آية ليلة المبيت في القرآن
آية ليلة المبيت
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾[١]
تمهيد
هذه الآية الشريفة المعروفة بآية «ليلة المبيت» تعتبر إحدى أهم الآيات الواردة في فضائل أمير المؤمنين (ع)، و هي الفضيلة العظيمة التي لم تتحقق لأحد من المسلمين غير الإمام علي (ع) حيث تشير الآية الشريفة أعلاه إلى ما قام به الإمام علي في ليلة هجرة النبي (ص) إلى المدينة و منامه في فراشه كما سيأتي توضيحه لاحقاً.[٢]
شأن النزول
يرى كثير من علماء الشيعة و أهل السنّة أن الآية مورد البحث نزلت في حقِّ عليّ بن أبي طالب (ع)، حيث ذكروا هذا الموضوع في كتبهم إلى درجة أن هذه الواقعة قد وصلت إلى حدّ التواتر، أي أنها من الكثرة بحيث لا يمكن إنكارها.
و خلاصة قصة ليلة المبيت كما يلي:
عند ما أحسّ أعداء الإسلام و مشركو مكّة المعاندون بخطر الإسلام و الدعوة السماوية بدءوا يتحركون على مستوى التآمر و التخطيط لقمع هذا الدين الجديد في المهد و طرحوا ثلاث خطط خطرة لمواجهة دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، فقالوا: «إما أن نقتل هذا النبي، أو نلقيه في السجن بحيث لا يتمكن أيُّ شخص من رؤيته و الحديث معه، أو نقوم بإبعاده عن أرض الحجاز» [٣].
إنّ الشواهد التاريخية تشير إلى أنهم اختاروا الرأي الأوّل الذي هو أخطر الثلاثة، و اختاروا من أجل تجسيد هذه الفكرة على أرض الواقع الخارجي أربعين شخصاً من مختلف قبائل العرب يتصفون بالشجاعة و المهارة ليقوموا بمحاصرة بيت النبوّة ليلًا ثمّ يتمكنوا من قتل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و هكذا صنع هؤلاء الأشخاص و جاءوا ليلًا و أحاطوا ببيت النبوّة ثمّ تسلّقوا الجدار أو نفذوا من كوة فيه و انتظروا حتّى تحين الفرصة المناسبة لقتل النبي.
و لكنّ اللَّه تعالى أخبر نبيَّه الكريم بواسطة الوحي بمؤامرة المشركين فعزم النبي (ص) على الخروج من مكّة، و لكنه لتحقيق هذا الهدف و التخلّص من هذه المؤامرة الشيطانية ينبغي أن يقوم بأمرين:
- الأوّل: أن يقوم بالتوجّه إلى خارج مكّة و في الطريق المعاكس لطريق المدينة، أي أنه بدلًا من أن يتوجّه شمالًا نحو المدينة فإنّه تحرك إلى الجنوب منها لكي لا يلتفت الأعداء إلى خروجه من مكّة و هجرته إلى المدينة و ليمنعهم من ملاحقته.
- الثاني: لا بدّ و أن يجد الشخص المناسب لينام في مكانه لإيهام الأعداء بعدم خروج النبي من البيت فيؤخرهم عن ملاحقته و القبض عليه.
و لهذا الغرض قال لعلي ابن أبي طالب (ع): «اتشح ببردي الأخضر و نم على فراشي».
فقال الإمام علي (ع): إذا نمت على فراشك فهل ستنجو من الخطر و تصل إلى المدينة بسلام؟ [٤]
فقال النبيّ: نعم يا عليّ، فسجد الإمام علي (ع) شكراً للَّه تعالى، و يقال أنها أول سجدة شكر كانت في الإسلام.
و بعد أن وضع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله عليّاً في فراشه خرج من مكّة متستّراً و تحرّك إلى جهة الجنوب على عكس مسير المدينة حتّى وصل إلى غار ثور، و بعد أن يأس الأعداء من العثور عليه تحرّك إلى المدينة و وصل إليها بسلام.
لا شكّ أن ليلة المبيت كانت ليلة حسّاسة و مهمة جدّاً و مصيرية بالنسبة إلى الإسلام و المسلمين و كان بطل هذه الليلة هو أمير المؤمنين (ع) و عند ما كان النبي متوجّهاً إلى المدينة أوحى اللَّه تعالى إليه بهذه الآية محل البحث حيث تحدّثت هذه الآية عن إيثار و تضحية الإمام علي (ع) العظيمة.[٥]
اعترافات علماء أهل السنّة
رأينا آنفاً ما ورد في شأن نزول هذه الآية الشريفة و لا يختص ذلك بعلماء الشيعة بل نقله الكثير من علماء أهل السنّة، و منهم: «الطبري» [٦]، «ابن هشام» [٧]، «الحلبي» [٨]، «اليعقوبي» [٩] (و كلّهم من مشاهير مؤرّخي أهل السنّة) و «أحمد» [١٠] من فقهاء أهل السنّة و «ابن الجوزي» [١١]، و «ابن الصبّاغ المالكي» [١٢].
