المواطنة
التعريف
لا بُدَّ قبل الدخول في تعريف مُفرَدَة المُواطَنة وبيان معناها ودلالتها، أن نُحاكي الجذر الذي انطلقت منه وهو الوطن.
يُعرَّف الوطن لغةً بالمنزل تُقيم به، وهو موطن الإنسان ومحلُّه، وفِعل أوطنَ أي أقامَ، وأوطنه اتخذه وطناً، ويُقال أوطنتُ الأرض ووطنّتها توطيناً واستوطنتها أي إتخذتها وطناً [١].
ويبدو أنّ الداءَ الذي اعتوَر مفهومَ الأُمَّـة أصابَ مُفردَة الوطن، الأمر الذي أعقب تشويشاً في دلالته وتشويهاً في معناه، فاختلطَ بمصطلح النظام وتماهى مع الدولة وارتبطَ مع الأُمَّـة، ما جعل حدوده عُرضةً للعبور والتآكل.
والفرد قد يكون في ذهنه وطنٌ خاص يتحدَّد بحدود كلِّ دولة، ووطنٌ عام يشمل جميع الأراضي التي تسكنُها شعوب الأُمَّـة على اختلاف دولها وأوضاعها السياسيّة، ووطنٌ فعليّ تعترف به الدُوَل ووطنٌ مثالي تنشده نفوس المواطنين[٢]، وذلك لأنَّ هذا المفهوم أخذ حيِّزاً من الربط العاطفي بين المواطن وأصله اللُّغوي، وعاضدت ذلك النصوص الدينيَّة التي ألقت المسؤوليّة على المُكَلَّف لحفظ وطنه. يُعرِّف رفاعة رافع الطهطاوي الوطن بأنّه عُشُّ الإنسان الذي فيه درَج، ومنه خرَج، ومجمعُ أسرته[٣]، ويُعرِّفه آخرون بأنَّه الدار والمسكَن والمحلّ والبيت الكبير ومسقط الرأس، ويُمكن القول بأنَّه الحيّز الجغرافيّ الذي تعيش وتعتاش عليه مجموعة بشريَّة معيَّنة، حيث يَتفاعل الأفراد مع بعضهم ومع الأرض التي يقطنون عليها.
وهو مصطلح قديم، وردَ ذكرُه في رواياتٍ عديدة، تحُثُّ على حُبّهِ والزود عنه والعيش فيه بكرامة أو الرحيل عنه. لكنَّه أُهمِل لصالح مفردة الأُمَّـة لاعتبار ورودها في القُرآن، ولكونها أكثر ثباتاً منه. بدأ استخدام المفرد فعليَّاً مطلع القرن التاسع عشر، فيُقال في أحد النصوص يريدُ العساكر أن يرجعوا إلى أوطانهم. ومع أنّ المُسلِمين ـ العرب والترك ـ عرفوا المُفرد الفرنسي patric في وقت مُبكِّر، لكنَّهم لم يستعملوا المفرد وطن أو أنَّهم لهم يخرجوا عن الاستعمَالات التقليديّة للمصطلح في النصف الأوّل من القرن التاسع عشر[٤]، لكنّه ورد في فرمانٍ سلطانيّ هو خطّ كلخانة عام ١٨٣٩، حيث وردَ مصطلح الوطن في موقعين:
- عندما تحدَّثَ الخطُ عن الإنسان العثمانيّ الذي تتزايد غيرته يوماً فيوماً على دولته وملَّته ومحبّته لوطنه،
- عندما اعتبر مهمّة العساكر هي محافظة الوطن[٥]. أمّا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فإنَّ النسبة إلى وطن: وطني استُخدمت في مواجهة الأجنبيّ أو الغريب غير العثمانيّ في الشام مصر، فقد سمَّى بطرس البستاني مدرسته ١٨٦٣: المدرسة الوطَنِّية، قاصداً بأنَّها عربيَّة تركيَّة في لغة التدريس وليست من مدارس الإرساليَّات. وتأتي الثورة العربيّة فيكثُرُ الحديث عن حبِّ الوطن وعن الغيرة الوطَنِّية ويُسمِّي العرابيّون أنفسهم الوطنيون[٦].
وقد استَعملَ الطهطاويّ وسليم البستاني وأديب إسحاق هذا المصطلح بشكل غنّي حيث حدَّدوا مفهوم الوطن وماهيّته وحقوق المواطن والوطن المُتبادلة.
وقد أشاروا إلى مفهومِ الوطَنِّية التي يعتبرُها المرصيفي بأنّها كلمةٌ دائرة على الألسنة تحقَّقَ بمعناها قومٌ فرشدوا وسعدوا وخلا آخرون فضلُّوا وشقوا[٧]. وتُعرَّف الوطَنِّية بأنّها تعبيرٌ قوميٌ يعني حُبَّ الشخص وإخلاصه لوطنه، ويشمل ذلك الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن[٨].
أخيراً، وقبل أن نستهِلَّ البحث عن مفردة المُواطَنة، يجدرُ الإشارة إلى أنّ الوطن يختلف عن الدولة، حيث ارتبط الأوّل في ذهن العرب بالحيِّز الجغرافيّ والتفاعل الاجتماعيّ بين أبناء هذه الأرض التي هي مسقط الرأس، أمَّا الدولة فقد التصقت بالرابطة التنظيميَّة والسياسيّة للبلد وبالتفاعل السلطويّ أو الإداريّ بين الأفراد.
أمَّا المُواطَنة لغةً فهي صفةٌ بصيغة دالَّةٍ على المطاوعة والمشاركة، مُشتقّة مباشرةً من اسم الفاعل (مواطن) المشتقّ بدوره من الفعل الرباعيّ (واطنَ) المزيد من الثلاثي (وَطن) أي قطنَ وأمِنَ في مكان وعلى بقعةٍ من الأرض[٩].
تُعرِّف دائرة المعارف الأمريكيّة المفهوم بأنّه عبارة عن علاقة بين فرد ودولة تتضمَّن عضويّة الفرد السياسيَّة الكامِلة في الدولة وولائه الدائم لها[١٠]. أمَّا موسوعة السياسة فتعتبرها صفة المواطن الذي يتمتّع بالحقوق ويلتزم بالواجبات التي يفرضها عليه انتماؤه إلى وطن، وأهّمها واجب الخدمة العسكريّة وواجب المشاركة الماليّة في موازنة الدولة. وللمُواطَنة معانٍ متعدِّدة، بالمعنى السياسيّ هي الحقوق التي يتمتَّع بها المواطن في نظامٍ سياسيّ معيّن كحقِّ الاقتراع. وبالمؤشِّّر الحقوقيّ فالمواطن هو ذاك المُعترَف به على مستوى القانون، والمؤشِّر الاقتصاديّ فالفرد يتمتَّع بملكيّة محدّدة ويساهم في موازنة الدولة ضمن شروطٍ معيّنة[١١]. هذه التعريفات تُحدِّد واجبات وحقوق، فمنها السياسيّة والاقتصاديَّة والماليَّة والقانونيَّة. وهي بشكلٍ مُختصر، كما يعرفها مُعجَم العلوم الاجتماعيّة مشاركة الأفراد في الحقوق والواجبات، وقد تعني العلاقة بين الفرد والدولة حيث يدين الأوّل بالولاء والثاني بالحماية[١٢].
ويعتبر تشارلز كيسلر أنَّ مصطلحَات المُواطَنة والسلوك الحضاريّ والمدنيَّة متجانسة ومُشتّقة من اللاتينيَّة civis (مواطن) وcivitas (مدينة) التي هي نفسها المُعادل اللاتيني لعائلة الكلمات الإغريقيّة المشتّقة من polis (مدينة). والمتمدِّنون ـ حسب نظر الكلاسيكيّة ـ هم أولئك الذين يصلحون أن يعيشوا في المدن ويحتملوا الأعباء، أمَّا أولئك غير المتمدِّنين الذي هم غير سياسيّين فهم برابرة [١٣].
يمكن مما سبق تلخيص عناصر المُواطَنة بنقاط:
- أنَّها إنتماءٌ إلى مكانٍ محدَّد، بحيث يحملُ الفرد هويَّة ذلك الزمان بدون أي اعتبار للانتماء إلى هويِّة أخرى.
- تفاعل الفرد أُفقّياً بمحيطه الاجتماعي وعاموديّاً بالسلطة القائمة التي له حقٌّ معادلٌ للآخر في نصبها أو عزلها.
- أساس التفاعل هو المشاركة التي تنقسم إلى حقوق وواجبات.
- الاعتراف بالعضو الاجتماعيّ الآخر دون تمييز والسعي معه لبناء الوطن أساسُ المُواطَنة.
- الرضا الكامل بالانتماء للوطن بمؤسّساته السياسيّة المختلفة والاعتراف بحدوده النهائيّة وعدم التطلُّع للانفصال أو الاتّحاد مع بلدٍ آخر.
تطوّر مفهوم المواطنة
إنَّ حقَّ المُواطَنة للفرد وجعله عُنصراً في المجتمع المدنيّ بالشروط السالفة لم يتِّم بصياغة مباشرة ولا بتقنين باتٍ وتامٍ، إنَّما له صيرورة تاريخيَّة شهِدت مخاضات مُتعثِّرة ومحطَّات مُختلفة، وبُنيَت على هياكل أوصلتها إلى ما نحن عليه. وهذه العناصر والشروط المذكورة لم تنته عند محطّتنا الحاليّة، بل ستختلف مدّاً أو جزراً وكماً أو كيفياً بما سينسجه القدر لها مستقبلا وبما ستحيكه أناملُ روَّادٍ جُدُد. فليس هنا نهاية التاريخ بل هذه محطةٌ في السُنَن التاريخيّة التي يمكن تعقّبها بدراسة موضوعيّة للماضي.
