آية الحكمة في القرآن
آية الحكمة
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[١]
تمهيد
بلا شك إنّ الإسلام له دور هام وأساسي في ترويج العلم وتشويق الناس إلى سلوك طريق المعرفة أكثر من جميع الأديان الإلهية والشرائع السماوية، ولذلك فلو قيل عن الإسلام بأنه دين العلم والمعرفة فلا يعدُّ هذا الكلام جزافاً، والآية مورد البحث من جملة الآيات التي عبّرت عن «الحكمة والمعرفة» بأنها «خير كثير»، أما ما هي علاقة الآية الشريفة بفضائل أمير المؤمنين (ع)؟ فسيأتي في الأبحاث اللاحقة ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من جملة هؤلاء الأشخاص الذين رزقوا الحكمة وأدركوا حقائق الامور، آمين يا ربّ العالمين.[٢]
الشرح والتفسير
الحكمة هي الخير الكثير!
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾[٣] ذكروا للحكمة معاني كثيرة من قبيل: «أن الحكمة عبارة عن معرفة أسرار عالم الوجود» و«العلم بحقائق القرآن» و«الوصول إلى الحقّ على مستوى القول والعمل» وأخيراً «الحكمة هي معرفة الله» [٤] ويمكن جمع هذه المعاني كلّها بمعنى ومفهوم واسع.
وبما أن القرآن الكريم تحدّث في الآية السابقة (الآية 268 من سورة البقرة) أن الله تعالى وعد أن يبارك على الإنفاق وأن يغفر لمن ينفق في سبيل الله وحذّره من وسوسة الشيطان وتخويفه من الفقر، ففي هذه الآية الشريفة أشار إلى هذه الحقيقة القرآنية وهي أن «الحكمة» هي الأداة والوسيلة للتمييز بين «الإلهي» و«الشيطاني» وبذلك يستطيع الإنسان أن يتخلص من وساوس الشيطان ويبعد نفسه عن الوقوع في مصائده وفخاخه.
وأما في عبارة «من يشاء» فلا تتضمن أن الله تعالى يرزق الحكمة والمعرفة بدون مبرر وبطريقة عشوائية بل إنّ مشيئة الله وإرادته مقرونة دائماً مع الحكمة، أي أنه لا يعطي الحكمة لمن لا يستحق ولا يليق بها، بل يؤتي الحكمة ويروي عطش الإنسان لها فيما لو كان الإنسان قابلًا لها ومستعداً لتقبلها. ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[٥].
وبالرغم من أن الله تعالى هو الذي يؤتي الحكمة لعباده إلّا أن هذه الآية لم تذكر الفاعل لهذا العطاء، بل اقتصرت على القول «و من يؤتَ الحكمة» وهذا التعبير يشير إلى أن الحكمة والمعرفة بذاتها حسنة وجيّدة من أي مكان حصل عليها الإنسان فلا يختلف حالها في الحسن باختلاف مصدرها، والملفت للنظر أن الآية الشريفة تقرر هذه الحقيقة، وهي أن كلّ من رزق العلم والمعرفة والحكمة فقد رزق الخير الكثير لا «الخير المطلق» لأنّ الخير المطلق أو السعادة المطلقة لا تكمن في العلم والحكمة فقط بل إنّ العلم والحكمة هي أحد أدوات الخير والسعادة.
﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[٦] «تذّكر» يعني حفظ العلوم والمعارف في واقع النفس والروح و«الألباب» جمع «لُبّ» وبما أن لُبّ الشيء هو أهم جزء من أجزائه وأفضل أقسامه ولذلك اطلق على العقل كلمة «لُبّ» لأنه أفضل أجزاء الإنسان، فالآية الشريفة تقول: إنّ أصحاب العقل والمعرفة هم فقط الذين يدركون هذه الحقائق، ويتذكرونها وينتفعون منها، ورغم أن جميع الناس يتمتعون بالعقل «سوى المجانين» ولكنّ اولو الألباب لا يقال لجميع العقلاء بل المراد الأشخاص الذين يستخدمون عقولهم ويتحركون في سلوكهم العملي من موقع الاستفادة من نور العقل وضياء الحكمة ويتدبّرون في امورهم.[٧]
الإمام علي (ع) صاحب الحكمة
إنّ آية الحكمة هذه تدلُّ على أن «كلُّ من رُزق الحكمة فقد رُزق الخير العميم والكثير» ولكنها ساكتة عن مصداق هذا المفهوم العام ولا تقرر من هو هذا الشخص في الواقع الخارجي، ولكن الروايات العديدة المذكورة في طرق الشيعة وأهل السنّة ذكرت بأن الإمام علي بن أبي طالب (ع) هو المصداق لها وهو الذي يتمتع بالحكمة الإلهية، وهنا نستعرض بعض هذه الروايات:
- ذكر «الحاكم الحسكاني» العالم السنّي المعروف نقلًا عن «ربيع بن خيثم» أنه ذكر علي (ع) عنده فقال: لَمْ ارَهُمْ يَجِدُونَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ وَ اللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾[٨] [٩].
