لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة

تمهيد

أخلّت قريش باتفاقية الحديبية ونقضتها، حينما زودت قبيلة بني بكر بالأسلحة، وهي من كنانة المتحالفة معها، وحرضتهم على أن يبيتوا لخزاعة المتحالفين مع المسلمين فيغيروا عليهم ليلاً، يقتلون فريقاً ويأسرون آخرين. وأُبلغ النبي بما حدث لخزاعة على أيدي بني بكر، فوعدهم النصرة. ولكن قريشاً ندمت على فعلتها من تأليب بني بكر على خزاعة، واشتراكهم معها في العدوان، فأرسلوا زعيمهم أبا سفيان إلى المدينة لتطييب خاطر النبي (ص) وتسكين غضبه وتأكيد احترام قريش لمعاهدة الصلح، إلاّ أنّه عندما وصل إلى بيت ابنته أم حبيبة زوجة الرسول (ص)، لم يجد التقدير والاحترام المطلوب لديها على أساس أنّه مشرك نجس، فتوجه إلى الرسول (ص) وكلّمه حول إمكانية تجديد العهد، فلم يرد عليه وهو ما يعني عدم اعتنائه به، فسار إلى بعض أصحابه يطلب منهم أن يشفعوا له عند الرسول (ص) وإقناعه بتجديد ميثاق الصلح، ولكن دون جدوى. فذهب إلى منزل الإمام علي (ع) والسيدة فاطمة الزهراء(ع) فرد عليه الإمام (ع): «لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى أَمْرٍ لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلِّمَهُ». فالتفت إلى السيدة الزهراء (ع) وهو يطلب شفاعتها أو شفاعة الحسنين لدى النبي (ص): يا ابنة محمد، هل لك أن تأمري وبُنَيّك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت(ع) وهي تعلم بنواياه الشريرة: «ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ وَإنَّهُمَا صِبيانٌ وَلَيسَ مِثلُهُما يُجيرُ».[١] فطلب النصيحة من الإمام (ع) فقال له: «مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئاً أَمْثَلَ مِنْ أَنْ تَقُومَ فَتُجِيرَ بَيْنَ اَلنَّاسِ أَيْ تُعْطِي الْأَمَانَ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ إِلْحَقْ بِأَرْضِك». فأدّى ما طلبه منه، ورجع إلى مكّة وأخبر سادة قريش بما صنع، فاجتمعوا للتشاور فيما يطفىَ غضب المسلمين ويثني الرسول (ص) عن عزمه.[٢]

أمّا النبيّ الأكرم (ص) فقد أعلن التعبئة العامة بهدف فتح مكة، وتحطيم أقوى قلعة من قلاع الوثنية، وإزالة حكومة قريش الظالمة، التي كانت أقوى الموانع والعقبات في طريق تقدم الدعوة الإسلامية وانتشار الإسلام.

وطلب من الله سبحانه وتعالى في دعائه أن يعمي عيون قريش وجواسيسهم كيلا يعلموا بحركة المسلمين وهدفهم: «اللهُمَّ خُذْ عَلَى قُرَيشٍ أبْصارَهُم فَلا يَرَوْنِي إِلاَّ بَغْتَةً ولا يَسْمَعُونَ بِي إِلاَّ فَجْأةً».[٣]

واجتمع في مطلع شهر رمضان الكثيرون، فقد شاركت قبائل وطوائف مختلفة في هذا الفتح العظيم، اشتهر منهم:

  1. المهاجرون: ٧٠٠ + ٣ ألوية إضافة إلى ٣٠٠ من الخيل.
  2. الأنصار: ٤٠٠٠ + ألوية كثيرة إضافة إلى ٧٠٠ من الخيل.
  3. قبيلة مزينة: ألف مع مائة فرس، ولواءان.
  4. قبيلة جهينة: ٨٠٠ مع خمسين فرساً و٤ ألوية.
  5. قبيلة بني كعب: ٥٠٠ مع ثلاثة ألوية.

