السنة الهجرية التاسعة
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
عام الوفود
انتهت السنة الثامنة بسقوط أكبر قاعدة من قواعد الوثنية والشرك، في أيدي المسلمين، الذين انتصروا على أعدائهم تماماً، فأخذت القبائل المتمردة تتقرب إليهم تدريجياً، وتوالت وفودُها على النبي (ص) تقدم ولاءها وتعلن إسلامها وتتقبل الرسالة المحمدية، ممّا دعت تلك الكثرة من الأعداد الوافدة على النبي (ص) أن يسمى بعام الوفود.[١]
إنّ دراسة الوفود وما دار بينهم وبين الرسول (ص) تفيد بوضوح بأنّ الإسلام انتشر في الجزيرة العربية عن طريق الدعوة والتبليغ. وتحدث القرآن الكريم في سورة خاصة عن حضور تلك الوفود على النبي (ص) وما حقّقه الإسلام من فتح وانتصار: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾[٢]
إلاّ أنّه بالرغم من ذلك فإنّ النبي (ص) أعدّ في هذا العام عدّة سرايا بعثها إلى جهات معينة، من جملتها سرية الإمام علي (ع) إلى أرض طيء، وقد اختصت لهدم مظاهر الوثنيّة.
كما وقعت غزوة واحدة مثل غزوة تبوك، وإن لم يقاتل فيها النبي (ص) أحداً، إلاّ أنّها كانت تمهيداً لفتح المناطق الحدودية.[٣]
هدم الأصنام
أدرك النبي (ص) في ضوء تعاليم الوحي أنّ الوثنية كجرثومة الكوليرا، تهدم فضائل الإنسان وشرفه، وتقضي على مكارم الأخلاق، وتحط من مكانة الإنسان الرفيعة، وتجعله كائناً حقيراً أمام الطين والحجر. وعلى هذا الأساس أمره الله تعالى أن يجتث جذور الشرك من كيان ذلك المجتمع الموبوء، بإزالة كلّ مظاهر الوثنية وأنواعها وأشكالها، مستخدماً القوة تجاه الجماعات المعارضة. وعلم (ص) أنّ في قبيلة طيء صنماً كبيراً يقدَّس حتى ذلك الوقت، فأرسل الإمام علياً (ع) مع ١٥٠ فارساً ليحطم هذا الصنم ويهدم بيته.
ونجح الإمام (ع) في مهمته، وعاد بالغنائم والأسرى إلى المدينة، وهرب رئيسها عدي بن حاتم الطائي إلى الشام ملتحقاً بأهل دينه، لأنّه كان نصرانياً حسب ما ذكر بنفسه، وترك أُخته في قومه. إلاّ أنّ النبي (ص) أرجعها إلى أخيها بالشام، فأخذت توبخه ممّا صنع من هروبه مع أهله، وتركها وحيدة، ثمّ طلبت منه أن يذهب إلى النبي (ص) ويعلن إسلامه، فاحترمه النبي (ص) عندما قدم إليه في المدينة، وقدم له ما يليق به كأمير وسيد على قومه.
ولما شاهد من سيرته وأفعاله ما يدل ويؤكد على أنّه نبي الله، أسلم على يديه (ص)[٤].[٥]
غزوة تبوك: وهي قلعة قويّة في طريق حجر والشام
أعدّ إمبراطور الروم قوّة عسكرية لمهاجمة المسلمين الذين ازدادت قوّتهم وأعدادهم وخطرهم على الدولة الرومانية. وتألفت هذه القوة من ٤٠ ألف فارس وكانت مجهزة بأحدث الأسلحة والمعدات، وتقدمت إلى منطقة البلقاء، فأمر النبي(ص) عندها أصحابه بالتهيّؤ والاستعداد لغزو الروم، في موسمٍ شديد الحرارة، وجدب وعسرة، إلاّ أنّ الدوافع المقدسة والجهاد في سبيل الله غَلَبَ على كلّتلك الامور الدنيوية، فشارك ٣٠ ألف من المسلمين في هذه الغزوة تحددت نفقاتها من الزكاة من أهل الغنى والثروة. وقد اعتبرت هذه الغزوة خيرَ مَحَكٍّ لمعرفة المجاهدين الصادقين من المنافقين والمبدعين، إذ أنّ بعضهم تخلّف بحجّة الخوف من أن يفتتن بالنساء الروميات، وهو عذر صبياني أقبح من الذنب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾[٦].
