ اَلْقَرِيبُ وَ يَشْمَتُ بِهِ اَلْعَدُوُّ وَ تُعْيِينِي فِيهِ اَلْأُمُورُ أَنْزَلْتُهُ بِكَ وَ شَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَاغِباً فِيهِ إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ عَنِّي وَ كَفَيْتَنِيهِ فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ وَ صَاحِبُ كُلِّ حَاجَةٍ وَ مُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ فَلَكَ اَلْحَمْدُ كَثِيراً وَ لَكَ اَلْمَنُّ فَاضِلاً»[١].[٢]

خطاب الإمام الحسين في جيش الكوفة

الحر يُخيّر نفسه بين الجنة والنّار

وتأثر الحر بن يزيد الرياحي بكلمات الإمام الحسين (ع) وندم على ما سبق منه معه، وراح يدنو بفرسه من معسكر الحسين تارة ويعود إلى موقفه أخرى، وبدا عليه القلق والاضطراب. وعند ما سُئل عن السبب في ذلك قال: والله، إنّي أُخيِّرُ نفسي بين الجنة والنّار، وبين الدنيا والآخرة، ولا ينبغي لعاقل أن يختار على الآخرة والجنّة شيئاً. ثمّ ضرب فرسه والتحق بالحسين (ع)، ووقف على باب فسطاطه، فخرج إليه الحسين (ع)، فانكبَّ عليه الحر يُقبّل يديه ويسأله العفو والصّفح، فقال له الحسين (ع): «نعم، يتوب الله عليك وهو التواب الرحيم». فقال له الحر: والله لا أرى لنفسي توبة إلاّ بالقتال بين يديك حتّى أموتَ دونك. وخطب الحر في أهل الكوفة، فوعظهم وذكّرهم موقفهم من الإمام (ع)، ودعوتهم له، وحثّهم على عدم مقاتلة الإمام (ع)، ثمّ مضى إلى الحرب فتحاماه الناس، ثمّ تكاثروا عليه حتّى استشهد[٣].[٤]

المعركة الخالدة

حصّن الإمام (ع) مخيّمه، وأحاط ظهره بخندق أوْقَد فيه النار ليمنع المباغتة والالتفاف عليه من الخلف، وليحميَ النساء والأطفال من العدوان المحقق.

نظر شمر بن ذي الجوشن إلى النار في الخندق فصاح: يا حسينُ، تعجّلت النار قبل يوم القيامة. فردّ عليه: «أَنْتَ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً»[٥]. وحاول صاحب الحسين (ع) مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فاعترضه الإمام ومنعه قائلاً: «لاَ تَرْمِهِ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ»[٦].

