الوحي عند السلفية والوهابية
مفهوم الوحي
المعنى اللغوي
ورد في كتب اللغة أن الواو والحاء والياء: أصل يدل على إلقاء علم من طرف لآخر في خفاء[١]، فالإشارة، والكتابة، والإيماء، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك من علم[٢].
ويأتي الوحي بمعنى السريع، ويأتي بمعنى الصوت، وحاة الرعد: هو صوته الممدود الخفي، واستوحيناهم: استصرخناهم. والوحى: السرعة، يمد ويقصر. ويقال: الوحى الوحى: يعني البدار البدار، وتوح يا هذا: أسرع، ووحاه توحيةً: عجله. والوحي على فعيل: السريع[٣].
وقد ذكر الشيخ مناع القطان في تعريفه لغة أنه: «الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه بحيث يخفى على غيره»[٤].[٥]
المعنى الاصطلاحي
وذكر السمين الحلبي تعريفاً آخر له: «إلقاء معنى الكلام إلى من يريد إعلامه، والوحي يكون بالرمز والإشارة»[٦].
وقال الشيخ مناع القطان: «ووحي الله إلى أنبيائه قد عرَّفوه شرعاً بأنه: كلام الله تعالى المُنَزَّلُ على نبي من أنبيائه. وهو تعريف له بمعنى اسم المفعول أي الموحى.
والوحي بالمعنى المصدري اصطلاحاً: هو إعلام الله تعالى مَن يصطفيه من عباده ما أراد من هداية بطريقة خفية سريعة»[٧].[٨]
الوحي في الاستعمال القرآني
وردت مادة (وحي) في القرآن الكريم (٧٨) مرة[٩].
وجاء الوحي في القرآن على خمسة أوجه[١٠]:
- الإرسال: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾[١١]. يعني: أرسلنا.
- الإشارة: ومنه قوله تعالى: ﴿ِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾[١٢]. يعني: أشار إليهم.
- الإلهام: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾[١٣]. يعني: ألهمها.
- الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾[١٤]. يعني: أمرها أي: الأرض.
- الوسوسة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾[١٥]. يعني: يوسوسون لهم.[١٦]
الألفاظ ذات الصلة
السنة
- السنة لغةً: الطريقة، والسيرة المعتادة للإنسان، سواء كانت حسنة أو قبيحة[١٧].
- السنة اصطلاحاً: كل ما أثر عن النبي (ص) من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية أو خلقية، أو سيرة[١٨]، قبل البعثة أو بعدها.
- الصلة بين السنة والوحي: الوحي أعم وأوسع من السنة، فالسنة هي الفرع الثاني للوحي، حيث إن الوحي فرعان:
- كلام الله المنزل على رسله،
- السنة وهو ما لم يكن من كلام الله، بل من كلام النبي (ص)، ومعناه من عند الله، ومن السنة ما لا يكون وحياً، باعتبار ما كان صفة خلقية، أو ما كان قبل البعثة.[١٩]
الرسالة
- الرسالة لغةً: العبارات المؤلفة والمعاني المدونة المبعوثة من شخص لآخر بواسطة ناقل[٢٠].
- الرسالة اصطلاحاً: هي ما يبعث الله به من شاء من عباده من أحكام تكليفية وأخبار يلزمهم تصديقها.
- الصلة بين الوحي والرسالة: الوحي هو المصدر الذي تستمد منه الأحكام والأخبار، موجه للنبي أو الرسول، ويكون في الوحي أيضاً ما ليس تشريعاً، بينما الرسالة فهي شريعة موجهة للناس بواسطة الرسول.[٢١]
الموحى به في القرآن
خلق الله عباده عالماً بما طبعهم عليه من صفات، وما ركبه فيهم من غرائز، وما توعدهم به عدوهم الألد إبليس من الإضلال والإغواء، وتزيين الانحراف عن الحق، وما يترتب على ذلك من تضاؤل شعورهم بالحقائق التي جعل علمها والعمل بمقتضاها واجباً عليهم، وهي الحقائق التي جعلها سبباً للثواب والعقاب، إنها الحقائق التي ما خلقهم إلا لأجلها، ولعلاج هذا التضاؤل والوقاية مما يترتب عليه من الإعراض عن المقصد الذي خلقوا من أجله وتركه تكفل الله لهم بأن يبعث لهم من يذكرهم بهذه الحقائق، وما يسعى فيه عدوهم من الكيد لهم، وقد كانت وسيلة ذلك هي الوحي الذي أنزله الله على رسله وأنبيائه[٢٢].
وقد نزل القرآن منبهاً على هذه الحقائق، وهي العقائد، والتشريع، وأخبار الأنبياء، والسنن الربانية، وبيانها فيما يلي[٢٣]:
العقائد
لما كانت العقيدة هي المحور الأساس، والمحرك الأقوي للتأثير في السلوك والاتباع، ولما كان المعول في النجاة على استقامتها، والمودي إلى الهلاك فسادها وانحرافها، جعل الله عز وجل لها الحظ الأوفر من القرآن الكريم، وبين أن هذه سنته في الرسالات كلها، يقول الله جل جلاله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾[٢٤].
والدين الذي شرعه الله لنا وكان وصيته لنوح ولإبراهيم وموسى وعيسى هو عبادة الله وحده، وفيه قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[٢٥].
وعبادة الله مبناها الإيمان بكل ما جاء به الرسل من أخبار وعقائد، وهي دين الإسلام الذي ارتضاه تعالى لعباده، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾[٢٦].
ولايصح إسلام العبد إلا أن يؤمن بأصول الدين والإيمان، وهي كما أخبر عنها النبي (ص) في إجابته على سؤال جبريل: «أَنْ تُؤْمِنُ بِاللهِ، وَ مَلَائِكَتُهُ، وَ كُتُبُهُ، وَ رُسُلِهِ، وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ، وَ تُؤَمِّنُ بِالْقَدَرِ خَيْرُهُ وَ شَرُّهُ»[٢٧]، فهذا هو الدين الذي أمر الله رسله وأنبياءه، وأمرنا أن نقيمه، ونهانا عن التفرق فيه[٢٨]، لايتم لنا إقامة الدين إلا بالإيمان بهذه الأصول على النحو الآتي:
- أن الله واحد لا شريك له[٢٩]. وذلك في:
- ألوهيته: قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾[٣٠].
- ربوبيته: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[٣١].
- أسمائه وصفاته: قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾[٣٢]. وقد جمع هذه الأمور الثلاثة في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾[٣٣].
- الإيمان بالملائكة: وقد أمر الله عز وجل بالإيمان بهم في غير موضع من كتابه. يقول تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾[٣٤]. والإيمان بهم يستدعي الإيمان بأنهم عباد لله تعالى، وأن لهم وظائفهم التي كلفهم الله بها، كما بين ذلك في مواضع كثيرة من كتابه، وأنهم لايعصونه في أمر مهما كان، وأنه خلقهم على هيئات تليق بما كلفوا به من وظائف، فالرسل منهم ليسوا كصاحبي القبر، والذين يتوفون المؤمنين ليسوا كمن يتوفون الكافرين، وخزنة الجنة ليسوا كخزنة النار، وغير ذلك مما جاء في بيان أوصافهم في الكتاب والسنة[٣٥].
- الإيمان بالكتب المنزلة من عند الله: وأنها كلامه الذي أوحى به لرسله لهداية عباده وإخراجهم من الظلمات إلى النور. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾[٣٦].
- الإيمان بالأنبياء والرسل: يقول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾[٣٧]. ولايجوز التفريق بينهم فيما جاءوا للدعوة إليه من توحيد الله جل جلاله[٣٨]، وإن كان الله تعالى قد جعل لكل واحد منهم شريعته الخاصة به وبأمته. يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾[٣٩]. والإيمان بأن الله أرسلهم ليطاعوا فيما جاءوا به. يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾[٤٠].[٤١]
- الإيمان بالله واليوم الآخر: وكثيراً ما قرن الله بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر في كتابه. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[٤٢]. وأن الله جامع الناس في ذلك اليوم؛ لتجزى كل نفس ما كسبت[٤٣]. يقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾[٤٤].
- الإيمان بقضاء الله وقدره: وذلك بأن يؤمن أن الله تعالى [٤٥]:
- علم الأشياء قبل حدوثها، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾[٤٦].
- وأنه كتب ذلك في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾[٤٧]
- وأنه أراد إيجاد مخلوقاته من العدم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[٤٨].