وكان منهم أيضاً المنافقون الذين تظاهروا بالإسلام، فثبَّطوا الناس عن النبي (ص) وخوفوهم من قوّة الرومان، واعتذروا بالحر الشديد: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾[٧].
كما أنّ مجموعة من الخونة ألّفت شبكة جاسوسية في المدينة، تمكن النبي (ص) من القضاء عليها بهدم المكان الذي اجتمعت به وحرقة، وهو بيت سويلم اليهودي.
وكذلك تخلّف عنهم المخلفون الثلاثة، الذين جاء ذكرهم في القرآن الكريم، حينما قالوا بأنّهم سيلحقون بركبه (ص) بعد ما يفرغون من الحصاد، فوبّخهم الله تعالى وعاقبهم، ليكونوا عبرةً لغيرهم. كما تخلف عن الغزوة ولكن بنية صادقة البكاؤون، وذلك لعدم تمكّنهم من المشاركة في الجهاد، لفقرهم وعدم حصولهم على دواب تحملهم، ولم يستطع النبي (ص) أن يجهز ذلك لهم فقال: لا أجد ما أحملكم عليه. كما لم يشارك فيها الإمام عليّ (ع) فقد أبقاه النبي (ص) في المدينة، خوفاً من إثارة فتنة أو قيام انقلاب خلال غيابه، بمساعدة القوى المضادة للإسلام. وبالرغم من أنّ النبي (ص) قد استخلف على المدينة محمد بن مسلمة فإنّه قال للإمام علي (ع): «أَنْتَ خَلِيفَتِي فِي أَهْلِ بَيْتِي وَ دَارِ هِجْرَتِي وَ قَوْمِي» فكأنّه تعيّن كقائد عسكري في المدينة يحفظ الأمن والاستقرار فيها. ولذا فإنّ المنافقين استغلوا ذلك فرصة لنشر الشائعات والأقاويل في عدم اصطحاب النبي (ص) للإمام علي (ع) معه في الجيش، ممّا جعل الإمام (ع) يسير إلى الرسول (ص) وهو على بعد ثلاثة أميال من المدينة ليسأله عن هذا الأمر قائلاً: «يَا نَبِيَّ اَللَّهِ زَعَمَ اَلْمُنَافِقُونَ أَنَّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي اِسْتَثْقَلْتَنِي وَ تَخَفَّفْتَ مِنِّي» فقال الرسول (ص) حينئذٍ كلمته التاريخية الخالدة التي اعتبرت من الادلة القاطعة على إمامته وخلافته بعده (ص): «كَذَبُوا إِنَّمَا خَلَّفْتُكَ لِمَا وَرَايَ فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَ أَهْلِكَ أَ فَلاَ تَرْضَى يَا عَلِيُّ أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي».[٨]
وهكذا فقد استعرض النبي (ص) المعسكر قبل تحرّك الجيش، وألقى فيهم خطاباً هاماً لتقوية معنويات المجاهدين، وشرح فيه هدفه من هذه التعبئة العامة الشاملة.
وفي الطريق واجه متاعبَ ومشاق كثيرة، ولذا سمى هذا الجيش بجيش «العسرة»، إلاّ أنّ إيمانهم العميق، وحبّهم للهدف المقدس، سهّل عليهم الأمر. وعندما مروا بأرض ثمود، غطى النبي (ص) وجهَه بثوبه وأمر أصحابه بسرعة السير: «لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاّ وأنتم باكون خوفاً أن يصيبكم مثلما أصابهم». كما نهاهم أن يشربوا من مائها ولا يتوضأوا به للصلاة ولا يطبخ به طعام.[٩] ولكنّهم شربوا عندما وصلوا إلى البئر التي كانت تشرب منها ناقة صالح (ع) فنزلوا عليها بأمر الرسول (ص) .