ويقول المؤرخون: إنّ بعض أصحاب الإمام خطب بالقوم بعد خطبة الإمام الأولى، وإنّ الإمام (ع) أخذ مصحفاً ونشره على رأسه ووقف بإزاء القوم، فخاطبهم للمرّة الثانية بقوله: «يا قَوْمِ، إِنَّ بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ كِتابِ اللهِ، وَسْنَةِ جَدِّي رَسُولِ اللهِ». ثمّ استشهدهم عن نفسه المقدسة وما عليه من سيف النبي (ص) ودرعه وعمامته، فأجابوه بالتصديق، فسألهم عمّا أقدمهم على قتله، قالوا: طاعةً للأمير عبيد الله ابن زياد. فقال (ع): «تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا اَلْجَمَاعَةُ وَ تَرَحاً حِينَ اِسْتَصْرَخْتُمُونَا وَالِهِينَ فَأَصْرَخْنَاكُمْ مُوجِفِينَ سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً لَنَا فِي أَيْمَانِكُمْ وَ حَشَشْتُمْ عَلَيْنَا نَاراً اِقْتَدَحْنَاهَا عَلَى عَدُوِّنَا وَ عَدُوِّكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ أَلْباً لِأَعْدَائِكُمْ عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ وَ لاَ أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ فَهَلاَّ لَكُمُ اَلْوَيْلاَتُ تَرَكْتُمُونَا وَ اَلسَّيْفُ مَشِيمٌ وَ اَلْجَأْشُ طَامِنٌ وَ الرامي [اَلرَّأْيُ] لَمَّا يُسْتَحْصَفْ وَ لَكِنْ أَسْرَعْتُمْ إِلَيْهَا كَطَيْرَةِ اَلدَّبَى وَ تَدَاعَيْتُمْ إِلَيْهَا كَتَهَافُتِ اَلْفَرَاشِ فَسُحْقاً لَكُمْ يَا عَبِيدَ اَلْأُمَّةِ وَ شُذَّاذَ اَلْأَحْزَابِ وَ نَبَذَةَ اَلْكِتَابِ وَ مُحَرِّفِي اَلْكَلِمِ وَ عُصْبَةَ اَلْآثَامِ وَ نَفَثَةَ اَلشَّيْطَانِ وَ مُطْفِئِ اَلسُّنَنِ أَ هَؤُلاَءِ تَعْضُدُونَ وَ عَنَّا تَتَخَاذَلُونَ أَجَلْ وَ اَللهِ غَدْرٌ فِيكُمْ قَدِيمٌ وَشَجَتْ إِلَيْهِ أُصُولُكُمْ وَ تَأَزَّرَتْ عَلَيْهِ فُرُوعُكُمْ فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ ثَمَرٍ شَجاً لِلنَّاظِرِ وَ أُكْلَةً لِلْغَاصِبِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلدَّعِيَّ اِبْنَ اَلدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اِثْنَتَيْنِ بَيْنَ اَلسَّلَّةِ وَ اَلذِّلَّةِ وَ هَيْهَاتَ مِنَّا اَلذِّلَّةُ يَأْبَى اَللهُ ذَلِكَ لَنَا وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ حُجُورٌ طَابَتْ وَ طَهُرَتْ وَ أُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَ نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اَللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ اَلْكِرَامِ أَلاَ وَ إِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ اَلْأُسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ اَلْعَدَدِ وَ خِذْلَةِ اَلنَّاصِرِ ثُمَّ أَوْصَلَ كَلاَمَهُ بِأَبْيَاتِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ اَلْمُرَادِيِّ»:

فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْماًوَ إِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا‏
وَ مَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَ لَكِنْمَنَايَانَا وَ دَوْلَةُ آخَرِينَا
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُواسَيَلْقَى اَلشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا‏‏
إِذَا مَا اَلْمَوْتُ رَفَعَ عَنْ أُنَاسٍكَلاَكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا[٧]


«ثُمَّ اَيْمُ اَللهِ لاَ تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إِلاَّ كَرَيْثِ مَا يُرْكَبُ اَلْفَرَسُ حَتَّى تَدُورَ بِكُمْ دَوْرَ اَلرَّحَى وَ تَقْلَقُ بِكُمْ قَلَقَ اَلْمِحْوَرِ عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ[٨] ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[٩] اَللهُمَّ اِحْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ اَلسَّمَاءِ وَ اِبْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ وَ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلاَمَ ثَقِيفٍ فَيَسُومَهُمْ كَأْساً مُصَبَّرَةً - فَإِنَّهُمْ كَذَّبُونَا وَ خَذَلُونَا وَ أَنْتَ رَبُّنَا ﴿عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ[١٠]».[١١]

كلّ ذلك وعمر بن سعد مُصرّ على قتال الحسين (ع)، والإمام الحسين (ع) يحاور وينصح ويدفع القوم بالتي هي أحسن. ولمّا لم يجدِ النصح مجدياً قال لأبن سعد: «يَا عُمَرُ أَنْتَ تَقْتُلُنِي تَزْعُمُ أَنْ يُوَلِّيَكَ اَلدَّعِيُّ اِبْنُ اَلدَّعِيِّ بِلاَدَ اَلرَّيِّ وَ جُرْجَانَ وَ اَللهِ لاَ تَتَهَنَّأُ بِذَلِكَ أَبَداً عَهْداً مَعْهُوداً فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَإِنَّكَ لاَ تَفْرَحُ بَعْدِي بِدُنْيَا وَ لاَ آخِرَةٍ وَ لَكَأَنِّي بِرَأْسِكَ عَلَى قَصَبَةٍ قَدْ نُصِبَ بِالْكُوفَةِ يَتَرَامَاهُ اَلصِّبْيَانُ وَ يَتَّخِذُونَهُ غَرَضاً بَيْنَهُمْ». فصرف ابن سعد وجهه عنه مغضباً[١٢].

واستحوذَ الشيطان على ابن سعد فوضع سهمه في كبد قوسه ثمّ رمى باتجاه معسكر الحسين (ع) وقال: اشهدوا أنّي أوّلُ مَنْ رمى. ثمّ ارتمى الناس وتبارزوا[١٣].

