إثبات وجود الله عند أهل السنة
طرق الاستدلال على وجود الله
يمكن تصنيف أنواع الأدلة على هذه المسألة - لدى المفكرين المسلمين إلى: عقلية، ونقلية، وصوفية، وفطرية.
أولاً: فأما الاتجاه العقلي فيتمثل بوضوح لدى الفلاسفة الإسلاميين والمتكلمين الذين ارتضوا العقل سبيلاً إلى معرفته تعالى، وإن أضاف بعضهم إلى ذلك الدليل النقلى أيضاً.
فأما المتكلمون فتقوم أدلتهم على فكرة الحدوث[١]، حدوث هذا العالم بكل ما فيه واحتياجه إلى محدث هو الله تعالى. وهي تظهر في صور عدة، أبرزها صورتان، عرفت إحداهما بطريقة الأكوان، والأخرى بطريقة الجوهر والعرض. وقد يلجأون أحياناً إلى فكرة الإمكان، وقد نالت الصورتان المشار إليهما من المتكلمين على اختلاف مدارسهم[٢]، اهتماماً كبيراً، ولكن بعض المتكلمين يعرض عنهما تماماً فيما يتعلق بإثبات وجود الله وينتقدهما من وجوه عدة، ويختار دليلاً آخر يقوم على فكرة التناهي، وإن كان يعتمد على ظاهرة الحدوث كنقطة بداية في استدلاله ويستعين مع ذلك بفكرة كلامية وفلسفية أخرى هي فكرة الإمكان.
وأما الفلاسفة المسلمون فمن أبرز ما نسب إليهم (دليل التناهي الذي أثبت به الكندي - أول فلاسفة المسلمين حدوث العالم أي تناهيه زماناً وحركة، كما أنه متناه بالمكان والجرم، وأكمل ذلك بأنه لا يمكن أن يكون علة نفسه فلابد له من علة خارجة عنه واجبة الوجود[٣]. وقد أرجع بعض الباحثين فكرة التناهى هذه إلى المعتزلة وإلى يحيى النحوى من قبلهم[٤].
ومن أدلتهم أيضاً دليل الوجود الذي يفخر به ابن سينا، ويرى أنه قد أثبت به (الواجب) دون نظر إلى المحسوسات بل عن طريق تأمل فكرة الوجود نفسها، وتحليلها إلى الوجود الممكن والوجود الواجب، والأول لا يوجد ولا يتحقق إلا لسبب خارج عن حقيقته؛ إذ حقيقته ما يقبل الوجود والعدم، وإذن فلا بد أن يستند إلى موجود واجب الوجود، وذلك بعد بطلان الدور والتسلسل[٥]. وقد قال به الفارابي قبله[٦]. بل إن بعض الباحثين يرجع به إلى أفلوطين وإلى بارمنيدس أيضاً[٧].
ومنها أيضاً دليل الحركة الذي أخذه ابن رشد عن أرسطو وعرضه في صورة لدى أرسطو[٨]. ولعل خير ما قدمته المدرسة الفلسفية من أدلة العناية والاختراع، اللذان استنبطهما ابن رشد من آيات القرآن الكريم وعنى بعرضهما في صورة واضحة قريبة إلى العقول والقلوب؛ إذ يقول: " فأما الطريقة الأولى فتنبني على أصلين:
- أن جميع الموجودات التي ههنا موافقة لوجود الإنسان.
- أن هذه الموافقة هي ضرورة، من قبل فاعل قاصد لذلك مريد؛ إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق. فأما كونها موافقة لوجود الإنسان فيحصل اليقين بذلك باعتبار موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان... وكذلك أيضاً تظهر العناية في أعضاء الإنسان وأعضاء الحيوان وكونها موافقة لحياته ووجوده.
وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله ووجود النبات ووجود السموات. وهذه الطريقة تنبني على أصلين موجودين بالقوة في جميع فطر الناس:
أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة، وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾[٩]؛ فإنا نرى أجساماً جمادية ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعاً أن ههنا موجداً للحياة ومنعماً بها، وهو الله تبارك وتعالى. وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر أنها مأمورة بالعناية بما ههنا، ومسخرة لنا، والمسخر المأمور مخترع من قبل غيره ضرورة، وأما الأصل الثاني فهو أن كل مخترع فله مخترع. فيصبح من هذين الأصلين أن للوجود فاعلاً مخترعاً له[١٠].
ثانياً: وأما الاتجاه النقلي فيشمل موقف (الحشوية) الذين يكتفون بمجرد إخبار القرآن الكريم والنبي بوجوده تعالى، ويؤمنون بذلك دون طلب لدليل أو برهان، كما يشمل موقف الذين ينظرون إلى آيات القرآن، لا من جهة إخبارها بالعقائد أو تقريرها لها فقط، وإنما من جهة ما تقيمه من أدلة عقلية لإثبات تلك العقائد أيضاً، وأضيف أن الأخذ بهذه الأدلة القرآنية - على درجات متفاوتة ينظم سائر المدارس الإسلامية، فكما نجد دليلي الاختراع والعناية عند ابن رشد نجدهما كذلك عند الكندي من قبل[١١]، وربما عند ابن سينا أيضاً[١٢].
وكما نجد عند المتكلمين طريقة حدوث الأعراض أو الصفات نجدها أيضاً عند ابن تيمية الذي يثني عليها ويعتبرها جزءاً من طريقة القرآن الكريم[١٣]. وهي إحدى طرق ست عند المتكلمين هي: حدوث الذوات وإمكانها ومجموعهما، وحدوث الصفات وإمكانها ومجموعهما. وقد كان الظن أن حصرها على هذا النحو من صنيع الرازي[١٤]، ولكن ابن الوزير في كتابه "ترجيح أساليب القرآن ينسبها إلى أبى الحسين البصري وأصحابه من المعتزلة[١٥]. وقد استدل بهذه الطريقة طريقة تجدد الصفات وحدوثها أبو الحسن الأشعري في اللمع، وإن كان قد حصرها في أحوال خلق الإنسان وأطوار نشأته[١٦]. ودافع عنها الجويني في الشامل[١٧]. كما استدل الغزالي بطريقة الإحكام والإتقان في الكون[١٨]، كما نجدها أيضاً عند ابن تومرت مع دليل الاختراع والسببية[١٩]، وقد اعتمد أبو المعين النسفي الماتريدي في إثبات وجود الله تعالى على هاتين الطريقتين الإتقان والاختراع واستنبطهما من الآية الكريمة: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾[٢٠].[٢١]. وهو في هذا يتابع شيخه أبا منصور الماتريدي الذي مال بعد أن جرب أدلة الكلام التقليدية إلى طريقتي العناية والاختراع[٢٢]. كما ذكر ابن الوزير أن طريقة الإحكام والإتقان هي عمدة أئمة آل البيت منذ علي في الاستدلال على وجوده تعالى، ويذكر من نصوص علماء الزيدية ما يؤيد هذا[٢٣]. كما يذكر أن القاضي عبد الجبار المعتزلي نوه بها في كتابه (المحيط) عند حديثه عن إعجاز القرآن الكريم[٢٤].
وهكذا نجد أن المتكلمين من أشاعرة ومعتزلة وماتريدية، يشاركون غيرهم من العلماء المسلمين في الاعتماد على هذه الأدلة القرآنية، وإن كانوا - والحق يقال - لم يتوفروا على دراستها وتفصيلها إلى دليلي الجوهر والعرض، والممكن الواجب وهما دون مستوى هذه الأدلة القرآنية.