- ويقول ابن عبّاس: قال رسول الله (ص): «مَنْ أَرادَ أَنْ يَنْظُرَ إلى إبْراهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَ إلَى نُوحٍ فِي حِكْمَتِهِ وَ الى يُوسُفَ فِي اجْتماعِهِ فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْن ابي طالِبٍ» [١٠]. ونفس هذه الرواية وردت بشكل آخر عن «ابن الحمراء» حيث يقول: كنّا عند رسول الله (ص) فجاء علي بن أبي طالب (ع) فقال رسول الله (ص): «مَنْ سَرَّهُ انْ يَنْظُرَ إلى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَ نُوحٍ فِي فَهْمِهِ وَ إبْراهيمَ فِي خُلَّتِهِ فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْنِ أبي طالِبٍ» [١١].
- وفي رواية اخرى عن ابن عبّاس يقول: «كنت عند رسول الله (ص) فسئل عن علي، فقال: قُسِّمَتِ الْحِكْمَةُ عَشْرَةَ أَجْزَاءَ، فَأُعْطِيَ عَليٌّ تِسْعَةَ أَجْزاء وَ اعْطِيَ النّاسُ جُزْءاً وَاحِداً» [١٢].
هذه المضامين الواردة في الروايات الشريفة توضح بصورة جيّدة أن الشخص الذي رُزق الحكمة والمعرفة في الامّة الإسلامية بعد رسول الله هو علي بن أبي طالب (ع) وأنه لا يصل إليه أحد من الصحابة في العلم والمعرفة، وبما أن أهم ركن من أركان الإمامة هو العلم والحكمة والمعرفة فإنّ أجدر الناس لهذا المقام بعد رسول الله (ص) هو علي بن أبي طالب (ع).[١٣]
سعة علم الإمام علي (ع) وحكمته
إنّ دائرة علم علي بن أبي طالب (ع) وحكمته واسعة إلى درجة أن شعاع نور علمه بلغ مبلغ اعترف به حتّى مخالفيه ولم يقدروا على إنكاره بل كانوا يرجعون إليه في قضاياهم وما تشتبك عليهم من الامور، فكان مرجعاً علمياً لهم حيث كان الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه يرجعون إليه في كثير من التعقيدات العلميّة والمشاكل الفقهيّة أيّام المحنة والسكوت الطويل، والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ صدر الإسلام ونكتفي هنا بذكر نماذج منها: [١٤]
1- المرجعية العلمية للإمام علي (ع)
يقول أنس ابن مالك خادم رسول الله (ص): إنّ رسول الله قال لعلي بن أبي طالب (ع):
- «انْتَ تُبيّنُ لِأُمَّتِي ما اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدِي» [١٥].
وأحد وظائف الإمامة والولاية المهمة هي حفظ حريم القرآن وخزانة العلوم النبوية ونقلها بصورة صحيحة إلى العلماء والفقهاء وشرح ما أشكل عليهم من مفاهيم وأحكام إلهية، وتتّضح أهمية هذا الدور والوظيفة للإمامة فيما لو علمنا أن الكثير من الامم والبلدان التي حققت انتصارات على امم اخرى كبيرة ولكنها عجزت في نفس الوقت عن التصدّي للثقافة الأجنبية وبالتالي لم تستطع حفظ ثقافتها ودينها وغلبت أخيراً على أمرها كما هو الحال في هجوم المغول على البلاد الإسلامية وانتصارهم في ميادين القتال والحرب على المسلمين إلّا أنهم سرعان ما غُلبوا في مقابل القرآن والإسلام واعتنقوا بذلك الإسلام بل أصبحوا من المدافعين عنه والمروّجين له.