فخاطب الإمام (ع) أصحابه قائلاً: «قُومُوا رَحِمَكُمُ اَللهُ إِلَى اَلْمَوْتِ اَلَّذِي لاَ بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ هَذِهِ اَلسِّهَامَ رُسُلُ اَلْقَوْمِ إِلَيْكُمْ»[١٤].

فتوجهوا إلى القتال كالأُسود الضارية لا يبالون بالموت، مستبشرين بلقاء الله (جلّ جلاله)، وكأنّهم رأوا منازلهم مع النبيين والصّديقين وعباده الصالحين، وكان لا يُقتل منهم أحد حتّى يقول: السلام عليك يا أبا عبد الله، ويوصي أصحابه بأن يفدوا الإمام بالمهج والأرواح، واحتدمت المعركة بين الطرفين، (فكان لا يُقْتَلُ الرجل من أنصار الحسين (ع) حتّى يَقْتل العشرة والعشرين)[١٥].

استمرت رحى الحرب تدور في ساحة كربلاء، واستمر معه شلاّل الدم المقدس يجري ليتّخذ طريقه عبر نهر الخلود، وأصحابُ الحسين (ع) يتساقطون الواحد تلو الآخر، وقد أثخنوا جيش العدو بالجراح، وأرهقوه بالقتل، فتصايح رجال عمر بن سعد: لو استمرت الحرب برازاً بيننا وبينهم لأتوا على آخِرنا، لنهجم عليهم مرّة واحدة، ولنرشقهم بالنّبال والحجارة.

فبدأ الهجوم والزحف نحو مَنْ بقي مع الحسين (ع)، وأحاطوا بهم من جهات متعدّدة، مستخدمين كلّ أدوات القتل وأساليبه الدنيئة حتّى قتلوا أكثر جنود المعسكر الحسيني من الصحابة.

وزالت الشمس وحضر وقت الصلاة، وها هو الحسين (ع) ينادي للصّلاة، وقد تحوّل الميدان عنده محراباً للجهاد والعبادة، ولم يكن في مقدور السيوف والأسنّة أن تحول بينه وبين الحضور في ساحة المناجاة والعروج إلى حظائر القدس وعوالم الجمال والجلال.

ولم يزل يتقدّم رجل رجل من أصحابه فيقتل حتّى لم يبقَ مع الحسين (ع) إِلاّ أهل بيته خاصّةً؛ فتقدّم ابنه علي بن الحسين(ع) ـ واُمّه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي ـ وكان من أصبح الناس وجهاً، فشدَّ على الناس وهو يقول:

أنا عليُّ بن الحسين بن علينحن وبيت الله أولى بالنَّبي‏
تالله لا يحكم فينا ابنُ الدعي


ففعل ذلك مراراً وأهل الكوفة يتَّقون قتله، فبصر به مرّة بن منقذ العبدي فقال: عليَّ إثم العرب إن مرَّ بي يفعل مثل ذلك إن لم أثكل أباه. فمرَّ يشدُّ على الناس كما مرَّ في الأول، فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصُرع، واحتوشه القوم فقطّعوه بأسيافهم، فجاء الحسين (ع) حتّى وقف عليه فقال: «قَتَلَ اَللهُ قَوْماً قَتَلُوكَ، يَا بُنَيَّ مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى اَلرَّحْمَنِ وَ عَلَى اِنْتِهَاكِ حُرْمَةِ اَلرَّسُولِ». وانهملت عيناه بالدُّموع، ثمّ قال: «عَلَى اَلدُّنْيَا بَعْدَكَ اَلْعَفَا». وخرجت زينب أخت الحسين مسرعةً تنادي: يا أُخيّاه وابن أُخيّاه، وجاءت حتّى أكبّت عليه، فأخذ الحسين برأسها فردَّها إلى الفسطاط، وأمر فتيانه فقال: «اِحْمِلُوا أَخَاكُمْ». فحملوه حتّى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.

ثمّ رمى رجلٌ من أصحاب عمر بن سعد يُقال له: عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم، فوضع عبد الله يده على جبهته يتّقيه، فأصاب السهم كفَّه ونفذ إلى جبهته فسمّرها به فلم يستطع تحريكها، ثمّ انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله.

وحمل عبد الله بن قُطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله.

وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقتله.

وشدَّ عثمان بن خالد الهمداني على عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقتله.