هذا بالإضافة إلى اشتراك عدد آخر من قبائل غفار وأشجع وبني سليم.[٤]

ويذكر ابن هشام، أنّ جميع من شهد فتح مكّة من المسلمين بلغوا عشرة آلاف، من بني سليم ٧٠٠، ويقول بعضهم ألف، ومن بني غفار ٤٠٠، ومن أسلم ٤٠٠، ومن مزينة ألف و٣٠٠ نفر، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد.[٥]

إلاّ أنّ أخبار هذه الحملة الكبيرة وصلت إلى قريش، فقد أخبر جبرائيل (ع) النبي (ص) أنّ أحد المسلمين أرسل كتاباً إلى قريش يخبرهم فيه بتوجههم إلى مكة، وأنّ امرأة تدعى «سارة» وهي مغنية، تريد توصيل الكتاب لهم لقاء حصولها على مال. وقد ساعد النبي (ص) والمسلمون هذه المغنية من قبل، عندما تركت عملها في مكة واتجهت إلى المدينة، ورغم ذلك فإنّها خانتهم بعملها جاسوسة تعمل لصالح قريش. ممّا جعل النبي (ص) يطلب من الإمام علي (ع) والمقداد والزبير أن يلحقوا بها ويدركوها ويصادروا منها الكتاب. وتمكّنوا من اللحاق بها عند روضة الخاخ ـ الخليقة ـ إلاّ أنّها أنكرت وجود كتاب لديها في رحلها، فهددها الإمام (ع): لتخرجنّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنّك. فاستخرجت الكتاب.[٦]

وهكذا أعد النبي (ص) للحركة الكبرى، دون أن يعلم أحد وجهته على وجه التحديد، وكان ذلك في يوم ١٠ رمضان. وفي الطريق أفطر على الماء وأمر جنده بالاقتداء به: «إنّكم مصبحوا عدوكم، والفطر أقوى لكم». إلاّ أنّ البعض منهم أمسك عن الإفطار ظناً منهم أنّ الجهاد أفضل في حالة الصوم، فغضب النبي (ص) لذلك وقال عنهم: «أُولئك العصاة».[٧]

وفي هذا الوقت، خرج العباس بن عبد المطلب من مكة متوجهاً إلى المدينة ليلتحق بالرسول (ص) خلال الطريق، فهو سيوَدي دوراً بارزاً هاماً في عملية الفتح العظيم. كما التحق به عدوّان له أحجما عن الإيمان برسول الله والاستجابة لدعوته وهما: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة، فقد كانا من أشدّ المعارضين للرسول (ص) والمؤذين له، بالرغم من أنّ أبا سفيان هذا كان ابن عمّ الرسول(ص) وأخاه من الرضاعة، وعبد الله هو أخو أم سلمة ابنة عاتكة عمّة الرسول (ص) . وحاولا مقابلة النبي (ص) إلاّ أنّه لم يأذن لهما، ولم تنفع الوسائط في ذلك، إلاّ ما ذكره لهما الإمام علي (ع)، بأن يقولا للنبي (ص): ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ[٨] فسوف يعفو عنهما كما فعل يوسف (ع) مع إخوته. وقد حدث ما اقترحه الإمام (ع) فقبل إسلامهما.

وحينما وصل الجيش الإسلامي إلى مشارف مكّة، عمد النبي(ص)إلى إرعاب أهلها وتخويفهم بإشعال النيران فوق الجبال والتلال، وزيادة في التخويف وإظهار القوة، أمر بأن يشعل كلّفرد منهم ناراً في شريط طويل على الأرض.

وهنا اتّجه العباس بن عبد المطلب ليؤدّي دوره العملي لصالح الطرفين، فيقنع قريشاً بالتسليم وعدم المقاومة، إذ أخبرهم بقوّة المسلمين وعددهم ومحاصرتهم لمكّة المكرمة، واصطحب معه أبا سفيان حتى يطلب له الأمان ولهم كذلك من الرسول (ص)، فأجاره عند الوصول إلى معسكر المسلمين، خاصة عندما حاول عمر بن الخطاب أن يقضى عليه ـ أي يقتل أبا سفيان ـ كما أنّه حاول إعادة قتله أمام النبي (ص) على أساس أنّه عدو لله فلابدّأن يقتل.