الغرب
يُشير المراقبون إلى أنَّ مصطلحَ المُواطَنة غربيّ، يعودُ في أصولِهِ إلى الفكر الإغريقيّ والرومانيّ، حيث كان يُشير إلى ساكن المدينة المُتمتّع بكامل الحقوق السياسيّة فيها، مقابل المحرومين من هذا الحقّ وعلى رأسهم النساء والعبيد والأجانب. وقد تطوّرَ مفهوم المُواطَنة في روما الامبراطوريّة ليشمل أعداداً من النُّخَب من خارج المدينة ولكنَّه أُفرِغ من مضمونه السياسيّ بحيث أصبحت للمواطن حقوق مدنيّة دون المشاركة الكامِلَة في السلطة كما كان الحال سابقاً[١٤].
وبعد إندثارِ التجارُب الديمقراطيّة المحدودة في دائرتيّ الحضارتين اليونانيّة والرومانيّة، تراجعَ مبدأ المُواطَنة في الفكر السياسيّ الأوروبي طوال العصور الوسطى التي امتدَّت من ٣٠٠ إلى ١٣٠٠(ب.م.). ويعودُ تاريخ إبداع مفهوم المُواطَنة في أوروبا ـ بعد اكتشافه ـ إلى بداية ظهور الفكر السياسيّ العقلانيّ التجريبيّ، وتزايد تأثير حركات النهضة والتنوير في الحياة السياسيّة. وقد قام هذا الفكر السياسيّ والقانونيّ الجديد في دائرة الحضارة الغربيّة منذ القرن الثالث وحتّى قيام الثورتين الأمريكيّة والفرنسيّة بصياغة مبادىء واستنباط مؤسّسات وتطوير آليّات وتوظيف أدوات حكم جديدة، أمكنت بعد ذلك من تأسيس وتنمية نظام حكم مقيَّد.
ولا يُمكن إغفال بداية المشاركة السياسيّة التي يؤَّرَخ لها في العصر الحديث بـالماغناكارتا عام ١٢١٥، وذلك حين أكّدَ الإعلان حقوق البارونات الإقطاعيين تجاه الملك. واستمرَّ الصراعُ بعد ذلك مع الملك حول الإصلاح السياسيّ حتّى توسّعت قاعدة المشاركة ١٢٦٥ عندما دُعيَ مواطنان من كلِّ مقاطعة ونبيلان من كلِّ مديريَّة ليجلسوا في البرلمان مع الأشراف والأحبار[١٥].
حدَثَ المنعطفُ الهام في تاريخ المفهوم عند إندلاع الثورة الفرنسيّة في القرن الثامن عشر، حيث اتَّسعت آنذاك الدائرة اليونانيّة والرومانيّة الضيقة بشكلٍ هام ومُفاجِىء تشمل عدداً كبيراً من أعضاء المجتمع، وبدأت تتحدَّد معالم جديدة للمُواطَنة كانت مجهولة سابقاً. يعتبر روجرز بروباكر أنَّ فهمَ المُواطَنة لن يكون كاملاً إذا لم نضعها في سياقِ الخصائص الأربعة للثورة الفرنسيّة، أي كونها ثورة برجوازيّة (تعلّقها بالملكيّة) وديمقراطيّة (التمرّد على الاستبداد) ووطنيّة (التصدّي للغزاة) وبيروقراطيّة (إدارة مباشرة وفْقَ هرم تنظيميّ)[١٦]. هذه الخصائص حدَّدت شروطاً للمواطنيَّة من حكمٍ مركزيّ يحمي ويحكم أفراداً مُنتمين إلى الدولة، ويتمتَّعون بحقوق عامَّة منها حقُّ الملكيّة والمشاركة السياسيّة. هذه الثورة وسَّعَت حقوقَ المُواطَنة الأثينية، لكنَّها لم تصِل إلى حدود الشرائط المُعتبَرة لاحقاً، حيث أخفقت عندما مَيَّّزت بين الجنسين مثلا، فلم تعترف بحقِّ الانتخاب للنساء أيّ لنصف المجتمع. ويشيرُ التاريخ الاقتصاديّ لأوروبا إلى العلاقة بين الحاجة إلى جَنيِ الأموال والمشاركة السياسيّة من جهةٍ أُخرى. فقد تمَّت المشاركة السياسيّة في دُوَل الشمال الأوروبيّ الفقيرة نسبيّاً الدُوَل الاسكندنافيّة وبريطانيا بسبب حاجة الملوك إلى الاعتماد على شعوبهم في تحصيل الضرائب، بالتالي تشجيعهم على الإنتاج وزيادة قدرتهم الضريبيّة من خلال السماح بمزيدٍ من المشاركة السياسيّة واستتباب الأمن الجماعيّ، بينما تأّخرت في أوروبا الجنوبيّة خاصّة أسبانيا والبرتغال التي استطاع ملوكها مِلء خزائنها من المُستعمرات في أمريكا[١٧].
على مقلبِ الغربِ الآخر كانت تنمو المُواطَنة بهدوء وتأنٍ، خاصّة في مسألة المشاركة السياسيّة، أي الديمقراطيّة التي نمَت بشكلٍ خافت، ما حدا بـ ألكسي دو توكفيل أن يذهل ويعجب لما توصّلوا إليه في كتابه عن الديمقراطيّة في أمريكا.
حيث برز الحديث عن الحقوق المتساوية والمشاركة الفاعلة حيث يقول جورج واشنطن خلال فترة رئاسته الأولى: كلُّ الامريكييّن يتمَّتعون على حدٍٍّ سواء بحريّة الضمير وحصانة المُواطَنة، ولم يَعد الآن يُقال عن التسامح كأنَّه تسامُح طبقةٍ واحدةٍ من الشعب إزاء تمتّع طبقةٍ أُخرى بممارسة حقوقها الطبيعيّة المتأصِّلة [١٨].
أمَّا المرحلة الثالثة من تطوُّر المصطلح في الغرب الأوربيّ (بعد أثينا والثورة الفرنسيّة) فكانت فيما دشَّنه الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان سنة ١٩٤٨. فلأوّلِ مرَّة أصبحت المُواطَنة عبر الحريَّات السياسيّة حقُّ كلِّ شخص دون أيِّ تمييز كالتمييز بسب العنصر أو الجنس أو الُّلغة أو الدين أو الرأي السياسيّ أو رأي الآخر أو الأصل الوطنيّ أو الاجتماعيّ أو الثروة أو البلاد ودون تفرقة بين الرجال والنساء[١٩]. إنّ هذا الإعلان كرّسَ المساواة المُطلَقة في كافَّة الميادين خاصَّة السياسيّة، ونظر إلى الحريّة كحقٍّ طبيعيّ كما عند روسّو، فقد خصّصَ معظم موادِّه للحقوق السلبيَّة التي تتّجه نحو حماية المواطن من أيِّ اعتداء تقوم الدولة به أو أيّة مجموعة منَّظمة أُخرى ضدَّ حرِّياته الضروريَّة (مواد ٢ إلى ١٨) أو حُرِّياته العامَّة (مواد ١٩ إلى ٢١)، ولم يُغفِل الإعلانُ الحقوقَ التي تكفل للمواطنين الأمان الاقتصاديّ والاجتماعيّ والثقافيّ في قدرته على المشاركة بنشاط وفعاليَّة في الحياة السياسيّة[٢٠].
وبما أنّ المُواطَنة تقتضي واجبات كما تفترض حقوقاً، فقد لخَّصها الإعلان في البند الثاني من المادّة ٢٩: بالاعتراف الواجب بحقوق وحريَّات الآخرين واحترامها، وكذلك من واجبات المواطن الاحترام المُتبادل لاختيار الآخرين لهويّاتهم الثقافيَّة واللغويّة ولحريّاتهم في إنمائها.
لقد بنى هذا الإعلان صرحَ المُواطَنة في البلاد الغربيّة, وكان المحطَّة الثالثة في تشكيل مفهوم المُواطَنة وتطبيقها هناك، محاولاً أن يرتديَ لباساً عالميّاً كنموذجٍ أعلى ونصٍ فوقيّ تعتمد عليه الأنظمة السياسيّة وأفراد الشعب لمعرفة حقوق المُواطَنة.
لذا يُمكِنُ القول أنَّ المفهوم وُلدِ في الغرب مُرتبطاً بحقِّ المشاركة في النشاط الاقتصاديّ، ثمَّ بحث المشاركة في الحياة الاجتماعيّة، وأخيراً بحقِّ المشاركة في اتِّخاذ القرارات وتولّي المناصب. وأصبح الانتماء للوطن لا يعني الانتماء إلى ديار جغرافيّة يُقيم الناس فيها أو يُؤون إليها بقدر ما يعني أنَّ الوطنَ قام أساساً على توفير مجموعة من المصالح للمواطنين القاطنين في كنفه، بالمقابل يقومون بدورهم في الواجبات التي تُفرض عليهم.
أخيراً، التطوُّرُ التاريخيّ للمفهوم الذي يختلف في مراحله الأخيرة ما بين أوروبا وأمريكا أحدثَ تغيُّراً في النظرة إلى المُواطَنة. فالنظريَّة الفرنسيّة تعتمد مفهوماً كُلِّياً يُشدِّد على وحدةِ الجسم الاجتماعيّ المؤلّف من اتّحادٍ حرٍّ لأفراد مستقلِّين عن كلِّ أشكال التبعيّة، وتتحدّد هويّة المواطنين فقط بالرابط السياسيّ الذي يجمعهم، أي التساوي بالحقوق أمام القانون، ولا يُؤخَذ بعين الاعتبار ارتباطهم الدينيّ أو العرقيّ أو الثقافيّ وإن كانوا يُعَّرِفون أنفسهم على مستوى الهويّة باعتبار واحد من هذه المعايير. أمَّا النظريّة الأمريكيّة فلم تتبنَ المفهوم الفرنسيّ، ومع ذلك تبدو بعض ملامح هذه الرؤية في الشعار الأمريكيّ الداعي إلى ذوبان جميع المهجَّرين في أُمَّـة واحدة. حيث تضع هذه النظريّة في المقام الأوّل الفرد وقدرته الشخصيّة على المبادرة والإبداع عِوَضاً عن تفضيل مفهوم التضامن المجتمعيّ، هذا النوع من المفهوم يُحدَّد أساساً لمواجهة التحدِّيات التي يطرحها مجتمع مُتعدِّد الأعراق[٢١]. لا بُدَّ أيضاً من طرح النموذج الماركسيّ الذي يرى في المفهوم الليبراليّ للمُواطَنة طرحاً أجوفَ، لأنَّه يمنح حقوقاً شكليّة لعجز الفقراء المعزوفين عن ممارستها عمليّاً [٢٢].
