آل البيت عند السلفية والوهابية

من إمامةبيديا

التعريف

التعريف لغةً

الآل: مُشتَق من: آلَ يؤول؛ إذا رجعَ، يُقال: آلَ الرجلُ رعيَّتَه؛ إذا أحسنَ سياستَها. فآل الرجل وآل كلِّ شيء: شخصُه ـ لأنهم يُعبِّرون عنه بآله ـ؛ وهم: أهله وعشيرته وأتباعه وأولياؤه. وتأويل الكلام: عاقبتُه وما يؤول إليه[١].

البَيت: هو المأوى والمآب ومجمع الشَّمْل، وجمعه: بيوت وأبيات وأباييت؛ كأقوال وأقاويل. وهو أيضاً: عيال الرَّجل والذين يبيت عندَهم. وبات يفعل كذا؛ إذا فعلَه ليلاً، كما يُقال: ظل يفعل كذا؛ إذا فعله نهاراً[٢].[٣]

التعريف شرعاً

آل بيت النبي (ص): هم من حرمت عليهم الصدقة، وهم: أزواجه وذريَّته، وقرابته من بني هاشم وبني المطلب، وموالي الرجال منهم[٤].[٥]

سبب التسمية

سمي آل بيت الرجل بهذا الاسم؛ لأنهم يرجعون ويضافون إليه، ويؤولهم ـ أي: يسوسهم ـ فيكون مآلهم إليه[٦].[٧]

الأسماء الأخرى

  1. أهل البيت.
  2. آل محمد (ص)[٨].

الحكم

يجب على المسلم أن يعتقد: أن أهل بيت النبي (ص) هم أشرف الناس على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، فيجب على كل مسلم حفظ حقهم ووصية رسول الله (ص) فيهم يوم غدير خم، ومعرفة قدرهم ومنزلتهم، وتوليهم، وحبهم، وتوقيرهم، والثناء عليهم، وإكرامهم، والإحسان إليهم، والصلاة والتسليم عليهم، وإنزالهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعسف، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسُّنَّة النبوية الصحيحة كما كان عليه سلفهم م، والحذر من إيذائهم أو الإساءة إليهم أو تنقصهم بقول أو عمل؛ فإن توقيرهم وبرهم من توقير رسول الله (ص) وبره، وأهل السُّنَّة والجماعة هم أسعد الناس حظّاً في الأخذ بوصيته (ص) ورعاية حقهم.

ويعتقد المسلم: أن أقرب أهل بيته (ص) إليه نسباً وأفضلهم من أقاربه وذريته: هم الذين أدار عليهم الكساء وخصهم بالدعاء.

ويجب على المسلم أن يتولى أزواج رسول الله (ص) أمهات المؤمنين ن. ويعتقد أيضاً: أن من لم يكرمه الله ويهديه للإيمان والإسلام من أهل البيت؛ فلا يفيده شرف النسب شيئاً، ولا تجوز موالاته ومحبته؛ فإن الله تعالى رتَّب الجزاء والثواب على الأعمال لا على الأنساب[٩].[١٠]

الأدلة

من الأدلة على فَضل آل البيت وعلو مكانتهم: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[١١].

وأمر الله تعالى الأمة بالصلاة على نبيِّه محمد (ص) وعلى آله بالتـبع؛ فقال جلّ جلاله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[١٢].

ولما سئل (ص): كيف الصلاة عليكم أهل البيت، فإن الله قد علمنا كيف نسلم؟ قال: «قُولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما صَلَّيْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ علَى مُحَمَّدٍ وعلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كما بَارَكْتَ علَى إبْرَاهِيمَ وعلَى آلِ إبْرَاهِيمَ؛ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[١٣]، وصلاة الله على نبيّه (ص) معناها: ثناؤه عليه في الملإ الأعلى، وإظهار شرفه وفضله، والعناية به، وإظهار دينه، فأي شرف لأهل البيت أعظم من هذا الشرف؟

وثبت في «صحيح مسلم»، من حديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واصْطَفَى قُرَيْشاً مِن كِنانَةَ، واصْطَفَى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مِن بَنِي هاشِمٍ»[١٤].