و الملفت للنظر ما أورده «أبو جعفر الإسكافي» الشارح المشهور لنهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، حيث قال في هذا الصدد:
قد ثبت بالتّواتر حديث الفراش... و لا يجحده إلّا مجنون أو غير مخالط لأهل الملّة...
و قد روى المفسّرون كلّهم: إنّ قول اللَّه تعالى: و من النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللَّه انزلت في عليّ (ع) ليلة المبيت على الفراش [١٣].
و النتيجة هي أن جميع علماء الإسلام من الشيعة و السنّة متّفقون على أن آية ليلة المبيت نزلت في شأن أمير المؤمنين (ع) و ما قام به من تضحية و إيثار عظيم.[١٤]
التجارة الرابحة
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾[١٥] فبعض الناس يضحّون بأنفسهم في سبيل مرضات اللَّه و التقرّب إليه، و كما تقدّم أن عليّ بن أبي طالب قام بهذا العمل العظيم و باع نفسه في تلك الليلة ابتغاء مرضات اللَّه و كان المشتري هو اللَّه تعالى، و قيمة هذه البضاعة هو رضا اللَّه تعالى.
﴿وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾[١٦] فهل يمكن أن يتصور مفهوم اللطف و الرأفة أعلى من كون اللَّه تعالى هو الذي يشتري روح الإنسان بأغلى ثمن؟[١٧]
المعاملة مع اللَّه
هناك ثلاث آيات في القرآن الكريم تتحدّث عن المعاملة مع اللَّه تعالى و لا بأس بالإشارة إليها و إجراء مقارنة بين مضامينها:
- الآية الاولى: ما ورد في سورة التوبة الآية 111: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[١٨].
- في هذه المعاملة و التجارة العظيمة نرى أن اللَّه تعالى من جهة هو المشتري، و المؤمنون و المجاهدون هم البائع، و البضاعة الموضوعة للتجارة هي نفوس المؤمنين و أرواحهم، و الثمن هو الجنّة، و اللطيف في الأمر أن سند أو وثيقة هذه المعاملة مكتوبة في ثلاث كتب سماوية معتبرة (القرآن و الإنجيل و التوراة)، و هذه المعاملة المباركة تحدّثت عنها هذه الآية الشريفة بأنها «فوز عظيم» و باركت للبائعين على هذه الصفقة، و الحقيقة أن هذه المعاملة و التجارة عظيمة جدّاً، لأن المشتري فيها يشتري ما يتعلّق به و ما هو ملكه بأغلى الأثمان من البائع، أ لا تعتبر هذه المعاملة من قبيل «الفوز العظيم»، أ لا تستحق التبريك و التهنئة؟
- الآية الثانية: ما ورد في الآيات 10- 13 من سورة الصف من موضوع تجارة اخرى بين اللَّه و عباده حيث نقرأ في هذه الآيات الأربع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ*تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ* وَ أُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾[١٩]
- في هذه المعاملة المربحة نجد أيضاً أن البائع هو المؤمنين، و المشتري هو اللَّه تعالى، و البضاعة أو المبيع هو نفس روح الإنسان المؤمن، و قيمتها غفران الذنوب و دخول الجنّة، المساكن الطيبة فيها، النصر القريب (فتح مكّة)، و هكذا نرى أن اللَّه تعالى يعبّر عن هذه المعاملة و التجارة الكبيرة بعبارة «الفوز العظيم» و يبارك و يهنئ هؤلاء المتاجرون.
