الإيثار

من إمامةبيديا
(بالتحويل من الايثار)

التعريف

المعنى اللغوي

الإيثار: مصدر من الجذر «أ ث ر»، وقد جاء في اللغة بمعنى: «تقديم الشيء».

يقول ابن فارس في معنى هذه المفردة: الهَمزَةُ وَالثّاءُ وَالرّاءُ لَهُ ثَلاثَةُ اُصولٍ: تَقديمُ الشَّيءِ، وذِكرُ الشَّيءِ، ورَسمُ الشَّيءِ الباقي. قالَ الخَليلُ: قَد أثِرْتُ بِأَن أفعَلَ كَذا، وهُوَ هَمٌّ في عَزمٍ، وتَقولُ: اِفعَل يا فُلانُ هذا آثِرا ما، وآثِرَ (ذي) أثيرٍ: أي إنِ اختَرتَ ذلِكَ الفِعلَ فَافعَل هذا إمّا لا. قالَ ابنُ الأَعرابِيُّ: مَعناهُ افعَلهُ أوَّلَ كُلِّ شيءٍ...[١].[٢]

المعنى الاصطلاحي

جاء استعمال لفظ الإيثار ومشتقّاته في النصوص الإسلامية بمعنيين متضادّين، إذ يُستعمل تارة بمعنى التقديم الإيجابي الذي يعدّ بدوره من أعظم القيم الأخلاقية وأسماها، كما في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[٣]

كما يستعمل تارة اُخرى بمعنى التقديم السلبي، كما في قوله سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا[٤]، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى[٥]

ما يستدعي الانتباه في استعمال هذا المصطلح للتدليل على قيمة من القيم الأخلاقية، أنّ مطلق تقديم الآخرين وتفضيلهم على النفس في تأمين الاحتياجات والمتطلّبات لا يعدّ بنفسه ذا قيمة حسب الرؤية الإسلامية؛ لأنّه ترجيح بلا مرجّح، والتقديم في غير محلّه ليس له قيمة كما سيأتي ذكره في آداب الإيثار، لذلك كلّه اكتسب تعريف الإيثار الإيجابي في مصباح الشريعة الصيغة التالية: أصل الإِيثارِ تَقديمُ الشَّيءِ بِحَقِّهِ. [٦]

ينهض هذا القسم بتبيين الإيثار الإيجابي انطلاقا من المنظور القرآني والحديثي، ومن ثَمّ فإنّ كلّ ما سيأتي بعد ذلك باعتبار أنّه مدخلٌ لنصوص هذا القسم وخلاصةٌ لها، إنّما يتعاطى مع الإيثار بوصفه قيمة أخلاقية مهمّة.[٧]

قيمة الإيثار

يعدّ الإيثار أحد أبرز الفضائل والقيم الإنسانية حيث نعتته كلمات القادة المعصومين بأوصاف كريمة من قبيل أنّه أعلى مكارم الأخلاق، وأعلى الإحسان، وأعلى مراتب الإيمان وأفضل عبادةٍ. وفي ثقافة الإسلام ومعياره: لا يستحقّ أحد من الناس ألقاب الفضيلة والمروءة والفتوّة ويكون بها خليقا، إلّا من تخلّق بهذه الخصلة الكريمة وحظي بها.

ولا غرو، فإنّ الكمالات الإنسانية تتّصل من جهة بالإيثار وتنتهي من الجهة الاُخرى باليقين. وهذا ما حصل فعلاً وعلى نحو طبيعي بالنسبة لبنية كتاب ميزان الحكمة وتنظيم منهجيته ومحتواه، حيث ابتدأ بـ «الإيثار» وانتهى بـ «اليقين».

يحظى رسول الله وأهل بيته ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ بأرفع مراتب الإيثار وأسماها؛ لأنّهم أكمل الناس جميعا، ومن ثَمّ فهم الاُسوة للآخرين وهم المثال الأعلى الذي لا يُضارَع في مضمار هذه الصفة الإنسانية والخصلة الإسلامية الكريمة.

وقد اقتفى آثارهم على هذا النهج أصحابهم وأتباعهم الحقيقيون؛ إذ كان لهم حظّ وافر من هذه الخصلة الحميدة، حيث يقول الإمام الحسن (ع) واصفا جلساء النبيّ (ص): يُوَقِّرونَ الكَبيرَ، ويَرحَمونَ الصَّغيرَ، ويُؤثِرونَ ذَا الحاجَةِ. [٨].[٩]

أنواع الإيثار

الإيثار يعني تقديم الآخرين على النفس في تأمين الاحتياجات والمتطلّبات، وعلى هذا سيكون للإيثار أنواع كثيرة وأبعاد متعدّدة.