والآمدي الأشعري يعرض عن هذين الدليلين، ويختار دليلاً مركباً من فكرتي الحدوث والإمكان وفكرة التناهي، ولا يحاول اللجوء نهائيا إلى أدلة القرآن الكريم، لما غلب عليه من فكرة (الدور) الاعتزالية، وإن كان ينوه بما يسود العالم من إحكام وإتقان يدل على وجود فاعله بالضرورة[٢٥]. بل يشارك الإمام الرازي في تفضيله لأدلة القرآن على سائر الأدلة الكلامية التقليدية؛ إذ يقول في المآخذ: "وهذه الدلائل أوقع في القلوب وأدفع للشبهات، ولمشاهدة الإنسان في كل حال شيئًا منها، وكثرة الممارسة تفيد الملكة ورسوخ الاعتقاد المانع من الإنكار. ولما فيها، مع الدلالة، من المنفعة الحاملة للإنسان على الانقياد، وأكثر هذا النوع في الكتب الإلهية خصوصاً القرآن المجيد [٢٦].
ثالثاً: وأما الاتجاه الصوفي فإن أصحابه قد يستندون أحياناً إلى الشواهد العقلية، وربما استعاروا في ذلك بعض الأفكار الكلامية أو الفلسفية[٢٧]، إلا أن عمدتهم في هذه المسألة هو القلب المؤمن لا العقل المفكر، هو الكشف الذي يخترق حجب الغيب لا البرهنة العقلية القاصرة، يقول الكلاباذي: "وأجمعوا على أن الدليل على الله هو الله وحده وسبيل العقل عندهم سبيل العاقل في حاجته إلى الدليل؛ لأنه محدث[٢٨]، وقد أكد ابن عربي في هذا الصدد عجز العقل ومناهجه عن الوصول إلى أية معرفة حقيقية؛ لأنه لا يزيد على أن يقلد نفسه، ومن ثم أعلن عدم ثقته بأدلة المتكلمين ومناهجهم[٢٩]. ولا تزال المدرسة الصوفية المعاصرة تتبنى هذا الرأى وتدافع عنه[٣٠].
رابعاً: وأما الاتجاه الفطري فيراد به أن الإحساس بوجود الخالق أمر مغروز في فطرة البشر وأعماق ضمائرهم يشعر به كل عاقل ولو لم يستخدم طرق البرهنة المختلفة، وإن كان يحتاج إلى أن يلتفت إلى نفسه ويجردها من الغفلة ليحس به قوياً واضحاً، ويعتمد أنصار هذه الفكرة على قول الله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾[٣١]، وعلى جملة من الأحاديث النبوية في معناها، وينتصر لهذه الفكرة طوائف من المحدثين والمفسرين[٣٢]، وبعض المتكلمين أيضاً كالماتريدي أبي منصور[٣٣]، والنسفى أبي المعين[٣٤]، والشهرستاني الذي يفضل شاهد الفطرة الذي يتمثل في إحساس كل عبد بالافتقار إلى خالقه على سائر أدلة المتكلمين[٣٥]، والإمام الغزالي في بعض كتبه[٣٦]. والكرامية[٣٧]. وابن تيمية[٣٨]، وكثير من الصوفية. بينما يعارضه آخرون منهم: البلاقلاني والبغدادي وغيرهما من أهل النظر الذين يرون أن معرفة الله لا تقع اضطراراً ولا تتم إلا عن طريق النظر العقلي[٣٩].
ونعود الآن إلى الاتجاه العقلي لنقدم نموذجاً لاستدلال المتكلمين على وجود الله تعالى؛ وهو دليل يجمع بين فكرتي الإمكان والحدوث معاً، ويقدمه أحد متأخرى المتكلمين من رجال المدرسة الأشعرية هو سيف الدين الآمدى.
يعتمد الآمدي على دليل عقلى يقوم على الأفكار التالية: الحدوث والإمكان، والتناهي.
ويعرض الرجل تماماً عن الأدلة الكلامية التقليدية: الجوهر والعرض، والممكن، والواجب، ويقدم دليله المشار إليه في كل من كتابيه الأبكار[٤٠]، وغاية المرام[٤١].