- الآية الثالثة: ما ورد في سورة البقرة الآية 107 (الآية محل البحث)، و كما رأينا أن البائع هو عليّ بن أبي طالب (ع) و المشتري هو اللَّه تعالى، و البضاعة في هذه المعاملة هو روح عليّ بن أبي طالب (ع)، و الثمن هو رضا اللَّه تعالى.[٢٠]
المقارنة بين المعاملات الثلاث
رأينا أن الآيات الكريمة تتحدّث عن ثلاث معاملات وردت في سورة التوبة، الصف، البقرة، و قد تقدّم شرحاً لما ورد فيها و نجد أوجه للتشابه فيما بينها من قبيل أن اللَّه تعالى في كلّ هذه المعاملات الثلاث هو المشتري، و البائع هم المؤمنون، و البضاعة مورد المعاملة هي أرواح المؤمنين و أنفسهم، و لكن هنا تفاوت في قيمة هذه الأجناس في كلِّ واحدة منها، فتارة يشتري اللَّه تعالى نفوس المؤمنين في مقابل الجنّة، و اخرى يشتريها بثمن أعلى، فمضافاً إلى الجنّة هناك المساكن الطيبة و غفران الذنوب و النصر الدنيوي، و لكن في المعاملة الثالثة و هي الآية محل البحث (آية ليلة المبيت) نرى أعلى الأثمان و القيم ألا و هو رضا اللَّه تعالى، و بديهي أن رضا اللَّه تعالى لا يمكن قياسه مع الجنّة و أمثالها من المواهب الاخروية، و اللطيف أن هذا الثمن متناسب جدّاً مع روحية الإمام علي (ع) حيث نقرأ في كلماته الجذّابة يخاطب اللَّه تعالى و يقول:
«إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، و لا طمعاً في جنّتك و لكني وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك»[٢١].[٢٢]
مقارنة اخرى
بالرغم من أن الإمام علي (ع) كان يواجه خطراً كبيراً في ليلة المبيت و لكنه نام على فراش النبي (ص) و هو مسرور و لم يسمح للخوف أن يتسرب إلى نفسه، و في الصباح الباكر عند ما هجم الأعداء على بيت النبي صلى الله عليه و آله و رأوا بكامل الدهشة أن خطتهم قد أجهضت و أن النائم في الفراش هو عليّ بن أبي طالب، فما كان منهم إلّا أن خاطبوا الإمام علي بكلمات موهنة، فأجابهم من موقع الدفاع عن الدين و النبي بكلمات جميلة جدّاً تعكس شجاعة أمير المؤمنين و عقله الكبير و بأسه الشديد و سوف يأتي لاحقاً ما ورد في هذا الصدد إن شاء اللَّه.
و أما أبو بكر فقد خرج مع النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و تخلص من الخطر و لجأ إلى غار ثور، و عند ما سمع صوت أقدام الأعداء الذين خرجوا من مكّة في أثر النبي، اصفر لونه و ملأ الخوف و الرعب قلبه و وجوده بحيث يمكن إدراك ذلك بنظرة بسيطة إلى وجهه، و لهذا بدأ النبي صلى الله عليه و آله بتسليته ليزيل بعض الوحشة و الخوف الذي سيطر عليه، و عليك أن تدرك مضمون هذه الحادثة من هذا المختصر.[٢٣]
جمال التعبير في آية ليلة المبيت
نقرأ في آيات سورة التوبة و سورة الصف قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى﴾[٢٤] و ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾[٢٥]
ففي هذه العبارات نفهم أن اللَّه تعالى هو المشتري، و هو الذي يرغّب البائعين إلى بيع متاعهم و بضاعتهم، و لكننا نقرأ في آية ليلة المبيت «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ» و معنى هذه العبارة أن البائع هنا يتقدّم بعرض بضاعته و يبتدأ بالمعاملة. و من الواضح أن التعبير الأدبي في هذه الآية الشريفة أروع و ألطف، لأن الشخص الذي يقدم نفسه على طبق الإخلاص و يعرضها للبيع لا يجد في نفسه رغبة إلّا بعد ترغيب المشتري رغم أن عمله هذا لا يخلو من التقدير بلا شك.
مضافاً إلى ذلك فإنّ الآية محل البحث تبدأ بكلمة «مِنْ» التبعيضية في قوله «وَ مِنَ النّاسِ» أي أن هذا العمل العظيم لا يتمكن من أداءه إلّا بعض الناس في حين أن الآيتين السابقتين تطرح مسألة المعاملة مع اللَّه و المعاوضة بالجنّة و النجاة من النار في إطار عام و شامل «اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنينَ».[٢٦]
ارتباط آية ليلة المبيت مع الآيات التي قبلها
إذا دققنا النظر في الآيات الثلاث قبل آية ليلة المبيت أدركنا عظمة عمل الإمام علي (ع) و مقامه الرفيع عند رسول اللَّه (ص) و في ذلك يقول تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[٢٧].
أي أن بعض المنافقين الذين يتمتّعون بظاهر جميل و خادع عند ما يرونك يظهرون المحبّة و التملق و يتحدّثون بشكل تشعر فيه بالإعجاب في حين أن باطنهم شيء آخر.
﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾[٢٨].
