نقاش:برهان المعجزة في الفلسفة الإسلامية

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تمهيد

الأحداث الغريبة والمعجزات التي تحدث بعد الدعاء وما شابهه، أو المساعدات الغيبية التي تظهر في حياة الإنسان، أو بعض الأحداث التي تكون خارج التوقّعات وتؤدّي إلى حلّ بعض المشاكل في الحياة الفردية أو الاجتماعية للإنسان، أو الأفكار المفاجئة التي تخطر في ذهن الإنسان فتؤدّي إلى حلّ مشكلة علمية بشكل غير متوقّع، كلّ هذه الأمثلة هي حوادث يمكن الاستدلال بها على وجود الله تعالى.

وقد اعتمد بعض علماء اللاهوت المسيحيّين على هذه الحوادث في استدلالهم، فقالوا إنّ هذه الحوادث المتنوّعة ليس لها سبب مادّي أو طبيعي، فلابدّ أن تكون مستندة إلى سبب غير طبيعي ومبدأ غير مادّي وهو الله سبحانه وتعالى.

ولكنّ هذا الدليل لا يصحّ الاستدلال به ولا يوصل إلى النتيجة المطلوبة منه إلّا إذا ارتبط بأحد الأدلّة الأخرى، وهناك عدّة إشكالات يمكن توجيهها إليه:

  1. هذا الدليل مفيد لمن تحقّقت لديه مثل هذه الحوادث فقط، أمّا غيره فيمكنه الشكّ في حدوثها من الأساس.
  2. حتّى لو سلّمنا بحدوث هذه الحوادث، فإنّ إسنادها إلى الله يبقى محلّ شكّ؛ لأنّ ذلك يتطلّب القبول بمبدأ السببية وإثبات أنّ هذه الحوادث معلولة.
  3. يجب حصر جميع الأسباب الطبيعية وغير الطبيعية المحتملة لهذه الظواهر.
  4. يجب إبطال كون كلّ هذه الأسباب المحتملة أسباباً لهذه الظواهر، باستثناء الله تعالى.

وقد أدّى طرح هذا الدليل بصورته المعتمدة إلى انتقاده والاعتراض عليه، خاصّة من قبل الذين لا يؤمنون بقانون السببية. كما أنّ مجرّد الإقرار بقانون السببية لا يحلّ المشكلة وحده، حيث لم يقترن الاستدلال بهذا الدليل بإبطال الأسباب الأخرى المحتملة وحصر التأثير في المعجزات بالله وحده.

والحوادث غير المعتادة التي تحصل للنفس الإنسانية، مثل حلّ مشكلة علمية بشكل مفاجئ، قد يكون لها جذورها في تاريخ حياة الإنسان. فمثلاً، قد يسمع الإنسان فكرة من أحد أساتذته أو يقرأها في كتاب أثناء دراسته، فتُخزن في ذهنه، ثمّ بعد عشرات السنين قد تخطر له هذه الفكرة مجدّداً أثناء التدريس أو النقاش، فينسى مصدرها ويظنّها من إبداعاته الخاصّة.

وهناك أمثلة على مثل هذه الحالات حصلت مع بعض العلماء الكبار. فالعوامل المجهولة التي تؤثّر على باطن الإنسان وعقله، قد يكون لها مثيل في التأثير في العالم الخارجي.

فالحوادث الخارقة كانشقاق البحر لموسى (ع)، وابتلاع الأرض لقارون، وانشقاق القمر، وعودة الشمس بعد غروبها، هي حوادث غير معتادة، ولكن ربما يكون لها أسباب طبيعية لم تكتشف بعد.

وهذه الحوادث قد تولد اليقين النفسي والانفعالي والتأثير على المشاهدين، ولكنّها لا تكفي لإنتاج اليقين العلمي والمنطقي المطلوب في البحث الفكري والبراهين العقلية[١].

المعجزة بين الحكماء المسلمين واللاهوتيّين الغربيّين

عادةً ما يتمّ الاستفادة من المعجزات في الفكر الديني لإثبات نبوّة الأنبياء. ويتناول الحكماء والمتكلمون موضوع المعجزات بشكل رئيسي في هذا السياق. ولا يُعرف في الفلسفة الإسلامية أو علم الكلام من استخدم المعجزات كدليل على وجود الله تعالى.