وفي «صحيح مسلم» أيضاً، من حديث زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (ص) يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً ـ بين مكة والمدينة ـ؛ فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: «أَمَّا بَعْدُ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، فإنَّما أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُما كِتَابُ اللهِ، فيه الهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا به، فَحَثَّ علَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: وَأَهْلُ بَيْتي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتي»[١٥].

وثبت في «الصحيحين»؛ أن أبا بكر قال لعلي : «والذي نفسي بيده؛ لقرابة رسول الله (ص) أحبّ إليَّ أن أصل من قرابتي»[١٦].

والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة معلومة[١٧].

أقوال أهل العلم

قال أبو جعفر الطحاوي : «ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله (ص)، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق»[١٨].

وقال ابن تيمية ـ في بيان عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة ـ: «ويحبون أهل بيت رسول الله (ص) ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله (ص) ؛ حيث قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي»، وقال أيضاً للعباس عمه ـ وقد اشتكى إليه أن بعض قريش يجفو بني هاشم ـ فقال: «والذي نفسي بيده؛ لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي»... ويتولون أزواج رسول الله (ص) ـ أمهات المؤمنين ـ، ويؤمنون بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصاً: خديجة ا، أم أكثر أولاده، أول من آمن به وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العالية، والصديقة بنت الصديق ا...، ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وأن يتبرأ أيضاً من طريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة...»[١٩].

وقال ابن كثير : «ولا تنكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامهم؛ فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسُّنَّة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم؛ كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته م أجمعين»[٢٠].[٢١]

المسائل المتعلقة

المسألة الأولى

حقوق آل البيت:

  1. دخولهم في الصلاة والسلام على النبي (ص). حكم الصلاة والسلام عليهم؛ فنقول: الصلاة عليهم مشروعة مع الصلاة على النبي (ص) بالإجماع، وجائزة مفردة. والسلام له نفس حكم الصلاة؛ بل هو أوسع وأعم في المشروعية والجواز.
  2. اعتقاد فضلهم: أهل السُّنَّة والجماعة يعتقدون وجوب محبة أهل بيت رسول الله (ص)، ويعرفون ما يجب لهم من الحقوق، ويتولونهم جميعاً، ويحفظون وصية النبي (ص) فيهم. قال ابن تيمية: «ولا ريب أن لآل محمد (ص) حقّاً على الأمة لا يشركهم فيه غيرهم، ويستحقون من زيادة المحبة والموالاة ما لا يستحقه سائر بطون قريش» [٢٢].
  3. حقهم من الغنيمة والفيء: ومن حقوق آل البيت التي يجب رعايتها: ما جعل الله لهم من الغنيمة الفيء، وهو الخُمُس، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى[٢٣]، وقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى[٢٤].

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن : «ويجب تفقد من في بلاد المسلمين من ذوي القربى، ويعطون ما فرض الله ورسوله، من الحق في الفيء والغنيمة، فإن هذا من آكد الحقوق وألزمها، لمكانهم من رسول الله (ص)، والمراد بهم من عرف التوحيد والتزمه، وأهل الإسلام ما صالوا على من عاداهم إلا بسيف النبوة وسلطانها»[٢٥].

المسألة الثانية

تحريم الانتساب إلى آل البيت بغير حق: ومن المسائل المتعلقة أيضاً[٢٦]: التنبيه على تحريم الانتساب بغير حق إلى أهل البيت، وأن من وقع في هذا المحذور وانتسب لهذا النسب الشريف بغير حق فقد وقع في الحرام، وتشبع بما لم يعط، وقد قال النبي (ص): «المُتَشَبِّعُ بما لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»[٢٧]، وقال أيضاً: «مَنِ ادَّعَى قَوْماً ليسَ له فيهم، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[٢٨].