فإن اللَّه تعالى عالم بما يخفي هؤلاء المنافقين المخادعين رغم أنهم يشهدون اللَّه على ما في قلوبهم، هؤلاء الأشخاص ذوو الظاهر الأنيق و الكلام الجميل هم ألدّ [٢٩] أعداء الإسلام و هم منافقون، و تشير هذه الآيات إلى «الاخنس بن شريق» المنافق المعروف الذي يظهر من كلامه غير ما يبطن بحيث إنّ ظاهره و كلامه يجذب كلَّ مخاطب إليه لحسن بيانه و جمال مظهره حيث كان يتظاهر بالقداسة و الإيمان و التقوى و لكنه في الواقع شخصية منحطّة و سافلة و لا يعتقد باللَّه و لا برسوله إطلاقاً [٣٠].
و في الآية التي تليها يشير اللَّه تعالى إلى واقع هذا الشخص «الأخنس» و نفاقه في حركة الحياة و الواقع الاجتماعي:
﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾[٣١].
فمن علامات نفاق الأخنس و سائر المنافقين هو أنهم عند ما يخرجون من مجلسك يتحركون في حياتهم الفردية و الاجتماعية من موقع الإفساد في الأرض و إهلاك الحرث و النسل رغم علمهم بأن اللَّه تعالى لا يحبُّ هذه الأعمال القبيحة [٣٢]، و طبعاً هناك احتمال أن كلمة «تولّى» تعني الولاية و الحكومة، أي أن هؤلاء الأشخاص إذا استلموا زمام الامور و تولّوا أمر الحكومة و السلطة أفسدوا في الأرض و زرعوا بذور النزاعات و الفساد و الانحطاط و عملوا على تخريب المزارع و إهلاك الأنعام.
و قد ورد أنّ «الأخنس» جاء إلى منطقة في بلاد الإسلام و شرع في الإفساد و تخريب مزارع المسلمين في تلك المنطقة و قتل أغنامهم و حيواناتهم [٣٣]، و لكنه عند ما جاء إلى النبي الأكرم (ص) شرع بالتملّق و التحدّث بكلمات معسولة خادعة.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾[٣٤].
و عند ما يسعى المؤمن في نصيحة هؤلاء الأشخاص و تحذيرهم من مغبّة هذه الأعمال و يحثّهم على تقوى اللَّه تعالى و اجتناب الأعمال الإجرامية، و الخلاصة عند ما يتحرّك على مستوى أمرهم بالمعروف و نهيهم عن المنكر فإن هؤلاء المنافقين ليس فقط لا يستمعون إلى النصيحة بل يزدادون عناداً و غروراً و تعصّباً و يصرّون على أعمالهم الدنيئة من موقع العناد و التكبّر، و من الواضح أن مصير هؤلاء الأشخاص لا يكون سوى جهنم.
و الخلاصة أن القرآن الكريم يصوّر لنا في هذه الآيات الثلاث عناد أعداء الإسلام و سلوكياتهم المنحرفة، و عند ما نضع هذه الآيات إلى جانب آية ليلة المبيت فلا بدّ أن يتحول الكلام إلى استعراض أحبّ الأشخاص إلى اللَّه و أكثرهم إيماناً و انشداداً للإسلام و المسلمين، و عليه فإنّ الإمام علي الذي نزلت في حقّة آية ليلة المبيت و قدّم نفسه على طبق الإخلاص فداءً للنبي هو أحبّ الأشخاص إلى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و بلا شكّ إنّ علاقة النبي صلى الله عليه و آله بالأشخاص لا تكون إلّا على أساس إيمانهم و حبّهم للَّه تعالى لا على أساس العواطف الساذجة و الميول الدنيوية.[٣٥]
ارتباط آية ليلة المبيت بولاية أمير المؤمنين (ع)
سؤال: ما هي علاقة الآية الشريفة «ليلة المبيت» مع إمامة و خلافة أمير المؤمنين (ع) بعنوانه أوّل خليفة بعد رسول اللَّه و إمام المسلمين؟ و بعبارة اخرى إنه على فرض قبول أهل السنّة بأن الآية أعلاه نزلت في شأن علي بن أبي طالب، و لكن كيف يمكن إثبات أن هذه الآية تدلُّ على خلافة و إمامة أمير المؤمنين (ع) بعد رسول اللَّه (ص) مباشرة؟
