الولاية التكوينية في علم الكلام
شبهة إنكار الولاية التكوينية للأئمة(ع)
هناك من أنكر الولاية الباطنية والتكوينية للأئمة الأطهار(ع): وينسبون ذلك إلى العرفاء من أمثال محيي الدين بن عربي، و السيد حيدر الأملي، حتى جاء القرن الحادي عشر، حيث تم التأسيس لنظرية «الولاية التكوينية» في المذهب الفلسفي لصدر المتألهين[١].
الولاية التكوينية ثمرة القرب الإلهي
إن المسألة الأولى التى يجب الالتفات إليها هي أن الولاية التكوينية - بمعنى إمكان التدخل والتصرف في التكوينيات بإذن الله - لا تنحصر بالأنبياء والأئمة فقط، إذ إن هذه الولاية وهذه القدرة إنّما هي حصيلة تكامل النفس الإنسانية وثمرة تهذيبها بالصفات الكمالية. ولذلك يمكن للإنسان الكامل بمقدار ما يتمتع به من المراتب الكمالية للنفس أن يتصرف في الكون، فتصدر عنه بعض الأعمال الخارقة للعادة، أو «الكرامات» بحسب المصطلح الكلامي. وقد تم التأكيد في الروايات على منزلة القرب الإلهي للإنسان وحصوله على الفيض الإلهي أيضاً ومنها هذه الرواية القدسية المعروفة التي تقول: «مَا تَحَبَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا اِفْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَيَتَحَبَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ اَلَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ اَلَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسَانَهُ اَلَّذِي يَنْطِقُ بِهِ وَ يَدَهُ اَلَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَ رِجْلَهُ اَلَّتِي يَمْشِي بِهَا إِذَا دَعَانِي أَجَبْتُهُ وَ إِذَا سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَ مَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي فِي مَوْتِ اَلْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ اَلْمَوْتَ وَ أَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ »[٢].
وقد ذكر الإمام علي(ع) أن قلعه لباب خيبر، وقذفه وراء ظهره مسافة أربعين ذراعاً لم يكن بقوة جسدية أو اتباع حمية غذائية، بل كان بقوة ملكوتية ونفس مستضيئة بنور ربها، وإليك نص كلامه(ع) إذ يقول: «وَ اَللَّهِ مَا قَلَعْتُ بَابَ خَيْبَرَ وَ رَمَيْتُ بِهِ خَلْفَ ظَهْرِي أَرْبَعِينَ ذِرَاعاً بِقُوَّةٍ جَسَدِيَّةٍ وَ لاَ حَرَكَةٍ غِذَائِيَّةٍ لَكِنِّي أُيِّدْتُ بِقُوَّةٍ مَلَكُوتِيَّةٍ وَ نَفْسٍ بِنُورِ رَبِّهَا مُضِيئَةٍ»[٣].
التجارب العادية والعرفانية
إن هذا ليس مجرد ادّعاء فقط، بل يكفي أن نلقي نظرة عابرة على الأتقياء والواصلين من عباد الله في مجتمعاتنا أو المصادر المعتبرة، حتى ندرك أو نعثر على الكثير من هذه الشخصيات الموثقة في المصادر الأخلاقية والعرفانية، وما تواتر عنهم من الأمور والكرامات الخارقة للعادة. ففضلاً عن المجتمعات العرفية يتم التأكيد من قبل العرفاء - الأعم من الشيعة والسنة - وكذلك بعض الفلاسفة على صدور الكرامات من بعض الخاصة من الأشخاص، فإن الشيخ الرئيس ابن سينا يحذر أولئك الذين يُنكرون صدور الأفعال الخارقة عن العرفاء، ويدعوهم إلى وضعها في الحد الأدنى ضمن خانة الإمكان[٤].
وقد تعرّض الفلاسفة والعرفاء من طريق النفس القدسية للإنسان وكمالها ومقدرتها إلى بيان معجزات الأنبياء وتقريرها، وكذلك خوارق العادة والكرامات الأخرى لبعض الأشخاص.
اعتراف الأشاعرة
أكثر أهل السنة - أي الأشاعرة - يعترفون بصدور الأمور الخارقة للعادة، وجريان «الكرامات» على أيدي أوليائهم وشيوخهم، وهناك منهم من أثبت هذه الكرامات والمراتب لعمر بن الخطاب.