المسألة الثالثة

أهل الكساء: وهم أخص آل بيت النبي (ص)، وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين م، والدليل على تقديمهم في الفضل على باقي أهل البيت من قرابة رسول الله (ص) وذريته: ما أخرجه مسلم في «صحيحه»، من حديث أم المؤمنين عائشة ا قالت: خرج النبي (ص) غداة وعليه مرط مرحل[٢٩] من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٣٠].[٣١]، ولا يعني هذا قصر أهل البيت على هؤلاء الأربعة؛ بل فيه دلالة على أنهم أخص أهل بيت النبي (ص) وأولى بالدخول فيهم من غيرهم[٣٢].

المسألة الرابعة

شرف النسب لا ينفع مع عدم الإيمان: وأما الدليل على أن شرف النسب لا ينفع مع عدم الإيمان: قول الله جلّ جلاله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا[٣٤]، وقول النبي (ص): «ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه»[٣٥]؛ والمعنى[٣٦]: أن من أبطأ به عمله في بلوغ الدرجات العالية في الجنة أو كان عمله ناقصاً؛ لم يسرع به نسبه في بلوغ هذه الدرجات؛ فينبغي ألا يتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويقصر في العمل!

وثبت في «الصحيحين»[٣٧]، من حديث أبي هريرة قال: قام رسول الله (ص) حين أنزل الله عزّ وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[٣٨] قال: «يا معشر قريش ـ أو كلمة نحوها ـ؛ اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً! يا بني عبد مناف؛ لا أغني عنكم من الله شيئاً! يا عباس بن عبد المطلب؛ لا أغني عنك من الله شيئاً! ويا صفية عمة رسول الله؛ لا أغني عنك من الله شيئاً! ويا فاطمة بنت محمد؛ سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» ؛ ففي الحديث دلالة ظاهرة على أن الجزاء والثواب مرتّب على الأعمال لا على الأنساب، وهؤلاء المذكورون في الحديث هم من أهل بيته (ص).

المسألة الخامسة

شرف النسب لا يقتضي التقديم مطلقاً: وأما الدليل على أن شرف النسب لا يقتضي التقديم مطلقاً: فهو ما جاء في تقديم النبي (ص) أبا بكر للصلاة مع وجود العباس وعلي م. فقد روى البخاري في «صحيحه» عن عائشة ا قالت: لما مرض رسول الله (ص) مرضه الذي مات فيه، فحضرت الصلاة، فأذّن فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» الحديث[٣٩].

وعنها ا قالت: قال لي رسول الله (ص) في مرضه: «ادعي لي أبا بكر، أباك، وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر»[٤٠]. فلو كان هناك من هو أفضل من أبي بكر الصديق لقدّمه النبي (ص).

المسألة السادسة

دخول زوجات النبي (ص) في أهل بيته: آية التطهير إنما نزلت في نساء النبي (ص)، كما قال الله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً[٤١]، ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٤٢]، ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً[٤٣]، فالذي يراعي سياق هذه الآيات يوقن أنها في نساء النبي (ص) خاصة[٤٤].

ومما يؤكد أنّ الآية لم تنزل في أصحاب الكساء م بل في نساء النبي خاصة: حديث الكساء نفسه، ذلك أنّ رسول الله (ص) في حديث الكساء دعا لأصحاب الكساء بأن يذهب الله عنهم الرجس، فإذا كانت الآية نزلت فيهم وقد أخبر الله فيها بإذهاب الرجس فما الداعي لدعاء كهذا من رسول الله (ص) ؟! وإنما أراد رسول الله من دعاءه هذا أن يضم الله عزّ وجل أصحاب الكساء وهم من أهل بيته بلا ريب إلى نسائه اللاتي نزلت فيهن الآية في المعنى الذي تضمنته الآية وهو إرادة التطهير ورفع الرجس.

ومن صريح الأدلة الدالة على دخول زوجاته (ص) في أهل بيته: حديث الإفك الذي رواه الشيخان وفيه أن النبي (ص) قال: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهل بيتي...»[٤٥]. فقد وصف النبي (ص) زوجه عائشة المصون المبرأة من فوق سبع سماوات بأنها من أهل بيته.