وقد عَدَّ الآمدي في (المآخذ)[٤٢] الأدلة الأربعة التي اعتمد عليها الفلاسفة والمتكلمون في إثبات العلم بالصانع: وأولهما دليل الوجود الذي استند إليه ابن سينا، وثانيها دليل الممكن والواجب المنسوب إلى الجويني، وثالثها دليل الجواهر والأعراض المشهور لدى سائر المتكلمين، ثم دليل الإحكام أو العناية المعروف لدى ابن رشد.
وبعد أن أفاض في شرحها متابعاً الإمام الرازي في مطالبه العالية عقب بما يفيد أن أقوى هذه الأدلة في نظره من الوجهة العقلية، هو الأول[٤٣]. أما الدليل الثاني فيصفه بالضعف لقيامه على فكرة تماثل الأجسام وهي في نظره مشكوك فيها. وأما الثالث فإنه يثير مشكلات عدة يصعب حلها، فضلا عن أنه كسابقه لا يغنى عن الدليل الأول[٤٤].
ثم يقرر أن أفضل هذه الأدلة جميعاً إنما هو الرابع وذلك لسبب نفسى المح إليه وهو تأثر الإنسان بما يتكرر تحت نظره وتتعلق به فائدته، ولسبب شرعي وهو أن هذا الدليل قد تكرر في القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعاً[٤٥].
وليت الآمدي قنع بهذا الدليل الأخير ولكنه فيما يبدو كان عندئذ يدور في فلك الإمام الرازي الذي اتجه في أخريات أيامه إلى الاعتماد على القرآن الكريم في العقائد وأدلتها، والمطالب العالية هو آخر مؤلفاته جميعاً[٤٦]. أما الآمدي في كتبه الخاصة كالأبكار وغاية المرام فإنه لا يعتمد إلا على الدليل الذي يمر بالخطوات الثلاث الآتية:
- البدء بملاحظة الحوادث المشاهدة الموجودة فعلاً بعد العدم، وتلك بداهة حسية لا تحتاج إلى دليل.
- استخلاص فكرة (الإمكان) من تجدد هذه الحوادث بعد أن كانت معدومة، وهي خطوة عقلية تحتاج إلى بيان.
- إبطال فكرتي الدور والتسلسل حتى تنتهى هذه الحوادث الممكنة إلى موجود أول هو واجب بذاته لا بغيره.
أولاً: يبدأ الأمدى استدلاله بداية موفقة، أي بملاحظة ما نشاهده في الواقع من الأمور التي توجد بعد أن لم تكن موجودة، يقول في الأبكار ومنشأ الاحتجاج على ذلك ما نشاهده من الموجودات العينية، ونحققه من الأمور الحسية[٤٧]، وهو نفس كلامه في غاية المرام[٤٨]. وهكذا يبنى الآمدى استدلاله على قاعدة راسخة من المشاهدات الواقعية والبداهات الحسية، وإلا فهل ينكر أحد منا أنه وجد - أو بعبارة أخرى وُلد - بعد أن لم يكن شيئًا مذكوراً؟ وهو بذلك يجنب نفسه منذ البداية خطر الاعتماد على مقدمات يصعب إثباتها كحدود العالم كله، أو إمكانه كله، أو تركبه من الجواهر والأعراض التي يبدأ أكثر المتكلمين والفلاسفة أدلتهم بها، ومما يؤكد ذلك أنه يلجأ إليها في كتابه "أبكار الأفكار" مع أنه كان لا يزال مقتنعاً بإمكان الاستدلال على حدوث العالم بفكرة الجواهر والأعراض، ولاشك أن حدوث العالم بكل ما فيه دعوى عريضة يصعب إثباتها ويسهل الشك فيها، فضلاً عن أن إثبات وجود الله ممكن ولو صرفنا النظر عنها تماماً، كما فعل الآمدى وكما نجده عند ابن رشد من قبل[٤٩].