وإنّ ما سنكتفي بذكره من ضروب الإيثار لا يزيد على كونه عدّة من مصاديق لهذا العنوان جاءت في الروايات والنصوص الإسلامية، من دون أن يعني ذلك انحصار هذه الأنواع بهذه الموارد. أمّا المصاديق التي نعنيها، فهي:

  1. الإيثار في المال: يُومِئ التحليل النصوصي الذي جاء في هذا القسم إلى أنّ الدائرة الأوسع في استعمال كلمة «الإيثار» في القرآن والحديث وما يتّصل بهذه المفردة ويؤدّي معناها، إنّما تنصبّ على الإيثار المالي. ومردّ ذلك إلى أنّ الاحتياجات المالية هي أوسع احتياجات الإنسان وأكثرها ضرورة وإلحاحا.
  2. الإيثار في النفس: يفوق الإيثار بالنفس الإيثار بالمال ويتقدّم عليه في الأهمّية كثيرا، فقليل من الناس على استعداد لتقديم حياة الآخرين وإيثارها على حياتهم، ولا غرو فهذا الضرب من الإيثار يتمنّع بهِ ويتردّد فيه حتّى ملائكة كرام من وزن جبرئيل وميكائيل. في الحقيقة إنّ الإيثار بالنفس لله سبحانه هو مرتبة الإنسان الكامل، وهذا ما يفسّر ثناء الله سبحانه لإيثار الإمام عليّ (ع) ليلة المبيت على الفراش وبذله نفسه ومباهاته سبحانه بهذا الموقف العلوي أمام الملائكة، حيث نزلت الآية الكريمة في هذه الواقعة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ[١٠].
  3. الإيثار في الدعاء: من النقاط التربوية التي تتألّق في سيرة أهل البيت (ع) تقديمهم الآخرين في الدعاء وإيثارهم لهم، فعن الإمام موسى الكاظم، عن آبائه (ع): كانَت فاطِمَةُ عليهاالسلام إذا دَعَت تَدعو لِلمُؤمِنينَ وَالمُؤمِناتِ ولا تَدعو لِنَفسِها، فَقيلَ لَها: يا بِنتَ رَسولِ اللهِ (ص)، إنَّكِ تَدعينَ لِلنّاسِ ولا تَدعينَ لِنَفسِكِ ! فَقالَت: الجارُ ثُمَّ الدّارُ. [١١] مضى على هذا المنهاج أتباع أهل البيت (ع) إذ كان المبرّزون منهم يحظون بفضيلة هذا الضرب من الإيثار العبادي. يحدّث زيد النرسي، بقوله: كُنتُ مَعَ مُعاوِيَةَ بنِ وَهَبٍ فِي المَوقِفِ وهُوَ يَدعو، فَتَفَقَّدتُ دُعاءَهُ، فَما رَأَيتُهُ يَدعو لِنَفسِهِ بَحَرفٍ، ورَأَيتُهُ يَدعو لِرَجُلٍ رَجُلٍ مِنَ الآفاقِ ويُسَمِّيهِم ويُسَمِّي آباءَهُم حَتّى أفاضَ النّاسُ. فَقُلتُ لَهُ: يا عَمُّ، لَقَد رَأَيتُ مِنكَ عَجَبا ! قالَ: ومَا الَّذي أعجَبَكَ مِمّا رَأَيتَ ؟ قُلتُ: إيثارُكَ إخوانَكَ عَلى نَفسِكَ في مِثلِ هذَا المَوضِعِ، وتَفَقُّدُكَ رَجُلاً رَجُلاً. فَقالَ لي: لا تَعجَب مِن هذا يَابنَ أخي؛ فَإِنّي سَمِعتُ مَولايَ ومَولاكَ ومَولى كُلِّ مُؤمِنٍ ومُؤمِنَةٍ ـ وكانَ وَاللهِ سَيِّدَ مَن مَضى، وسَيِّدَ مَن بَقِيَ بَعدَ آبائِهِ عَلَيهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ ـ وإلّا صُمَّتا اُذُنا مُعاوِيَةَ وعَمِيَتا عَيناهُ ولا نالَتهُ شَفاعَةُ مُحَمَّدٍ (ص) إن لَم يَكُن سَمِعتُهُ مِنهُ وهُوَ يَقولُ: مَن دَعا لِأَخيهِ في ظَهرِ الغَيبِ ناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ الدُّنيا: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ مِئَةُ ألفِ ضِعفٍ مِمّا دَعَوتَ، وناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ الثّانِيَةِ: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ مِئَتا ألفِ ضِعفٍ مِمّا دَعَوتَ، وناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ الثّالِثَةِ: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ ثَلاثُمِئَةِ ضِعفٍ مِمّا دَعَوتَ، وناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ الرّابِعَةِ: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ أربَعُمِئَةِ ألفِ ضِعفٍ مِمّا دَعوتَ، وناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ الخامِسَةِ: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ خَمسُمِئَةِ ألفِ ضِعفٍ مِمّا دَعوتَ، وناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ السّادِسَةِ: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ سِتُّمِئَةِ ألفِ ضِعفٍ مِمّا دَعوتَ، وناداهُ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ: يا عَبدَ اللهِ، ولَكَ سَبعُمِئَةِ ألفِ ضِعفٍ مِمّا سَأَلتَ، ثُمَّ يُناديهِ اللهُ ـ تَبارَكَ وتَعالى ـ: أنَا الغَنِيُّ الَّذي لا أفتَقِرُ. يا عَبدَ اللهِ، لَكَ ألفُ ألفِ ضِعفٍ مِمّا دَعوتَ. فَأَيُّ الخَطَرَينِ أكبَرُ يَابنَ أخي مَا اختَرتُهُ أنَا لِنَفسي أو ما تَأمُرُني بِهِ ؟[١٢]
  4. الإيثار في السؤال: من ضروب الإيثار الاُخرى التي جاء ذكرها في النصوص الروائية، هو الإيثار في السؤال؛ فقد روي عن الإمام محمّد الباقر (ع)، قوله: صَلّى رَسولُ اللهِ صلى الله عليه و آله بِأَصحابِهِ الفَجرَ، ثُمَّ جَلَسَ مَعَهُم يُحَدِّثُهُم حَتّى طَلَعَتِ الشَّمسُ، فَجَعَلَ يَقومُ الرَّجُلُ بَعدَ الرَّجُلِ حَتّى لَم يَبقَ مَعَهُ إلّا رَجُلانِ: أنصارِيٌّ وثَقَفِيٌّ، فَقالَ لَهُما رَسولُ اللهِ صلى الله عليه و آله: قَد عَلِمتُ أنَّ لَكُما حاجَةً تُريدانِ أن تَسأَلاني عَنها، فَإِن شِئتُما أخبَرتُكُما بِحاجَتِكُما قَبلَ أن تَسأَلاني وإن شِئتُما فَاسأَلاني. قالا: بَل تُخبِرُنا يا رَسولَ اللهِ؛ فَإِنَّ ذلِكَ أجلى لِلعَمى وأَبعَدُ مِنَ الاِرتِيابِ وأَثبَتُ لِلإِيمانِ. فَقالَ النَّبِيُّ (ص): أمّا أنتَ يا أخَا الأَنصارِ فَإِنَّكَ مِن قَومٍ يُؤثِرونَ عَلى أنفُسِهِم وأَنتَ قَرَويٌّ وهذَا الثَّقَفِيُّ بَدَوِيٌّ أفَتُؤثِرُهُ بِالمَسأَلَةِ؟ فَقالَ: نَعَم، قالَ: أمّا أنتَ يا أخا ثقيف فَإِنَّكَ جِئتَ تَسأَلُني عَن وُضوئِكَ وصَلاتِكَ وما لَكَ فِيهما مِنَ الثَّوابِ....[١٣].[١٤]

أسباب الإيثار

جاء في موسوعة نضرة النعيم تحت عنوان «الأسباب التي تعين على الإيثار»:

  1. تعظيم الحقوق: فإن عظمت الحقوق عنده، قام بواجبها ورعاها حقّ رعايتها واستعظم إضاعتها، وعلم أنّه إن لم يبلغ درجة الإيثار لم يؤدّها كما ينبغي، فيجعل إيثاره احتياطا لأدائها.
  2. مقت الشحّ: فإنّه إذا مقته وأبغضه التزم الإيثار؛ فإنّه يرى أنّه لا خلاص له من هذا المقت البغيض إلّا بالإيثار.
  3. الرغبة في مكارم الأخلاق: وبحسب رغبته فيها يكون إيثاره؛ لأنّ الإيثار أفضل درجات مكارم الأخلاق.[١٥]