قال حميد بن مسلم: فإنّا لكذلك إذ خرج علينا غلام كأنَّ وجهه شقَّة قمر، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدَّنَّ عليه. فقلت: سبحان الله! وما تريد بذلك؟! دعه يكفيكه هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم. فقال: والله لأشدَّنَّ عليه، فشدَّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف ففلقه، ووقع الغلام لوجهه فقال: يا عمّاه، فجلى[١٦] الحسين (ع) كما يجلي الصقر، ثمّ شدَّ شدّة ليث أُغضب، فضرب عمر بن سعيد بن نفيل بالسّيف فاتّقاها بالسّاعد فأطنَّها من لدن المرفق، فصاح صيحة سمعها أهل العسكر، ثمّ تنحّى عنه الحسين (ع)، وحملت خيل الكوفة لتستنقذه فوطأته بأرجلها حتّى مات.

وانجلت الغبرة فرأيت الحسين (ع) قائماً على رأس الغلام وهو يفحص برجله، والحسين يقول: «بُعْداً لِقَوْمٍ قَتَلُوكَ وَ مَنْ خَصْمُهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِيكَ جَدُّكَ». ثمّ قال: «عَزَّ وَ اَللهِ عَلَى عَمِّكَ أَنْ تَدْعُوَهُ فَلاَ يُجِيبُكَ أَوْ يُجِيبُكَ فَلاَ يَنْفَعُكَ صَوْتٌ وَ اَللهِ كَثُرَ وَاتِرُوهُ وَ قَلَّ نَاصِرُوهُ». ثمّ حمله على صدره، فكأنِّي أنظر إلى رجلي الغلام تخطّان الأرض، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه عليِّ بن الحسين والقتلى من أهل بيته، فسألت عنه فقيل لي: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع).

ثمّ جلس الحسين (ع) أمام الفسطاط، فاُتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حجره، فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه، فتلقّى الحسين (ع) دمه، فلمّا ملأ كفَّه صبَّه في الأرض ثمّ قال: «رَبِّ إِنْ تَكُنْ حَبَسْتَ عَنَّا اَلنَّصْرَ مِنَ اَلسَّمَاءِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لِمَا هُوَ خَيْرٌ وَ اِنْتَقِمْ لَنَا مِنْ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ». ثمّ حمله حتّى وضعه مع قتلى أهله.

ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع) فقتله.

فلمّا رأى العباس بن علي كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من اُمِّه، وهم «عبد الله» و «جعفر» و «عثمان»: يا بني اُمِّي، تقدّموا حتّى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله ...

فتقدّم عبد الله فقاتل قتالاً شديداً، فاختلف هو وهانئ بن ثبيت الحضرمي ضربتين فقتله هانئ. وتقدّم بعده جعفر بن علي(ع) فقتله أيضاً هانئ. وتعمّد خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي(ع) وقد قام مقام إخوته، فرماه بسهم فصرعه، وشدَّ عليه رجل من بني دارم فاحتزَّ رأسه.

وحملت الجماعة على الحسين (ع) فغلبوه على عسكره، واشتدَّ به العطش، فركب المسناة[١٧] يريد الفرات وبين يديه العباس أخوه، فاعترضته خيل ابن سعد، وفيهم رجل من بني دارم، فقال لهم: ويلكم! حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكِّنوه من الماء. فقال الحسين (ع): «اَللهُمَّ أَظْمِئْهُ». فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه، فانتزع الحسين (ع) السهم وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه بالدَّم، فرمى به ثمّ قال: «اَللهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا يُفْعَلُ بِابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ». ثمّ رجع إلى مكانه وقد اشتدَّ به العطش.[١٨]

استشهاد الإمام الحسين (ع)

لم يبقَ مع الإمام الحسين (ع) سوى أخيه العباس الذي تقدّم إليه يطلب منه الإذن في قتال القوم فبكى الحسين وعانقه، ثمّ أذن له فكان يحمل على أهل الكوفة فينهزمون بين يديه كما تنهزم المعزى من الذئاب الضارية وضجّ أهل الكوفة من كثرة مَنْ قُتل منهم، ولمّا قُتل قال الحسين (ع): «اَلْآنَ اِنْكَسَرَ ظَهْرِي، وَقَلَّتْ حِيلَتِي، وَشَمِتَ بِي عَدُوِّي»[١٩].