ومن الأدلة على ذلك أيضاً: حديث أبي هريرة ؛ أن النبي (ص) قال: «اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتاً»[٤٦]. ولا ريب أن أزواجه من آله (ص)[٤٧].

المسألة السابعة

ادعاء عصمة أهل البيت: الحق في هذه المسألة أن علو منزلة أهل البيت ورفيع مكانتهم ليس دليلاً على عصمتهم، فهم وإن كانوا على مرتبة رفيعة من الفضل، إلا أنهم معرّضون للوقوع في الذنب والخطأ غير معصومين من الوقوع فيه، شأنهم شأن سائر البشر غير الأنبياء. وأما قوله تعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[٤٨]، فقد جاء تفسير هذه الآية في قوله (ص): «اللَّهمَّ هؤلاءِ أَهلُ بيتي فأذْهِب عنْهمُ الرِّجسَ وطَهِّرْهم تطْهيراً»[٤٩]. فطلب (ص) من الله لهم إذهاب الرجس والتطهير؛ لأن الإرادة الواردة في الآية ليست الإرادة الكونية التي تستلزم وقوع المراد، وإنما هي الإرادة الشرعية المتضمنة للمحبة والرضا، فالآية ليس فيها إخبار بطهارة أهل البيت وذهاب الرجس عنهم، وإنما فيها الأمر لهم بما يوجب طهارتهم وذهاب الرجس عنهم[٥٠].[٥١]

الثمرات

من أبرز الثمرات المترتبة على اعتقاد فضل أهل البيت وعلو مكانتهم: إثبات تفاضل المؤمنين في الإيمان ـ وهذا التفاضل يكون بأعمال القلوب وبأعمال الجوارح ـ، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. وفي هذا ردٌّ على المرجئة من الجهمية والكلابية والكرامية والأشاعرة وغيرهم، ومن وافقهم كالمعتزلة والخوارج، النافين لذلك، والقائلين بأن الإيمان شيء واحد لا يتعدد، وأهله فيه سواء؛ فهو لا يزيد ولا ينقص!

ومن الثمرات أيضاً: أن العبد إذا علم أن مقياس التفاضل بين الخلق في الشرع إنما هو بالتفاضل بينهم في العبودية، وأن أفضل الخلق أكملهم وأتمهم عبودية لله؛ «فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية؛ ازداد كماله وعلت درجته»[٥٢]، وأن النسب لا ينفع صاحبه إذا لم يأت بالإيمان والإسلام؛ كان في ذلك أكبر الأثر في حثّه وتحريضه على السعي لتحقيق العبودية لله تعالى على أكمل صورها؛ مما يقوي إيمانه بربه، ويزيد يقينه بوعده عزّ وجل وموعوده[٥٣].

تقرير السلفية والوهابية لعقائد مخالفيهم

يقول أبناء المذهب السلفي والوهابي:

قصر جمهور الشيعة أهل البيت على أصحاب الكساء الخمسة؛ وهم: النبي (ص)، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وأجمعوا على عدم دخول أمهات المؤمنين في مسمى آل البيت[٥٤]! ثم غلوا فيهم، وادَّعوا عصمتهم، وقدَّموهم على الأنبياء والمرسلين ـ بما فيهم أولو العزم ـ، ووصفوهم بصفات الألوهية والربوبية، ومنهم من يتوسل بهم ويتخذهم أرباباً من دون الله تعالى[٥٥]! وهم مع ذلك يبغضون الصحابة ويسبونهم ويكفِّرون عامتهم، ويطعنون في أمهات المؤمنين ويكفِّرونهم، وفي أولاد النبي (ص)، وباقي أولاد بني هاشم[٥٦]! فهم غلاة في أصحاب الكساء، نواصب في الصحابة وباقي أهل البيت! كما أنهم يكفِّرون بعض بني فاطمة؛ كزيد بن علي بن الحسين، وبني العباس[٥٧]. وعلى النقيض من ذلك: تعرض النواصب ـ من الخوارج وبعض المعتزلة وغيرهم ـ للطعن في أهل البيت ـ كعلي وغيره ـ بالقول والعمل[٥٨].