كما أنّ النبي (ص) أظهر في الطريق بعض الأمور الغيبية حتى لا يؤثّر شكّ بعضهم في إيمان الآخرين، مثلما جرى لناقته التي ضلت الطريق، وبدأ المنافقون في التقليل من قوّة النبي (ص) واتّصاله بالله سبحانه وتعالى، فأخبرهم بموقعها، بعلم من الله تعالى. وتنبأ عن أبي ذر وما سيجري له عندما تأخّر عنهم فقال: «رَحِمَ اَللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَ يَمُوتُ وَحْدَهُ وَ يُبْعَثُ وَحْدَهُ».[١٠]
على كلّ حال، وصل الجيش في مطلع شهر شعبان إلى أرض تبوك، دون أن يجدوا أثراً لجيش الروم الذي كان قد انسحب إلى داخل بلاده مفضلاً عدم مواجهة المسلمين، ومؤكدين حيادهم تجاه الحوادث والوقائع التي تجري في الجزيرة العربية. فجمع النبي (ص) القادة وشاورَهم في أمر التقدم في أرض العدو، أو العودة إلى العاصمة. فقرروا العودة ليستعيد الجميع نشاطَه بعد المشاق والتعب، إضافة إلى أنّهم حقّقوا هدفهم بتخويف العدو وإلقاء الرعب في قلوبهم، فقالوا للنبي (ص): إن كنت أُمرت بالسير فَسِرْ، فقال (ص): «لَوْ أَمَرْتَ بِهِ مَا اِسْتَشَرْتُكُمْ».[١١] فاحترم الرسول (ص) آراء هؤلاء وقرر العودة إلى المدينة.
ورأى النبي (ص) أنّ الوقت مناسب للاتّصال ببعض حكّام ورؤساء المناطق الحدودية، ليعقد معهم معاهدات أمن وعدم إعتداء، ليأمن جانبهم. فاتصل شخصياً بزعماء أيلة وأذرح والجرباء. وعندما قدم يوحنا بن رؤبة زعيم أيلة، إلى النبي (ص) قدم له فرساً أبيض وأعلن عن طاعته له (ص)، فاحترمه (ص) وصالحه وكساه برداً يمانياً، وقبل أن يدفع جزية قدرها ٣٠٠ دينار سنوياً على أن يبقى على دينه المسيحي، ووقع الطرفان على كتاب أمان، فضمن بذلك أمن المنطقة الإسلامية شمالاً.
وفي طريق تبوك تقع منطقة دومة الجندل ذات الخضرة والماء، وتبعد عن الشام ٥٠ فرسخاً، وعن المدينة عشرة أميال، حكمها رجلٌ مسيحي هو: أكيدر بن عبد الملك. فأرسل النبي (ص) قوّة بقيادة خالد بن الوليد لإخضاعه، فتمكن من السيطرة عليهم وإحضار أكيدر إلى الرسول (ص)، فأعلن خضوعه وقبل دفع الجزية والبقاء على دينه، وكتب عهداً وصالحه، وأهداه، ثمّ أوصله إلى بلده بحراسة خاصة.[١٢] فانتهت بذلك الأعمال العسكرية في تبوك.
ويمكن تقييم نتائج تلك العمليات العسكرية كما يأتي:
- إبراز مكانة وسمعة الجيش الإسلامي في المناطق الخارجية، ممّا أثر في القبائل هناك فتسارعوا بالقدوم والوفود على الرسول (ص) بعد عودته من تبوك، لتعلن خضوعها وطاعتها، حتى سمّي ذلك العام بعام الوفود.
- ضمان أمن الحدود بعد توقيع المعاهدات والاتفاقيات مع حكّام تلك المناطق.
- تمهيد الطريق للمسلمين لفتح الشام بعد ذلك، عندما تعلموا منه (ص) أساليب تكوين وإعداد الجيوش الكبرى لمحاربة القوى العظمى.
- تمييز المومن عن المنافق.