برزت في الغرب إشكاليَّة على المُواطَنة، حيث إنّ المُواطَنة عندهم وما يتفرّع عنها من حقوق وواجبات يُمكن أن تُمنَح لأيِّ فرد حقَّقَ الشرط القانونيّ. فقد وفدت أعدادٌ كبيرة من المهاجرين إليها واستحصلوا على الشرط القانونيّ للمُواطَنة بحسب ما تُوجبه قوانينها حتّى بلغ العدد ١٢ مليوناً في أوروبا وحدها. وحيث كان الوافدُ يتمتّع بحقوقه كامِلَةً ويلتزم بواجباته، كانت أزمة ما تتعمَّق خاصّة عند المُسلِمين منهم حيث إنَّ الانتماء إلى البلد هامشيّ أمام الانتماء إلى الدِّين، ما فرض حديثاً عن ثقافة المُواطَنة والتربية عليها كأساسٍ للقبول بمنح الجنسيّة لتنتقل المُواطَنة من مفهوم قانونيّ إلى ثقافةٍ قائمةٍ بنفسها.
عند المُسلِمين
يُعتبَر مفهوم المُواطَنة مُستَحدَثاً في الفكر العربيّ والإسلاميّ، حيث لا تكاد تجد ذكراً لـه في نصوصِهم إلى حدِّ تأكيد برنارد لويس أنّه غريبٌ تماماً عن الإسلام، حيث يبدو له أنّه حقيقة تاريخيّة وثقافيّة، ويُعبِّر محمد أركون عن رأي مُماثلٍ مفاده أنّ مفهوم الجماعة السياسيّة في الإسلام يخلو من أيَّة محاولة لتطوير سياق المُواطَنة[٢٣]، لكن يبدو جليّاً إستعمَالهم لمفردات بديلة قريبة من مضمونه وجوهرة كالمدينة والمدنيّ والسياسة المدنيّة والمدينة الفاضلة والسياسة الفاضِلة، وصولاً إلى المجتمع المدنيّ والمجتمع الأهليّ.
وكما شهد المصطلح تطوُّراً تاريخيّاً عند الغرب واختلف بحسب المجتمعات، فإنَّ صيرورته الإسلاميِّة مختلفة، كما أنّ الشروط الحادَّة الجامعة والمانعة التي تُذكر اليوم لم توجد في المجتمعات الشرقيّة، بل كان هناك توفّراً لبعضها تبعاً للخصوصيَّة في هذا المجتمع. لذلك يَصعب البحث عن هذه المراحل التاريخيّة عند هذه المجتمعات لأنّها ربيبة مواطنها الخاصّة بها.
يَنظر بعضُ المراقبين إلى أنَّ النشأة التاريخيّة للمفهوم عربيّاً كانت في حياة القبائل العربيّة التي تفترِض طبيعة حياتها مشاركة من القبائل سعياً نحوَ التماسُك والتسانُد في وجه الخطوب، ويلفتون إلى أنّ سبأ و معين عرفت قدراً من المشاركة السياسيّة، فـ سبأ عرفت التمثيل النيابيّ إلى أنْ تدرّجَ الحكم إلى ما يُشبه الإقطاع. ويقُّّصُ القُرآن الكريم خبر ملِكة سبأ التي وقعت في حيرة من أمرِها عندما طلب منها سليمان التوجُّه لعبادة الله دون غيره، فطلبت من كبار قومها وزعمائهم المشورة لأنَّها لن تبُّتَ بالمسألة قبل مشورتهم وحضورهم وأخذ رأيهِم[٢٤].
ويرى آخرون أنَّ إرهاصاته كانت في وثيقة حلف الفضول أي الوثيقة التي اتَّفق عليها أهلُ مكَّة وطبّقوها على أرض الواقع، حيثُ تنُّصُ على احترام الانتماءات ونُصرة المظلوم. فقد كانت قريش تظلم الغريب ومن لا عشيرة لـه في مكّـة، حتّى حدث أن ظُلِم رجل واستجار بقريش فقاموا وتحالفوا ألا يُظلَم غريب ولا غيره، وأن يُؤخَذ للمظلوم من الظالم وحلَفوا على ذلك [٢٥] . ويَعتبر بعضُ المؤرِّخين أنَّ الحلف هو أوَّلُ تجربة ديمقراطيّة لحماية الأفراد أيّاً كان دينهم أو عرقهم أو مذهبهم من أيّ اضطهاد أو قمع.
تأتي بعد ذلك التجربة النبويَّة المدنيّة، حيث شكّل المُسلِمون رابطة ائتلافيّة تعاقديّة فيما بينهم أوّلاً، ومع غيرهم ثانياً. حيث تمتّع يهود المدينة بالمساواة مع المُسلِمين، وبالحقِّ في ممارسة نشاطهم الاقتصاديّ والدينيّ والاجتماعيّ بدون تحفُّظ من المُسلِمين، شريطة الانتماء الصادق إلى المدينة وعدم مساعدة الخصوم على السلطة السياسيّة القائمة.
ويرى المُستشرقون أنَّ صحيفةَ الحُديبيَّة أكثر قُرباً لمفهوم المُواطَنة بمعناه الحديث، حيثُ اتَّفق الرسول(ص) ومُشركو مكَّـة كشُركاء في الوطن/ الدولة/ الأُمَّـة. خاصّة أنها جَّسدَت اتِّفاقاً بصبغةٍ دُنيَويَّة وليست دينيّة بين فئاتٍ متساوية في القوّة والتأثير عندما وافقَ الرسول(ص) على التوقيع عليه باسمه أي بدون ذكر صفته الدينيَّة... حينها تمَّ الاتِّفاق بمحض إرادة المساهمين فيه وبدون إكراه وقتال. صحيح أنَّ الصلح كانت له طبيعة دينيّة، ولكنَّه برأي المستشرقين أرسى إتِّجاهاً جرى تثبيته بمرور الزمن لقبول مبدأ التعدديّة والعمل على أساسة، من خلال قبول مبدأ الشراكة في الوطن بين المُسلِمين وغيرهم [٢٦].
كان تعاملُ الرسول(ص) مع غيرِ المُسلِمين وسيرته مع المُكَلَّفين، أي ما يُصطلَح عليه بالسُنّة أساساً لتعامل المُسلِمين ورؤيتهم للحكم، وقد أفردَ حقوقاً لأبناء الأُمَّـة وغيرهم، وفرض عليهم واجبات وأرسى قواعد المشاركة من خلال الشورى بين المُسلِمين ولو كانت غير مُلزِمة. هذه هي بعض عناصر مفهوم المُواطَنة الحديث. لكنَّ العناصر الباقية ظلَّت في إطار الخصوصيَّة الإسلاميِّة، فالمُسلم يَنتمي إلى دينٍ يجب الدفاع عنه، وانتماؤه للأرض وحبِّه لها يجب أن لا يتعارض مع واقع دينه، كما أنَّ المشاركة لا تعني القدرة على انتخاب الخليفة بالطرق الديمقراطيّة الحديثة.
إستمرّ التاريخُ الإسلاميّ على صيغة الخلافة، حيث أخفقَ الحاكِمون في الحفاظ على بعض عناصر المُواطَنة التي أقرَّها الرسول(ص)، فاختلف تطبيقهم للحقوق ما بين مدٍٍّ وجزر حتَّى حُكْم السلطنة العثمانيّة، حيث فُرِضَت إشكاليَّة المُواطَنة بمعناها الحديث على الفكر الإسلاميّ بسبب واقع التجزئة والتحدِّيَات الخارجيّة[٢٧]. وبعد انقسام السلطنة إلى دُوَل متعدِّدة، برزَ التضادّ بين مفهوم المُواطَنة الإسلاميّ والحديث، الأمر الذي استطاعت بعض الحركات الإسلاميِّة التعايش معه وبقيَت أُخرى في طَور التصادم لكونها تؤمِن بالمصطلح الإسلاميّ الأُمَّـة الذي يتعارض برأيها مع واقع التجزئة الحديث. وتشكَّلت الدُوَل المُقسَّمة وفقاً للنظريَّات الوضعيَّة، واضعة في دساتيرها هذا المفهوم كأساس ثابت نظريَّاً. أمَّا الدُوَل الإسلاميِّة إيران فقد تعاملت مع الأمر الواقع، وبنَت دستورها بائتلاف ما بين مفهوم المُواطَنة الحديث والمفهوم الإسلاميّ.
المواطنة عند فقهاء الشيعة
رغم تداول هذا المُصطلح في الروايات الصادرة عن الرسول(ص) وأهل بيته، يبقى استعمَال الفقهاء له خجِلاً ومتلطِّياً خلف مصطلحات أُخرى أكثر استعمَالاً كالدار والأهل والأرض والمنزل.
يُمكن جلاء ذلك في قراءة عدديَّة لكتاب شيخ الطائفة الطوسيّ الخلاف، حيث ترِد كلمة الوطن في كلِّ كتابه أربع مرات، كما في مبحث صيام المسافر، حيث يقول ولأنّ السفر لا يجوزُ فيه الصيام عندنا فلمْ يبقَ إلا إرادة الرجوعِ للوطن[٢٨]، لكنَّه يذكرُها في كتابه المبسوط إحدى عشر مرَّة، ويذكر مرَّة واحدة كلمة استوطن. بينما نراه يذكرُ مصطلح أهله ٣٤ مرَّة وداره ١٩ مرَّة ونزله ٩ مرّات ودار الإسلام ٤٦ مرَّة .