الإمام علي (ع) اهتم بعد رحيل رسول الله (ص) بهذا الأمر المهم جدّاً «الثقافة الإسلامية» وشرع بجمع القرآن وأقسم على أن لا يرتدي رداءه ويخرج من البيت قبل إتمام هذه المهمة إلّا أن يكون خروجه للصلاة [١٦]، ثمّ شرع بتعليم وتفسير القرآن الكريم في ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وظاهره وباطنه، إلى أولاده وتلاميذه كالإمام الحسن والحسين عليهما السلام وابن عبّاس وابن مسعود وأمثالهم كما تعلّمها من رسول الله (ص) وليكون ذلك حصناً ثقافياً للُامّة الإسلامية أمام الغزو الثقافي والعقائدي الذي قد يتعرض له علماء الإسلام في ظلّ الفتوحات الكثيرة واختلاط الحضارات والثقافات السائدة بين الأقوام البشرية حينذاك وليأمن حاجة المسلمين الفقهية والحقوقية من هذه المعارف الإلهية ويبيّن الاصول العقائدية والأحكام الفقهية وغيرها من المسائل الثقافية بأفضل وجه وأحسن صورة للمسلمين.[١٧]
2- الإمام علي (ع) باب مدينة العلم
وقد ورد في صحيح الترمذي أن النبي الأكرم (ص) قال:
- «انَا دارُ الْحِكْمَةِ وَ عَلِيٌّ بابُها» [١٨].
ومن المسلّم أن كلُّ من أراد الدخول في الدار فعليه أن يردها من بابها كما ورد في الآية الشريفة 189 من سورة البقرة «وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها» وعليه فكلُّ من أراد العلم والمعرفة والوصول إلى خزائن الحكمة لدى النبي الأكرم (ص) فعليه أن يبدأ مساره من الإمام علي (ع) فهو مفتاح هذه الخزائن ويطلب منه العلم والمعرفة.[١٩]
3- الإمام علي (ع) وتفسير القرآن
مع مراجعة سريعة إلى تفاسير القرآن الكريم يتّضح جيّداً أن الإمام علي (ع) كان على قائمة المفسّرين وأئمّة التفسير كما ذكر ذلك السيوطي حيث قال: «إنّ أكثر ما ورد في التفسير من الخلفاء هو من علي بن أبي طالب» [٢٠].
ويعدّ ابن عبّاس على رأس المفسّرين في صدر الإسلام وكان في ذلك تلميذاً للإمام علي (ع) وعند ما قيل له: ما علمك إلى علم ابن عمّك؟ قال: كالقطرة بالنسبة إلى البحر [٢١]. وهكذا نقرأ في كتب التاريخ أن تلامذة الإمام علي (ع) في مكّة والمدينة والكوفة كان لكلٍّ منهم مدرسة للتفسير.[٢٢]
4- الإمام علي (ع) واضع علم النحو
لقد أمر الإمام علي (ع) لغرض صيانة القرآن من التحريف اللغوي والأدبي أبا الأسود الدؤلي أن يكتب قواعد علم النحو كما علّمه اصوله ومبادئه، ثمّ إنّ أبا الأسود الدؤلي وبالاستفادة من علم النحو هذا عمل على إعراب القرآن الكريم خطأ استشهاد: إغلاق </ref> مفقود لوسم <ref>
5- الإمام علي (ع) وعلم الكلام
يقول ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة: إنّ علم الكلام هو أشرف العلوم وقد اقتبسه العلماء من الإمام علي (ع) [٢٣].