- وأنه هو الخالق البارئ لكل شيء، قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾[٤٩].[٥٠]
التشريع
والتشريع هو البناء الذي أقيم على أصول الإيمان، من العبادات، والمعاملات، والأقضية، والحدود، والسياسات، والأخلاق، والأحوال الشخصية، والحقوق وفق ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله بفهم الصحابة.
والقرآن هو المصدر الأول في التشريع، والسنة هي المصدر الثاني للتشريع، ولم تستقل السنة بتقرير التشريع بمعزل عن القرآن؛ وذلك أن الأمر بطاعة الرسول (ص) هو مما أوحي به إلينا في القرآن.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾[٥١].
كما أن القرآن لم يستقل عن السنة ببيان التشريع.
يقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[٥٢].
وقال أيضاً: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾[٥٣].
وحتى لا تشتط الأهواء بالناس؛ جعل الله جل جلاله لفهم ما جاء به النبي (ص) من القرآن والسنة من تشرعات منضبطة بفهم الصحابة، ومن سار على نهجهم وأصولهم وقواعدهم المستقرأة في تطبيقاتهم للدين في عهد النبي وبعد وفاته[٥٤].
يقول جل جلاله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً﴾[٥٥].
والتشريع بذلك ينظم علاقة الإنسان مع غيره من خلال الآتي:
- العبادات: وهي عبارة عن علاقة الإنسان بربه، كالصلاة والزكاة والصوم والحج[٥٦]. عن ابن عمر، قال: قال رسول الله: (ص) «بُنِيَ اَلْإِسْلاَمُ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اَللهِ، وَ إِقٰامِ اَلصَّلاٰةِ، وَ إِيتٰاءِ اَلزَّكٰاةِ، وَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَ حَجِّ بَيْتِ اَللهِ اَلْحَرَامِ»[٥٧]. وقد جاء القرآن آمراً بهذه الأركان.
- المعاملات: التي اشتملت التعاقدات على جميع صور التعاقدات بين الناس، وبينت أحكامها، وأجازت ما كان قائماً على العدل، ومنعت وجرمت ما يفضي إلى الخصومات والشقاق. قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾[٥٨].
- الأخلاق النفسية: بتنظيم سلوكه في الأطعمة والأشربة واللباس والزينة ونحوها[٥٩]. قال الله جل جلاله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾[٦٠].
- الأحوال الشخصية: ببيان الحقوق على كل فرد تجاه أفراد أسرته، من خلال الأمر بقوامة الآباء، ورعايتهم للزوجة والأبناء، والأم من حيث بيان حق الزوج، وبيان دورها في رعاية الأبناء، والأبناء بالأمر بالبر بالوالدين، والأرحام من جهة وجوب صلتهم[٦١]. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[٦٢].
- الأخلاق الاجتماعية: باحترام حقوق الآخرين، والحث على التراحم والتعاون، ودفع الأذى، والإحسان[٦٣]. قال الله عز وجل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[٦٤].
- القضاء: من خلال فض النزاعات والخصومات التي تحدث بين المواطنين، سواء أكانوا مسلمين أو غير مسلمين، على حد سواء في إعطاء كل ذي حق حقه، أو دفع العدوان، أو رفع الظلم[٦٥]. قال الله جل جلاله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[٦٦]
- السياسات: ببيان وجوب السمع والطاعة للحاكم، والنصح والإعانة له على الخير، وعدم الخروج عليه، والأمر للحاكم بالعدل والرأفة، وعلاقة المسلمين بغير المسلمين، سواء أكانوا داخل حدود دولة المسلمين، كالمعاهد والمستأمن والمستجير، أو خارجها، سواء أكانوا مسالمين أو محاربين[٦٧]. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾[٦٨].[٦٩]
أخبار الأنبياء والأمم السابقة
لم يكن رسولنا الكريم (ص) بدعاً من الرسل، وكذلك لم تكن أمتنا أيضاً بدعاً من الأمم، بل سبقه رسل وأنبياء كثر، وكذلك سبقت هذه الأمة سابقات من الأمم، ولم تكن سيرة هذه الأمة مع نبيها (ص) بمنأى عن سير الأمم السالفة مع أنبيائها؛ لذلك كان في قصصهم عبر، وفي أخبارهم خطر، لا يستغني عن معرفتة ذوو البصائر والنظر، لذلك أورد الله تعالى من أخبارهم في كتابه ما فيه مواعظ ونذر، وقد كان منهج القرآن في إيراد القصص منهجاً ربانيًّا، ليس الغرض فيه من إيرادها التفكه بالحديث أو التلذذ والمسامرة[٧٠]، بل كان مراده من عرضها:
- التثبيت لقلب النبي (ص) والمؤمنين، يقول الله جل جلاله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[٧١].
- إيقاظ وتنبيه من الغفلة، يقول الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾[٧٢].
- إنذار بما حدث لمن لم يستجيبوا لرسلهم أن يصيب هذه الأمة ما أصابهم، يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾[٧٣].
- الاعتبار بأحوال من سبقها من الأمم، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[٧٤].
كما لم يكن أسلوب القرآن في إيراد قصص الأنبياء مع أممهم أسلوباً سردياً تفصيلياً يحوى التفاصيل الدقيقة للأحداث؛ مما يجعله مملاً، ومفضياً إلى ضياع المعاني، كما في الكتب المحرفة، وإنما كان عرضه لها بذكر مواطن التفكر والاعتبار والانتفاع، وذلك على سبيل الإجمال- وهذا ما يغلب عليه- لا على سبيل التفصيل، إلا فيما دعت الحاجة إلى التفصيل فيه، ويحصل بدونه فوات معرفة أو ذهاب منفعة بالذكرى والعبرة.[٧٥]
السنن الربانية
ربط الله جل جلاله بين سننه القدرية واستجابة العباد لأوامره الشرعية، يقول الله تعالى فيمن أنزل الله عليهم التوراة الإنجيل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾[٧٦].
يقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[٧٧].
وقد ذكر الله عز وجل من هذه السنن في كتابه على وفق هذا الناموس الرباني مع سابق الأمم ما كان فيه النذير والتذكير، يقول الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾[٧٨].
وهذا ما تمت الإشارة إليه في السابق، ومن أمثلة ذلك:
- ما كان من شأن قوم نوح (ع)، يقول الله عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾[٧٩].
- ما حدث لقوم عاد وثمود، يقول الله تعالى في نبئهم: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾[٨٠].
- حديث قوم لوط (ع)، يقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾[٨١].
- ما كان من فرعون، يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾[٨٢].
- ما ذكره الله من شأن بني إسرائيل مطلع سورة الإسراء، يقول الله جل جلاله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾[٨٣].
وعلى العكس من ذلك، نجد أن الله تعالى يؤيد رسله وأتباعهم، ويغير لهم نواميس الكون، يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾[٨٤]. ومن أمثلة ذلك:
- نوح (ع)، يقول الله عز وجل: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾[٨٥].
- إبراهيم (ع)، يقول الله جل جلاله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾[٨٦].
والقرآن مليء بمثل هذا، من بيان السنن الربانية القدرية المعلقة على استجابة العباد الشرعية وعدمها.[٨٧]
مقامات الوحي
عز الله سبحانه أن يراه أحد في الدنيا، وهذا ما قضاه تعالى، وكان لابد لعباده من معرفته ومعرفة ما يريده منهم، وما من طريقة تصلح لوصول مراده إليهم إلا منه، فقدر أن يكون ذلك بالوحي، وهذا الوحي له صور متعددة، بحسب الحكمة الإلهية، وقد كانت كما أخبر ربنا بواحدة من ثلاث حالات، بينها الله في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[٨٨].
ولها مقامات، فتكليم الله لعبده هو مقام أشرف من الوحي بواسطة، وبيان ذلك فيما يأتي:
التكليم من وراء حجاب
إن تكليم الله جل جلاله أحداً من عباده لهو مقام شريف، ومنزلة عظيمة، يختص الله بها بعض رسله، يقول المولى عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾[٨٩].
وهي صفة لله على الحقيقة من غير تعرض لكيفيتها، أثبتها لنفسه مؤكداً لذلك بالمصدر؛ حتى يدمغ قول من قال: إن الكلام هنا مجازي وليس على الحقيقة[٩٠]، فقال جل جلاله: ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾[٩١].