وتحدث النبي (ص) في خيمته مع أبي سفيان قائلاً: «أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ» فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأُمّي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره، لقد أغنى عني شيئاً بعد. فقال الرسول (ص): «أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اَللَّهِ» فقال: أما والله فإنّ في النفس منها حتى الآن شيئاً. فغضب العباس من عناده وقال: أسلم واشهد ألاّ إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله قبل أن يُضرب عنقك. فشهد شهادة الحقّ وأسلم ودخل في عداد المسلمين. فارتفع بذلك أكبر سد، وانزاح أكبر مانع من طريق الدعوة الإسلامية. ومع ذلك فقد أمر النبي (ص) العباس بحبسه لأنّه لم يأمن جانبه بعد، قبل أن يتم فتح مكّة: «يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ـ أي أنفه ـ حتى تمر به جنود الله فيراها». فطلب العباس من النبي (ص): إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً. فاستجاب له النبي (ص) وقال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ومَن أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَن دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ومَن طَرَحَ السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ». وذلك بالرغم من أخلاق أبي سفيان المنحدرة وأعماله السيئة تجاه النبي (ص) والمسلمين، طيلة السنوات الماضية.

وكان النبي (ص) قد عزم على أن يفتح مكة دون إراقة دماء وإزهاق أرواح وتسليم العدو دون شروط. وقد تم ذلك نتيجة التخطيط السليم، وتحييد موقف أبي سفيان العدائي وهو قائد قريش، ولما كانت القطع العسكرية الإسلامية تمر من أمام أبي سفيان، كان العباس يوضح له اسمها وخصوصياتها، فمرت كتيبة النبي (ص) فقال للعباس: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة يا أبا الفضل، والله لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيماً. فرد عليه العباس موبخاً: ويحك يا أبا سفيان، ليس بملك، إنّها النبوة.

وحينئذٍ أطلق النبي (ص) أبا سفيان ليرجع إلى مكّة فيخبرهم بما رأى من قوّة الجيش الإسلامي، ويحذرهم من مغبة المواجهة والمقاومة، والتسليم للأمر الواقع بإلقاء السلاح والاستسلام دون قيد أو شرط. فصاح في أهل مكّة: يا معشر قريش، هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، أو قال: هذا محمّد في عشرة آلاف، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن.

وأضاف النبي (ص) إلى ذلك: ومن دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن. وهو موقع خامس عينه الرسول (ص) للتأمين من القتل.

وأدّى كلّ ذلك إلى إضعاف نفوس أهل مكّة، حتى القياديين الأعداء، ركنوا إلى المطالبة بالتسليم دون مقاومة.

وبالرغم من أنّ النبي (ص) قد أمر جنوده بعدم بدء القتال، فلا يقاتلوا إلاّ من قاتلهم، إلاّ أنّه أمر بقتل عشرة من الأفراد وإن وجدوا تحت أستار الكعبة وهم:

  1. عكرمة بن أبي جهل
  2. هبار بن الأسود
  3. عبد الله بن أبي السرح
  4. قيس بن حبابة الكندي
  5. الحويرث بن نقيند
  6. صفوان بن أمية
  7. وحشي بن حرب، قاتل حمزة
  8. عبد الله بن الزبعرى
  9. حارث بن طلالة
  10. عبد الله بن خطل

وأربعة نساء.[٩]

وكان كلّ واحد من هؤلاء إمّا قتل أحداً، أو ارتكب جناية أو شارك في مؤامرة أوحرب ضدّ الإسلام والمسلمين.

وفي دخول مكّة أخذ النبي (ص) الحيطة والحذر، ففرّق الجنود، على أن يدخلوها من أسفلها، وآخرون يتخذون طريقاً من أعلاها، وأعداداً أُخرى تدخل من جميع المداخل والطرق المؤدية إلى داخل مكّة، فدخلت الفرق كلّها مكّة دون قتال، إلاّ ما حدث مع جبهة خالد بن الوليد، الذي قابلته مقاومة صغيرة تمكن من السيطرة على الوضع بعد هروب المعتدين.

أمّا النبي الأكرم (ص) فقد دخل مكة من ناحية أذاخر وهي أعلى نقطة في مكّة، فضربت له قبة من أدم بالحجون ـ عند قبر عمّه العظيم أبي طالب ـ ليستريح فيها، فقد أبى أن ينزل في بيت من بيوتها. واغتسل بعد الاستراحة، فركب راحلته القصواء متوجهاً إلى المسجد الحرام لزيارة بيت الله المعظم والطواف به على راحلته، حيث لم يترجل، وكبّـر فكبّـر المسلمون، حتى ارتجت مكة لدويّصوتهم، فسمعه المشركون الذين تفرّقوا في الجبال ينظرون المشهد المثير. وحينما كان يمر على أي صنم من أصنام المشركين، يقول وهو يشير بقضيب في يده: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً[١٠] فيقع الصنم لوجهه، ثمّأمر بتحطيم أكبر الأصنام على مرأى من المشركين.