وبعد أن مكث (ص) عشرين يوماً في تبوك، توجه إلى المدينة، إلاّ أنّ اثني عشر منافقاً تآمروا لاغتيال النبي (ص) قبل أن يصل إلى عاصمته، كان ثمانية منهم من قريش والآخرون من أهل المدينة، وذلك بتنفير ناقته في العقبة ـ بين المدينة والشام ـ ليطرحوه في الوادي، غير أنّه (ص) علم بمؤامرتهم فأرعبهم بصياحه فيهم، فتركوا العقبة هاربين، ورفض (ص) أن يرسل من يقضي عليهم أو اللحاق بهم. ثمّ وصل الجيش إلى المدينة فرحين مسرورين معتزين بما حقّقوه من انتصار على الاعداء، وإلقاء الرعب في قلب دولة كبيرة، ولما أرادوا التفاخر والتباهي على الذين تخلّفوا بعذر وقلوبهم مع جنود الإسلام، فإنّ النبي (ص) منعهم من ذلك، لأنّ النية الصالحة والفكر الطيب يقوم مقام العمل الصالح الطيب.
ثمّ أقدم (ص) على معاقبة الثلاثة الذين تخلّفوا عن الجيش بأعذار واهية وهم: هلال بن أُمية، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، فقد أعرض بوجهه الكريم عنهم، ولم يكترث بهم حينما قدّموا التهنئة بعودتهم مظفرين، وقال فيهم: لا تكلّموا أحداً من هؤلاء الثلاثة، ممّا أثر في التعامل معهم تجارياً، فكسدت بضائعهم، وانقطعت روابطهم مع أقربائهم، فأثر ذلك في نفسياتهم: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾[١٣]. فقاموا بالتوبة إلى الله، فأعلن النبي (ص) عفوه عنهم، ورفع المقاطعة عنهم.[١٤]
وكانت هذه آخر معركة اشترك فيها الرسول (ص) إذ لم يشارك بعدها في أيّ قتال.[١٥]
مسجد ضرار
أصبح أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة، الذي استشهد في أُحد، من المتعاونين مع المنافقين، الذين خططوا دائماً للتخريب وإفساد أعمال الإسلام، ولذا قرر النبي (ص) اعتقاله فهرب إلى مكّة ومنها إلى الطائف ثمّ إلى الشام، فقاد منها شبكة تجسسية لصالح المنافقين. وكتب في إحدى رسائله إلى جماعته، يطلب منهم أن يبنوا مسجداً في قباء في مقابل مسجد المسلمين ليتخذوه مركزاً لتخطيط وتنفيذ مؤامراتهم. وكان النبي (ص) قد رفض من قبل طلبهم هذا قبل مسيره إلى تبوك، فاستغلوا غيابه فأقاموه. ولمّا عاد النبي (ص) طلبوا منه أن يؤدي ركعتين فيه ليسبغوا عليه الصفة الشرعية، إلاّ أنّ جبرائيل (ع) أوحى إليه (ص) بحقيقة الأمر والنية، وسمّاه مسجد ضرار ووصفه بأنّه مركز لاِيجاد الفرقة والتآمر بين المسلمين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾[١٦]
ممّا دعا الرسولص أن يأمر فوراً بتدميره وإحراقه وتسويته بالأرض، فتحول مكانه إلى مزبلة فيما بعد.[١٧] وكان ذلك ضربة قويّة للمنافقين، إذ انتهى حزبهم الخبيث وهلك حاميهما الوحيد عبد الله بن أُبي بعد شهرين من غزوة تبوك.[١٨]
وفد ثقيف
وهي من القبائل العنيدة التي تصلبت في موقفها أمام المسلمين، وخاصة عندما حاصرهم الجيش الإسلامي، فلم يتنازلوا أو يسلموا، إلاّ أنّ موقفهم تغيّر بعد غزوة تبوك التي أشهرت قوّة المسلمين، وخوفت عدّة جهات، ممّا دفع عروة بن مسعود الثقفي أحد سادتهم إلى أن يقدم إلى المدينة ويعلن إسلامه على يدي الرسول (ص) ثمّ يرجع إلى قومه داعياً لهم إلى الإسلام، فرشقوه بالنبال والسهام حتى استشهد.