لا يبدو هذا القدر كافيا في تقصّي أسباب الإيثار وجذوره، فمع أنّه من الصحيح أنّ اُمورا كتعظيم الحقوق ومقت الشحّ والرغبة في المكارم مؤثّرة في تبلور هذه الخصلة الكريمة وظهورها ونموّها، إلّا أنّ المسار الأساسي للمسألة يبقى ماثلاً في كيفية تحقّق هذه الخصوصيات التي تعدّ مبادئ للإيثار وتجسّدها عمليّا في الإنسان، فمن الإنسان الذي يبادر إلى الإيثار ويقدّم احتياجات الآخرين على نفسه بفعل دواعي الرغبة في مكارم الأخلاق والنفرة من الحرص والشحّ وبحافز تعظيم حقوق الآخرين؟

يفضي البحث الدقيق للإجابة على هذا السؤال، إلى نتيجة تفيد أنّ الإيمان هو منبثق الإيثار وهو الأساس الوحيد الذي يُنتج هذه الخصلة الكريمة، فخصال الخير والصفات الحسنة التي تؤدّي إلى الإيثار لا تنمو إلّا من خلال الإيمان وحده ولا تؤتي اُكلها إلّا عن هذا السبيل. من هنا يبدو أنّ أيّ كلام عن القيم الأخلاقية يصدر عن الاتّجاهات المادّية لا يزيد عن كونه مزحة وحسب، ولا يهدف سوى إلى خداع الرأي العامّ وتضليله.

بناءً على هذه النتيجة تبرز الحصيلة التي تفيد بأنّه كلّما تنامى الإيمان في وجود الإنسان ورسخ فيه أكثر، صار أقرب إلى هذه الخصلة الكريمة، وبتعبير الإمام عليّ (ع): يأتي الإنسان المؤثر في أعلى مراتب الإيمان. كما يدلّل على المعنى ذاته ما جاء في حديث الإمام الصادق (ع) في صفة الكاملين من المؤمنين من أنّهم المؤثرون على أنفسهم في حال العسر.

فإذا، كلّما ازداد الإيمان ورسخ في وجود الإنسان وصار أكثر تكاملاً فيه، ازدادت قابليته على الإيثار، وراح يرتقي فيه حتّى يبلغ مرتبة التضحية والفداء والإيثار بالنفس[١٦].

نتائج الإيثار

تأخذ خصلة الإيثار موقعها على الطرف النقيض للأنانية والاستئثار، فبقدر ما يصبح الاستئثار ضارّا ببنية المجتمع الإنساني المنشود ومدمّرا لوحدته وانسجامه، يصبح الإيثار نافعا لهذا المجتمع حاملاً له المعطيات الإيجابية البنّاءة.

فعلى عكس الاتّجاهات المادية والتيارات الوضعية التي تشيع ثقافة الأثَرة والأنانية وعبادة الذات وتصنيمها، ينظر الإسلام إلى الأنانية والأثَرة بوصفهما الأصل الذي تنشأ منه المفاسد الفردية والاجتماعية، ومن ثَمّ تراه يسعى من وراء إشاعة ثقافة الإيثار والمؤاساة وتعميمها إلى تجفيف هذا الجذر الخطير ومحاصرة تبعاته المدمّرة.

وعندما نطلّ على المسألة من زاوية نظرة دقيقة تنفذ إلى الأعماق، سندرك أنّ الإسلام استطاع من خلال هذا المنهج استيعاب الغرور الفطري للإنسان واحتوائه وتوجيهه، ومن ثَمّ استطاع أن يؤمّن له منافعه الواقعية وما يرنو إليه على المدى البعيد، فالإنسان الذي يعيش الإيثار ويمارسه إنّما يبني ذاته ويُحسن لنفسه ويُؤمّن مصالحه الحقيقية الدائمة، وبتعبير القرآن الكريم: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ[١٧]