أمَّا الفقيه الشيعيّ الشيخ المفيد فنجد كلمة وطن عنده خمس مرات، حيث يستعيضُ عنها في كتابه المقنعة بالأهل التي تتردَّد ٤٨ مرَّة والدار المُتعاقِبة ثماني مرات[٢٩].
لكنَّنا نجدُها خجولة في كتاب تذكرة الفقهاء لـ العلامة الحلِّي، حيث يذكر الوطن ١٤ مرَّة، لكنّ نسبتها إلى غيرها من المُفردات معدومة، فنجد ذكر أهله ٤١٦ مرَّة وداره ١٨٥ مرَّة ودار الإسلام ١٨٥ مرَّة[٣٠] .
لكنَّ المصطلحَ يزدادُ مع مرور الزمن، حيث نراه مُستَعملاً ٣٧ مرَّة في العُروة الوثقى للسيِّد اليزديّ في منتصف النصف الأوّل من القرن العشرين، بينما نرى داره ٥٨ مرّة[٣١].
هذا الاستعمَال للمصطلح المذكور يجد ثقله في مسائل صلاة المسافر، أي صلاة من يخرج عن بلده وطنه مسافة معيَّنة تبلغ حوالي ٤٥ كلم، فيصلِّي قصراً أي تتقلَّص عدد ركعات صلاته.
ويُقسِّم السيِّد مُحمَّد باقر الصدر الوطن إلى:
- مسقط الرأس، أي مسكن الأبوين حيث تُعَّدُ البلدة وطنه تاريخيَّاً بحسب الشرع، ولكنّه لو نوى الخروج منهـا نهائيَّاً لاستيطانِ بلـدٍ آخر، خـرجَت عن كونها وطناً له.
- البلدة التي يتَّخذها وطناً له ومقاماً مدى الحياة، حيث ينزح أو يهاجر إليها.
- البلدة التي يستقِّرُ فيها مُدَّة مؤَّقتة، لكنَّها طويلة بحيث تُخرِجه عن كونه مسافراً فيها عُرفاً.
- من لا وطنَ له بالمعنى المُتقدِّم، إذا قرَّرَ أن يتَّخذ بيتاً ليسكن فيه، أصبح ذلك البلدُ وطناً له[٣٢].
ويمكن أن يكون للمكلَّف أكثر من وطن، وذلك إذا قرَّرَ إن يتَّخِذ مسكناً شتويَّاً وأخر صيفيّاً. مِن هذا التقسيم يُمكن استخلاص المرونة التي تحكُم المصطلح في الفقه الشيعيّ، حيث إنَّ سكنَ المُكَلَّف الطويل عن بلده وإعراضه عن وطنه يُخرِجُهُ عن كونه من مواطني تلك الأرض. كما أنّ تحديد الوطن لا يخضع لمعايير السلطة السياسيّة ولا الُّلغة، بل يرتبط بالأرض أي منبت الإنسان. وفي كتاب الحدود، يُشرِّع الفقهاء حدَّ النفي للزاني، حيث يجب إخراجه من الأرض التي جُلِدَ فيها، ولو لم تكن هذه الأرض وطنه لا يجوز إرجاعه إلى وطنه[٣٣].
أمَّا في باب الدفاع فنجد أحكاماً شرعيَّة تتجاوزُ خصوصيّة الدفاع عن الوطن بالمعنى الحديث أي بما هو أرض، ليتناول الحديث فيه الدفاع عن بيضة الإسلام أو حوزته أو الدِّين الإسلاميّ والأُمَّـة، مُتجاهلاً الوطن أو الأرض الصغيرة، حيث يقول السيِّد الخوئي في منهاج الصالحين: يجب على كُلِّ مسُلِم الدفاع عن الدِّين الإسلامي إذا كان في معرض الخطر، ولا يُعتبَر فيه إذن الإمام بلا إشكال ولا خلاف في المسألة، وإذا قُتِل فيه جرى عليه حكم الشهيد في ساحة الجهاد مع الكفار[٣٤].
أمَّـا الإمام الخمينيّ فيفصِّل في المسألة آخذاً في الاعتبار إنقسام المُسلِمين إلى دول، لكن هذه الدُوَل الأوطان لا تُحدِّد حريَّة المُكَلَّف وواجبه وتكليفه في الدفاع عن حوزة الإسلام وبيضته. حيث يحكم بأنّه: لو خِيفَ على إحدى الدُوَل الإسلاميِّة من هجمة الأجانب، يجب على جميع الدُوَل الإسلاميِّة الدفاع عنها بأيِّ وسيلة ممكنة[٣٥] . ولا يكتفي بذلك، بل حتّى الأفراد يجب عليهم ذلك.
هذه الفتاوى والأحكام تجعل الفرد غير مُقيَّدٍ لوطن أو بلد، وتُخرِجُهُ عن ثقافة المُواطَنة، حيث تُحَفِّز المُكَلَّف أن ينتمي إلى دينه وإسلامه قبل أيِّ شيءٍ آخر، حتّى لو أضرَّ ذلك بوطنه ـ بالمعنى الحديث ـ حيث لا يُوليه الفقه أهميَّة كبرى كما هو الأمر في الدِّين والأُمَّـة ودار المُسلِمين. ومِنَ اللافِت أنَّ فقهاءَ الشيعةِ بأكثرهِم رغم أنَّهم تهجَّروا وانتقلوا إلى أماكنَ أخرى، فقد حافظوا على انتسابهم إلى مواطنهم الأصليَّة. وإذا لم نكُن نجد ذلك عند بعض الفقهاء الأوائل من المفيد والصدوق والرضي، فإنَّنا نجدُهم عند الطوسيّ والحلِّي والأردبيلي والعاملي والكركي وغيرهم.
أكثر من ذلك، إنَّ الأحكامَ القضائيِّة في الإسلام من تعزيرٍ وحدودٍ وقصاصٍ وغيرها، كما يفترِض المُسلِم إنبثاثها عن روح الشريعة الخاتمة، ينظرُ إليها كقانونٍ إلهي يجب مراعاته والحكم على أساسه، الأمر الذي يتصادَم مع المُواطَنة لأسباب أقلُّها ثلاثة:
- إنَّ مراعاة القانون الإسلاميّ يفترض قضاة مسلمون، فلا يحقُّ لغيرهم ممارسة هذه المهنة، ما يخلُّ بمبدأ المساواة في العمل بين أعضاء المجتمع الذي تفرضه المُواطَنة.
- وجوب تطبيق الحكم الإسلاميّ يُلزم بقيام حكم إسلاميّ على أساسه أي دولة إسلاميِّة، ما يجعل من العقد الإجتماعي المُفترَض بين مؤسّسي الوطن ـ بالمعنى الحديث ـ عُرضةً للتآكُل. ويجدر بالمُسلِم أن يفكِّر بقيام حكم إسلاميّ، وإن كان تطبيقُه منوطاً بموافقة بقيَّة أعضاء المجتمع، ما يؤدِّي إلى شلل آخر في مفهوم المُواطَنة الجديد.
- القانون الإسلاميّ يتعارض ومبدأ وحدة القانون بين أفراد الشعب؛ وذلك لأنّه وفي موارد عديدة يُفرِّق ما بين المُسلِم وغيره، والذي منها:
- في الإرث، حيث لا يرثُ الذِّمي (الذي كان لـه عقد ذِمَّة مع المُسلِم) من المُسلِم، ويُحرَم من ذلك[٣٦].
- الشهادة، حيث لا تُقبَل شهادة غير المُسلِم على المُسلِم مُطلقاً، وتُقبل في دينه إذا لم يكن هناك شهود من المُسلِمين [٣٧].
- لو أتلفَ الذِّمي الخمر أو الخنزير لصاحبهما المُسلِم لا يَضمن قيمتها، أمَّا لو أتلف المُسلِم الخمر أو الخنزير للذميّ فعليه أن يدفع لـه قيمتها[٣٨].
- إذا باع المُسلِم أرضاً للذميّ كان عليه دفعُ خُمسِها (خُمس ثمنها)[٣٩]، أمَّا لو باع الذِّمي للمُسلِم أرضه فليس عليه شيء.
يُمكن أن نستخلِص أنَّ الفقهَ التقليديّ يتعارَض مع مفهوم المُواطَنة الحديث كونه يفترض حُكماً إسلاميّاً. ولكن يجب الإشارة إلى أنَّ بعض فقهاء المذهب الجعفريّ تخطَّوا كثيراً من عوائق الفقه المُحيطة بالمواطَنة، خاصّة مسألة المُشاركة السياسيّة لغير المسلمين. نقرأ ذلك بدون لَبسٍ في خطاب مرجع الشيعة في مطلع القرن العشرين الميرزا النائينيّ الذي يُوضِح بأنَّ عضويَّة المجلس (الشورى) لا تقتصر على المسلمين، بل لا بُدَّ أن تتمثّل الأقليّات غير المُسلِمة في المجلِس، ولا بُدَّ أن تُشارِك في الانتخابات، لأنَّ أتباعها شركاء في الوطن، وشركاء في أموال الدولة... .ويمكن الالتفات إلى أنَّ تجربةَ الجمهوريّة الإسلاميِّة في إيران قد أعطت هذا الفقه بُعداً عمليَّاً، وحاولت قانونيِّاً أن تجعلَ الفقهَ يتعايش ـ ولو بالحدِّ الأدنى ـ مع مفهوم المُواطَنة الحديث. وسيأتي ذكر ذلك في مورده.
الخصائص والعناصر
تعني المُواطَنة ـ إضافةً للجنسيّة والانتماء ـ إمكانيَّة تدَّخُل المُواطَنة في اقتراح وصياغة القرار، وفي تدبير وتسيير كُلٍّ من الشأنين المحلِّي والعام، كما في تقاسُم السلطة وتداولِها والرقابةِ عليها. فهي ليسَت مُجرَّد صِفة لوضعيَّة تُطلِق فيها النصوص القانونيّة لدولة ما تَسَّمِية مواطنين على أفراد يحملون جنسِّيتها. إنَّها فوق ذلك،إنَّها عمليّة المشاركة النشيطة والعدالة لهم في مجالات الحياة المختلفة [٤٠].