وبعد أخذ استراحة، طلب من عثمان بن طلحة أن يأتيه بمفتاح الكعبة، فقد كان هو سادن الكعبة، حيث كانت السدانة تتوارث جيلاً بعد جيل. وفتح النبي (ص) باب الكعبة ودخل البيت، ودخل بعده، أُسامة بن زيد، وبلال وعثمان. ثمّ أمر (ص) بإغلاق الباب، الذي قام خالد بن الوليد بحراسته ومنع الناس عنه.

ولمّا كانت جدران الكعبة من الداخل مغطاة بصور الأنبياء والملائكة وغيرهم، فإنّ النبيص أمر بمحوها جميعاً وغسلها بماء زمزم.

وقد اشترك الإمام علي (ع) في كسر بعض الأصنام الموضوعة في الكعبة، وحاول النبي (ص) أن يصعد على كتفيه، إلاّ أنّ ضعف الإمام (ع) لم يساعده في ذلك، فطلب منه النبي (ص) أن يصعد ـ عليٌ ـ على كتفه قائلاً: «يَا عَلِيُّ اِصْعَدْ عَلَى مَنْكِبِي»، فصعد على منكبه، فألقى صنم قريش الأكبر وأصنام أُخرى محطمة إلى الأرض.[١١] ثمّ وقف النبي (ص) على باب الكعبة وقال: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبدَهُ وَهَزَمَ الأحزابَ وَحدَهُ». ثمّ اتجه إلى الناس الذين يشاهدون الرسول (ص) وهو يكسر الأصنام ويحمد الله، فسألهم: «ماذا تقولون وماذا تظنون؟» فقالوا: نقول خيراً ونظن خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال (ص): «فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ[١٢]».

وبهذا أعلن (ص) العفو العام والشامل عن أهل مكة بقوله: «ألا لَبِئْسَ جِيرَانُ النَّبِيِّ كُنتُم لَقَدْ كَذَبْتُمْ وطَرَدْتُمْ وأَخْرَجْتُمْ وَآذَيْتُمْ ثُمَّ مَا رَضِيتُمْ حَتَّى جِئْتُمُونِي فِي بِلاَدِي تقاتلونني اِذْهَبُوا فَأَنْتُمُ اَلطُّلَقَاءُ»[١٣]

وكان الوقت ظهراً فحان وقت الصلاة، فصعد بلال سطح الكعبة ورفع نداء التوحيد والرسالة ـ الأذان ـ وبعدها ردّ مفتاح الكعبة على عثمان بن طلحة وقال له: «هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برّ ووفاء». فالنبي (ص) هو أوّل من يلتزم بالتعليم الإلهي في أداء الأمانة إلى أهلها، فيعيد مثل تلك الأمانة الكبرى إلى صاحبها. ثمّ ألغى جميع مناصب الكعبة السائدة في الجاهلية، إلاّ ما كان نافعاً للناس، كالسدانة، والحجابة ـ وهي القيام بشؤون أستار الكعبة ـ وسقاية الحجيج.[١٤]

وفي حديث له (ص) إلى أقاربه، في اجتماع ضم بني هاشم وبني عبد المطلب، أوضح لهم أنّ صلة القربى التي تربطهم به (ص) لا تبرر لأحد منهم أن يتجاهل قوانين الحكومة الإسلامية، فيتخذ من انتسابه إلى زعيمها ذريعة وغطاء لارتكاب ما لا يحل للآخرين.