إلاّ أنّ موقفهم المتصلب تغيّر بعد فترة حينما علموا أنّ مصالحهم التجارية وغيرها معرضة للخطر إذا لم يحسنوا علاقاتهم بالمسلمين، فقرروا التوجه إلى النبي (ص) وإعلان إسلامهم، فأوفدوا عنهم عبد ياليل مع خمسة رجال للتفاوض مع النبي (ص)، وهناك أمر النبي بإكرامهم، وعين خالد بن سعيد قائماً بشؤون صيافتهم.
وفي المفاوضات التي جرت بين الطرفين، اشترط عليهم الرسول (ص) أن يهدموا الأصنام فرفضوا أوّل الأمر، ولكنّهم أطاعوه بالتالي على أن يقوم أشخاص غرباء ـ ليسوا من قبيلتهم ـ بهدمها. كما طلبوا إعفاءهم من الصلاة، فقال (ص): «لاَ خَيْرَ فِي دِينٍ لاَ صَلاَةَ فِيهِ». ثمّ وقّع الطرفان على شروط المعاهدة التي تمّت بينهما، واختار (ص) منهم عثمان بن أبي العاص الذي حرص على التفقه في الدين وتعلّم القرآن، فأمّره عليهم وجعله نائباً دينياً وسياسياً عنه في قبيلة ثقيف، وأن يصلي بالناس جماعة، مراعياً أضعفهم: «يا عثمان تجاوز في الصلاة ـ أي خفف الصلاة وأسرع فيها ـ وأقدر الناس بأضعفهم، فإنّ فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة». ثمّ كلّف (ص) أبا سفيان والمغيرة بن شعبة، للتوجه معهم لهدم الأصنام هناك[١٩].[٢٠]
إعلان البراءة من المشركين في منى
في أواخر هذا العام ـ ٩هـ ـ نزل جبرائيل (ع) على النبي (ص) مع عدّة آيات من سورة البراءة، يطلب أن يتلوها رجل يختاره الرسول (ص) في موسم الحج. وقد تضمنت الآيات رفع الأمان عن المشركين، وإلغاء جميع العهود ـ إلاّ ما التزم بها أصحابها ولم ينقضوها ـ فيبلغ ذلك إلى رؤوس المشركين ليوضحوا موقفهم تجاه الدولة الإسلامية خلال أربعة أشهر، فإذا لم يتركوا ما هم عليه من شرك ووثنية خلال الأربعة أشهر، نزعت عنهم الحصانة ورفع عنهم الأمان. أمّا الدوافع التي كانت وراء صدور هذا العهد: البراءة:
- كان التقليد السائد عند العرب جاهلياً أن يعطي زائر الكعبة ثوبه الذي يدخل به مكة إلى فقير، ويطوف بثوب آخر، وإذا لم يكن له ثوب آخر، فإنّه يستعيره ليطوف به حول البيت، وإن لم يجد طاف عرياناً بادي السوأة، حتى لو كانت إمرأة، فإنّها تطوف عارية بالبيت على مرأى من الناس، وهو الأمر الذي انطوى على نتائج سيئة.
- كما أنّه بعد انتشار الإسلام وإظهار قوّته في خلال عشرين عاماً، رأى النبي (ص) أن يستخدم القوة لضرب كلّ مظاهر الوثنية، على أنّها نوع من العدوان على الحقوق الإلهية والإنسانية، فكان لابدّ من استئصال جذور الفساد باستخدام القوة العسكرية كآخر وسيلة.
- ثمّ إنّ الحج كان أكبر العبادات والشعائر الإسلامية، فكان على الرسول (ص) أن يقوم بتعليم المسلمين مناسك الحج على الوجه الصحيح بعيداً عن تأثير أيّ نوع من الشوائب والزوائد، فكان لابدّ من اشتراك النبي (ص) بنفسه في تعليمهم هذه العبادة بصورة عملية، ولكن بشرط أن تخلو منطقة الحرم ونواحيها من المشركين العابدين للأصنام، ليصبح الحرم الإلهي خالصاً للموحدين والعباد الواقعيين.