هذا التفاعُل مع المحيطِ الاجتماعيّ والمشاركة فيه، يفرِض على المواطن واجبات ويعطيه حقوقاً بالتساوي مع الشريك الآخر. لكن يمكن القول، إنَّ هذا المفهوم ومع تطوُّرِه المرحلَيّ ونموِّه التاريخيّ خرج عن البُعد المادِّي الواقعيّ، ليصبحَ بحسب روّاده مفهوماً مثالياً إنسانيَّاً يُذَكِّر بأفكار فولتير وروَّاد المدرسة المثالية الأوروبيَّة. فبعدَ أن كان المفهوم يشتملُ على مجموعةِ إجراءات وأحكام وقوانين وتشريعات ماديَّة، أصبحَ يُحاكي نفسيَّة المواطن الذي يجب أن ينمو وينشأ على فكرة المُواطَنة. فقد خلعت هذه الفكرة أحاديّة الانتساب الجغرافي فقط ليُنتَسب إليها ثقافياً أيضاً، وتكون هويَّة المواطنين. وقد طُرِحت فكرة التربية على المُواطَنة جدّياً، حيث تُعرَّف بأنَّها التربية التي تُساعِد في بناء المُواطِن، وهي حصيلةُ النشاط التربويّ لدى الطالب للمساعدة في تكوين شخصِّيته كعنصرٍ فاعلٍ في الوطن الذي يعيش فيه وينتمي إليه. كما يرى برسلين وموريس أنَّ تربيةَ المُواطَنة هي أكثر من مادَّة دراسية، ولذلك فتفكيرُنا فيها يجب أن يكون في عِدّة اتّجاهات منها تربية المُواطَنة كمادَّة دراسية وكنشاط، كخُلُق [٤١].
إنّ طرحَ ثقافةِ المُواطَنة كان لأسباب مختلفة، أهَّمُها هو أنَّ الإقتِصارَ على البُعد القانونيّ والسياسيّ للمُواطَنة خلَّفَ أزمةً في الغرب، حيث وفدَ المهاجرون يحملون هويَّاتِهم وانتماءاتِهم المختلفة، وحصلُوا على المُواطَنة الإجرائية الجنسيَّة، وبعد فترةٍ من عيشهم لم يندمِجوا في المجتمع الذي تأسَّست فكرة المُواطَنة فيه، وبقيَت ثقافتهم وهويّتهم خاصّة بهم، الأمرُ الذي خلَّف تناقضات وجُزر مجتمعيّة تطفو في ذلك المجتمع، ما فرض على الغيورين على تلك الفكرة أن يُفكِّروا فيها كثقافة وانتماء للحدِّ من خطر الثقافات الوافدة، فتراجعت المواطنيَّة عن كونِها عمليّة قانونيّة فقط، وأضحَت أيضاً ما تُسَّميه أيهوه أنغ: صيرورة ثقافيّة لصناعة المُواطَنة[٤٢] .
يُحدِّد الفكر الفرنسيّ خصائص المُواطَنة بنقاط تُشير لشخصيّة المواطِن:
- ينتمي إلى وطنٍ، أي إلى قطعة من الجغرافيا آهلة بُسكّان وتحكمها دوله قويّة.
- يخضعُ لحكمٍ مركزيٍ يُسجِّل ويحمي كلَّ التابعين له.
- يتمَّتع بجُملَةٍ من الحقوق السياسيّة، منها المساواة والحريّة التي تُمكِّنه من المشاركة في تسيير الشأن العام.
- له حقُّ الملكية على ما إستطاع إليه بوسائل شريفة.
ويمكن تلخيص بعض واجبات الفرد وحقوقه وفقاً للمُواطَنة بـ:
- حقوق المواطن: والحقوق هي أكثر ما ركَّزَ عليها روَّاد المُواطَنة، حيث نجد ذلك على مستويات متعدِّدة منها:
- على المستوى الاقتصادِيّ: للمواطن الحقّ في التجارة والعمل والبيع والشراء، وله حقُّ الملكيَّة مُطلَقاً بلا قيود، ولا حدَّ لأمواله التي جناها بطريقة شرعيَّة. وعلى الدولة السعي لإنتاج فُرَص عمل للمواطنين والعمل على إلغاء حالات الفقر في المجتمع.
- على المستوى السياسيّ: المواطن فاعِل في الحياة السياسيّة، له حقُّ الانتخاب والترشيح والاعتراض والتظاهُر، وله المشاركةُ في الأحزاب السياسيّة والجمعيَّات والنوادي. ولا يجوز محاكمته على رأيه السياسيّ، تستمِدُّ السلطة شرعيتها منه، وهذا هو الوجه الديمقراطيّ للمُواطَنة. والدولة ضامنة للأمن الجماعيّ، ما يعني أن أيَّ خللٍ يُصيبُ الأمان الداخلي ويهدّده يطعن في حقِّ المُواطَنة.
- على المستوى القانونيّ: القانون المدنيّ والأحوال الشخصيَّة لا تُفرِّق بين المواطنين، لا في الجنس ولا في الدِّين ولا في الأصل، والجميع مُتساوون أمام القضاء الذي يقوده سلكٌ مدني.
- واجبات المواطن:
- الرابطة العُليا التي تربط الأفراد هي عضويَّة كلٍّ منهم في الوطن، فخطُّ الإنتماء العريض هو للوطن من خلال عدمِ تقديم أي انتماءٍ عليه مهما تزاحمت الهويَّات.
- الشراكة في الوطن تعني احترام آراء الآخرين مهما تعارضَت مع الهويَّة الشخصيَّة للأفراد، هذه الشراكة تعني أموراً:
- القانون هو الشخصُ المعنويّ الذي يضمن حقوق الجميع، وأيّ عملٍ أو تنظيم مُخالِف للقانون يتعرَّض للعقاب بدون تمييز بين جماعة أو أُخرى، والدستور هو الحاكم على سلوك الحاكم والمحكوم، حيث يستمِّر المُنتخَب في مكانه طالما استمرَّ في حفظ الدستور وصيانته.
ويمكن أخيراً اختصار مفهوم المُواطَنة بمفاهيم ثلاثة، تُعدُّ العناصر الأساسيَّة في تكوينه هي الليبراليَّة في المجال الاقتصادي والعلمانيَّة في الجانب السياسيّ الاجتماعيّ والديمقراطيَّة على المستوى السياسي.
إشكالية المواطنة والأمّة في الفكر الإسلاميّ
أبرزَ نشوءُ الشرقِ الأوسطِ بشكلهِ الحديث وتآكُل آخر أشكال السلطنة التي كانت تُوَحِّد الدُوَل الإسلاميِّة تحت وعايتها وتحكمها في ظلَّ رعايتها، واشتهاء الأُمَم لتناول القصعة الإسلاميِّة وتقاسمها مفاهيم وإشكاليات فُرِضَت على الفكر الإسلامي بعد أن كانت في الكنف اللامُفكَّر فيه.
من هذه الإشكاليات مفهومنا ـ موضع الدراسة ـ الذي شكَّلَ هاجس المفكِّرين المُسلِمين، الذين بنَوا أفكارهم على وحدةِ الآمال والآلام بين المُسلِمين، ما اضطَّرهم إلى إعادة تشكيل آرائهم لإعادة إنتاج مفاهيمهم.
ومن هؤلاء المفكّرين من وجد في الأفكار المُستَحدثة كالعلمانيّة والليبراليّة والمُواطَنة أشجاراً تُثمِرُ في بيئتها المناسبة وأرضها الخصباء، لكنها لو زُرِعَت في غير تُربتها لأسقطت ما فيها من خُضرةٍ وثمار، وتحوَّلت شَوكاً في خاصرةِ المجتمع الجديد. على المقلَب المُقابِل، تلَّقفَ بعضُ المفكّرين المفاهيم بشراهة وإعجاب، ليعتبروا أنَّ تاريخَها موجودٌ في الإسلام بوضوح وجلاء، فلا استيحاشَ من مضمونِها الذي يَتناسب مع أرضنا بل هو في صميم تاريخنا، وسعى هؤلاء إلى تشريح التاريخ والبحث في مكنونات الأحداث السالفة واصطياد أحاديث عن السُنَّة تدُّلُ ضمنيَّاً أو صراحةً على مدلول هذه المصطلحات.
أمّا القسمُ الثالث من المُفكِّرين، فتعاملوا بواقعيَّة مع هذه المفاهيم التي فرضَت نفسها على المجتمع. فإلى جانب الاعتراف بأجنبيّة هذه الأفكار ـ في بعض مضامينها ـ عن الإسلام، يجب إيجاد معامُل الاشتراك بينها وبين الإسلام والابتعاد عن المثاليَّة في التفكير. فبناءً على أنَّ الضرورات تُبيح المحظورات، حيث لا إمكانيَّة لقيام حكم إسلاميّ، سواء لضعف الحاكم أو لعدم إرادة الشعوب فلا مناص من قبول هذه المفاهيم من دون إغفال ضرورة تشذيبها بما يتعايش أو يتلاءم مع الإسلام.
تعارض المواطنة والأمّة
يَبتني هذا الموقف على الإعتبار القائل بشمولِ الأُمَّـة للشعوب من مِلَّة الإسلام، أي الأُمَّـة بحسب الدِّين، الذي يتعارَض والمُواطَنة التي تقتضي تمزيقَ جسدِ هذه الأُمَّـة، وتحكيم غير الإسلام على المُسلِمين. فمفهوم الأُمَّـة يتعلَّق أصلاً في الإسلام بالرابطة الأخويَّة الدينيَّة بين المؤمنين، وهي رابطة طوعيِّة إختياريَّة، ينطلقُ منها مفهومُ الجماعة باعتبارها رابطة تضامنيَّة تقتضي الالتزام بالقيَم الإسلاميِّة وتُطَبِّقُها في واقعِ الحياة، بينما الرابطة الوطَنِّية هي رابطةٌ تعاقُديّة ليس لها محتوىً سابق على التعاقد نفسه، وهي وإن كانت طوعيَّة نظريَّاً إلا أنَّها أصبحت إجباريَّة، حيث يولدُ الفردُ مُرتبِطاً بهويَّة وطنيَّة معَّينة يصعبُ إستبدالها[٤٣].