وهو (ص) بهذا قد شجب كلّ تمييز وتفضيل غير صحيح وسليم، داعياً إلى لزوم العدل ومراعاة المساواة بين جميع الطبقات: «يَا بَنِي هَاشِمٍ يَا بَنِي عَبْدِ اَلْمُطَّلِبِ إِنِّي رَسُولُ اَللَّهِ إِلَيْكُمْ وَ إِنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ لاَ تَقُولُوا إِنَّ مُحَمَّداً مِنَّا فَوَ اَللَّهِ مَا أَوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَ لاَ مِنْ غَيْرِكُمْ إِلاَّ اَلْمُتَّقُونَ أَلاَ فَلاَ أَعْرِفُكُمْ تَأْتُونِي يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ تَحْمِلُونَ اَلدُّنْيَا عَلَى رِقَابِكُمْ وَ يَأْتِي اَلنَّاسُ يَحْمِلُونَ اَلْآخِرَةَ أَلاَ وَ إِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ فِيمَا بَيْنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَيْنَكُمْ وَ إِنَّ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلَكُمْ».[١٥]

ثمّ دعا إلى اجتماع تاريخي كبير عند بيت الله الحرام، حضره حشد كبير من أهالي مكة، وألقى فيهم خطاباً تاريخياً عالج الأمراض الاجتماعية الخاصة بالمجتمع العربي في ذلك العصر وحتى عصرنا الحالي، ومن أهمّما ورد وتناوله (ص) في هذا الخطاب:

  1. التفاخر بالنسب: فقد كان من الأمراض المستحكمة في البيئة العربية الجاهلية، إذ كان من أكبر أمجاد المرء أن ينتسب إلى قبيلة معروفة، أو يتفرع نسبه عن عشيرة بارزة كقريش مثلاً. فأبطل الرسول (ص) في خطابه هذه العادة السيئة بقوله: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ اَللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ اَلْجَاهِلِيَّةِ وَ تَفَاخُرَهَا بِآبَائِهَا أَلاَ إِنَّكُمْ مِنْ وُلْدِ آدَمَ وَ آدَمُ مِنْ طِينٍ». وبذا فإنّه (ص) صنّف الشخصية بالتقوى والورع: «أَلاَ إِنَّ خَيْرَ عِبَادِ اَللَّهِ عِنْدَ اَللَّهِ أَتْقَاهُ» فأعطى الفضيلة والمنزلة لأهل التقوى والورع خاصة.
  2. التفاضل بالقومية العربية: فقد اعتبروا الانتساب إلى العرق العربي مفخرة، فقال (ص): «إنَّ العَرَبِيَّةَ لَيسَت بِأَبٍ والِدٍ وَلكِنَّهُ لِسانٌ ناطِقٌ فَمَن قَصَرَ عَمَلُهُ لَم يَبلُغ بِهِ حَسَبُهُ».
  3. المساواة بين أفراد البشر: فقد دعا إلى دعم المساواة بين الأفراد والجماعات: «إِنَّ اَلنَّاسَ مِنْ عَهْدِ آدَمَ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِثْلُ أَسْنَانِ اَلْمُشْطِ لاَ فَضْلَ لِلْعَرَبِيِّ عَلَى اَلْعَجَمِيِّ وَ لاَ لِلْأَحْمَرِ عَلَى اَلْأَسْوَدِ إِلاَّ بِالتَّقْوَى». وبذلك ألغى التمييز العنصري مؤسساً بذلك ميثاق حقوق الإنسان قبل أيّ جهة عالمية.
  4. الأحقاد والحروب الطويلة: إذ أنّ الحروب المتلاحقة بين القبائل العربية أدت إلى نشأة الحقد والضغينة، فلم يجد طريقاً للقضاء عليها إلاّ بالطلب من الناس أن يتنازلوا عمّا لهم من دماء في أعناق الآخرين، سفكت في عهد الجاهلية، فتعتبر ملفات العهد القديم باطلة. وقال في ذلك «أَلاَ وَ كُلُّ مَأْثُرَةٍ أَوْ بِدَعٍ كَانَتْ فِي اَلْجَاهِلِيَّةِ أَوْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ».
  5. الأُخوة الإسلامية: حيث دعا إلى اتّحاد المسلمين ووحدة كلمتهم وحقّ المسلم على أخيه المسلم، فهو من أهمّ مميزات الدين الإسلامي، وهو بهذا يرغّب غير المسلم في اعتناق الإسلام إذا سمع ورأى مثل هذه الحقوق والعلاقات المتبادلة بين المسلمين: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ وَ الْمُسْلِمُونَ إِخْوَةٌ وهُمْ يَدٌ وَاحِدَةٌ على مَن سِواهُم تَتَكافو دِماوهُم لِيسعى بِذِمتِهِم أدناهُم».[١٦]