وفي إتيان الوحي بهذه الصورة ما يزيد من يقينهم، ويقوي من عزمهم، ويرفع من معنوياتهم، لذلك نجد أن ممن اختصهم الله تعالى بهذه المنزلة من كانت له مواقف شاقة ومتعبة مع أقوامهم، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، كما كان الحال مع موسى (ع)، فإن بني إسرائيل قد خالفوه كثيراً، واختلفوا على ما جاءهم به، وتعنتوا معه في كثير من المسائل، من أمثلة ذلك قصة البقرة، واتخاذهم العجل من بعده، وملالهم من المن والسلوى، وطلب جعل الآلهة، وغير ذلك كثير.
وقد أكرم الله عز وجل نبينا محمداً بهذه المنزلة في مواطن نذكر منها حينما عرج به إلى السماء وفرض الله تعالى عليه عبادة الصلاة، وهذا فيما يكون في الحياة الدنيا قبل الموت، أما بعد الموت، فإن المؤمنين يتنعمون بتكليم الله لهم ورؤيتهم له، كما حدث مع الصحابي الشهيد عبد الله بن حرام.
فقد روى جابر بن عبد الله، قال: «لَقِيَنِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ، فَقَالَ لِي: (يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ منكسراً؟) قِلَّةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتْرَكَ عِيَالاً وَ دِيناً . قَالَ: (أَ فَلا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟) قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ: (مَا كَلَّمَ اللهِ أَحَداً قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَ أَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كفاحاً . فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمُنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ . قَالَ: يَا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأَقْتُلَ فِيكَ ثَانِيَةً . قَالَ الرَّبِّ عَزَّ وَجِلَ: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يَرْجِعُونَ) قَالَ: وَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتاً﴾[٩٢]»[٩٣].[٩٤]
إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري
والغالب من أحوال الوحي أن يأتي الرسول الملكي وهو جبريل إلى النبي، وهذا الذي ذكره الله جل جلاله في قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾[٩٥].
وفي قوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾[٩٦].
والدليل على أنه أكثر الوحي هو إخبار النبي (ص) بذلك، حينما سئل عن الوحي كيف يأتيه، فقال (ص): «أَحْيَاناً يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَتْ الْجَرَسِ، وَ هُوَ أَشُدُّهُ عَلَيَّ، فيفصم عَنِّي وَقَدْ وعيت عَنْهُ مَا قَالَ، وَ أَحْيَاناً يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلِكِ رَجُلاً فيكلمني فأعي مَا يَقُولُ»[٩٧].
فإجابة النبي (ص) على السؤال بهاتين الصورتين هو من باب التغليب لا من باب الحصر[٩٨].
وهو بهذا يصف الطريقة التي يأتيه جبريل (ع) بها في الغالب، وإلا فإنه قد رآه على صورته الحقيقية، وأحياناً كان يأتيه الوحي مناماً، وغيرها من الصور التي لم يذكرها النبي (ص) في الحديث.[٩٩]
القذف في روع الرسول
والمقام الثالث من مقامات الوحي الذي كان يأتي الوحي فيه للنبي (ص) هو ما جاء ذكره في قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً﴾[١٠٠].
وهو إما أن يكون إلهاماً أو مناماً أو قذفاً في القلب[١٠١].
وقد جاء عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله (ص): «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي: أَنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَجَلُهَا وتستوعب رِزْقَهَا فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَ لَا يَحْمِلَنَّ أَحَدَكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ يَطْلُبَهُ بِمَعْصِيَةِ فَإِنَّ اللهَ لَا يُنَالُ مَا عِنْدَهُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ»[١٠٢].
والشاهد هو قول النبي (ص): «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي»، وهو مقام قد يشارك فيه بعض الناس الأنبياء، ولايصح التعبير عنه بالوحي، ولا يجب العمل أو التشريع بمقتضاه إلا إن كان لنبي، أما إن كان لغير نبي؛ فإنه يستأنس به ولايستدل به.
فمثاله من الرؤيا المنامية للأنبياء رؤيا إبراهيم (ع) في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾[١٠٣].
فعبر عنها ولده إسماعيل (ع) بأنها أمر إلهي، ومثاله من رؤيا غيرهم من الناس رؤيا صاحبي يوسف (ع) في السجن في قول الله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[١٠٤].
ومنها أيضاً ما يراه الناس، ويبحثون عمن يعبره لهم، ولا يصح أن يتخذ من رؤيا الصالحين أو الشيوخ دليلاً على أمر شرعي أو حدث غيبي، كما يفعله كثير من الصوفية، ويزعمون أنه من جنس الكرامات.[١٠٥]
الموحى إليهم في القرآن
تبين فيما سبق أن الوحي يتفاضل بين ثلاث مقامات، وهذا باعتبار الوحي إلى الأنبياء، أما إذا تغاير الوحي باعتبار الموحى إليهم؛ فإن جنسه يختلف باختلافهم، فلا يصح أن يذكر فيه تفاضل، فوحي الله إلى الأنبياء والرسل يختلف عن وحيه للملائكة، كما يختلف عن وحيه لأهل الإيمان، أيضاً يختلف عن وحيه لغير الأحياء، فكل وحي يختلف في حقيقته عن الآخر، وإن كان ثمة تداخل بين بعضها من حيث المراد. وبيان ذلك في النقاط الآتية [١٠٦]:
الرسل والأنبياء
الوحي إلى الأنبياء والرسل هو الوحي الذي قال الله جل جلاله فيه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾[١٠٧].
وهو المتضمن لبيان العقائد، والتشريع، وأخبار الغيب، والسنن الربانية.
كما أن له مقامات ثلاث متفاضلة باعتبار تفاضل الرسل والأنبياء الذين أوحي إليهم به، أو الأحوال والتشريعات، وقد كان فيه الرسل والأنبياء واسطة في البيان والتبليغ بين الله وعباده بهذا الوحي، ومنه ما يكون قاصراً علمه على الأنبياء فقط، فلم يكلفوا بتبليغه للناس، كالوحي المنزل على الخضر (ع)، وبعض ما لا تطيقه عقول الناس مما أوحي به إلى الرسل والأنبياء، فلقد أرى الله أنبياءه ورسله من الآيات ما يجعل اليقين عندهم كافياً لأن يؤمنوا بما لا يستطيعه غيرهم، وهم بينهم في ذلك اختلاف، كالذي كان بين موسى (ع) والخضر (ع)، ومن التفاوت في قوة اليقين، فمنهم أولو العزم ومنهم من ليس كذلك، وإنما كان لهم هذا العزم بما قد خصهم الله به من العلم والإطلاع على الآيات ما لم يطلع عليه غيرهم.
يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾[١٠٨].[١٠٩]
الملائكة
وهو وحي ليس على سبيل التشريع والإخبار، وإنما على سبيل التكليف، فالملائكة مسخرون لطاعة أوامر الله تعالى، وليس لديهم خيار بين الاستجابة والرفض، فقد سخرهم الله جل جلاله لتلقي ما أمرهم بالقبول والانقياد من غير تردد، فمنه أمر الله لهم بالسجود لآدم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾[١١٠].
فذكر الله تعالى بعد عدم استجابة إبليس للأمر الإلهي أنه من الجن؛ ليكون كالتعليل لعدم استجابته لما أمر به، وأنه ليس كالملائكة في ذلك، حيث إن الله عز وجل وصف الملائكة بأنهم لا يعصونه في أمر.
يقول تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[١١١].
وهو لا يأمرهم إلا بالوحي أو من وراء حجاب، على سبيل التكليف لا على سبيل التشريع.
أما ما جاء من عرض الله عليهم إرادته لخلق آدم وما كان منهم من استفهام، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[١١٢].
فلم يكن هذا الاستفهام على سبيل الاعتراض[١١٣]، وإنما كان من باب عدم رغبتهم في وجود من يعصي الله في الوجود، وقد ظهر هذا في قولهم: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ».
فهو من باب غيرتهم على مقام وحدانية الله تبارك وتعالى، ولذلك لم يوبخهم الله تعالى على ذلك، بل عرض آدم عليهم؛ ليبين لهم الحكمة من خلقه، لذلك لما تبين لهم هذا الأمر؛ اعترفوا لله بجهلهم، ومجدوه بالعلم والحكمة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[١١٤].
فأكد لهم ما ظهر لهم من علمه وحكمته، وبين لهم أن هناك من العلم والحكمة أيضاً ما لم يظهر لهم، فقال: ﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾[١١٥].
ومما أوحى الله به إلى الملائكة أمرهم بنصر المؤمنين وتثبيتهم، فقال جل جلاله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾[١١٦].
ومنه الأمر بحفظ بني آدم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾[١١٧].
ومنه الأمر بقبض الأرواح، قال جل جلاله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾[١١٨].