على عكس ذلك تماما تأتي الحصيلة في مناخات الثقافة المادّية؛ فالمادّيون والأنانيون المستأثرون يضعون مصيرهم في مهبّ الريح ويعرّضون أنفسهم للضياع ويخسرون منافعهم الحقيقية الدائمة ويبدّدونها، وبحسب التصوير القرآني النافذ لهذه الحالة؛ أنّ هؤلاء ينسون أنفسهم ويخسرونها بنسيانهم الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ[١٨]

على هذا الضوء، فإنّ اتّساع ثقافة الإيثار واطّرادها داخل المجتمع لا يهدّد المنافع الشخصية للمؤثرين فحسب، بل يحوّلهم إلى أحبّاء لله وللناس، ويؤهّلهم إلى نيل أفضل ضروب الحياة وأسماها في عالَم الآخرة ودار الخلود؛ فضلاً عن النتائج الموضوعية التي يحقّقها في الواقع الخارجي متمثّلة باجتناب مناشئ الفساد الاجتماعي واستئصالها، ومن ثَمّ تأمين المنافع المادّية والمعنوية للمجتمع الإنساني.

لقد أوجز القرآن الكريم في خاتمة آية الإيثار، البركات الفردية والاجتماعية لهذه الخصلة الكريمة في جملة واحدة، وهو يسجّل: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[١٩]

فإذن يبرز «الفلاح» في طليعة بركات الإيثار ويأتي في عداد أهمّ المنافع المترتّبة على مواجهة الأثرة والأنانية والشحّ؛ والفلاح في حقيقته عبارة عن الظفر وإدراك جميع المبتغيات الحقيقية الفردية والاجتماعية[٢٠].[٢١]

آداب الإيثار

ذكرنا في تعريف الإيثار أنّ هذه الخصلة الكريمة تعني: «تقديم الشيء بحقّه»؛ وهذا التعريف يستبطن في محتواه جميع مبادئ آداب الإيثار التي سيأتي ذكرها في الفصل الرابع، وبهذا يتّضح أنّ رعاية هذه الآداب والالتزام بها، هو الشرط اللازم لتحقّق مفهوم الإيثار بوصفه قيمة أخلاقية مهمّة. واُصول هذه الآداب، هي:

  1. الإخلاص: الأدب الأوّل الذي يؤطّر الإيثار هو الإخلاص، فمع غياب الإخلاص عن هذه الممارسة لا يتحقّق مفهوم «تقديم الآخر»، فلو وهب الإنسان إنسانا آخر شيئا هو بحاجة إليه لكن بدافع غير إلهي فسيكون في الواقع كمن قدّم ذلك الشيء إلى نفسه، إذ هو في حقيقة الأمر قد استجاب إلى دافعه النفسي، وإنّ أنانيته هي التي دفعت به إلى هذه الممارسة، وهي الحافز الكامن وراءه.
  2. الحبّ: يتمثّل الأدب الثاني للإيثار بوجود حبّ تشدّه بما يؤثر به، وإلّا فمع غياب هذه الصلة لا معنى لـ «تقديم الآخرين» ولن يتحقّق هذا المعنى في واقع مثل هذه الممارسة، وهذا الأدب هو ممّا يمكن استنباطه من تعريف الإيثار أيضا.
  3. تقديم الأقرباء: من الآداب الاُخرى للإيثار تقديم الأقرباء ومن يجب على الإنسان النهوض بنفقتهم شرعا ويتحتّم عليه تأمين احتياجاتهم الحيويّة، هذا الأدب يمكن أن نستخرجه من تعريف الإيثار أيضا، وبالتحديد عبر إضافة قيد «بحقّه» إليه؛ ذلك أنّ تقديم الآخرين على «الأقرباء» لا يصحّ عقلاً ولا شرعا.
  4. تقديم أهل الإيمان: من الآداب الاُخرى التي تؤطّر هذه الخصلة الكريمة، هي تقديم أهل الإيمان، وإلّا فإنّ تقديم الآخرين بلا قيد الإيمان لا يعدّ «حقّا»، كما جاء ذلك عن الإمام عليّ (ع) في قوله: «عَامِلْ سَائِرَ اَلنَّاسِ بِالْإِنْصَافِ وَ عَامِلِ اَلْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيثَارِ» [٢٢]
  5. تقديم الأحوج: يدخل هذا الأدب كذلك في مقوّمات الإيثار، وإلّا فإنّ تأمين الاحتياجات الثانوية للآخرين على حساب التضحية بالاحتياجات الأساسية للمؤثِر نفسه والتفريط بها لا يعدّ حقّا ولا يندرج في عداد القيم. من هنا جاء عن الإمام عليّ (ع) في ظلّ آية الإيثار: «لاَ تَسْتَأْثِرْ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْكَ» [٢٣]
  6. حُسن المواجهة: هذا هو الأدب الوحيد الذي لا يندرج في إطار التعريف المذكور للإيثار، وممّا لا ريب فيه أنّ رعاية هذا الأدب من كمال الإيثار، وبدون الالتزام به ربما يفتقد الإيثار قيمته الأخلاقية أحيانا، يقول الإمام عليّ (ع): «وَجْهٌ مُسْتَبْشِرٌ خَيْرٌ مِنْ قَطُوبٍ مُؤْثِرٍ»[٢٤].[٢٥]