وبعد ذلك تفرّغ النبي (ص) للحكم على بعض المجرمين والمؤذين،حيث كان هناك عدد من المجرمين المكيّين، كان لابدّ من عقابهم على ما فعلوا من أعمال سيئة، وذلك بالرغم من إصدار العفو العام، وقد طارد الإمام علي (ع) اثنين منهم لجآ إلى بيت أم هانئ أُخت الإمام (ع) التي أجارتهما، ولكن الإمام (ع) طلب منها أن يعلم النبي (ص) بأمانها ليعطي رأيه في جوارها وأمانها كمرأة، فقبل (ص) ذلك وقال: «قَد أجَرْنا مَن آجَرْتَ وَأَمنا مَنْ أَمَّنْتَ فَلاَ يَقْتُلُهُمَا». [١٧]

وهو بهذا وضع قاعدة تقبل جوار المرأة وأمانها. كما أنّعبد الله بن أبي السرح الذي ارتدّ عن الإسلام وأمر النبي (ص) بقتله، نجا من القتل بشفاعة عثمان بن عفان له. وكذلك عكرمة بن أبي جهل الذي فرّ إلى اليمن، وتشفّعت فيه زوجته، فنجا من القتل. كما أمّن أيضاً كبير المجرمين صفوان بن أُمية حينما طلب عمير بن وهب من النبي (ص) أن يعفو عنه، فأمهله أربعة أشهر ليعلن إسلامه بعد التفكير.

وكذلك وضع (ص) قاعدة مبايعة النساء له (ص)، فقد بايعته المرأة للمرّة الأُولى في بيعة العقبة بهذه الكيفية: [حيث أمر الرسول (ص) بإحضار قدح ماء، ثمّ ألقى في الماء شيئاً من الطيب والعطر فأدخل يده فيه، وتلا الآية التي وردت فيها الأُمور المذكورة، ثمّ نهض من مكانه وقال لهن: «مَنْ أَرَادَتْ أَنْ تُبَايِعَ فَلْتُدْخِلْ يَدَهَا فِي اَلْقَدَحِ فَإِنِّي لاَ أُصَافِحُ اَلنِّسَاءَ»].[١٨] وقد أجرى البيعة بهذا الأسلوب، لوجود عدد كبير من النساء الفاسدات بينهن، فكان لابدّمن ذلك حتى لا تستأنف إحداهن عملهن القبيح بعد ذلك في السرّ.[١٩]

المراجع والمصادر

  1.   جعفر السبحاني، السيرة المحمدية

الهوامش

  1. إمتاع الأسماع: ١/ ٣٥٩.
  2. المغازي: ٢/ ٧٨٠؛ السيرة النبوية: ٢/ ٣٨٩؛ بحار الأنوار: ٢١/ ١٠٢.
  3. المغازي: ٢/ ٧٩٦.
  4. المغازي: ٢/ ٨٠٠؛ إمتاع الإسماع: ١/ ٣٦٤.
  5. السيرة النبوية: ٤/ ٦٣.
  6. بيّن القرآن الكريم ذلك في عدّة آيات من سورة الممتحنة.
  7. وسائل الشيعة: ٧/ ١٢٤؛ السيرة الحلبية: ٣/ ٩٠؛ المغازي: ٢/ ٨٠٢.
  8. سورة يوسف، الآية ٩١.
  9. السيرة النبوية: ٢/ ٤١٠؛ تاريخ الخميس: ٢/ ٩٠.
  10. سورة الإسراء، الآية ٨١.
  11. مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٨٤؛ السيرة الحلبية: ٣/ ٨٦؛ تاريخ الخميس: ٢/ ٨٦.
  12. سورة يوسف، الآية ٩٢.
  13. بحار الأنوار: ٢١/ ١٠٦؛ السيرة الحلبية: ٢/ ٤١٢.
  14. بحار الأنوار: ٢١/ ١٣٢.
  15. بحار الأنوار: ٢١/ ١١١.
  16. روضة الكافي: ٢٤٦؛ السيرة النبوية: ٢/ ٤١٢؛ مغازي الواقدي: ٢/ ٨٣٦؛ بحار الأنوار: ٢١/ ١٠٥.
  17. الإرشاد: ٧٢
  18. ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ سورة الممتحنة، الآية ١٢.
  19. جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٩٤-٢٠٥.