ولهم الكثير من الوظائف التي أوحى الله لهم بها، ليس المقام هنا مقام الوقوف عليها وحصرها، إنما هذه أمثلة عليها.[١١٩]
أهل الإيمان
إن الله تعالى كريم رحيم رؤوف بعباده لطيف بهم، ومن كمال لطفه جل جلاله أن يعلمهم بأمور قد يكون لها وقع خطير في حياتهم، ولكن كيف يكون هذا والواسطة بين الله وعباده منقطعة؟!
إنه وحي من الله لهم ولكن من نوع آخر غير وحي النبوة، ومن هذا ما أشار إليه النبي (ص) في الحديث الذي رواه أبو هريرة بقوله: «لَمْ يَبْقَ مِنِ النُّبُوَّةِ إِلَّا المبشرات» قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ»[١٢٠].
وليس معنى هذا أن الوحي قد انقطع بجميع صوره التي ورد ذكرها في القرآن، وإنما خص الرؤيا بالذكر؛ لأنها تكون لآحاد المسلمين بكثرة، وإلا فإن الإلهام يرد عليه، ويكون بعد النبوة، لكنه بحسبه منه ما يكون لخواص المسلمين[١٢١].
وهو كالذي روى أبو هريرة فيه حديثاً عن النبي (ص) أنه قال: «لَقَدْ كانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٍ فَإِنَّهُ عُمَرُ»[١٢٢].
فكان عمر ممن اختصهم الله تعالى بذلك، ومنه ما يكون عامًّا للمسلمين جميعاً، وذلك بإلهام الله لهم الإيمان برسله وأنبيائه وما جاؤوا به من الأخبار الغيبية والتكاليف الشرعية.
وكان الإلهام الذي ذكر في الحديث فيما كان قبلنا من الأمم، ومنهم من ورد ذكره في القرآن، وهم ثلاثة:
- أم موسى (ع): أوحى الله إليها بوحي من قبيل الإلهام، يقول الله عز وجل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾[١٢٣]. يقول السمعاني: والوحي: هو الإعلام في خفية، فأكثر المفسرين على أن معنى قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ هو إلهامها[١٢٤]، وكان ذلك وحياً جاءها من الله؛ فقذف في قلبها، وليس بوحي نبوة[١٢٥].
- مريم: فقد اصطفاها الله لأمر عظيم، واختصها به، وهو أن تحمل وتلد من غير بعل، معجزة منه تعالى لعبده ورسوله عيسى (ع)، وهذا أمر يصاحبه من الابتلاء بوقوع التهمة والفرية ما يترتب عليه هم وغم عظيمان، فأعلم الله جل جلاله مريم به وحياً من غير نبوة، بأن أرسل لها جبريل (ع)، الذي ينزله الله عز وجل بالشرائع على الرسل والأنبياء؛ ليبلغوها للناس، وقد جاءها؛ ليخبرها هذا الخبر فحسب، ولينفذ المهمة التي كلف بها من نفخ الروح في درعها؛ لتدخل في جوفها وتستقر في رحمها؛ ويخلق الله جل جلاله منها عيسى (ع)[١٢٦]، وليس على سبيل التكليف بالنبوة والرسالة، يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا﴾[١٢٧].
- الحواريين: إنهم الذين كانوا مع نبي الله عيسى (ع)، فقد كانوا في شدة وبلاء وكرب من بني إسرائيل، كما هو حال أتباع الأنبياء، فقد كان بنو إسرائيل يفتنونهم فتناً تزلزل الجبال الرواسي، كيف لا وهم أعداء الأنبياء وقتلتهم؟! يقول الله جل جلاله في سياق عد مننه ونعمه وآلائه على عبده عيسى (ع): ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾[١٢٨]. يقول السعدي: «واذكر نعمتي عليك إذ يسرت لك أتباعا وأعواناً، فأوحيت إلى الحواريين، أي: ألهمتهم، وأوزعت قلوبهم الإيمان بي وبرسولي»[١٢٩]، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم، فقد قال بعضهم: إن المراد هنا أن الله عز وجل أوحى إليهم على لسان عيسى (ع)، أي: «أمرتهم بالوحي الذي جاءك من عند الله، فأجابوا لذلك وانقادوا»[١٣٠]، فالوحي من هذا القبيل على ألسنة الأنبياء والرسل إنما هو لعموم الناس، وليس للمتبعين فقط، ثم إن المنة بذلك تكون ضعيفة حين يتبعه اثنا عشر رجلاً وتخالفه الأمة بأسرها، لكن المنة تكمن في أن الأمة كلها مخالفة له، فألهم الله جل جلاله الحواريين أن يؤمنوا به؛ ففعلوا وانقادوا، فقرت بهم عين نبيه (ع) واستكانت لذلك نفسه.[١٣١]
السموات والأرض
يوحي الله تعالى إلى مخلوقاته من ألوان الوحي بحسب ما يليق به من حيث: الطاقة، أو الكيفية، أو الوظيفة المناطة به، والمهام التي كلف بها، فوحيه للرسل يختلف عن وحيه للملائكة، وعن وحيه للمؤمنين، ومن باب أولى أن يختلف عن ذلك وحيه لغيرها من الكائنات غير الحية، كوحيه إلى السماوات، فإنه وحي يتناسب مع هذه المخلوقات.
فوحيه للرسل يتضمن رسالة محتواها الأخبار الغيبية والتكاليف الشرعية التي لا صلاح للبشر إلا بها، وكان وحيه للملائكة متضمناً أخباراً وأوامر، لايستقيم لهم أن يقوموا بما خلقوا له من التكاليف إلا به، حيث إنهم كما قالوا عن أنفسهم فيما ذكره الله عز وجل عنهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾[١٣٢]، وكيف يتسنى لهم أن يعرفوا أوامر الله لهم من غير وحي يوحي الله جل جلاله لهم به؟!
وكذلك الحال مع بني الإنسان، فإن الهداية لم تكن طوع أيديهم، وليس لهم أن يتناولوها بعقولهم، أو يكتسبوها بالتأمل؛ إن لم يكن ذلك مؤيداً بتوفيق الله تبارك وتعالى، كما قال تعالى في كتابه: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾[١٣٣].
وكما قال عز وجل في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالُّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ»[١٣٤].
وكذلك كان وحيه للسماوات يتناسب مع الطبيعة التي طبعت عليها والهيئة التي خلقت بها، فكان وحي الله -تبارك وتعالى- لها بأن تكون مسخرة، وذلك بقوانين ونواميس خاصة لا تصلح الحياة الدنيا إلا بها.
يقول عز وجل: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾[١٣٥].
فإذا أراد الله تعالى لها الخراب أوحى إليها وحياً تتغير فيه تلك القوانين، وتتبدل النواميس حتى إن الإنسان الذي ألفها على تلك الحال التي كانت مستقيمة بقوانينها ونواميسها ليتساءل عما اعتراها من خلل، فيقول فيما أخبرنا الله عز وجل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾[١٣٦].
فهي مسخرة لطاعة الله جل جلاله طوعاً، ولو لم يكن كذلك لسخرها كرهاً، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[١٣٧].
فأطاعته ولانت وخضعت وأذعنت على عظمتها؛ لعلمها بأن الذي أمرها لا يتعاظمه شيء، جل جلاله وعز شأنه، غلب بسلطانه وقهر بجبروته، وأذهل بقدرته تعالى.[١٣٨]
النحل
إن المتأمل في حياة النحل وطريقة معيشتها ورحلاتها وصناعتها ليعلم أن ما تقوم به هذه المخلوقات ليست بالاكتساب ولا بالتعلم، وإنما هي الغريزة التي غرزها الله تعالى فيها، والإلهام الذي جعل من هذا الكائن الصغير ذلك الصانع القدير، فقد هيأ الله عز وجل فيها ولها من الأسباب والقوانين الطبيعية والكيميائية التي صارت صناعتها كالسجية، والمطلع على آليات العمل في خلية النحل ليبهره ما سيراه من نظام، ويسحره ما يشاهده من تعاون، ويأخذ لبه مايراه من التزام كل عامل بعمله الخاص به دون أدنى تدخل أو تطفل.
ثم هي بعد شعوب وقبائل، فمنها شعوب قد سخرها الله للمعيشة في بيئة الجبال؛ فتتخذ من كهوفها وشقوقها البيوت، ومنها قبائل هيأها الله ليكون بيتها في الشجر، وطائفة أخيرة جعلها الله تأنس بما يصنعه الإنسان لها من بيوت، ويسر لها الأرزاق من كل الثمرات وأزهارها، حلوها ومرها؛ لتصنع بعد ذلك شراباً شهياً فيه شفاء للناس[١٣٩].