الجواب: رأينا في الأبحاث المتقدّمة أن الإمام علي (ع) يعتبر أشجع المسلمين و أكثرهم تضحية و إيثاراً و أخلصهم للَّه تعالى، و من جهة اخرى نعلم أن إمام المسلمين و خليفة رسول اللَّه يجب أن يكون أعلم الناس و أشجعهم و أكثرهم إيماناً و إيثاراً، و على هذا الأساس فإنه إذا كانت مسألة الإمامة و الخلافة انتصابية، أي أن اللَّه تعالى هو الذي ينصب الخليفة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فإنه مع وجود الإمام علي (ع) الذي يحوز على الشرائط المذكورة للإمامة، فلا معنى لأن يختار اللَّه شخصاً آخر غيره و يعمل على خلاف مقتضيات الحكمة الإلهية، و إذا كانت هذه المسألة انتخابية (كما يعتقد الاخوة من أهل السنّة) فإنّ مقتضى العقل هو أن لا يختار المسلمون شخصاً آخر غير من تتوفر فيه هذه الصفات، و عليه فإنّ انتخاب غير الإمام علي (ع) يكون على خلاف مقتضيات العقل و الشرع.[٣٦]
الجواب عن بعض الشبهات
و قد نرى من البعض أنهم يسعون في تفسير الآية الشريفة بعيداً عن المفهوم منها و المدلول الحقيقي لها و ذلك لما تحمل هذه الآية الشريفة من مضامين تتعلق بمسألة الخلافة و الإمامة، حتّى لا يتمكن أحد من الاستدلال بها على خلافة أمير المؤمنين (ع)، و هنا نستعرض بعض الشبهات و علامات الاستفهام و نجيب عنها: [٣٧]
1- آية ليلة المبيت تتعلق بالآمرين بالمعروف
العلّامة الطبرسي و هو المفسّر الشيعي المعروف نقل رواية مرسلة عن أهل السنّة تتحدّث عن هذه الآية الشريفة و أنها نزلت في شأن من قتل في طريق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر [٣٨] و عليه فإنّ الآية محل البحث لا ترتبط بشكل أو بآخر بخلافة أمير المؤمنين و إمامته.
الجواب: إن سياق آية ليلة المبيت يدلُّ على أن الآية المذكورة ليست واردة في شأن الآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، لأنه طبقاً لما تقدّم من الشرح و التفسير أن هناك خطر كبير يهدد الشخص مورد نظر الآية، و هو الخطر الذي يصل إلى حدّ الموت و القتل، و مثل هذا الخطر قلّما يتفق للآمرين بالمعروف و الناهين عن المنكر، و عليه فإن سياق الآية الشريفة يوحي إلى أنها لا ترتبط بمسألة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، مضافاً إلى أن الرواية المذكورة مرسلة و ليست بحجّة.[٣٩]
2- إنّ الآية مورد البحث واردة في شأن أبي ذرّ
و يرى البعض أن الآية الشريفة واردة في شأن أبي ذرّ الغفاري [٤٠] الصحابي المعروف للنبي الأكرم (ص) و لا ترتبط بمسألة إمامة أمير المؤمنين (ع) و خلافته.
الجواب: إنّ هذا الرأي بعيد عن الصواب و مجانب للواقع، لأن الشواهد التاريخية تدلُّ على أن أبا ذرّ الغفاري لم يتعرض لحادثة مهمة تهدد حياته بالخطر في عصر النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، و عليه لا يمكن التصديق بأن هذه الآية الشريفة نازلة في حقّه رغم أن شخصية أبي ذرّ و خدماته العظيمة و خاصّة بعد رحلة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و في عصر السكوت و الإرهاب لا غبار عليها و لا يمكن إنكارها.[٤١]
3- إنّ الآية الشريفة تتعلّق بجميع المهاجرين و الأنصار
و ذهب البعض إلى أن آية ليلة المبيت تتعلّق بجميع المهاجرين و الأنصار [٤٢]، أي أن جميع المسلمين في زمان النبي الأكرم (ص) و حين نزول هذه الآية كانوا مشمولين لمضمونها، و عليه فإنّ الآية محل البحث لا تختص بالإمام علي ابن أبي طالب (ع) [٤٣].