أما فكرة ابن سينا الخاصة بتأمل معنى الوجود نفسه وتحليله إلى الوجود الممكن والوجود الواجب، والأول منهما لا يتحقق إلا بالاستناد إلى الثاني، تلك التي يراها أشرف من البدء بالمحسوسات أو المخلوقات وأجدر بالصديقين من العلماء[٥٠]، فإنها في نظر بعض العلماء ليست إلا بداية بالمخلوقات والأفعال كالطريقة الأخرى وإلا فكيف استطاع ابن سينا تصور الوجود الممكن[٥١]؟.
والآمدى رغم عنايته بفلسفة ابن سينا، وشرحه لكتاب الإشارات يعرض عن هذه البداية أيضاً، ولعله قد اطلع على نقد الرازي والغزالي لها[٥٢]، ذلك النقد الذي نجد قريباً منه عند ابن رشد[٥٣] وابن تيمية[٥٤] وغيرهما[٥٥].
ولعلنا نجد في هذا دليلاً على روح الواقعية الحسية، كما يدلنا على تأثره بطريقة القرآن الكريم التي تبدأ عادة مثل هذه البداية[٥٦]، خاصة والآمدي نفسه يصورها على النحو التالي:
إنا نشاهد أفعالاً وصفات لا لبس عليها كطلوع الكواكب وغروبها وحصول الليل والنهار والفصول الأربعة والأصوات والظلال وما فيها من المصالح العظيمة... ثم الإنسان وما في تركيب جسمه وتعقلاته من قوة نفسه. وكل ذلك دليل وجود الإله القادر[٥٧]
وبعد أن يمتدح هذه الدلائل ويشير إلى ورودها في القرآن أكثر من ثمانين مرة، يقول: "إن حدوث التأليفات العجيبة في بدن الإنسان المعلومة بالتشريح من غير فاعل حكيم قادر عليم مستحيل بالضرورة[٥٨]. مما يذكرنا بقول الغزالي (في المنقذ): "ولا يطالع التشريح وعجائب منافع الأعضاء مطالع، إلا ويحصل له هذا العلم الضروري بكمال تدبير الباني لبنية الحيوان ولا سيما بنية الإنسان.[٥٩]
ومن الواضح أن بداية النظر ومنشأ التفكر الذي يوصى به القرآن هو دائماً بداهات حسية ووقائع مشاهدة.
ثانياً: ينتقل الآمدي إلى ملاحظة عقلية هذه المرة، فينجلي على هذه (الحوادث) صفة الإمكان، وذلك بأن يستخلص من (واقعة) حدوثها (فكرة) إمكانها؟ إذ أن المستحيل لا يدخل في الوجود قط، والواجب الذى يستمد وجوده من ذاته لا ينعدم أبداً، فلم يبق إلا أن تكون هذه الحوادث ممكنة، أي قابلة - كما هو مشاهد - للعدم أحياناً وللوجود أحياناً أخرى، وهذا هو الإمكان الحقيقي كما يرى ابن رشد[٦٠].
وإذن فالعقل يقضي بأن هذه الحادثات الممكنة تستند إلى سبب آخر تستمد منه وجودها ؛ إذ الممكن لا يترجح جانب وجوده من عدمه إلا بمرجح، فإن وجودها إما أن يكون لذاتها أو لغيرها: لا جائز أن يكون لذاتها، وإلا لما كانت معدومة، وإن كان لغيرها فالكلام في ذلك الغير كالكلام فيها....[٦١]،
ثالثاً: أما الخطوة الأخيرة في استدلال الأمدي فهي إبطال الدور والتسلسل؛ إذ قد يقول البعض بأن هذه الممكنات الحادثة لها سبب مماثل لها والسبب سبب إلى مالا نهاية له في الماضي.