وفي رواية اُخرى: إنّ الإمام الحسين (ع) اتجه إلى نهر الفرات وبين يديه أخوه العباس، فاعترضته خيل ابن سعد، وفيهم رجل من بني دارم، فقال لهم: ويلكم! حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكّنُوهُ من الماء. فقال الحسين (ع): «اَللهُمَّ أَظْمِئْهُ». فغضب الدارمي ورماه بسهم فأثبته في حنكه، فانتزع الحسين (ع) السهم، وبسط يده تحت حنكه فامتلأت راحتاه من الدم، فرمى به ثمّ قال: «اَللهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ مَا يُفْعَلُ بِابْنِ بِنْتِ نَبِيِّكَ». ثمّ رجع إلى مكانه وقد اشتدّ به العطش، وأحاط القوم بالعبّاس (ع) فاقتطعوه عنه، فجعل يقاتلهم وحده حتّى قُتل[٢٠].

ونظر الحسين (ع) إلى ما حوله، ومدّ ببصره إلى أقصى الميدان فلم يرَ أحداً من أصحابه وأهل بيته إلاّ وهو يسبح بدم الشهادة، مقطّعَ الأوصال والأعضاء.

وهكذا بقي الإمام (ع) وحده يحمل سيف رسول الله (ص) وبين جنبيه قلب علي (ع)، وبيده راية الحق البيضاء، وعلى لسانه كلمة التقوى.[٢١]

الحسين (ع) وحيداً في الميدان

حينما التفت أبو عبد الله الحسين(ع) يميناً وشمالاً ولم يرَ أحداً يذبّ عن حرم رسول الله أخذ ينادي: «هَلْ مِنْ ذَابَ يَذُبُّ عَنَّا» فخرج الإمام زين العابدين(ع) من الفسطاط، وكان مريضاً لا يقدر أن يحمل سيفه واُم كلثوم تنادي خلفه: يا بُني ارجع. فقال: «يَا عَمَّتَاهْ ذَرِينِي أُقَاتِلْ بَيْنَ يَدَيِ اِبْنِ رَسُولِ اَللهِ».

وإذا بالحسين (ع) ينادي: «يَا أُمَّ كُلْثُومٍ خُذِيهِ لِئَلاَّ تَبْقَى اَلْأَرْضُ خَالِيَةً مِنْ نَسْلِ آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ»[٢٢].

ويقول المؤرخون: إنّه لمّا رجع الحسين (ع) من المسناة إلى فسطاطه تقدّم إليه شمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه فأحاطوا به، فأسرع منهم رجل يُقال له: مالك بن النسر الكندي فشتم الحسين (ع)، وضربه على رأسه بالسيف، وكان عليه قلنسوة فقطعها حتّى وصل إلى رأسه فأدماه فامتلأت القلنسوة دماً، فقال له الحسين (ع): «لاَ أَكَلْتَ بِيَمِينِكَ وَ لاَ شَرِبْتَ بِهَا وَ حَشَرَكَ اَللهُ مَعَ اَلظَّالِمِينَ».

ثمّ ألقى القلنسوة ودعا بخرقة فشدَّ بها رأسَه، واستدعى قلنْسوة اُخرى فلبسها واعتمّ عليها، ورجع عنه شمر بن ذي الجوشن ومَنْ كان معه إلى مواضعهم، فمكث هنيئة ثمّ عاد وعادوا إليه وأحاطوا به[٢٣].

حمل الإمام الحسين (ع) سيفه وراح يرفع صوته على عادة الحروب ونظامها في البراز، وراح ينازل فرسانهم، ويواجه ضرباتهم ببسالة نادرة وشجاعة فذّة، فما برز إليه خصم إلاّ وركع تحت سيفه ركوع الذل والهزيمة.

قال حميد بن مسلم: فوالله، ما رأيت مكثوراً قطّ قد قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه! أَن كانت الرجالة لتشدّ عليه فيشدَّ عليها بسيفه فتنكشف عن شماله انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب[٢٤].

ولمّا عجزوا عن مقاتلته لجأوا إلى أساليب الجبناء؛ فقد استدعى شمر الفرسان فصاروا في ظهور الرجالة، وأمر الرماة أنْ يرموه، فرشقوه بالسّهام حتّى صار جسمُه كالقنفذ فأحجم عنهم، فوقفوا بإزائه، وخرجت أُخته زينب إلى باب الفسطاط فنادت عمر بن سعد بن أبي وقاص: ويلك يا عمر! أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فلم يجبها عمر بشيء، فنادت: ويحكم! أما فيكم مسلم؟! فلم يجبها أحد بشيء، ونادى شمر بن ذي الجوشن الفرسان والرجّالة فقال: ويحكم! ما تنتظرون بالرجل؟ ثكلتكم أُمهاتكم! فحملوا عليه من كلّ جانب.