الجواب: إنّ بطلان هذا الكلام من أوضح الواضحات لأن الآية الشريفة تصرّح بأن هذا الافتخار و الكرامة يختصّ ببعض المسلمين و غير شاملة لجميع أفراد المجتمع الإسلامي، و عليه لا يمكن ادعاء أن جميع المهاجرين و الأنصار مشمولين لآية ليلة المبيت.[٤٤]
4- هل يعلم الإمام علي (ع) بموته أو حياته؟
سؤال: هل إنّ الإمام علي (ع) كان عالماً بعاقبة هذا العمل؟ و هل إنه كان يعلم بأنه سوف ينجو من هذا الخطر الكبير و يبقى حيّاً بعد هذه الواقعة أم لا؟
إذا كان يعلم أن المشركين لا يتمكنون من قتله و انه سيبقى على قيد الحياة فإن مبيته في فراش النبي لا يمثّل قيمة و افتخار كبير، و إن لم يكن يعلم فسيكون لهذا العمل قيمة كبيرة و لكنّ الإشكال يردُ من جهة اخرى، و هو أن الأئمّة يعلمون الغيب فكيف لم يعلم الإمام علي (ع) بعاقبة هذا العمل؟
الجواب: طبقاً لتحقيقات العلماء و تصريح بعض الروايات أن علوم الأئمّة بالنسبة إلى الغيب و المستقبل هي من العلوم الإرادية، أي أنهم لو أرادوا أن يعلموا لعلموا، و إن لم يريدوا ذلك لا يعلمونه [٤٥]، فمن الممكن في هذه الواقعة إنّ الإمام علي (ع) لم تتعلق إرادته بمعرفة عاقبة هذا العمل و نهايته، و لذلك كان احتمال الخطر مرتسماً في ذهنه، و مع ذلك كان مستعداً للتضحية و الإيثار العظيم، و على هذا الأساس فإن الواقعة المذكورة تعدّ افتخاراً كبيراً لأمير المؤمنين (ع) و لا تتنافى مع علم الغيب للأئمّة، و الالتفات إلى هذه النكتة بإمكانه أن يزيل الكثير من الشبهات و الإشكالات حول علم الأئمّة للغيب.
سؤال: لقد قلت «إنّ الإمام علي (ع) لم تتعلق إرادته بأن يعلم مصيره و لذلك فإنّ احتمال الخطر موجود و مع ذلك بات الإمام علي (ع) على فراش النبي (ص) و كان ذلك فضيلة كبيرة و منقبة عظيمة له» في حين أنه قد ورد في بعض الروايات إنّ الإمام كان مطّلعاً على أنه سوف لا تصيبه مصيبة و سوف لا يواجه مشكلة في هذه العمل و قد ضمن له النبي الأكرم صلى الله عليه و آله السلامة و النجاة من الخطر [٤٦]، و عليه فكيف تعدّ آية ليلة المبيت فضيلة و منقبة لأمير المؤمنين (ع)؟
الجواب: يمكننا الجواب على هذا الإشكال بصورتين:
- إنّ هذه الرواية مرسلة و لا سند لها و قد أوردها العلّامة الأميني بصورة مرسلة عن تفسير الثعلبي [٤٧]، و بما إنها تفتقد إلى السند فلا يمكن الاعتماد عليها [٤٨].
- هناك ثلاثة شروط لقبول الرواية:
- هي أن يكون سند الرواية معتبر
- أن لا تكون الرواية مخالفة لآيات القرآن الكريم
- أن تكون مقبولة لدى علماء الدين، و الرواية المذكورة مضافاً إلى ضعف سندها فهي غير مقبولة و مخالفة للقرآن الكريم، لأن اللَّه تعالى ذكر هذا العمل لأمير المؤمنين في آية ليلة المبيت من موقع المدح و الثناء و التمجيد و عبّر عنه بأنه معاملة مع اللَّه تعالى في حين أن الرواية المذكورة على فرض اعتبار سندها فإنّ عمل أمير المؤمنين (ع) وفقاً لهذه الرواية ليست له قيمة و أهميّة خاصّة بل هو بمثابة أمر عادي، و عليه لا يمكن الاعتماد على هذه الرواية المخالفة لآية من آيات القرآن الكريم بحيث يمكن من خلالها تهميش هذا العمل العظيم الذي قام به أمير المؤمنين (ع) (فتدبّر).[٤٩]
5- من هو المخاطب للنبي الأكرم (ص)؟
سؤال: و يرى البعض أن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عند ما أراد أن يضع شخصاً مكانه في الفراش في تلك الليلة قال للمسلمين: أيكم مستعد لأن يبيت في فراشي في هذه الليلة؟ و لم يتقدّم أحد سوى علي بن أبي طالب (ع) حيث أظهر موافقته على استقبال هذا الخطر.
فهل هذا المطلب صحيح، أو أن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله تحدّث في هذا المورد إلى الإمام علي (ع) خاصّة؟
الجواب: نحن لم نر في الكتب المعتبرة أن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله طرح هذا الموضوع بين أصحابه، مضافاً إلى أن هذا المطلب لا ينسجم مع العقل، لأن هذا الموضوع لو سمعه جميع الأصحاب فسوف يفتضح الأمر و يصل الخبر إلى أعداء الإسلام الذين كانوا يتآمرون على حياة النبي صلى الله عليه و آله و بالتالي سيتحركون للتصدي لهذا العمل و إجهاضه، و لهذا نعتقد بأن هذه الخطّة و الفكرة تمّت بسريّة كاملة، و لم يعلم بها سوى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و الإمام علي (ع) و بعض الأشخاص الآخرين، و أما سائر المسلمين فكانوا لا يعلمون بها.[٥٠]
بقي هنا امور
- 1. أشعار حسّان ابن ثابت في وصف الواقعة
- كان حسّان ابن ثابت [٥١] من الشعراء المعاصرين للنبي الأكرم (ص) و له علاقة خاصّة في الخليفة الحقيقي للنبي فقد أنشد قصائد رائعة في فضائل أمير المؤمنين (ع) و خاصّة في واقعة غدير خم التاريخية و بعض أبياتها يتعلق بحادثة ليلة المبيت كما وردت في كتب المؤرّخين:
الخلاصة إنّ حادثة ليلة المبيت كانت معروفة و مشهورة إلى درجة أنها انعكست في قصائد شعراء العرب.