وفي هذا جاء قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[١٤٠].
ليكتمل بذلك للإنسان أنواع الأشربة التي يأخذها الناس، فمنه ما كان أصله المطر، وهو الماء، ومنها ما أصله الشجر وهو العصائر والخمور، ومنها ما أصله بطون الضأن والجمال والبقر، وكان العسل رابعها، الذي يأتي به من الكائنات الصغيرة، التي جعلت مثلاً للرأي الصحيح.
جعل الله جل جلاله العسل رزقاً لعباده في الدنيا الذي سيشربون منه في الآخرة، وقد جمع بين هذه الأشربة في كتابه في موضعين:
- في سورة النحل على أنها شراب لهم في الدنيا، فقال جل جلاله: ﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾[١٤١].
- في سورة محمد (ص) على أنها شراب لهم في الجنة، بقوله عز وجل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾[١٤٢].
والأشربة الثلاثة الأولى يستخرجها الناس، ولهم في ذلك وسائل هيأها الله تعالى، أما الرابع فلا حيلة لهم يستخرجونه بها، إلا بأن يكون ذلك بالوحي الغريزي لهذا المخلوق الصغير الشرس، وهذا ما أوحى الله به للنحل، فكانت مسخرة له بأمره تعالى، وليس هذا المقام مقام التفصيل في التفريق بين هذه الأشربة وطرق استخراجها.[١٤٣]
التعامل مع الوحي
إن ذكر الله تعالى لوحيه لهذه المخلوقات في كتابه الكريم جاء لأمر حكيم، ألا وهو بيان كيفية استجابة هذه المخلوقات التي أوحى الله عز وجل، من أنبياء ورسل كرام عليهم الصلاة والسلام، وملائكة عظام (ع)، وسماوات وأراضٍ، وما فيهما من خطير الأجرام، وحتى الصغير الحقير من الهوام، كلها كان شأنها الامتثال لما أمرها الله جل جلاله به في وحيه إليها، شرعيًّا كان الوحي أو كونياً، كلها خضعت وأذعنت واستجاب ولانت لأمر ربها.
فحري بهذا المخلوق الذي سخر الله له هذه الكائنات أن يكون على سنتها وناموسها، مستجيباً خاضعاً مذعناً مستسلماً منقاداً معظماً لما جاءه من وحي ربه تبارك وتعالى، متدبراً متعقلاً متفهماً لما يتلوه منه، خائفاً مما فيه من تهديد ووعيد، راجياً لما فيه من وعدٍ بالثواب والمزيد، سائراً على هديه الرشيد، وذلك ينتظم أموراً ثلاثة تمت الإشارة لها، وفيما يلي -بإذن الله تعالى- تفصيلها[١٤٤]:
تلاوة الوحي
إن تعظيم ما جاء من عند الله جل جلاله آمراً بتعميمه لهو من تمام عبادة العبد لربه تبارك وتعالى، وإن الله ما أمر بتعظيم شيء مثل ما أمر بتعظيم كلامه، الذي ما شرف شريف ولا عظم عظيم إلا به، وهو ما أوحى الله به؛ لتستقيم أمورهم، هذا لا يتيسر لهم إذا كانوا يقرءونه طرباً، أوينثرونه هذراً، أو يهذونه شعراً، بل كان لابد لهم من تلاوته وتدبره وتفهمه وتعقله، ولكي يتسنى لهم ذلك؛ كان لابد من مراعاة أمور قبل قراءته وأثناءها وبعدها، باستحضار ما يأتي:
- إن الله تعالى هو من تكلم بهذا القرآن، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾[١٤٥].
- إن القرآن هو خطاب من الله لمن يقرؤه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[١٤٦].
- إن الله جل جلاله أخبرنا فيه بأمور:
- ماضية للاعتبار، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[١٤٧].
- معاصرة للاستحضار، يقول الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[١٤٨].
- مستقبلة للتبشير والإنذار، يقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ هَذَا بَلاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾[١٤٩].
- إن الله عز وجل أمرنا فيه بأوامر لامتثالها، ونهانا فيه عن نواهٍ لاجتنابها، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾[١٥٠].
- جمع القلب، واستحضار الذهن، والتدبر لما يقرؤه جيداً، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[١٥١].
- إن صلاحنا وفلاحنا في الدنيا والآخرة إنما بالقرآن والقيام بحقه، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾[١٥٢].
- أن نبتغي بقراءته الأجر والثواب من الله تبارك وتعالى، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾[١٥٣].
- توطين النفس والعزم على تصديق أخبار القرآن، والاستجابة لما فيه من الأوامر والنواهي، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾[١٥٤].
وقد أفاض كثير من أهل العلم في كتابة ما ينبغي أن يكون عليه قارئ القرآن، مثل: التبيان في الأداب في حملة القرآن للنووي، فضائل القرآن للمقدسي، وغيرها.[١٥٥]
التخويف بالوحي
النفس البشرية تركيب من مزيج من الشهوات الداعية إلى الجموح والعصيان والطغيان، فهي ترغب في فعل مايحلو لها من غير قيد أو ضابط، حتى وإن كان ذلك القيد أو الضابط ما وضع إلا لمصلحتها، وقالوا قديماً: من أمن العقوبة أساء الأدب. لذلك كان من مقاصد الوحي الذي أنزله الله تعالى من أجلها التخويف بالوعيد والنذر، يقول الله عز وجل في كتابه عن هذا المقصد: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾[١٥٦].
وقال أيضاً: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفاً﴾[١٥٧].
وقد جاء التخويف بالوحي على صور مختلفة، منها:
- ذكر قصص الأمم التي عصت رسلها، وهذا قد كثر ذكره في القرآن الكريم حتى إن سوراً كاملة جاءت على هذا المنوال، أو كان أغلب السورة عليه، مثل سورة هود، الشعراء، القمر، الفجر، نوح، وغيرها.
- بيان أحوال العصاة والكفار في النار، يقول تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾[١٥٨].
- ذكر العقوبات على المعاصي، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[١٥٩].
- التهديد على المعصية بانتقام الله من فاعلها، يقول تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾[١٦٠].
- بيان أن في المعصية تعدِّياً لحدود الله، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[١٦١].
- بيان أن فاعل المعصية مستحق لغضب الله، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[١٦٢].
- الجمع بين أكثر من عقوبة لفاعل المعصية، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾[١٦٣].
- وصف فعل المعصية أو فاعلها بالخسران، أو الفسق، أو الفجور، أو الكبر، أو الظلم، أو الكفر، وغيرها مما يعاب به العاصي في القرآن، يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[١٦٤].
- بيان أن فعل المعصية اتباع للشيطان، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[١٦٥].
- بيان أن فعل المعصية عداوة لله وأولياء الرحمن، يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾[١٦٦].
- إعلان الحرب على فاعل المعصية من الله، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾[١٦٧].
- بيان أن المؤمنين يجتنبون المعاصي ولا يقتربون منها، يقول تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾[١٦٨]. إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾[١٦٩]. إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَاناً﴾[١٧٠].[١٧١]
اتباع الوحي والاستمساك به
إن موقف الناس من الوحي بين أمرين: إما الاتباع، وإما الإعراض، أما أهل الإعراض فيحتاجون إلى وقفة معهم -وستأتي إن شاء الله عز وجل - ذلك أن أسباب الإعراض وسبله متعددة، وليس هو من باب التعامل المطلوب بيانه والدعوة إليه، بل المطلوب هو بيانه والتحذير منه، وأما الاتباع فهو مندرج تحت عنوان هذا القسم، وإن كان كلٌّ من الأمرين يحتاج إلى إفراده في بحث خاص كامل، فالناس جميعاً بين مستمسك بالوحي، أو معرض عنه، أو متمسك ببعضه ومعرض عن بعضه الآخر، والمستمسك به بين مجتهد في ذلك، وبين مقصر فيه، والذي أراده الله تعالى من عباده تجاه الوحي هو الاتباع والاستمساك به، ويظهر هذا من خلال كثير من الآيات التي دعا الله عز وجل العباد فيها إلى التمسك بما أنزله إليهم، وثناؤه على ما أنزله إليهم، وثناؤه على المستمسكين به، ووصفه لما أنزله عليهم بأفضل ما يوصف به منهج، وبيان فضله عليهم فيه، وبيان أثره في حياتهم وآخرتهم، وتفصيل ذلك كما يأتي:
- دعوة الله جل جلاله العباد للتمسك بالوحي. ومثال ذلك في الآتي:
- إن أول ما يطالعنا في كتاب الله -تبارك وتعالى- سورة الفاتحة، التي قسمها الله تعالى بينه وبين عبده، فكان القسم الأول هو الثناء على الله بما هو أهله، والقسم الثاني هو الذي قال عز وجل فيه هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل، كما ثبت ذلك عن رب العزة في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة عن النبي (ص) أنه قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قِسْمَةُ الصَّلَاةِ بَيْنِي وَ بَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَ لِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[١٧٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَ إِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[١٧٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَ إِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[١٧٤]، قَالَ: مجدني عَبْدِي، وَ قَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[١٧٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَ بَيْنَ عَبْدِي، وَ لِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾[١٧٦]، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَ لِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[١٧٧]، فهذا فيه دعوة للتمسك بالوحي، من خلال بيان أن ذلك هو نصيب العبد في أعظم سورة، والتي من أسمائها التوقيفية السبع المثاني، ومن أسمائها الاجتهادية الثناء، حيث إن فيها ثناء على الله جل جلاله بما هو أهله في أولها، بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾[١٧٨].