وفي القرآن الكريم أيضاً، تُنسب المعجزات إلى الأنبياء كعلامة من العلامات التي كانوا يستندون إليها لإثبات نبوّتهم الخاصّة، لتكون شاهداً على صدقهم في ادّعائهم النبوّة. وعندما تثبت النبوّة الخاصّة، فمن الطبيعي أن تثبت النبوّة العامّة؛ لأنّه لا يوجد خاصّ إلّا وله عامّ يندرج تحته.

وقد استفاد بعض علماء اللاهوت المسيحيّين من المعجزات والنظام في الكون كدليلين على وجود الله[٢]. وكانت معظم الانتقادات التي طُرحت في الفكر الغربي تستهدف هذين الدليلين أكثر من غيرهما. وتسرّبت بعض هذه الانتقادات إلى الأدلّة التي يستخدمها حكماء المسلمين، وطرحها من تأثّر بالفكر الغربي على أدلّتهم وبراهينهم.

المعجزة هي أمر خارق للعادة لا يمكن نسبته إلى الأسباب الطبيعية المعروفة. ولا يمكن إثبات وجود الله تعالى من خلال المعجزات لفئات معيّنة من الناس، منهم:

  1. الذين لا يؤمنون بوجود الله أصلاً ولم يقتنعوا بالأدلّة العقلية على وجوده، أو لم تثبت لديهم بعض صفاته المرتبطة بالمعجزات كصفة التدبير أو الهداية.
  2. الذين لا يؤمنون بالنبوّة العامّة أو لم تقنعهم الأدلّة المثبتة لها.
  3. الذين يشكّون في قانون السببية ويقبلون فكرة الصدفة.
  4. الذين لا يقتنعون إلّا بالأدلّة الحسّيّة المباشرة.

فمثل هؤلاء لا يمكنهم الاستدلال بالمعجزات على وجود الله؛ لأنّها وإن كانت محسوسة، إلّا أنّ تفسيرها بقدرة إلهية غيبية هو أمر غير محسوس.

ويمكن الاستفادة من المعجزات كدليل بعد إثبات أو قبول عدد من المبادئ والأصول، مثل:

  1. وجود الله الواجب.
  2. ضرورة بعثة الأنبياء.
  3. الحاجة للمعرفة الدينية لهداية الناس في المجالات التي لا يستطيعون الوصول إليها مباشرة.

وفي ظلّ هذه المبادئ، تدلّ المعجزات على صدق النبي في ادّعائه النبوّة وارتباطه بالله تعالى. ولا تكون المعجزة خرقاً لقانون السببية، بل تكون مصداقاً له وحالة من حالاته.

ولو كانت المعجزة خرقاً لقانون السببية، لأمكن نسبة أيّ شيء لأيّ شيء، وعندها يستحيل الاستدلال بها أو بغيرها على وجود الله[٣].

المعجزة والكرامة؛ الإعانة والإهانة

المعجزة هي أمر خارق للعادة يأتي به الأنبياء والرسل لإثبات صدق دعوتهم، وتتميّز عن غيرها من الأمور الخارقة بأنّها تكون مصحوبة بالتحدّي للآخرين أن يأتوا بمثلها. وهناك أنواع أخرى من الأمور الخارقة، مثل:

  1. الكرامة: وهي ما يحدث للأولياء الصالحين بإرادتهم.
  2. الإعانة: وهي ما يحدث استجابة لدعاء بعض الصالحين.
  3. السحر: وهو ما يحدث بالتعلّم والتدريب.
  4. الإهانة: وهي ما يحدث لإبطال دعوى نبوّة كاذبة، كما حدث مع مسيلمة الكذّاب عندما جفّ البئر بعد أن بصق فيه.

والمعجزة تعتمد على قدرة الله المطلقة، وتظهر هذه القدرة للناس، وتثبت صدق مدّعي النبوّة في ارتباطه بالله. والله يختار أناساً على درجة عالية من الأهلية لهداية الناس، ويؤيّدهم بالمعجزات لإثبات صدقهم.