ويتركَّز العداءُ لمفهوم المُواطَنة إسلاميَّاً وعدم توافقِها مع الأُمَّـة لأمور:
أوّلاً: تمزيق المسلمين: إنَّ أُمَّةَ الإسلام لا حدودَ لها وتالياً لا وطنَ لها، إنطلاقاً من مبدأ أنَّ الأرضَ أينما كانت وكيفما امتَّدت هي أرضُ الله، والاستحقاق السياسيّ للكيان الإسلاميّ هو الأرض كلّها، فيحقُّ للدولة الإسلاميّة إخضاع جميع أراضي العالم لها[٤٤]، والمُسلِمون يأوون إلى ديارٍ سمَّوها في أدبِّياتهم دار الإسلام تقابِلُها دار الكفر، حيثُ يجبُ أن تكونَ مِحوَراً للدعوة الإسلاميِّة وإلا أصبحت دارُ حرب. فأينما أقامَ المُسلِمون ـ أغلبيّة كانوا أم أقلّية ـ فهم ينتمون إلى أُمَّة عقيديّة هي أُمَّة الإسلام التي لا حدود لها. فمُسلمو اليوغور ينتمون إلى الأُمَّـة الإسلاميِّة قبل أن ينتموا إلى وطن الصين[٤٥]، وكذا مسلمو الهند وكشمير والبوسنة وألبانيا وغيرهم. وقد تشكّلت أحزاب سياسيّة ذات نظرة عقائدية، تلتزم بالإسلام هويةً وحكماً، وترفض الأوطان المختلفة. مِن أبرزها حزب التحرير الذي أسّسه تقّي الدين النبهاني، حيث يدعو إلى إعادة تشكيل الخلافة الإسلامية، ليتعامل الأفراد معها على أساس الرابطة الدينيّة، وليس العُلقة الوطنيّة التي مزّقت أرض الخلافة وأضعفَت الحضارة الإسلاميّة.
ويمكن وبأقلِ تفحُّصٍ معرفة أنَّ المُواطَنة تضُّرُ بالوحدة السياسيّة والفكريَّة للمسلمين، فالدولةُ الإسلاميِّة التي لطالما اتَّحدت مع المجتمعِ الإسلامِّي وأُمَّة الإسلام، تواجِه تحدِّي التقسيم، وما يزيدُها وَهناً هو هذا المفهوم الذي يُحاوِل تعميق الهوَّة بين الدُوَل التي تقاسمت الأُمَّـة.
فالأُمَّـة الإسلاميِّة لها وحدةُ شعور، وهي كما يقول سيِّد قطُب: جسدٌ واحد يحسُّ إحساساً واحداً، وما يُصيبُ عضواً منه يشتكي له سائر الأعضاء، وللتكافل بين المؤمنين صورة مُعَبِّرة دقيقة هي: المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشدُّ بعضُه بعضاً[٤٦]. وكلُّ ما يجعل المُسلِم يبتعد عن أخيه في المودّة والأهداف المشتركة هو من صنيعة أعداء الدين الذين يحاوِلون السيطرة على عقولِ المُكَلَّفين من خلال الغزوِ الثقافي والذي قوامُهُ الأفكار المستورَدة مثل المُواطَنة.
ويُوجِّه محمّد رشيد رضا نقداً قويّاً لفكرة الوطَنِّية، فبعد الخلل الذي اعتَوَرَ إستقلال الجسم الإسلاميّ، أصبحنا ـ كمُسلمين ـ مقلِّدِين للإفرنج حتَّى فيما نحسِب أنَّنا نهرب به من سيطرتهم، كدعوة الوطَنِّية التي كان الخسارُ فيها علينا والربح لغيرنا[٤٧]، فهذه الفكرةُ والمُشتَّقُ منها وأخواتها (المُواطَنة) سبَّبت انفصال العالم الإسلاميَّ وتمزُّق المُسلِمين، فيجبُ العمل على الحدِّ من التماهي مع هذه المفاهيم.
إنَّ فكرةَ الأُمَّـة التي تفترضُ وحدةَ الجسمِ الإسلامي، والتي امتدح بها القُرآن المُسلِمين، تتزلزلُ أمام تفكُّكِ هذا الجسد الذي يتحوّل إلى أوطان متعدِّدة، وقد كان السببُ الأساس في ذلك هو تلك الأفكار الدخيلة التي أوهنت الأُمَّـة، ومنها المُواطَنة.
ثانياً: إبعاد الإسلام عن الحكم: يتذرّع أدعياء المُواطَنة أنَّ قيامَها تطلَّبَ مبدأين: الأوّل هو أرضيَّة مُواطَنة، والثاني هو أرضيَّة لفصل المُواطَنة عن عضويَّة الكنيسة أو الإيمان الدّيني... ولأنَّه لا يُمكِن تحويل حريَّة العقل إلى الغير، فمن المستحيل منح حكومة سلطة أو حقِّ إجبار العقول على الإيمان بمعتقد لم تقتنع به[٤٨].
من هذا المنطلق الداعي لتحييد الدِّين برزَت مواجهة عميقة ضدّ مفهوم المُواطَنة، فالإسلاميِّون يعتبِرون أنَّ الإسلام لا يُجبِرُ أحداً على اعتناق دينٍ آخر وفقاً لقول الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾[٤٩]
وبالتالي فعِلَّة فرض المُواطَنة مُلغاة في الإسلام، فلا ضَيرَ في أن يكون هذا الدِّينُ حاكِماً باعتباره دين الدّنيا والآخرة، لا كدين الكنيسة. فالرسول(ص) كان إلى جانب نبُّوته حاكماً لدولة، وصحيحٌ أنَّ المسلمين في اللَّحظة الأولى لوفاته اختلفوا فيما بينهم حول الدولة، لكنَّهم لم يختلفوا حول ضرورة وجودِها، بل حول كيفيَّّة وجودِها وأسلوب عملها وحول من يتولَّى الخلافة عليها، وقد كانت في مختلف التاريخ العربيّ الإسلاميّ محوَر نشاط المجتمع والضامن الأساس لبقائه واستمراره[٥٠]، لذا فلا مكان للمُواطَنة في المجتمع الإسلاميّ، وإذا أُريد تطبيقها فعليها التماهي والتلاؤم مع فكر الإسلام، فيكون هناك مُواطَنة إسلاميَّة.
هذا ما أكَّد عليه سيِِّد قطب الذي عرَّف الوطن بأنّه: دار تحكمها عقيدة ومنهاج حياة وشريعة من الله . هذا هو معنى الوطن اللائق بالإنسان برأي مفكِّر الأخوان المسلمين. وفي نصٍّ نادرٍ له تعليقاً على المُواطَنة، يُناقش فيه[٥١] إشكاليَّة الإسلام العقائديَّ الذي تنبثقُ منه شريعة يقوم عليها نظام من جهة ووجود أقليّات لا تؤمن بالإسلام من جهةٍ أُخرى. فيشيرُ إلى أنَّ الإسلام يضمن للجميع حريَّة الاعتقاد والعبادة.
وحتَّى لو كانت التشريعات مُستمَدَّة من الإسلام، فالأحوالُ الشخصيَّة خارجة عنها تخصُّصاً، فما الذي يُضير أيَّة أقليَّة في أنْ يكون التشريع المدنيّ والجنائيّ والتجاريّ مُستمدّاً من الشريعة[٥٢]؟ فالإسلام هو الحلّ والعقد والأمر والنهي والحكم والسلطة، به تتآلف القلوب ويشعُر الجميع برابطة الأخوّة التي هي أوثَق من المُواطَنة وأكثر لُحمةً منها.
وقد شكَّكَ الإحيائيِّون المسلمون في مصر بمبدأ المُواطَنة الذي يفترض مساواة المسلم بغيره بسبب مناقضة ذلك للقرآن والسنَّة. لكن منذ الثمانينات بدأ الإسلامّيون المصريّون يُراجِعون مسألة المُواطَنة، فقالوا إنَّها تحقَّقت بعقدٍ جديدٍ في مصر من خلال الجماعة الوطَنِّية الناشئة نتيجة اشتراك الأقباط مع المسلمين في الكفاح ضدّ الاستعمار، ومع ذلك ظلَّ هناك من يُشكِّك في هذا الأمر مثل زعيم الإخوان المسلمين حامد أبو النصر الذي قال عام ١٩٩٧ أنَّه لا يرى أن يُشارِك الأقباط في الجيش.
إشكاليَّة المُواطَنة هذه ـ إبعاد الإسلام عن الحكم ـ انتَقلت إلى الجانب الشيعيّ بشكلٍ خافِت في مطلع القرن العشرين مع عدم وضوح رؤية لشكل الحكم عند السيِّد محمد حسين الشيرازي و الميرزا النائيني، لكّنها صعدت إلى العلن فيما بين كلمات الشيخ محمَّد حسين كاشف الغطاء، وتفاقَمت بشكلٍ كبير حين أُسِّس حزب الدعوة الإسلاميّة من خلال كتابات السيِّد مُحمَّد باقر الصدر التي تُعنى بمسائل تنظيميّة داخل الدولة وعلى مستوى التخطيط اقتصادُنا، البنك اللاربويّ في الإسلام...، وانتقلت أخيراً من المستوى النظريّ إلى تحقيق الدولة والحكم مع ثورة الإمام الخمينيّ حيثُ أصبحَ الإسلامُ حاكِماً، وحُلَّت كثيرٌ من إشكاليَّات المُواطَنة، فمُنِحت المرأة حقَّ التصويت والترشُّح لمجلس الشورى إلى جانب الرجل، وأُعطيَ غيرُ المسلم الحقَّ في الانتخابِ العام.