والسُّنَّة وسط بين الغالي والجافي؛ فأهل السُّنَّة وسط بين الإفراط والتفريط والغلو والجفاء؛ فيعطون لكل ذي حق حقّه، ويتولون أهل الدين والاستقامة من أهل البيت وغيرهم، ويتبرؤون ممن خالف السُّنَّة وانحرف عن نهج السلامة[٥٩].

المراجع والمصادر

  1. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة

الهوامش

  1. انظر: مقاييس اللغة (١/١٥٩ ـ ١٦٢)، والقاموس المحيط (١٢٤٥).
  2. انظر: الصحاح (١/٢٤٤)، ومقاييس اللغة (١/٣٢٤).
  3. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٣.
  4. انظر: المجموع للنووي (٣/٤٦٧)، ومجموع الفتاوى (٢٢/٤٦٠)، وجلاء الأفهام (٢٣٦، ٢٣٩، ٢٤٥، ٢٥٠)، وتفسير ابن كثير (٦/٤١٠، ٤١٥)، وفتح الباري لابن حجر (٧/٧٨، ١١/١٦٠)، وفضل أهل البيت للعباد (٦).
  5. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٣.
  6. انظر: جلاء الأفهام (٢٢٩).
  7. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٤.
  8. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٤.
  9. انظر: الشفا للقاضي عياض (٢/٦٠٤، ١١٠٦)، ومجموع الفتاوى (٣/١٥٤ ـ العقيدة الواسطية، ٤/٤٩٦)، وتفسير ابن كثير (٧/٢٠١)، وفضل أهل البيت للعباد (١٣)، والعقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط لسليمان السحيمي (٥٩)، وأصول الإيمان في ضوء الكتاب والسُّنَّة لنخبة من العلماء (٢٧٩)
  10. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٤.
  11. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  12. سورة الأحزاب، الآية ٥٦.
  13. أخرجه البخاري (كتاب أحاديث الأنبياء، برقم ٣٣٧٠)، ومسلم (كتاب الصلاة، برقم ٤٠٦) ـ وعنده: «كما صليت على آل إبراهيم... كما باركت على آل إبراهيم» ـ، من حديث كعب بن عجرة.
  14. أخرجه مسلم (كتاب الفضائِل، برقم ٢٢٧٦).
  15. أخرجه مسلم (كتاب فضائل الصحابة م برقم ٢٤٠٨).
  16. أخرجه البخاري (كتاب المناقب، برقم ٣٧١٢)، ومسلم (كتاب الجهاد والسير، برقم ١٧٥٩)، من حديث أم المؤمنين عائشة ا، وفيه قصة.
  17. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٤.
  18. العقيدة الطحاوية (٣٠)
  19. مجموع الفتاوى (٣/١٥٤ ـ العقيدة الواسطيَّة).
  20. تفسير ابن كثير (٧/٢٠١).
  21. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٥.
  22. منهاج السُّنَّة النبوية (4/363).
  23. سورة الأنفال، الآية ٤١.
  24. سورة الحشر، الآية ٧.
  25. الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٤/٧٠)
  26. انظر: فضل أهل البيت للعباد (٨٢).
  27. أخرجه البخاري (كتاب النكاح، برقم ٥٢١٩)، ومسلم (كتاب اللباس والزينة، برقم ٢١٣٠)، من حديث أسماء بنت أبي بكر ا. وأخرجه مسلم أيضاً (كتاب اللباس والزينة، برقم ٢١٢٩)، من حديث أم المؤمنين عائشة ا.
  28. أخرجه البخاري (كتاب المناقب، برقم ٣٥٠٨)، ومسلم (كتاب الإيمان، برقم ٦١)، من حديث أبي ذر الغفاري، واللفظ للبخاري.