ونلاحظ أن الآمدي لا يهتم كثيراً بإبطال الدور لظهوره وعدم اختلاف العلماء في بطلانه؛ إذ أنه يفضي إلى كون الشيء الممكن مستنداً لنفسه وهو باطل[٦٢].
أما التسلسل فهو يرى بطلانه أيضاً، ويقول بتناهي الموجودات الممكنة في جانب الماضي، ويقدم على ذلك دليلين:
- عرض أولهما (في غاية المرام) وهو يقوم على أن تسلسل العلل والمعلومات إلى غير نهاية يفضي إلى عدم وجود شيء أصلاً، مع أن الوجود بداهة حسية.
- والثاني في (الأبكار) وبناه على أن التسلسل يفضي إلى كون الحادث أزليّاً والأزلي حادثاً، وهو تناقض صريح، أي أنا لو افترضنا سلسلة من العلل والمعلومات المتعاقبة مع كون كل منها حادثا فإما نتصور أنه قد وجد شيء منها في الأزل أو لا: والأول محال لأن الشيء الأزلى هو غير المسبوق بالعدم والحادث هو المسبوق به فاجتماع هذين الوصفين في شيء واحد تناقض صريح.
أما الاحتمال الثاني وهو عدم حصول شيء من تلك الحادثات المتعاقبة في الأزل فمعناه أن جملتها أيضاً مسبوقة بالعدم كأفرادها، وأن لها مبدأ وبداية وهو المطلوب[٦٣]، على أنه لابأس بالآمدي لو استعان بأفكار سابقيه وقد أشرت إلى أنه في الخطوتين الأخيرتين يستعين بأفكار كلامية وفلسفية[٦٤]، ولكن استدلاله هذا قد حظى بالقبول حتى عند بعض العلماء المحافظين المتأثرين بابن تيمية، يقول ابن أبي العز الحنفي في مواجهة خصم معطل: فإن قال: أنا لا أثبت شيئاً بل أنكر وجود "واجب". قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه وإما ممكن، إما قديم أزلي وإما حادث كائن بعد أن لم يكن إما مخلوق مفتقر إلى خالق، وإما غير مخلوق.. وقد علم بالحس والضرورة وجود موجود حادث بعد أن لم يكن والحادث لا يكون واجباً بنفسه ولا قديماً ولا أزلياً ولا خالقاً لما سواه؛ فثبت بالضرورة وجود موجودين أحدهما غنى والآخر فقير أحدهما خالق والآخر مخلوق..[٦٥].
وفي هذا نجد ملامح استدلال الآمدي كلها، وإن كانت الخطوة الأخيرة هنا مجملة، غير أن ابن العز يوافق على بطلان تسلسل العلل والمعلومات في نفس كتابه هذا، وهي الخطوة الأخيرة عند الآمدي[٦٦]، ويصرح بذلك في موضع آخر: قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾[٦٧]، والعلم بثبوت هذين الوصفين مستقر في الفطرة، فإن الموجودات لابد أن تنتهي إلى واجب الوجود لذاته قطعاً للتسلسل، فأنت تشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك، وهذه الحوادث وغيرها ليست ممتنعة، فإن الممتنع لا يوجد، ولا واجبة بنفسها ؛ فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم وهذه كانت معدومة ثم وجدت.. وما كان قابل الوجود والعدم لم يكن بنفسه موجوداً: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾[٦٨]، وإذا تأمل الفاضل غاية ما يذكر المتكلمون والفلاسفة من الطرق العقلية وجد الصواب منها ما يعود إلى بعض ما ذكر في القرآن[٦٩].
هذه هي طريقة الآمدي في إثبات وجود الله، يحاول هذا العالم أن يربطها بالقرآن الكريم، وهو يعترف بأنها توجد لدى المتكلمين والفلاسفة كما يظهر من كلامه، بل يدافع عن طريقة هؤلاء في الاستدلال قائلاً: فالمقدمات وإن كانت خفية فقد يسلمها بعض الناس وينازع فيما هو أجلى منها.. ولا شك أن العلم بالصانع ضرورى فطرى وإن كان يحصل لبعض الناس من الشبه ما يخرجه إلى الطرق النظرية[٧٠].