وعليه هل يكون هناك ما يدعو إلى العجب لو أن الشيعة أثبتوا هذه المنزلة للأئمة الأطهار(ع) والإمام علي(ع) الذي تربى في حجر النبي منذ نعومة أظفاره، ورويت في فضله الكثير من الروايات؟ أم أن العجيب هو استكثار ذلك على مثل الإمام علي(ع)؟
القرآن والولاية التكوينية لغير الأنبياء
يذكر القرآن الكريم في الكثير من آياته نماذج من الإنسان الكامل الذي يتمتع بمنزلة القرب من الله حتى وإن لم يكونوا أنبياء، وأثبت لهم مبدأ القيام بالأمور الخارقة للعادة، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه النماذج:
- عفريت الجن و آصف بن برخيا: عندما سأل النبي سليمان أفراد حاشيته والمقربين منه من يمكنه أن يأتيه بعرش بلقيس من مدينة سبأ في اليمن فوراً، ذكر القرآن الكريم شخصين، أحدهما عفريت من الجن والآخر من الإنس اسمه - على ما ورد في بعض الروايات - آصف بن برخيا، حيث قال الجني: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾[٥]، بينما زاد علیه آصف بن برخيا - وكان عنده علم من الكتاب - قائلاً: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[٦]. والملفت أن القرآن الكريم يذكر لآصف بن برخيا خصوصية أنه يمتلك علم شيء من الكتاب إذ يقول تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾[٧]، وهو أمرٌ يُثبت أن الذي يمتلك مثل هذا العلم بالكتاب، خاصة إذا كان هذا الكتاب السماوي كتاباً مثل القرآن الكريم، وكان العالم به شخصاً مثل رسول الله(ص) أو الإمام علي(ع)، فإنه سيكون - بطبيعة الحال - أقدر من آصف بن برخيا في التحكم بالظواهر الكونية والولاية التكوينية.
- كان ذو القرنين على ما ورد في القرآن الكريم، قد وهبه الله القدرة على تسخير الظواهر الكونية والتحكم بها، إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾[٨]، ومن بين مصاديق تحكمه بالظواهر الكونية أنه كان يطوي المسافة ما بين المشرق والمغرب في فترة زمنية قصيرة جداً.
كما تحدث القرآن عن أم موسى(ع)، والسيدة مريم العذراء أم السيد المسيح، ولقمان والخضر بوصفهم من الأشخاص الكاملين الذين منحهم وأكرمهم بقدرة التحكم بالظواهر الطبيعية والكونية، ولذلك كانت تصدر عنهم الكرامات وما سوى ذلك من الأمور الخارقة للعادة[٩].
بيان الولاية التكوينية من طريق العليّة الطولية أو المظهرية
قد يتبادر إلى الذهن هنا أن القول بامتلاك الأولياء والأئمة القدرة على التصرف والتحكم بالتكوينيات، ونسبة الأمور الخارقة إليهم قد يمنح «تفويض» أمر الكون إلى صاحب الولاية التكوينية، وهذا يتعارض مع أصل التوحيد الفاعلي الله سبحانه.
في الجواب عن هذا السؤال يجب القول: إن هذا الأمر من قبيل أفعال الإنسان وتصرفاته الاعتيادية التي أدّت بالمعتزلة إلى القول بالتفويض، كما أدّت بالأشاعرة إلى القول بالجبر ولكن الطريق الصحيح في ذلك هو القول بمبدأ «الأمر بين الأمرين». ومن بين تقريرات هذا المبدأ طرح المسألة من خلال «العليّة الطولية» بمعنى أن العلة الأولى لكل فعل هو الله، إلا أن الله يقوم بأفعاله من خلال الأسباب والعلل والوسائط، وإن العلل الوسيطة تأخذ أصل وجودها وقوامها من العلة الأولى المتمثلة بالله سبحانه، وعليه فإن الفعل الخارق للعادة الذي يصدر عن «الولي» أو «الإمام المعصوم» حيث يكون بإذن الله ويصدر من طريق العلل الوسيطة، فإنه يُنسب إلى الله، وإن جميع سلسلة العلل في أصل وجودها وقوامها متقومة بالله أيضاً، ولذلك لا يكون هناك أدنى تعارض مع فاعلية الله. وهذا التقرير يعود إلى الفلسفة المشائية[١٠].
أما التقرير الآخر - الذي يتقدّم به عادة العرفاء وفلاسفة الإشراق والحكمة المتعالية - فلا يقول بالعلية، وإنما يقول بالمظهرية والتجلّي، بمعنى أن الإنسان - وخاصة الأولياء والأئمة - هم مظهر وتجل للفعل الإلهي، حيث وصلوا من حيث الإيمان والتهذيب وتكامل النفس إلى أعلى درجات القرب الإلهي، وأصبحوا محلاً لتجلي وظهور الفعل الإلهي، كالمرآة التي تعكس نور الصورة، وإلى هذا المعنى يُشير الحديث القدسي المتقدم: «لاَ يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ مُخْلِصاً لِي حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ اَلَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ اَلَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَ يَدَهُ اَلَّتِي يَبْطِشُ بِهَا»، والرواية المأثورة عن الإمام الباقر(ع)، إذ يقول: «نَحْنُ حُجَّةُ الله وَنَحْنُ بَابُ الله وَنَحْنُ لِسَانُ الله ونحن وجه جه الله وَنَحْنُ عَيْنُ اللهِ فِي خَلْقِهِ وَنَحْنُ وَلَاةٌ أَمْرِ اللهِ فِي عِبَادِهِ»[١١].