- 2. مصير الإمام علي (ع) في تلك الليلة
- بعد أن عقد أعداء الإسلام العزم على مؤامرتهم في القضاء على النبي (ص) قرروا أن يهجموا على بيته ليلًا و ينفذون مؤامرتهم، و لكن أحد قادة المشركين «أبو جهل أو أبو لهب» منعهم من هذا العمل و قال: لا تهجموا عليه ليلًا لأن من المحتمل أن تكون في البيت زوجته و أطفاله و سيصيبهم الخوف و الرعب و هم أبرياء [٥٤].
- و لهذا السبب أخّروا هجومهم إلى بواكر الصباح، و عند ما حانت اللحظة المناسبة و هجموا على بيت النبي صلى الله عليه و آله و هم يقصدون قتله، قام الإمام علي (ع) من الفراش قبل أن يصلوا إليه و صاح بهم: ما ذا تريدون؟ و عند ما تفاجأ المشركون بهذا الأمر و رأوا علي ابن أبي طالب في فراش النبي أخذتهم الدهشة و قالوا: يا عليّ نحن نريد محمّداً فأين هو؟ فأجابهم: هل أودعتموه عندي حتّى تطلبوه مني؟ فتحيّروا في جوابه و ما ذا يصنعون به، هل يقتلونه أو يتركونه؟ فقال أبو جهل: لنترك هذا الشاب المغامر فقد خدعه محمّد و أنامه في فراشه لينجو بنفسه. فلمّا سمع الإمام علي (ع) بهذه الكلمات الموهنة له و لرسول اللَّه قال بمنتهى الشجاعة و الجرأة:
- أَ لي تَقُولُ هذا يا ابا جَهْل! إن اللَّه قَدْ اعْطانِي مِنَ الْعَقْلِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَميعِ حُمَقاءِ الدُّنْيا وَ مَجانينِها لَصاروُا بِهِ عُقلاءَ، وَ مِنَ الْقُوَّةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلى جَميعِ ضُعَفاءِ الدُّنْيا لَصاروُا بِهِ اقْويَاءَ، وَ مِنَ الشُّجاعَةِ ما لَوْ قُسِّمَ عَلَى جَميعِ جُبَناءِ الدُّنْيا لَصاروُا بِهِ شَجْعاناً.[٥٥]
- فأنا قد عرفت نبي الإسلام (ص) و آمنت بالإسلام عن معرفة و لذلك تقدّمت إلى هذا العمل بكلِّ إخلاص و إيمان، و بعد أن حدثت بينهما مشادّة خرج أعداء الإسلام من بيت النبوّة خجلين و آيسين و خرج الإمام علي (ع) من هذه الواقعة مرفوع الرأس و مسروراً لأدائه المهمة الرسالية.
- 3. اللَّه تعالى يباهي بإيثار أمير المؤمنين (ع)
- لقد أورد «الثعلبي» و هو أحد مفسّري أهل السنّة المعروفين للآية مورد البحث، رواية جميلة و جذّابة حول حادثة ليلة المبيت نذكرها هنا كما رواها هو:
«لما عزم النبي صلى الله عليه و آله على الهجرة إلى المدينة، ترك علي بن أبي طالب في مكّة ليؤدي الديون التي عليه و الأمانات إلى أهلها، و أمره ليلة خرج إلى الغار و قد أحاط المشركون بالدار، أن ينام على فراشه، و قال له: اتشح ببردي الأخضر و نم على فراشي فإنه لا يصل منهم إليك مكروه إن شاء اللَّه، ففعل ذلك علي (ع) فأوحى اللَّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل أني آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة؟ فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللَّه تعالى إليهما: أ فلا كنتما مثل علي؟ آخيت بينه و بين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه و يؤثره بالحياة، أهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه ينادي: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا بْنَ ابِي طالِبٍ، مَنْ مِثلُكَ؟ وَ قَدْ باهَى اللَّهُ بِكَ مَلائِكَةَ السَّمَاوَاتِ وَ فَاخَرَ بِكَ»[٥٦].