على أن ابن تيمية يرى صحة الاستدلال على وجود الله المبنى على فكرتي الإمكان وبطلان التسلسل ويقرر أنها صحيحة ومقتضية لوجود واجب، غير أنهم لإثبات تعينه يحتاجون إلى دليل آخر[٧١].
والأمدي لا يبغي من دليله أكثر من إثبات موجود واجب الوجود، أما كمالاته وصفاته المختلفة فتثبت بأدلة أخرى[٧٢].[٧٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص ١٠٧ وما بعدها وشرح الطوسي على الإشارات ٤٨٢/٣
- ↑ انظر: المراجع السابقة ومقدمة مناهج الأدلة ص ١٢ وما بعدها.
- ↑ انظر: كتاب الكندى إلى المعتصم بالله ص ٩٢ وما بعدها، والكندى وفلسفته ص ٨٤.٧٠ ومناهج الأدلة ص ٢١.
- ↑ انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ص ٣٦٧ ومعالم أصول الدين للرازي ص ٢٦.
- ↑ انظر: الإشارات والتنبيهات المجلد الثالث ٤٣٥ - ٤٨٣
- ↑ انظر عيون المسائل للفارابي.
- ↑ وهو المرحوم الزركان في بحثه عن فخر الدين الرازي وآراؤه ص ١٧٦ وانظر أيضا: ديكارت د. عثمان أمين ١٦٦. ١٩١
- ↑ انظر: ابن رشد وفلسفته الدينية ص ١٠٠ - ١٠١.
- ↑ سورة الحج، الآية ٧٣.
- ↑ انظر: مناهج الأدلة ١٥٠ ١٥٤ ومقدمته ٢٥. ٢٨، والآية ٧٣ من سورة الحج.
- ↑ انظر: الكندى وفلسفته ٧٨ ٨١
- ↑ انظر حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص ٥٠.
- ↑ انظر: الموافقة ٢/ ٢٦٠-٢٥٤.
- ↑ انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ١٨٥، ١٨٦
- ↑ انظر: ترجيح أساليب القرآن ص ٧٩، ٨٠
- ↑ اللمح: ١٧ - ١٩.
- ↑ انظر: الشامل ١/ ١٦٦ وما بعدها.
- ↑ انظر: رسالته الحكمة في مخلوقات الله. ص ١٥ وما بعدها والإحياء ٧٢/١
- ↑ انظر: تاریخ فلسفة الإسلام د / هويدي ١/ ٢٦٥ - ٢٦٧
- ↑ سورة الرعد، الآية ٤.
- ↑ انظر: بحر الكلام ص ١٤، ١٥.
- ↑ انظر: مقدمة مناهج الأدلة ص ٢١ - ٢٣.
- ↑ ترجيح أساليب القرآن ص ٢٢٠١٩، ٨٥ وما بعدها.
- ↑ ترجيح أساليب ص ٢١.
- ↑ الأبكار: ٢٦٢/٢ ب.
- ↑ المآخذ: ل ١٦ ب.
- ↑ انظر: الرسالة القشيرية ص ٣، ٤ والدرة الفاخرة للجامي ٢٧٦، ٢٧٧ وفصوص الحكم ٨١/١.
- ↑ التعرف للكلاباذي ص ٩٣ وما بعدها.
- ↑ عن بحث: (موقف ابن عربي من العقل والمعرفة الصوفية (ألقاه أستاذنا الدكتور قاسم بجامعة أم درمان الإسلامية سنة ١٩٦٩. ص ٦. ١١. ١٣ - ١٥
- ↑ انظر: المنقذ من الضلال تحقيق د/ عبد الحليم محمود ص ٢٤٠٨ وكتابه (أبو الحسن الشاذلي) ص ٩٣ - ١٠٢ وكتابه (الإسلام والعقل).