فضربه زُرعة بن شريك على كتفه اليسرى فقطعها، وضربه آخر منهم على عاتقه فكبا منها لوجهه، وطعنه سنان بن أنس النخعي بالرمح فصرعه، وبدر إليه خُولى بن يزيد الأصبحي فنزل ليحتزّ رأسه فأرعد، فقال له شمر: فتَّ الله في عضدك، ما لك ترعد؟!

ونزل شمر إليه فذبحه، ثمّ رفع رأسه إلى خولى بن يزيد فقال: احمله إلى الأمير عمر بن سعد.

ثمّ أقبلوا على سلب الحسين (ع) فأخذ قميصه اسحاق بن حيوة الحضرمي، وأخذ سراويله أبجر بن كعب، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد، وأخذ سيفه رجل من بني دارم، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه [٢٥].[٢٦]

امتداد الحمرة في السماء

حرق الخيام

الخيل تدوس جثمان الإمام الحسين

عقيلة بني هاشم أمام الجثمان العظيم

ووقفت حفيدة الرسول (ص) وابنة أمير المؤمنين (ع) العقيلة زينب(ع) على جثمان أخيها العظيم، وهي تدعو قائلةً: «اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ هَذَا الْقُرْبَانِ»[٢٧].

إنَّ الإنسانية لتنحني إجلالاً وخضوعاً أمام هذا الإيمان الذي هو السر الوحيد في خلود تضحية الحسين (ع) وأصحابه.[٢٨]

المراجع والمصادر

  1. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية ج ٥

الهوامش

  1. الإرشاد ٢: ٩٦.
  2. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ١٩٤.
  3. الإرشاد ٢: ٩٩، الفتوح ٥: ١١٣، بحار الأنوار ٥: ١٥.
  4. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ١٩٦.
  5. مقتل الحسين ـ للمقرّم: ٢٧٧.
  6. مقتل الحسين ـ للمقرّم: ٢٧٧، تاريخ الطبري ٣: ٣١٨.
  7. تاريخ ابن عساكر ٦٩: ٢٦٥، اللهوف في قتلى الطفوف ـ ابن طاووس: ٥٩ و١٢٤.
  8. سورة يونس، الآية ٧١.
  9. سورة هود، الآية ٥٦.
  10. سورة الممتحنة، الآية ٤.
  11. مقتل الحسين ـ للمقرّم: ٢٨٩ ـ ٢٨٦، مقتل الحسين ـ للخوارزمي ٢: ٦، تاريخ ابن عساكر، ترجمة الإمام الحسين (ع): ٢١٦، راجع إعلام الورى ١: ٤٥٨.
  12. مقتل الحسين ـ للمقرّم: ٢٨٩.
  13. الإرشاد ٢: ١٠١، اللهوف: ١٠٠، إعلام الورى ١: ٤٦١.
  14. مقتل الحسين ـ للمقرّم: ٢٩٢.
  15. مقتل الحسين ـ للمقرّم: ٢٩٢.
  16. جلّى ببصره: إذا رمى به كما ينظر الصقر إلى الصيد. «الصحاح ـ جلا ـ ٦: ٢٣٠٥».
  17. المسناة: تراب عال يحجز بين النهر والأرض الزراعية. «تاج العروس ـ سنى ـ ١٠: ١٨٥».
  18. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ١٩٧.
  19. سيرة الأئمة الاثني عشر ٢: ٧٧، بحار الأنوار ٤٥: ٤٤٠، المنتخب ـ للطريحي: ٤٣١.
  20. الإرشاد ٢: ١٠٩.
  21. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ٢٠٣.
  22. بحار الأنوار ٤٥: ٤٦.
  23. الإرشاد ٢: ١١٠، إعلام الورى ١: ٤٦٧.
  24. الإرشاد ٢: ١١١، إعلام الورى ١: ٤٦٨.
  25. الإرشاد ٢: ١١٢، إعلام الورى ١: ٤٦٩.
  26. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ٢٠٤.
  27. حياة الإمام الحسين بن علي (ع) ٣: ٣٠٤.
  28. السيد منذر الحكيم، أعلام الهداية، ج ٥، ص ٢٠٩.