- وثناء على العبد المتمسك بكتاب الله في آخرها، بقوله تعالى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾[١٧٩].
- فكون العبد متمسكاً بصراط الله؛ يجعله من الذين أنعم الله عليهم، ونفى الضلال عنهم، وإخراجهم من طائفة المغضوب عليهم، فهو ثناء عليهم من الله تبارك وتعالى[١٨٠].
- يأمر الله عز وجل عبده ونبيه (ص) بذلك في قوله: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[١٨١].
- وهذا أمر للنبي (ص) ومن اتبعه كذلك، وثناء عليه وعلى من اتبعه بكونهم على صراط مستقيم، ويؤكد ذلك عليهم بتوجيه الخطاب لهم مباشرة بقوله جل جلاله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾[١٨٢].
- ثناء الله تعالى على ما أنزله إليهم. ومن أمثلة ذلك:
- السورة الثانية بعد سورة الفاتحة جاء مطلعها بالثناء على كتاب الله تبارك وتعالى، يقول الله عز وجل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[١٨٣]. حيث يثني الله جل جلاله على كتابه بأن فيه الهدى لمن أراد أن يتقي غضب الله وعقابه.
- أثنى الله عز وجل على كتابه ببيان أنه يهدي لأعدل منهج في الحياة وأقوم الطرق في التعامل مع كل شيء، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[١٨٤].
- بيان فضل الوحي عليهم. ومن أمثلة ذلك:
- يمن الله عز وجل على المؤمنين بما أنعم عليهم به من الألفة والمحبة بعد العداوة والشقاق، يقول تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾[١٨٥].
- فما هي النعمة التي أصبح بها المؤمنون عباد الله إخواناً؟ إنها نعمة إنزال القرآن، وإرسال الرسول (ص) بهديه النبوي في التعامل مع القرآن.
- يقول الله جل جلاله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[١٨٦].
- يقول أهل البلاغة: إن أقوى مصراع من مصاريع الشعر بلاغة هو قول امرئ القيس[١٨٧]: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل. وهو مصراع[١٨٨] قصيدته المعلقة، ذلك أنه مكون من ست كلمات، تضمنت ستة أمور، فقد وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب، وذكر المنزل، وجاءت هذه الآية -ومثلها كثير- لتثبت تهاوي كلام العرب أمام إعجاز القرآن البياني، فهي أيضاً من ست كلمات لكنها تضمنت أموراً عديدة تفوقت بها على المصراع المذكور، وقد وقف المفسرون والبلاغيون منها على الآتي[١٨٩]:
- المصراع جملة فعلية، والآية جملة اسمية؛ فهي أثبت وأدوم.
- المصراع جملة طلبية، والآية جملة خبرية، فالأولى يحتمل وقوعها وعدمه، أما الآية فهي صادقة متحققة الوقوع؛ حيث إنها تحتمل الصدق والكذب، والثبوت والانتفاء، وهي من كلام الله جل جلاله فهي حتماً صادقة.
- ليس في المصراع ما يؤكده من الكلام، والآية مؤكدة بتأكيدات عديدة، فهي اسمية، وهو تأكيد لها، مبدوءة بالقسم المضمر، الممهد له بالواو، مؤكدة بإن، ومؤكدة باللام المزحلقة.
- جاء بكلمة ذكر نكرة؛ ليتسع لجميع أنواع الذكر، ذكر القرب من الله، وذكر العقل بالرشاد، وذكر الشرف بين العباد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾.
- فصل بين الذكر المتعلق بالنبي (ص) وبين الذكر المتعلق بقومه، وذلك أن الذكر له (ص) ثابت بهذا القرآن، بينما الذكر لقومه معلق على مدى استجابتهم له بقوله تعالى: ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
- وفيها تعريض بالمعرضين عنه، إذ حين يثني على المستجيب؛ يفهم من ذلك أن المعرض مذموم بعدم استحقاقه لهذا الثناء.
- أشار إلى عاقبتهم على حسب استجابتهم لهذا الذكر، بقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، فهي إشارة إلى إثبات اليوم الآخر، وبيان أن السؤال كائن للجميع، يسأل الرسول عن استجابة قومه له، ويسأل المرسل إليهم عن مدى استجابتهم له، والعمل به، وهو سؤال تقرير، ويسأل المعرضون سؤال توبيخ وتهديد وتقريع.
- بيان أثره في حياتهم وآخرتهم.
وصف الله تعالى ما أوحاه إلى نبيه (ص) بالروح.
يقول المولى جل جلاله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[١٩٠].
وهو كذلك لمن اهتدى به، فقد كانوا قبل أن يوحي به الله عز وجل إليهم أموات القلوب، عمي الأبصار، صم الآذان عن الحق الذي خلقوا من أجله؛ فبعث الله به إليهم؛ فأحيا به قلوباً ميتة، وفتح به أعيناً عمياً، وأسمع به آذاناً صماً، ثم دعاهم تبارك وتعالى أن يثبتوا على الاستجابة له؛ لأنه به تكمل وتجمل حياتهم الإيمانية[١٩١].
فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾[١٩٢].
وإن في هذه الآية تحذيراً لهم من عقاب الله لهم إذا لم يستجيبوا، أن يعيد الموت إلى قلوبهم، فهم يعتقدون أنهم بما عرفوه من حقائق الإيمان فقط ودراستهم لها دراسة نظرية أنهم أحياء، ظانين أن العلم فقط، أو التحلي ببعض مظاهر الدين ينفعهم ولايضرهم معه مخالفة ما دعاهم الله جل جلاله إليه من الاستقامة على الإسلام كله.
يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾[١٩٣].
فإنها تبدأ بخطوات ثم تنتهي بالمهلكات الموبقات المبعدات عن عز وجل.[١٩٤]
موقف المعرضين من الوحي
إن الإعراض عن وحي الله تبارك وتعالى هو حال أغلب الناس، ذلك لما يغلب عليهم من الأهواء والشهوات ودواعي الإعراض عن الوحي، وقد كانت صور إعراضهم عن الوحي ومظاهره مختلفة، بحسب اختلاف الدواعي لذلك؛ فكانت عاقبة إعراضهم عليهم وخيمة، ونتائجه أليمة، وبيان ذلك فيما يأتي:
دواعي الإعراض
إن دواعي الإعراض عن الوحي متعددة ومتنوعة، فهي ما يأتي الشيطان للعبد من خلالها فيدعوه لأن يعرض عما أنزله الله إليه، وهي صفات شارك إبليس كثير من الناس فيها، فهو إمامهم وقائدهم؛ وهم إضافة إلى ذلك عمي الأبصار، لا يرون أين يصار بهم، ومن هذه حاله فهو لا يرى السلامة إلا في كمال الانقياد والتسليم لمن أمسك بزمام الغل الذي في رقبته.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾[١٩٥].