والمعجزة لا يمكن أن تُهزم أو تُكسر؛ لأنّها تستند إلى قدرة الله، ولذلك تتحدّى الآخرين. ولا يمكن أن تحدث معجزة على يد مدّعي نبوّة كاذب، بل قد يحدث العكس ويظهر ما يفضح كذبه، حتّى لا يضلّ الناس وراءه[٤].

المعجزة كدليل عقلي

المعجزة دليل عقلي على نبوّة الأنبياء الخاصّة، ويستفيد منها أصحاب العقول والتفكير العقلي. أمّا من يعتمد على التجربة فقط ويغلق باب المعرفة العقلية، فلا يمكنه الاستفادة من المعجزة، وإن أثارت دهشته وإعجابه، لكنّها لا تولد له اليقين بنبوّة النبي.

وعلى صاحب العقل أن يعرف الأسباب الطبيعية للظواهر، ليميز بين المعجزة والأمور الطبيعية، وأن يدرك العلاقة بين حدوث المعجزة على يد شخص وادّعائه النبوّة.

في معجزة موسى (ع)، كان السحرة هم الأقدر على التمييز بين السحر والمعجزة، فآمنوا بنبوّة موسى وثبتوا على إيمانهم رغم تهديد الموت. أمّا من لم يتعمّقوا في المعجزة، فقد آمنوا بموسى، لكنّهم انحرفوا بعد ذلك وعبدوا العجل.

فالمعجزة تثبت النبوّة الخاصّة، وتكون دليلاً للنبي بعد الإيمان بالله خالق الكون، لكنّها لا تثبت مضمون رسالة النبي التي تدعو للإيمان بالله. والعقل يدرك التوحيد قبل النبوّة، فإذا دعا مدّعي النبوّة للشرك، فإنّ العقل يبطل دعواه لعدم وجود أدلّة على الشرك.

وتنقسم المعجزة إلى قولية وفعلية، والإعجاز القولي أنسب لأهل المعرفة، بينما الإعجاز الفعلي أنفع لعامّة الناس.

وقد ظهرت للنبي محمد (ص) معجزات فعلية أقنعت كثيراً من الناس، أمّا الصحابة المقرّبون فاكتفوا بالقرآن الكريم لما فيه من مضامين عالية. فالقرآن هو المعجزة القولية الخالدة للنبي، ويمكن لكلّ عاقل إدراك قيمته وإعجازه في كلّ زمان[٥].

الإمكان العقلي والاستحالة العادّية للمعجزة

إنّ المعجزة ليست شيئًا مستحيلاً بالعقل، ولكنّها أمر غير عادي يحتاج إلى قدرة الله سبحانه وتعالى لكي تحدث. فمثلاً، تحوّل عصا موسى (ع) إلى ثعبان، أو توقّف نهر النيل عن الجريان، أو انشقاق القمر في عهد النبي محمد (ص)، كلّها أمور ممكنة الحدوث ولكن ليس بالطرق الطبيعية المعتادة، ولا يستطيع الإنسان العادّي أن يفعلها بنفسه.

أمّا الأمور المستحيلة عقلاً، فهي لا يمكن أن تتحقّق أبداً حتّى بقدرة الله تعالى؛ لأنّها غير موجودة أصلاً، مثل اجتماع النقيضين في شيء واحد. وهذا لا يدلّ على عجز الله تعالى، بل يدلّ على أنّ المستحيل لا يقبل الوجود بطبيعته.

والقرآن الكريم أيضاً معجزة، فهو كتاب سماوي نزل على قلب النبي محمد (ص) على مدى اثنين وعشرين سنة، وليس فيه أيّ اختلاف أو تناقض بين آياته، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً[٦]. فمن المستحيل عادةً أن يأتي رجل أمّي بمثل هذا الكتاب المتناسق. فانسجام آيات القرآن رغم نزولها في ظروف مختلفة على مدار سنوات طويلة، لا يمكن أن يحدث بالأسباب الطبيعية المعتادة.

وبلاغة القرآن ليست مستحيلة عقلاً، بل هي أمر خارق للعادة. وقد تحدّى القرآن، العربَ أن يأتوا بمثله، وكان الهدف من ذلك إثبات نبوّة النبي محمد (ص)، وليس إثبات وجود الله تعالى[٧].

المراجع

  1. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله

الهوامش