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٢.
- ↑ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ١٨٠ - ١٨٧ وتفسير النفسي ٢ ٨٥ وابن كثير ٢/ ١٥٠
- ↑ انظر: شرح الطحاوية ص ١٨٦.
- ↑ انظر: بحر الكلام ١٢.١٠.
- ↑ انظر: نيابة الإقدام ١٨٠ - ١٨٧
- ↑ انظر: الإحياء ط / الحلبي ٢١٢/٤.
- ↑ انظر: نشأة الفكر ١/ ٦٣٣، ٠٦٤٤
- ↑ انظر: موافقة صحيح المنقول ١/ ٥١
- ↑ انظر: أصول الدين للبغدادي ص ١١ والتمهيد لليافلاني ص ١٨.
- ↑ انظر: الأبكار ل ١/ ٤١ وما بعدهما.
- ↑ انظر غاية المرام ١٣ - ص. وما بعدهما.
- ↑ انظر: المآخذ ٤ وما بعدهما.
- ↑ انظر: المآخذ ل ١٢ ب ١٢٠٦
- ↑ انظر: المآخذ ل ١٢ أ، ب والموافقة لابن تيمية ٢ / ٢٥٦ - ٢٦٠ وما سيأتي في مبحث حدوث العالم.
- ↑ انظر: المآخذ ل ١٢، ١١٣ ١١٥
- ↑ انظر: فخر الدين الرازي وآراؤه ص ٦٣١.
- ↑ الأبكار ١/ ١٤١، ب.
- ↑ انظر: غاية المرام ل ١٣. ب.
- ↑ انظر: مناهج الأدلة ص ٢٥ - ٢٨.
- ↑ انظر: الإرشادات والتنبيهات مجلد ٤٨٣/٣.
- ↑ انظر: ملخص المطالب العالية للخونجي ل ١٣. الرازي وآراؤه ص ١٨٨
- ↑ انظر: الرازی وآراؤه ص ١٨٨، وموافقة صحيح المنقول لابن تيمية. النسخة المصورة. ل ١٢٣٧.
- ↑ انظر: مناهج الأدلة ٢١٠
- ↑ انظر: ابن تيمية السلفى ص ٧٤. ٧٨ وتجريد النصيحة للسيوطي ص ٢٢٠
- ↑ انظر: الجانب الإلهى من التفكير الإسلامي (٢٢١٢ - ٢٢٥، وديكارت لعثمان آمین ١٨١ - ١٩١
- ↑ انظر: مناهج الأدلة ص ١٥٠ والجانب الإلهى ٢١٣/٢
- ↑ المآخذ ل ١١٥.
- ↑ المآخذ ١٦ ب
- ↑ انظر: المنقذ من الضلال ١٤٥
- ↑ انظر: مناهج الأدلة ص ٢١٠
- ↑ غاية المرام ل ١٣. ص ٥ قسم ثان وانظر: الأبكار ٤١/١.
- ↑ الأبكار ١/١ ا ب وانظر: الماخذل ١٩.
- ↑ الابكار ٤٤/١ اوقد نقله ابن تيمية في الموافقة ٢/ ٢٤٥-٢٤٦
- ↑ انظر: حوار بين الفلاسفة والمتكلمين ص ٢٢ -٢٥.
- ↑ شرح الطحاوية ٤٢.
- ↑ شرح الطحاوية: ص ٦٧ وما بعدها.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٣.
- ↑ سورة الطور، الآية ٣٥.
- ↑ شرح الطحاوية: ص ٥١.
- ↑ شرح الطحاوية: ص ٥٢.
- ↑ انظر: ابن تيمية السفلى ص ٧٦.
- ↑ غاية المرام ل ١٩.
- ↑ حسن الشافعي، مقالة « الاستدلال على وجود الله»، موسوعة العقيدة الإسلامية، ص ١١٩٧-١٢٠٦.