المراجع والمصادر

  1. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة

الهوامش

  1. معجم مقاييس اللغة: ج ١ ص ٥٣ «أثر».
  2. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٩٩.
  3. سورة الحشر، الآية ٩.
  4. سورة الأعلى، الآية ١٦.
  5. سورة الأعلى، الآية ١٧.
  6. مصباح الشريعة: ص ٤١٥.
  7. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ٩٩-١٠٠.
  8. معاني الأخبار: ص ٨٣ ح ١، عيون أخبار الرضا (ع): ج ١ ص ٣١٨ عن إسماعيل بن محمّد بن إسحاق عن الإمام الرضا عن آبائه (ع)، المناقب للكوفي: ج ١ ص ٢٥ ح ١، بحار الأنوار: ج ١٦ ص ١٥٢ ح ٤؛ كنز العمّال: ج ٧ ص ١٦٦ ح ١٨٥٣٥.
  9. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٠٠-١٠١.
  10. سورة البقرة، الآية ٢٠٧.
  11. علل الشرائع: ص ١٨٢ ح ٢ عن أبي زيد الكحّال عن أبيه، روضة الواعظين: ص ٣٦١ نحوه من دون إسنادٍ إلى أحد من أهل البيت (ع)، بحار الأنوار: ج ٤٣ ص ٨٢ ح ٤ وراجع: دلائل الإمامة: ص ١٥٢ ح ٦٥ وكشف الغمّة: ج ٢ ص ٩٤.
  12. عدّة الداعي: ص ١٧١، الاُصول الستّة عشر: ص ١٨٩ ح ١٥٥، الدعوات: ص ٢٨٩ ح ٣٠ كلاهما نحوه، بحار الأنوار: ج ٩٣ ص ٣٩٠ و راجع: هذه الموسوعة: ص ٣٩٥ ح ٧٠٦.
  13. كتاب من لا يحضره الفقيه: ج ٢ ص ٢٠٢ ح ٢١٣٨، الأمالي للصدوق: ص ٦٤٢ ح ٨٧٢ كلاهما عن محمّد بن قيس، الخرائج والجرائح: ج ٢ ص ٥١٤ ح ٢٦، روضة الواعظين: ص ٣٣٤، بحار الأنوار: ج ٩٩ ص ٣ ح ٣ وراجع: الكافي: ج ٣ ص ٧١ ح ٧.
  14. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٠١-١٠٥.
  15. نضرة النعيم: ج ٣ ص ٦٣٠ نقلاً عن مدارج السالكين لابن القيّم، بتصرّف.
  16. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٠١-١٠٦.
  17. سورة الإسراء، الآية ٧.
  18. سورة الحشر، الآية ١٩.
  19. سورة الحشر، الآية ٩.
  20. الفلاح: الظفر وإدراك بُغية، وذلك ضربان: دنيوي واُخروي (مفردات ألفاظ القرآن: ص ٦٤٤ «فلح»).
  21. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٠٦-١٠٨.
  22. غرر الحكم: ج ٤ ص ٣٦٦ ح ٦٣٤٢.
  23. المؤمن: ص ٤٥ ح ١٠٤، مستدرك الوسائل: ج ٧ ص ٢١٢ ح ٨٠٦٥ وراجع: الكافي: ج ٣ ص ٥٠٠ ح ١٣.
  24. غرر الحكم: ج ٦ ص ٢٢٦ ح ١٠٠٨٤، عيون الحكم والمواعظ: ص ٥٠٤ ح ٩٢٥١.
  25. محمد الريشهري، موسوعة معارف الكتاب والسنة، ج١، ص ١٠٨-١١٠.