  29. المرط: كساء يتغطى به، والمرحل: هو الذي عليه صورة رحال الإبل.
  30. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  31. أخرجه مسلم (كتاب فضائل الصحابة م برقم ٢٤٢٤).
  32. انظر: آية التطهير وعلاقتها بعصمة الأئمة لطه حامد الدليمي (٢٩ ـ ٣٠).
  33. سورة الحجرات، الآية ١٣.
  34. سورة الأنعام، الآية ١٣٢.
  35. قطعة من حديث طويل رواه مسلم (كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، برقم ٢٦٩٩)، من رواية أبي هريرة.
  36. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم (١٧/٢٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/٣٠٨)
  37. أخرجه البخاري (كتاب الوصايا، برقم ٢٧٥٣)، ومسلم (كتاب الإيمان، برقم ٢٠٤).
  38. سورة الشعراء، الآية ٢١٤.
  39. أخرجه البخاري (كتاب الأذان، رقم ٦٦٤)، ومسلم (كتاب الصلاة، رقم ٤١٨).
  40. أخرجه البخاري (كتاب المرضى، رقم ٥٦٦٦)، ومسلم (كتاب فضائل الصحابة م، رقم ٢٣٧٨)، واللفظ له.
  41. سورة الأحزاب، الآية ٣٢.
  42. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  43. سورة الأحزاب، الآية ٣٤.
  44. انظر: تفسير ابن كثير (٦/٤١٠)
  45. أخرجه البخاري (كتاب تفسير القرآن، رقم ٤٧٥٠)، ومسلم (كتاب التوبة، رقم ٢٧٧٠).
  46. أخرجه البخاري (كتاب الرقاق، رقم ٦٤٦٠)، ومسلم (كتاب الزكاة، رقم ١٠٥٥)، واللفظ له.
  47. انظر: التمهيد لابن عبد البر (١٧/٣٠٢)، والإنصاف للمرداوي (٢/٧٩)، وجلاء الأفهام لابن القيم (٢١٦)
  48. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  49. أخرجه الترمذي (أبواب المناقب، رقم ٣٨٧١) وقال: حسن صحيح، وأحمد (٤٤/١٧٣)، والحاكم (كتاب التفسير، رقم ٣٥٥٨) وصححه، وصححه الألباني في تعليقه على جامع الترمذي.
  50. انظر: منهاج السُّنَّة (٤/٢١)، والعقيدة في أهل البيت بين الإفراط والتفريط (٣٦٩).
  51. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص١٦.
  52. مجموع الفتاوى (١٠/١٧٦).
  53. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص٢٠.
  54. انظر: تفسير فرات الكوفي (١٢٣)، وتفسير القمِّي (٢/١٩٣)، وبحار الأنوار للمجلسي (٣٥/٢١٧، ٣٣٣)
  55. انظر: بصائر الدرجات الكبرى للصفار (٥/٢٤٧)، والفصول المهمة في أصول الأئمة للحر العاملي (١٥١)، وبحار الأنوار للمجلسي (٢٣/٩٧، ١٠١، ٨٦/٢٤٠، ١٠١/٣٦٩). وانظر للتفصيل: أصول مذهب الشيعة للقفاري (١/٣٠٧ ـ ٣٩٩، ٢/٤٢٧ ـ ٥٢٤، ٦١٣، ٧٧٥).
  56. انظر: تفسير العياشي (١/١٩٩)، وتفسير الصافي (١/٣٨٩)، وبحار الأنوار للمجلسي (٢٢/٢٢٧). وانظر للتفصيل: أصول مذهب الشيعة للقفاري (٢/٧١٦ ـ ٧٣٧).
  57. انظر: مقالات الإسلاميين (٦٥)، والفرق بين الفرق (٢٥) [دار الآفاق الجديدة].
  58. انظر: مقالات الإسلاميين (١/١٧٦)، والتبصير في الدين للإسفرائيني (٤٥، ٦٨)، والمِلَل والنِّحل للشهرستاني (٤٩)، ومجموع الفتاوى (١٩/٨٩).
  59. موسوعة العقيدة والأديان والفرق والمذاهب المعاصرة، ج٢، ص٢٠.