المُواطنة مفهوم إسلامي
إنَّ التاريخَ الإسلاميّ في زمن النَّص الذي ينضح بأحداث متعاقبة وروايات متنّوِعة وتشريعات مختلفة سهّل على كثيرٍ من المفكرين أن ينسِبوا كثيراً من المفاهيم المُستحدَثة إليه، أو أن يجدوا جذوراَ لها في تاريخه، أو أن لا يجدوا حرجاَ في ملاءمتها له، وقد عنى علم الكلام الجديد بهذه المسألة، فبحث مسائل الديمقراطيّة وحقوق المرأة وغيرها.
أمّا مفهومُ المُواطَنة فقد بَحثَ كثيرٌ من المفكرين عن جذورٍ إسلاميّةٍِ لها، فوجدوا ذلك في إمضاء حلف الفضول ـ الذي قام بين عشائر قريش ـ من قِبَل الرسول(ص)، وفي وثيقة المدينة بين المسلمين بعد الهجرة ويهود المدينة، وفي صلح الحُدَيبيَّة بين أهل الإسلام وأهل الشرك من قريش. كما أنَّهم استدَّلوا له بمرويِّات عن الرسول(ص) في حُبِّ الوطن والدفاع والزَّوْد عن أرضه مثل «حُبُّ الْوَطَنِ مِنَ الْإِيمَانِ».[٥٣]
كما حاولوا التركيز على عناوين المُواطَنة العريضة، حيث ترتكز المُواطَنة على مجموعة قِيَم كالعدل والمساواة والعدالة والحريَّة، وهي قِيَم تُشَكِّل رًُكناً حيويَّاً في الإسلام فضلاً عن قِيَم التسامُح والتراحُم والتعاون حيث يقولُ الرسول(ص): «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكَلَكُمْ مسؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[٥٤]، ويقول الله في القُرآن الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾[٥٥][٥٦].
ويحاول علاّل الفاسي أن يُنقِّب عن هذا المفهوم المرادِف لمفهوم المواطنة الحديث في القاموس الإسلاميّ، فيجده في مفهوم التكليف، فالإسلام يعتبر كلَّ فردٍ مُكلَّفاً، أي مدعُّواً للقيام بواجباته تّجاه الله ونحو المجتمع ونحو نفسه ونحو الإنسانيّة جمعاء. والحقوق التي يتحصّلها إنَّما هي تتحصّل من خلال النهوض بالواجبات تلك. وعليه فإنَّ التكليف في العُرف الإسلامي يقوم مقام المواطنة في العُرف الديمقراطيّ الحديث[٥٧].
لكن هؤلاء لم يتطّرقوا إلى مخالفة المُواطَنة للشريعة الإسلاميّة[٥٨]، ولم يلتفتوا إلى تفاصيلِها ومحتوياتها، أو أنَّهم فعلوا ذلك لكِّنهم إمّا التزموا بالعلمانيّة كمفهومٍ لا يَتنافى مع الإسلام باعتبار أنَّ القوانين مجموعة من الأمور التنظيميّة[٥٩] التي تتغَيَّر باختلاف الوقت والزمن أو رأوا أنَّ الشريعةَ تُساوي بين الأفراد مثلها مثل المُواطَنة.
وقد أسهبَ كثيرٌ من المفكِّرين في التحدُّث عما أسمَوه فقه المشاركة، أي المُواطَنة بمضامينها الإسلاميَّة حيث تقوم على:
- تكافُؤ الفُرَص لكُلِّ الأجناس المنخرطِين في الإسلام، إنطلاقاً من قول الرسول(ص): «لا فَضْلُ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى».
- المساواة والاعتراف بالآخر انطلاقاً من قول الله: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾[٦٠]﴾[٦١].
- مشاركة المُسلِم للخلفاء أو الولاة في مهمَّة إصلاح المُجتمَع وتقويم العِوَج فيه والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر استتباعاً لقول الرسول(ص): «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ»[٦٢]... فإذا كانت المُواطَنة بالمفهوم الغربيّ تعني بالتحديد هذه المبادىء الثلاثة، التي تتواءم مع الخطوط العريضة للشريعة ومقاصدِها، فيكون الانتقال من فقه المشاركة إلى تبَّني المُواطَنة سَهلاً وعذباً إلى حدِّ البداهة.
وينقُل محمّد رشيد رضا عن أُستاذِه جمال الدِّين الأفغاني أنَّه كان يرى أنَّ الوطَنِّية ـ التي هي عبارة عن تعاون جميع أهل الوطن الواحد المُختلفي الأديان على كُلِّ ما فيه عُمرانه وإصلاح حكومته ـ لا تُعارِض الدِّين الإسلامي في شيء، كما يُثبته شرعه في العدل والمساواة ويشهد له تاريخُه، وقد بَيَّن السيِّد ذلك في كتاب الإسلام والنصرانيَّة. وينقلُ رضا أنَّ الأفغاني كان يُرشد تلاميذه ومريديه وحزبه السياسيّ إلى وجوب اتِّحاد أهل كُلِّ قطر شرقِّي إلى التعاون على الأعمال الوطَنِّية السياسيّة والعمرانيَّة، وكان حزبُهُ مؤَّلَفاً من أذكياء المِلَل المُختلِفة[٦٣]. لذا يُعَدُّ السيِّد جمال الدِّين ـ المُتنازَع في موطنه الأصلي ـ من روَّاد الوطَنِّية الأوائل الذين سنُّوا مشروعيَّة الانتماء للوطن والدفاع عنه والعمل وفق ما تقتضيه المُواطَنة من الحقوق والواجِبات والمشاركة الفاعِلة في الحياة العامّة، كما أنَّه ومن خلال التشريع وأسلَمة فكرة المُواطَنة سمحَ لمن بعده من الإسلاميِّين مِن خَوض غمار هذه التجرُبة المُستَحدَثة في الفكر الإسلامي.
والظاهر أنَّ تعرُّفَ الإصلاحيين المسلمين على الوطن الحديث كان من بابِ النموذجِ الأوروبي للدولة الوطَنِّية الحديثة، ومن خلال سياق سياسيّ هو الضغط الأجنبي والاحتلال والإدارة الاستعماريَّة، أي من خلال معاينة نموذجها السياسيّ في البلدان الإسلامية الواقعة تحت قبضة الاستعمار أو من خلال معاينة أوروبا في موطنها بالرحلات والبعثات والأسفار إليها[٦٤].
ويبدو أنَّ الإعجاب بمفهوم المُواطَنة الذي تفرضه الدولة الحديثة كان بسبب عنصرٍ أساسٍ فيه هو خصيّصة العدل، حيث يعزو خير الدِّين التونسي وصول ممالك أوروبا تلك الغايات والتقدُّم في العلوم والصناعات إلى التنظيمات المؤسَّسة على العدل السياسيّ. هذا العدل يتجلَّى في القانون الذي ينتظِم به أمرُ السياسة والدولة وفي هذا القانون ـ المُدَّون في كتاب هو مرجع الدولة وقاعدتها في إجراء الأحكام الذي هو الدستورـ أمُور لا يُنكِر ذوو العقول أنَّها من باب العدل.
وإذ يُدخِل رفاعة قانون الدولة المؤسَّس على مفهوم المُواطَنة من باب العدل، يستدرِك إلى أنَّ غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله، ويريد بذلك التفريعات والتفاصيل في القانون، لكنَّه لا ينفي أنَّ أمره قام على مقتضى العقل الذي لا يُعارِض مقتضى الشرع، بينما لا يتردّد خير الدِّين التونسي في التقرير بأنَّ الشريعة لا تُنافي تأسيس التنظيمات السياسيّة المقوِّية لأسباب التمدُّن ونمو العمران [٦٥]. ويجدر ذكر أنَّ باب العدل من الأبواب المُختَلَف عليها بين المذاهب الإسلاميّة، حيث تذهب الشيعة والمُعتزلة إلى أنَّه من باب أصول الدِّين، بينما يُقرِّر الأشاعرة أنَّه من فروع الدِّين.
ولقد كان للعدل أهميَّة كبيرة في فكر العلماء من المذهبين، خاصَّةً في مسألة نقد الاستبداد، ويدُّل على ذلك ما كتبه عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الإستبداد والميرزا النائيني في تنبيه الأُمَّـة، ما دفع كثيراً منهم لتبّني المُواطَنة كأقصرِ طريقٍ للتخلُّص من الظلم واللجوء إلى العدل، حيث رأوا في القانون المدني تفاصيل وضعيّة لخطوط شرعيَّة عالية مُستمَّدة من الله.
رغمَ الكثير من هذه التأييدات للمفهومِ المذكور، بما اشتملت من بحثٍ عن أسُسِه في أغوار الشريعة أو تنقيب عن مفرداته ومردافاته في أكنافِ السُنّة والسيرة،
يبقى تساؤلٌ يُستثار في وسط هذا الصخب، قد تُغني الإجابةَ عنه إشكاليَّة البحث. وهو أنَّه لو تعارض التعلُّقُ بالوطن والتمسُّك به مع الإلتزام بالدِّين والإنتماء إليه فمن هو المُقدّم؟ وبحبل من يلتزم المكلّف والمواطن؟ هذا السؤال يُفيضُ علينا إجابة قد تكون شافيةً وافيةً عن موقف الإسلام من المواطنة التي تجعل من الإنتماء للوطن أولوية ً يجب أن لا يتقدّمُ عليها إنتماء وأساساً طليعيَّاً يتفرعُ غنه كلُّ انتساب.
يُجيب القرضاويّ عن هذا السؤال مُستذكِراً مقاصد الشريعة التي رتّبها الله مراتب، أوّلها الدِّين ثمَّ النفس، ويليها النسل ويتَّبعها العقل والمال، فالإنسان يُضّحي بأي شيء لأجل دينه حتَّى لو كان الوطن هو الأضحية، فالرسول(ص) وصحابته كانوا يُحبّون مكّة حتّى قال(ص): «وَ اللَّهُ إِنَّكَ لَأُحِبُّ بِلَادِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَ أَحَبَّ بِلَادِ اللَّهُ إِلَيَّ»[٦٦]. ولكن عندما اصطدمَ الوطن والدِّين ضحّى بالوطن من أجل الدِّين، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾[٦٧]، فلو كانت كلُّ هذه الأشياء ومنها الوطن ـ ومساكن ترضونها ـ في مقابل الدِّين قُدِّم هو وتراجعت وتخلَّفت هي عنه.