وعلى هذا الأساس، لو قيل: إن الأئمة الأطهار(ع) لهم تأثير في تحقق بعض الأحداث أو جميع أمور العالم - بالالتفات إلى التقريرين المتقدمين (العلية الطولية والمظهرية الإلهية) - لن يلزم من ذلك أي تالم فاسد، بل إن بعض الروايات يُؤيّد هذا المعنى أيضاً.
فضلاً عن ذلك فإن آيات القرآن الكريم، تؤكد على وجود الوسائط في إدارة العالم، فنجد القرآن تارة ينسب مهمة قبض الأرواح لنفسه، وتارة أخرى لملك الموت «عزرائيل»(ع)، أو إلى الملائكة في بعض الموارد[١٢]. وقال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾[١٣]، وفي موضع آخر: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً﴾[١٤]، إن هاتين الآيتين الشريفتين تخبران عن وجود إدارة وهناك من يقسّم تدبير أمور العالم والمصداق الأبرز لهؤلاء هم الملائكة المقربون من الله. ويتضح من ذلك أن الله قد ترك إدارة بعض الأمور وتدبيرها إلى مخلوقاته الأخرى، ومثل هذا التفويض لا يكون باطلاً، بل هو مو موضع تأیید القرآن أيضاً.
وعليه فإن الشيعة عندما يؤكدون على الولاية التكوينية للأئمة الأطهار(ع) وينسبون إليهم تدبير شؤون العالم بإذن الله وعنايته - بأحد المعنيين المتقدمين (العلية الطولية، والمظهرية) - لن يكون في ذلك أي نوع من أنواع التهافت أو المعارضة مع التوحيد الأفعالي والربوبي. ولو أضفنا إلى هذا البحث مبنى الشيعة القاضي بأفضلية أهل البيت على الملائكة وأدلتهم يتضح أن الولاية التكوينية للأئمة أولى بالقبول من الولاية التكوينية للملائكة أيضاً.
حصيلة الكلام أن الولاية التكوينية لأئمة الهدى(ع) ليست في عرض الولاية التكوينية الله، كي تكون متعارضة مع التوحيد الأفعالي والربوبي، وتوهم الشرك، بل أن ولايتهم تقع في طول الولاية الإلهية (سواء في ذلك العلية الحقيقية أو الإعدادية)، وبعبارة عرفانية وروائية: إن المعصومين مظهر وتجل لولاية الله. وبعبارة أخرى: إن أفعال المعصومين، من قبيل نزول المطر، وحفظ السماوات ليس من باب الفاعل الحقيقي «ما منه»، وإنما من باب الوسيلة والأداة القابلة وواسطة الفيض والإفاضة «ما به». وقد تقدم توضيح ذلك وذكر الروايات الواردة بهذا الشان في الفصل الأول تحت عنوان: «الإمام علة البقاء وحفظ الأرض».[١٥]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: مکتب در فرایند تکامل، ص ٧١.
- ↑ كنز العمال، ج ٧، ص ٧٧٠، ح ٢١٣٢٧ ؛ المعجم الوسيط، ج ١٠، ص ١٦٣، ح ٩٣٤٨؛ الكافي، ج ٢، ص ٣٥٢.
- ↑ الأمالي، المجلس: ٧٧، ج ١٠ ؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢١، ص ٢٦ .
- ↑ الإشارات والتنبيهات، ج ٣، ص ٣٩٧.
- ↑ سورة النمل، الآية ٣٩.
- ↑ سورة النمل، الآية ٤٠.
- ↑ سورة النمل، الآية ٤٠.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٨٤.
- ↑ انظر: آل عمران: ٣٨؛النمل: ٤١ مريم: ٢٥؛ الكهف: ٦٦ .
- ↑ انظر: جوادي آملي، تفسير موضوعي، توحید در قرآن، ج ٢، ص٤٤٧-٤٥١. وبطبيعة الحال هناك اختلاف بشأن ما إذا كان دور العلل الوسيطة هو دور العلل الحقيقية أم دور العلل الإعدادية، على ما تجده في المصدر المذكور.
- ↑ الكليني، الكافي، ج ١، ص ١٤٥ .
- ↑ انظر: السجدة: ١١؛ النحل: ٣٢.
- ↑ سورة النازعات، الآية ٥.
- ↑ سورة الذاريات، الآية ٤.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٦٠٩-٦١٦.