- والنبي (ص) لم يحارب لفرض العقيدة لأنّ العقائد لا تخضع لأيّ قهر أو فرض، بل انحصر نضاله في القضاء على مظاهر الاعتقاد بالأوثان، بواسطة هدم بيوت الاصنام.
ولكلّ ذلك فإنّ النبي (ص) اختار أبا بكر بعد أن علمه تلك الآيات من سورة البراءة، ووجه صوب مكة يرافقه أربعون رجلاً، ليتلوها على مسامع الناس يوم عيد الأضحى، إلاّ أنّ جبرائيل (ع) أخبره (ص): «إِنَّهُ لاَ يُؤَدِّي عَنْكَ إِلاَّ أَنْتَ أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ» ممّا جعل النبي (ص) أن يطلب من الإمام علي (ع) القيام بهذه المهمة: «إلحق أبا بكر فخذ براءة من يده وإمض بها إلى مكّة وانبذ بها عهد المشركين إليهم، أي إقرأ على الناس الوافدين إلى منى من شتى أنحاء الجزيرة العربية براءة، بما فيها النقاط الاربع التالية:
- لا يدخل المسجد مشرك.
- لا يطوف بالبيت عريان.
- لا يحج بعد هذا العام مشرك.
- من كان له عهد عند الرسول (ص) فهو له إلى مدّته، أي يحترم ميثاقه وماله ونفسه إلى يوم انقضاء العهد، ومن لم يكن له عهد ومدّة من المشركين فإلى أربعة أشهر، فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه، ويسري هذا ابتداء من اليوم العاشر من ذي الحجة. ويعني هذا أنّ هذا الفريق من المشركين، عليه أن يحدد موقفه من الدولة الإسلامية، فإمّا الانضمام إليها وترك مظاهر الشرك، وإمّا القتال.[٢١]
وقد أدرك الإمام (ع) أبا بكر في الجحفة وأبلغه أوامر النبي (ص) فأعطاه الآيات، ورجع أبو بكر إلى المدينة مستفسرا عن سبب موقف النبي (ص) فأخبره بما أمره جبرائيل (ع) .
ولم يمض على قراءتها المدة المعلومة، حتى اعتنق أكثر المشركين الإسلام، فتم بذلك استئصال جذور الوثنية في أواسط السنة ١٠ هـ، ويؤكد هذا الموقف على نيّة النبيبالكشف عملياً عن أهلية الإمام علي (ع) وصلاحيته للقيام بأُمور الدولة في المستقبل.[٢٢]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سجل المورخ محمد ابن سعد في الطبقات: ١/ ٢٩١، أسماء ٧٣ وفداً قدموا على الرسول (ص) طوال السنة٩هـ.
- ↑ سورة النصر، الآية ١-٣.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢١٧-٢١٨.
- ↑ مغازي الواقدي: ٢/ ٩٨٨؛ السيرة النبوية: ٣/ ٥٧٨؛ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة الإمامية: ٣٥٢.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢١٨.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٤٩.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٨١.
- ↑ إمتاع الاسماع: ١/ ٤٥٠.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٥٢١؛ السيرة الحلبية: ٣/ ١٣٤.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٥٢١؛ السيرة الحلبية: ٣/ ١٣٤.
- ↑ مغازي الواقدي: ٣/ ١٠١٩.
- ↑ بحار الانوار: ٢١/ ٢٤٦؛ طبقات ابن سعد: ٢/ ١٦٦.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١٨.
- ↑ السيرة الحلبية: ٣/ ١٦٥.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢١٨-٢٢٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٠٧-١٠٨.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٥٣٠؛ بحار الانوار: ٢٠/ ٢٥٣.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢٢٤-٢٢٥.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٥٣٧؛ السيرة الحلبية: ٣/ ٢١٦؛ أُسد الغابة: ١/ ٢١٦.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢٢٥-٢٢٦.
- ↑ فروع الكافي: ١/ ٣٢٦.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ٢٢٦-٢٢٨.