فلا يقاوم خشية الاختناق، ولا يترك؛ فينتهي به مصيره إلى الضياع، وما هي إلا أوهام وخيالات، سببها الاستكبار الذي فيه اغترارهم وحرمانهم، والإعراض الذي أنساهم أنفسهم، والريبة التي في قلوبهم؛ فكانت سبباً لشقائهم وعنادهم الذي أورثهم الخسران المبين، وحب الرياسة الذي أطغاهم[١٩٦]؛ فعادوا بعده في الذل المهين؛ فهل أمثال هؤلاء سيعبؤون بالإنذار؟ فهي الموانع والقواطع التي منعتهم الهداية؛ لأنها أغلال وضعت في أعناقهم، وبيان هذه الدواعي فيما يأتي[١٩٧]:
الحسد
فهذا شقيهم أبو جهل، وما جاء من خبره فيما رواه الإمام البيهقي: «أن أبا جهل -عليه لعنة ربه- و أبا سفيان و الأخنس بن شريق خرجوا ليلة؛ ليستمعوا من رسول الله (ص) وهو يصلي بالليل في بيته، وأخذ كل رجل منهم مجلساً؛ ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق؛ فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم؛ لأوقعتم في نفسه شيئًا.
ثم انصرفوا، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.
فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه؛ فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعتهم الطريق، فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود. فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها. فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: ماذا سمعت؟! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف؛ أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء. فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس بن شريق»[١٩٨].
فما منع أبا جهل من الاهتداء بهدى النبي (ص) وتصديقه بالقول والعمل بعد أن صدقه بالقلب إلا الحسد، فقد شهد بنبوته، لكنه رفض كل الرفض اتباعه، والداعي لذلك التنافس في العلو في الدنيا، والعصبية العمياء، ووراء ذلك كله الحسد.[١٩٩]
اتباع دين الآباء والأجداد
ومشهد آخر مع من كان مدافعاً عنه (ص)، مع عمه أبي طالب لما حضرته الوفاة، جاءه رسول الله (ص)؛ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله (ص) لأبي طالب: «يَا عَمُّ، قَلَّ: لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله (ص) يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله (ص): «أَمَا وَ اللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أَنَّهُ عَنْكَ»، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾[٢٠٠].[٢٠١]
والداعي الذي منع أبا طالب من الاستجابة لما دعاه إليه النبي (ص) رغم حبه الشديد لابن أخيه ومبادلة النبي (ص) له هذا الحب وهو يعلم اتباع دين الآباء والأجداد وتقديس عوائدهم، والهيبة من ذم الناس يعتبر من الدواعي المعيقة والمغلقة عليه طريق الهداية.[٢٠٢]
العنصرية
مثال آخر وهو ما رواه أبو نعيم عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: «كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه، قالت: فلما قدم رسول الله (ص) المدينة ونزل فناء بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين، قالت: فلم يرجعا حتى كان مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين، كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا، قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله، ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الهم، قالت: فسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي -حيي بن أخطب-: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت أبداً»[٢٠٣].
وهذا هو عين ما وصف الله تعالى به اليهود في قوله عز وجل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾[٢٠٤].
فكانت القومية والعرقية والعنصرية مانعة من الاتباع، فهم يرون أنهم أحق الناس بالنبوة، ولكنها فضل الله يؤتيه من يشاء سبحانه، وخسئوا هم وما منوا به أنفسهم.[٢٠٥]
حب الرياسة
حادثة أخرى مع رأس النفاق، من حديث أسامة: ركب رسول الله (ص) إلى سعد بن عبادة يعوده من شكوٍ[٢٠٦] أصابه على حمار عليه ألحاف[٢٠٧] فوقه قطيفة، فركبه فخطمه[٢٠٨] بحبل من ليف، وأردفنى خلفه، فمر بعبد الله بن أبي وحوله رجال من قومه، فلما رآه رسول الله (ص) تذمم أن يجاوزه حتى ينزل، فنزل فسلم ثم جلس فتلا القرآن، ودعا إلى الله وذكر به وحذر وبشر وأنذر، وعبد الله زام لا يتكلم، حتى إذا فرغ رسول الله (ص) قال: يا هذا، إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقاً، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به ولا تأته في مجلسه بما يكره. قال: وقام رسول الله (ص) فدخل على سعد بن عبادة وفى وجهه ما قال عدو الله بن أبي، فقال: والله يا رسول الله، إني لأرى في وجهك شيئًا، لكأنك سمعت شيئًا تكرهه؟ قال: (أجل). ثم أخبره بما قال ابن أبي، فقال سعد: يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكاً[٢٠٩]!!
ومنها يظهر المانع والقاطع الذي حال دون إعلان صدق النبي من عبد الله بن أبي مع استعذابه لكلامه؛ إنه الرياسة وحب المنصب، أغلال بيد إبليس يقود بها أتباعه وأولياءه، ومن زاوية ما أثرت هذه الأغلال، فهي جعلت رقابهم مقمحة؛ ليبرز ما فيهم من الكبر الناتج عن وجود هذه الأغلال في أعناقهم، ومن زاوية حالهم في الآخرة، فهي صورة لحالهم وهم يسحبون بها في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾[٢١٠].
فتقمح جراء ذلك الأغلال بأعناقهم ورؤوسهم من شدة السحب، فما أعظمه من أسلوب، وما أحكمه من منهاج في التنفير من تكذيب الرسل، لكن الحق أعقب ذكر حالهم في هذه الآيات بقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾[٢١١].[٢١٢].[٢١٣]
عاقبة الإعراض
إن الإعراض عن الاهتداء بوحي الله جل جلاله هو أمر في حد ذاته غاية في الخسران وإن لم يترتب عليه العذاب الذي توعد الله عز وجل المعرضين به، فكيف إذا ترتب عليه العذاب الأليم الشديد المهين في الآخرة؟!
ما هو حال المعرضين؟ إجابة هذا السؤال تظهر من خلال آيات ذكرها الله تعالى في كتابه، نستعرض بعضاً منها فيما يأتي:
- المعيشة الضنك في الحياة الدنيا: يقول الله جل جلاله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[٢١٤]. ما هي المعيشة الضنك؟! قال الثعلبي: «كل مال أعطيته عبداً من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة، وإن قوماً ضلالاً أعرضوا عن الحق، وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين؛ فكانت معيشتهم ضنكاً، وذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس بمخلف لهم معائشهم من سوء ظنهم بالله والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظن به اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك»[٢١٥].
- حياة اليأس: يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾[٢١٦]. والمعنى: «﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، بأن وصل إلى مطلوبه ﴿أَعْرَضَ﴾ أي: اغتر وصار غافلاً عن طاعة الله، ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: تباعد من أهل الحق ولم يقتد بهم؛ تعظماً لنفسه كديدن المستكبرين، «وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ» أي: أصابه بلاء؛ «كَانَ يَئُوساً» أي: قنوطاً من حزيناً، ولم يتفرغ لذكر الله تعالى»[٢١٧].
- التعرض لانتقام الله عز وجل بسبب ما اقترفوا من الظلم: يقول الله جل جلاله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾[٢١٨]. جاء الخبر على صورة الاستفهام؛ لتأكيد الكلام، وهكذا أخرج الحق سبحانه الخبر إلى الاستفهام وترك لنا الجواب؛ لنقول نحن: لا أحد أظلم ممن فعل ذلك، والإقرار سيد الأدلة، فالإعراض عن هدي الله تعالى،ليس هناك ما هو أشد ظلماً منه، أي: ممن ذكره الله بآياته القرآنية ومعجزات رسله ثم أدبر عنها وهجرها وجحدها، كأنه لا يعرفها، لذا فإن الله سبحانه ينتقم أشد الانتقام من هؤلاء الكفار الذين كفروا بالله واقترفوا المنكرات والموبقات. إن القرآن الكريم هدى ورحمة، لما فيه من بيان سابق قبل المفاجأة بألوان العقاب أو العذاب في الآخرة، كما أوضحت هذه الآيات[٢١٩].
- يأتي يوم القيامة أعمى يحمل ثقل ذنب الإعراض: يقول الله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾[٢٢٠]. ويقول جل جلاله أيضاً: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾[٢٢١].
وآتيناك من لدنا قرآنا فيه ذكر للرحمن، وذكرى وموعظة للإنسان، ومن أعرض عن القرآن وذكره وما فيه فإنه يحمل يوم القيامة حملا ثقيلا من الآثام والأوزار خالدين في عذابه، وبئس الحمل حملهم يوم القيامة، وهم فوق ذلك عمي الأبصار كما كانوا في الدنيا عمي البصائر[٢٢٢].
إذن هي ألوان مركبة من الشقاء في الدنيا والآخرة جراء إعراضهم عما أوحى ربهم جل جلاله به إليهم، نعوذ بالله من حالهم، ونسأله أن يحفظ علينا إقبالنا على كتابه وسنة رسوله (ص).[٢٢٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦ /٩٣.