ويقول الإربلي في كشف الغمّة إنّ أئمّة الكلام يعني الأشاعرة، المعتزلة، الشيعة والخوارج، كلُّهم ينتسبون إلى ذلك الإمام [٢٤].[٢٥]
6- الإمام علي (ع) وعلم الفقه
مضافاً إلى فقهاء الإمامية الذين أخذوا فقههم من الإمام علي (ع) نرى أن أحمد ابن حنبل أخذ فقهه من الشافعي، والشافعي أخذ فقهه من محمّد بن الحسن ومالك، ومحمّد بن الحسن تعلم الفقه من أبي حنيفة، وتعلّم كلٌّ من مالك وأبو حنيفة الفقه على يد الإمام الصادق (ع)، وفقه الإمام الصادق (ع) ينتهي إلى جدّه علي بن أبي طالب (ع) [٢٦].[٢٧]
7- الإمام علي (ع) وعلم الباطن
يقول الدكتور أبو الوفاء الغنيمي التفتازاني استاذ جامعة القاهرة وشيخ الطريقة في مقدّمته على كتاب «وسائل الشيعة»: «إنّ المشايخ وأصحاب الطريقة كالرفاعي، البدوي، الدسوقي، الگيلاني وهم من أجلّة علماء أهل السنّة يصلون بطريقتهم إلى أئمّة أهل البيت (ع) ومنهم إلى الإمام علي (ع) ومنهم إلى النبي الأكرم (ص) لأنّ النبي (ص) قال: «انا مدينة العلم وعليّ بابها» [٢٨] وهذه الحقيقة لدى العرفاء والتي تسمّى بعلم المكاشفة وعلم الباطن لم يملكها أحد سوى الإمام علي (ع) [٢٩]، وهناك شواهد كثيرة في أكثر كتب أهل السنّة على اختصاص الإمام علي (ع) بهذا العلم، وكمثال على ذلك نرى أن عمر بن الخطّاب عند ما أراد استلام الحجر قال: اقبّلك وإنّي لأعلم أنك حجر لا تضرُّ ولا تنفع ولكن كان رسول الله بك حفياً، ولو لا أنني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
فقال له الإمام علي (ع): بلى، والله إنه ليضرّ وينفع، قال: وبمَ قلت ذلك يا أبا الحسن؟
قال: بكتاب الله تعالى. قال: أشهد أنك لذو علم بكتاب الله تعالى، فأين ذلك من الكتاب؟
قال: «قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا﴾[٣٠]... فلمّا أقروا له بالربوبية كتب أسماءهم في رقّ وأودعه هذا الحجر ثمّ قال له: اشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة... فقال عمر: لا عشتُ في امّة لست فيها يا أبا الحسن» (بتلخيص).[٣١]
8- الإمام علي (ع) وخلافة النبي (ص)
لقد اتّضحت من خلال الأبحاث السابقة للقارئ الكريم هذه الحقيقة، وهي: أن الشخص الذي يعترف الجميع (الموافقون والمخالفون والأصدقاء والأعداء) أنه أعلم الناس وأفضلهم بعد رسول الله (ص) هو اللائق لمقام الخلافة والإمامة بعد النبي الأكرم (ص) لا غير، ولهذا ورد أن النبي الأكرم (ص) ذكر في خطبته الغرّاء في غدير خمّ هذين المطلبين (المرجعيّة العلميّة والخلافة) وقال:
- «مَعاشِرَ النّاسِ! هذا اخِي وَ وَصِيّي وَ واعِي عِلْمِي وَ خَليفَتِي» [٣٢].
والتأمّل والتفكّر بهذه الخصوصيات الأربع المذكورة في هذا الحديث الشريف تبيّن حقائق كثيرة لطلّاب الحقيقة:
- «أخي»: فلو أن الإنسان أراد إظهار احترامه وتقديره لمن يكبره في السنّ فإنه يعبّر عنه بكلمة «أبي» وعند ما يريد إظهار المحبّة والعاطفة بالنسبة إلى من هو أصغر منه سنّاً فيقول عنه «ابني» وعند ما يريد إظهار العلاقة والمحبّة لمن يكون رديفه في السنّ فإنه يعبّر عنه بأنه «أخي» لأن الاخوة المعنوية تعني الارتباط الروحي القريب بين شخصين على أساس المساواة، وعليه فإنّ عبارة «أخي» في الحديث الشريف تتضمن حقيقة كبيرة، وهي أن الإمام علي (ع) في واقعه وشخصيته يساوي النبي (ص) أو أن شخصيته تقترب إلى حدٍّ كبير إلى شخصية الرسول الأكرم (ص)، وبعبارة اخرى إنّ كلمة «أخي» تتضمن المفهوم والمعنى الذي ورد في آية المباهلة ﴿أَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾[٣٣].
- «وصيّي»: طبقاً لعقيدة أهل السنّة فإنّ الأنبياء لا يورثون، وعليه فإنّ الإمام علي (ع) لا يكون وصيّاً لرسول الله (ص) في مجال الأموال والثروة، ونعلم أن النبي لم يخلف من ذريته عند وفاته سوى فاطمة الزهراء (ع) ولذلك لا معنى لأن يكون الإمام علي (ع) وصيّاً على أبنائه وذريته، وعلى هذا الأساس فإنّ الإمام علي (ع) وصي رسول الله (ص) في المسائل المتعلقة بالدين، أجل إنّ النبي الأكرم (ص) ولغرض تكميل واستمرار الدعوة السماوية والدين الإلهي جعل من الإمام علي (ع) وصيّاً له على هذا الأمر.