كما يؤكِّد السيِّد مُحمَّد باقر الصدر أنّ أسّ انتماء الراعي والرعيّة هو للإسلام، الذي يمثل المبدأ الكامل، فيتكوَّن من عقيدة لمعرفة الخالق.. وشريعة القوانين والأنظمة.. في الكون، ينبثق عنها نظام اجتماعيّ شالٍ لأوجه الحياة [٦٨]. ولا يمكن لأي نظامٍ أن يحكم بدلاً عن الإسلام، كما أنّ المسلم لا ينتسب إلى نظام لا يتأسَّس وفقاً للإسلام، وإلا وجب أن تكون دعوته للإسلام تغييريّة إنقلابية لأنّه المبدأ والارتكاز الذي يعيش فيه الفرد وينتسب إليه[٦٩] .
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ ابن منظور، لسان العرب، م.س.، ج١٣، ص٤٥١.
- ↑ دغيم، سميح، مصطلحات الفكر العربي والإسلامي، م.س، ج٣، ص٢٠٦٧.
- ↑ م.ن.، ج٣، ص١٢٦٦.
- ↑ السيد، رضوان، سياسات الإسلام المعاصر، م.س، ص٦٠.
- ↑ العزاوي، قيس، المُواطَنة في مجتمع متعدد القوميات والطوائف، موقع www.tanmia.ma، في ١٠ـ٠٥ـ٢٠٠٧
- ↑ السيّد، رضوان، سياسات الإسلام المعاصر، م.س.، ص٦١.
- ↑ دغيم، سميح، مصطلحات الفكر العربي والاسلامي، م.س، ج١، ص١٢٦٨.
- ↑ مؤسسة أعمال الموسوعة، الموسوعة العربية العالمية، م.س، ج٢٧، ص١١٣.
- ↑ أسس المُواطَنة وصور الإلتباس،نشرة الحزب التقدّمي، مجلة الإسلام والديمقراطية،عدد١٠، ٢٠٠٠، ص٢٣
- ↑ م.ن.، ص٢٤
- ↑ الكيالي، عبدالوهاب، موسوعة السياسة، م.س، ج٦، ص٣٧٣.
- ↑ مجموعة باحثين، معجم العلوم الاجتماعية، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، ١٩٧٥، ص٥٨٠.
- ↑ سي. نانفليد، ادوارد، السلوك الحضاري والمُواطَنة، تر. مسجد نصار، ط١، ج١٠، عمان، دار النشر، ١٩٩٥، ص٨٠.
- ↑ الافندي، عبد الوهاب، إشكالية الأُمَّـة والوطن، حوار عبد الحي شاهين. www.tanmia.ma، في ١٠ـ٠٥ـ٢٠٠٧.
- ↑ مجموعة باحثين، المُواطَنة والديمقراطية في البلدان العربيّة، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ٢٠٠٤، ص٢٣.
- ↑ المعمّري، سيف، الوطنية والمواطنية، مجلة المعلم، www.tanmia.ma،١٢ـ٦ـ٢٠٠٧
- ↑ مجموعة باحثين، المُواطَنة والديمقراطية، م. س.، ص٢٦.
- ↑ كيسلر، تشارلز، السلوك الحضاري والمُواطَنة، م.س.، ص٩٣.
- ↑ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، نشرة الأمم المتحدة، إدارة شوؤن الإعلام، ٢٠٠٠، مادة٢، ص٧.
- ↑ الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، م.س.، ص.ص.١ـ١٥.
- ↑ بنخزاز، هشام، المُواطَنة والوطن، م.س.، ص٥٤
- ↑ الافندي، عبد الوهاب، إشكالية الأُمَّـة والوطن في الفكر الإسلامي، إشكالية الأُمَّـة والوطن في الفكر الإسلامي، حوار عبدالحي شاهين. www.demoislam.com
- ↑ الأفندي، عبد الوهاب، المُواطَنة والديقراطية، ص٥٥.
- ↑ القُرآن الكريم، سورة النمل، ٣٢.
- ↑ اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج٢، دار صادر، بيروت، ص١٩.
- ↑ العزاوي، قيس، المُواطَنة في مجتمع متعدِّد القوميات، م.س.، ص٤٨
- ↑ الافندي، عبد الوهاب، إشكالية الأُمَّـة والوطن، حوار عبد الحي شاهين. www.tanmia.ma، في ١٠ـ٠٥ـ٢٠٠٧
- ↑ الشيخ الطوسي، الخلاف، ط جديدة، ج٢، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤٠٩، ص٢٨٠.
- ↑ الشيخ المفيد، المُقنعة، ط٢، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، ١٤١٠، ص٢١٣
- ↑ العلاّمة الحلي، تذكرة الفقهاء، طبعة حجرية، قُم، منشورات المكتبة الرضوية، ص١٤٥.
- ↑ السيّد اليزدي، العروة الوثقى، ط١، قُم، مؤسّسة النشر الإسلامي، ١٤١٧هـ.، ص٢١٧
- ↑ الصدر، السيد محمّد باقر، الفتاوى الواضحة، النجف الأشرف، مطبعة الأداب،١٩٨٠، ص١٧٦
- ↑ الموسوي الخميني، الإمام روح الله، تحرير الوسيلة، ط٢، النجف الأشرف، مطبعة الآداب، ١٤٠٩هـ، ص٤٧١.
- ↑ الخوئي، السيد أبو القاسم، منهاج الصالحين، ط٢٨، ج١، قم، مُهر، ١٤١٠ هـ، ص٣٨٨.
- ↑ الموسوي، روح الله، تحرير الوسيلة، م.س، ج١، ص٤٨٦.
- ↑ الموسوي، روح الله، تحرير الوسيلة، م.س، ج٢، ص٣٦٦.
- ↑ م.ن.، ج٢، ص٤٤١.
- ↑ م.ن.، ج٢، ص٦٠٤.
- ↑ الخوئي، السيد أبو القاسم، منهاج الصالحين، م.س، ج١، ص٣٢٨.
- ↑ صوليح، المصطفى، المُواطَنة والسيادة، موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسانwww.achr.nu، تاريخ ٢٥ـ٦ـ٢٠٠٧
- ↑ المعموري، سيف، الوطنية والمُواطَنة، موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان موقعwww.achr.nu، تاريخ ٢٥/٦/٢٠٠٧
- ↑ جوزيف، سعاد، الجندر والمواطنيّة في الشرق الأوسط، ط١، بيروت، دار النهار، ٢٠٠٣، ص٣٥.
- ↑ الأفندي، عبد الوهاب، إشكالية الأُمَّـة والوطن في الفكر الإسلامي، م.س، .www.islamtoday ٢٠/٦/٢٠٠٧.
- ↑ أبو زيد، أحمد، محمد باقر الصدر: السيرة والمسيرة، ط١، ج١، بيروت، دار العارف، ٢٠٠٧، ص٢٧.
- ↑ العزاوي، قيس، المُواطَنة في مجتمع متعدد القوميات، م.س.، ص١٢٤.
- ↑ دغيم، سميح، مصطلحات الفكر العربي والإسلامي، م.س.، ج٢، ص٢٧٥.
- ↑ م.ن.، ج٣، ص٧٦.
- ↑ كيسلر، تشارلز، السلوك الحضاري والمُواطَنة، م.س.، ص٩١.
- ↑ سورة البقرة، الآية 256.
- ↑ شلق، الفضل، الأُمَّـة والدولة، ط١، بيروت، دار المنتخب العربي، ١٩٩٣، ص١٤ .
- ↑ السيِّد، رضوان، الإسلام المعاصر والليبرالية، مجلَّة قضايا إسلاميّة معاصرة، عدد٢٤.
- ↑ قطب، سيد، المواطنة والدولة الدينية، موقع الإخوان المسلمين في مصر: www.ikhwan.net، تـ ١٢/٥/٢٠٠٧.
- ↑ الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ط١، ج٣، لا.م.، دار الحديث، لا.ت.، ص٢٥٦٦.
- ↑ النووي، محي الدين، المجموع، ج٤، بيروت، دار الفكر، ص٦٧٦.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٢.
- ↑ القُرآن الكريم، سورة المائدة، آية ١٠٦.
- ↑ الغنّوشي، راشد، حقوق المواطنة، تونس، د.ن.، ١٩٨٩، ص٤٠ .
- ↑ المحرر، أُسُس المُواطَنة وصوَر الإلتباس، مجلَّة الإسلام والديمقراطية، ١٥ أيّار ٢٠٠٦، عدد ١٠.
- ↑ السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور، ج٦، بيروت، دار المعرفة، ص٩١١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٠.
- ↑ القُرآن الكريم، سورة النحل،آية ٢٦٧.
- ↑ السيوطي، جلال الدين، الجامع الصغير، ط١، ج٢، بيروت،دار الفكر، ص٦٠٢.
- ↑ العجم، رفيق، مصطلحات الفكر العربي والإسلامي، ج٢، م.س.، ص١١٣١.
- ↑ بلقزيز، عبد الإله، الدولة في الفكر الإسلامي المُعاصِر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ٢٠٠٤، ص٢٥ .
- ↑ بلقزيز، عبد الإله، الدولة في الفكر الإسلامي المُعاصِر، م.س.، ص٣٦.
- ↑ مُقابلة مع ش يوسف القرضاوي، الشريعة والحياة، قناة الجزيرة الفضائية، www.aljazeera.net، الثلاثاء ٢٣/١٠/٢٠٠٦.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٢٤.
- ↑ أبو زيد، أحمد، محمد باقر الصدر: السيرة والمسيرة، م.س.، ص٢٦٧ .
- ↑ م.ن.، ص٢٦٠ .