- ↑ انظر: الصحاح، الجوهري، ٦ /٢٥١٩، لسان العرب، ابن منظور، ١٥ /٣٧٩، الكليات، الكفوي، ص٩١٨.
- ↑ انظر: الصحاح، الجوهري، ٦ /٢٥٢٠، المصباح المنير، الفيومي، ٢ /٦٥٢، لسان العرب، ابن منظور، ١٥ /٣٨٢.
- ↑ مباحث في علوم القرآن، ص٢٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ الدر المصون ٣ /١٧٣.
- ↑ مباحث في علوم القرآن، ص٢٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٧٤٦-٧٤٧.
- ↑ انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٦٢١-٦٢٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٣.
- ↑ سورة مريم، الآية ١١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦٨.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، ٨ /٤١٧، تاج العروس، الزبيدي، ٣٥ /٢٣٠، لسان العرب، ابن منظور، ١٣ /٢٢٥.
- ↑ انظر: السنة قبل التدوين، محمد عجاج ص١٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: الكليات، الكفوي، ص ٤٧٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: تفسير المراغي ٢٥ /٢٤، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧١٧.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الشورى، الآية ١٣.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٢٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإيمان والإسلام والإحسان، ١ /٢٩، رقم ١.
- ↑ انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، ٢ /٩٧٦.
- ↑ انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣ /١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٦٣.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٥٤.
- ↑ سورة الإخلاص، الآية ١-٤.
- ↑ سورة مريم، الآية ٦٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٧٧.
- ↑ انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي، ٢ /٢٧٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٨٥.
- ↑ انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، ١ /٦٥٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٤٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٤.
- ↑ انظر: تفسير المراغي، ٢٥ /٢٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦٢.
- ↑ انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦/٦.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٧.
- ↑ انظر: شرح العقيدة الواسطية، سعيد القحطاني، ص ٤٧.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٥٩.
- ↑ سورة يس، الآية ١٢.
- ↑ سورة يس، الآية ٨٢.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٠.
- ↑ سورة الحشر، الآية ٧.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٢١.
- ↑ انظر: السنة ومكانتها، السباعي، ١ /٣٧٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٠٥.
- ↑ انظر: زاد المسير ابن الجوزي، ٢ /١١٢.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب قول النبي (ص): بني الإسلام على خمسٍ، ١ /١١، رقم ٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧٥.
- ↑ انظر: زاد المسير ٢ /١١٢.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٦.
- ↑ انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣ /٢٣.
- ↑ سورة التحريم، الآية ٦.
- ↑ انظر: المصدر السابق، ٣ /٣٠.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٢.
- ↑ انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣ /٣٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
- ↑ انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣ /٤٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٩.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: منهجيات التغيير والإصلاح في سور يس، الصافات، إياد أبو سعدة، ص٢٤٦.
- ↑ سورة هود، الآية ١٢٠.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٣.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١٣.
- ↑ سورة يوسف، الآية ١١١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٦.
- ↑ سورة الروم، الآية ٤١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٧.
- ↑ سورة القمر، الآية ٩-١٤.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٤-٦.
- ↑ سورة القمر، الآية ٣٣-٣٤.
- ↑ سورة القمر، الآية ٤١-٤٢.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٤-٧.
- ↑ سورة غافر، الآية ٥١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٦٤.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٦٨-٧٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
- ↑ انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ١ /١٥٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٦٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٦٩.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمرن، ٥ /٢٣٠، رقم ٣٠١٠. وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم ٤٩٠٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة النجم، الآية ٣-٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء،الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، ١ /٦، رقم ٢.
- ↑ انظر: فتح الباري، ابن حجر، ١ /٢٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ المحرر الوجيز، ابن عطية، ٥ /٤٣.
- ↑ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء، ١٠ /٢٧. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١ /٤١٩، رقم ٢٠٨٥.
- ↑ سورة الصافات، الآية ١٠٢.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٣٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٤.
- ↑ سورة التحريم، الآية ٦.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٠.
- ↑ انظر: التفسير الوسيط، سيد طنطاوي، ١ /٩٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣١-٣٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٣.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ١٢.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير، باب المبشرات، ٩ /٣١، رقم ٦٩٩٠.
- ↑ انظر: فتح الباري، ابن حجر، ١٢ /٣٧٦.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أصحاب النبي (ص)، باب مناقب عمر ابن الخطاب، ٥ /١٢، رقم ٣٦٨٩.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧.
- ↑ انظر: تفسير القرآن، السمعاني، ٤ /١٢٢.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٩ /٥١٩.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري، ١٨ /١٦٥، إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٥ /٢٦١.
- ↑ سورة مريم، الآية ١٦-١٩.
- ↑ سورة المائدة، الآية ١١١.
- ↑ تيسير الكريم الرحمن، ص٢٤٨.
- ↑ معالم التنزيل، البغوي، ٣ /١١٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٤٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٣٢.
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب، باب تحريم الظلم، ٨ /١٦، رقم٦٦٦٤.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١٢.
- ↑ سورة الزلزلة، الآية ١-٥.
- ↑ سورة فصلت، الآية ١١.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ انظر: التفسير البياني لما في سورة النحل من دقائق المعاني، سامي القدومي، ص١٣٧.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦٨-٦٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ٦٥-٦٩.
- ↑ سورة محمد، الآية ١٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٦.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٠٤.
- ↑ سورة يوسف، الآية ١١١.
- ↑ سورة الروم، الآية ٤١.
- ↑ سورة إبراهيم، الآية ٤٧-٥٢.
- ↑ سورة الطلاق، الآية ٥.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٢٠٤.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٠.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٢٩-٣٠.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٣-٨٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٤٥.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٥٩.
- ↑ سورة الزمر، الآية ١٦.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤.
- ↑ سورة النحل، الآية ١٠٦.
- ↑ سورة النساء، الآية ٩٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٦٨-١٦٩.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٩٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧٨-٢٧٩.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٦٣.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٦٨.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٧٢-٧٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٢.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ١.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٤.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٥.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٦-٧.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، ٢ /٩، رقم ٨٠٧.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٢-٤.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ٦-٧.
- ↑ انظر: تفسير القرآن الكريم، الفاتحة والبقرة، ابن عثيمين، ١ /١٧.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٤٣.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٩.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٠٣.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٤٤.
- ↑ وشطره الثاني يقول فيه: بسقط اللوى بين الدخول فحومل.
- ↑ انظر: المصراع في الشعر هو أحد شقي البيت الذي يكون في أول القصيدة، بحيث يكون الشطر الثاني منه على قافية الشطر الأول فيه، ويكونا متماثلين، كمصراعي الباب الذي له ضلفتان متساويتان.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٥ /٢٢٠.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٥٢.
- ↑ انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٤ /٦٢٤.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٤.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٠٨.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة يس، الآية ٨.
- ↑ انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، ٧ /١٦٠، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٢ /٢٩٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ دلائل النبوة، البيهقي، جماع أبواب المبعث، باب اعتراف مشركي قريش بما في كتاب الله تعالى من الإعجاز، ٢ /٢٠٦.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١١٣.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا قال المشرك لا إله إلا الله، ٢ /٩٥، رقم ١٣٦٠.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ دلائل النبوة، أبو نعيم الأصبهاني، ص٧٧.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٢.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ مرض، انظر: العين، الفراهيدي، ٥ /٣٨٨.
- ↑ غطاء، انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٩ /٣١٤.
- ↑ جعل على أنفه خطاماً، وهو حبل يربط على مقدم وجه الدابة وفكيها، ليمنعها من العض. انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١ /٢٤٥.
- ↑ انظر: الاكتفاء، الكلاعي الحميري، ١ /٣٠٩.
- ↑ سورة غافر، الآية ٧١-٧٢.
- ↑ سورة يس، الآية ١١.
- ↑ انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢ /٨٤٣.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.
- ↑ سورة طه، الآية ١٢٤.
- ↑ الكشف والبيان، ٦ /٢٦٥.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٨٣.
- ↑ انظر: مراح لبيد، محمد بن عمر الجاوي، ١ /٦٣٥.
- ↑ سورة السجدة، الآية ٢٢.
- ↑ انظر: تفسير الشعراوي، ١٤ /٨٩٤٣، التفسير الوسيط، الزحيلي، ٣ /٢٠٤٨.
- ↑ سورة طه، الآية ١٠٠.
- ↑ سورة طه، الآية ١٢٤.
- ↑ انظر: التفسير الواضح، الحجازي، ٢ /٥٠٥.
- ↑ موسوعة التفسير الموضوعي للقرآن الكريم.