- «واعي علمي»: «وعى» على وزن «سعى» ويراد بها كما ذكر أهل اللغة: حفظ الشيء في القلب، أي أن يتفكر الإنسان في شيء معين ويحفظه في قلبه ويجعله نبراساً له ومصباحاً يضيء طريق حياته، وعليه فإن الإمام علي (ع) قد وعى جميع العلوم النبوية والمعارف الإلهية وجعلها تحت اختيار المسلمين ليستضيئوا بنورها ويسلكوا في خطّ الهدى والعقيدة والرسالة بضوئها. فهل يصحّ مع وجود مثل هذه الشخصية الممتازة أن نقلد امور الخلافة وزمام تدبير الامّة بيد شخص آخر؟
- «و خليفتي على من آمن بي»: وفي الحقيقة إنّ رسول الله (ص) في هذه الجملة- التي تعتبر نتيجة منطقية للجملات الثلاث المتقدمة- لم يدع ذريعة واحدة للمخالفين، وأعلن بصريح العبارة للعالم أجمع استخلافه للإمام علي (ع) من بعده، فلم يكتف (ص) بكلمة «خليفتي» لئلّا يقول أهل البدع والأهواء «إن مراد النبي هو الوصاية على الأهل والأولاد لا الخلافة على المسلمين»، فقد بيّن النبي (ص) بصريح العبارة وبأفضل بيان خلافة وإمامة الإمام علي (ع) وأولاده على جميع المسلمين إلى قيام القيامة.
النتيجة: انه بالرغم من أن الضروري هو التأكيد على مرجعيّة أهل البيت (ع) العلميّة وعلى رأسهم الإمام علي (ع)، إلّا أنّ فصل مسألة الإمامة عن الخلافة أمر خطير وخطأ كبير ويترتب عليه لوازم سلبية كثيرة لا يلتزم بها أحد.[٣٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة البقرة، الآية 269.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص355.
- ↑ سورة البقرة، الآية 269.
- ↑ وردت الاحتمالات الأربعة مع ستة احتمالات اخرى في «مجمع البيان»: ج 2، ص 382.
- ↑ سورة البقرة، الآية 269.
- ↑ سورة البقرة، الآية 269.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص355-357.
- ↑ سورة البقرة، الآية 269.
- ↑ شواهد التنزيل: ج 1، ص 107، ح 150.
- ↑ شواهد التنزيل: ج 1، ص 106، ح 147.
- ↑ شواهد التنزيل: ج 1، ص 79، ح 116.
- ↑ شواهد التنزيل: ج 1، ص 105، ح 146.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص357-358.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص357-358.
- ↑ مستدرك الصحيحين: ج 3، ص 122، وكنز العمّال: ج 6، ص 156، والمرحوم التستري في إحقاق الحقّ: ج 6، ص 52 و53، إضافة إلى المصدرين المذكورين وردت هذه الرواية في أربعة كتب اخرى أيضاً.
- ↑ الاستيعاب: ص 1109 والاحتجاج للطبرسي: ص 239.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص358-359.
- ↑ صحيح الترمذي: ج 5، ص 637 (نقلًا عن نفحات القرآن: ج 9) وهناك روايات كثيرة بهذا المضمون، ولكن بما أن الرواية أعلاه ذكرت كلمة (الحكمة) فقد أوردناها خاصة، والروايات الاخرى من قبيل «أنا مدينة العلم وعلي بابها» مستفيضة وقد أورد منها في البحار: ج 40، 12 رواية في هذا المعنى.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص359-360.
- ↑ الاتقان: نوع 80، طبقات المفسّرين.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1، ص 18 و19.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص360.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1، ص 17.
- ↑ الاتقان: نوع 80، طبقات المفسّرين.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص360.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 11، ص 18.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص361.
- ↑ تفصيل الكلام فيما يتعلق بعالم الذر في التفسير الامثل: سورة الأعراف، الآية 172.
- ↑ كيهان فرهنگي: الرقم 184، ص 16.
- ↑ سورة الأعراف، الآية 172.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص361.
- ↑ الغدير: ج 3، ص 117.
- ↑ سورة آل عمران، الآية 61.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص362-363.