- فهل يتصور مقام أعلى من هذا المقام؟!
- و من هنا ندرك أن الشيعة عند ما يعظّمون أهل هذا البيت و يتبعون أمير المؤمنين (ع) فإن ذلك لا يعني التعصّب الأعمى على مستوى الحساسيّة المذهبية بل بسبب مقاماته المعنوية السامية و فضائله الكثيرة.[٥٧]
توصية الآية
كلّ شيء في سبيل نيل رضا اللَّه
بالرغم من أن الآية الشريفة كما أشرنا سابقاً، نزلت في ليلة هجرة النبي (ص) و في شأن الإمام علي (ع)، و لكنها كسائر الآيات القرآنية تتضمن حكماً كلياً و عاماً، فمن حيث إن هذه الآية تقع في مقابل الآية السابقة ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ...﴾[٥٨] فيتضح جيداً أن هذه الطائفة من الناس التي تشير إليها هذه الآية محل البحث تقع في مقابل الطائفة السابقة، و يتمتع أفرادها بصفات و خصائص تقع في النقطة المقابلة لصفات اولئك و خصائصهم، فاولئك أفراد يتسمون بالأنانية و الغرور و العناد و التكبّر و يتعاملون مع الناس بلغة النفاق و الرياء و يتظاهرون أنهم إنما يريدون الإصلاح و يتحركون في خطّ الإيمان ظاهراً و لكنّ سلوكهم و أفعالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض و هلاك الحرث و النسل، و لكن هذه الطائفة في آية ليلة المبيت لا يتعاملون مع أحدٍ سوى اللَّه تعالى و لا يبخلون بشيءٍ في سبيله و لا يطلبون سوى رضاه و لا يرون العزّة و الكرامة إلّا تحت ظلّه و عنايته، و لذلك فإنّ أمر الدين و الدنيا يتقوّم بتضحية هؤلاء و حركتهم الإصلاحية في خطّ الرسالة و المسئولية و الحقّ و الحقيقة [٥٩].
إنّ توصية هذه الآية الشريفة لجميع المسلمين هو أن يخرجوا من أجواء الطائفة الاولى و يدخلوا في أجواء الطائفة الثانية... و طبعاً ليس هذا بالأمر الهيّن.[٦٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة البقرة، الآية 207.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص211.
- ↑ و قد أشار القرآن الكريم إلى هذه الواقعة في الآية 30 من سورة الأنفال في قوله تعالى «و إذ يمكر بك الّذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و يمكر اللَّه و اللَّه خير الماكرين».
- ↑ هنا ينبغي الالتفات إلى أن الإمام علي صلى الله عليه و آله لم يسأل عن الخطر الذي يهدد حياته هو، بل كان همّه هو سلامة النبي و نجاته، و عند ما اطمأن لسلامته رضي بالمبيت على فراش النبي بكل طيب خاطر.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص211-212.
- ↑ تاريخ الطبري: ج 2، ص 99- 101 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 48).
- ↑ سيرة ابن هشام: ج 2، ص 291 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 48).
- ↑ السيرة الحلبيّة: ج 2، ص 29 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 49).
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 29 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 48).
- ↑ مسند أحمد: ج 1، ص 348 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 48).
- ↑ تذكرة ابن الجوزي: ص 21 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 48).
- ↑ فصول ابن الصبّاغ المالكي: ص 33 (نقلًا عن الغدير: ج 2، ص 48).
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13، ص 261.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن (كتاب)|آيات الولاية في القرآن، ص213-214.
- ↑ سورة البقرة، الآية 207.
- ↑ سورة البقرة، الآية 207.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص214.
- ↑ سورة التوبة، الآية 111.
- ↑ سورة الصف، الآية 10-13.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص214-215.
- ↑ بحار الأنوار: ج 67، ص 186.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص215-216.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص216.
- ↑ سورة التوبة، الآية 111.
- ↑ سورة الصف، الآية 10.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص216-217.
- ↑ سورة البقرة، الآية 204.
- ↑ سورة البقرة، الآية 204.
- ↑ كلمة «لدود» بمعنى شديد العداء، و «ألدّ الخصام» تعني أشدّ الأعداء.
- ↑ التفسير الأمثل، الآية مورد البحث.
- ↑ سورة البقرة، الآية 205.
- ↑ هذه الآية الشريفة تقرر أن الإسلام قبل 1400 عام كان يهتم بشكل خاصّ بالمحافظة على البيئة و الطبيعة حيث يعبّر عن تخريب البيئة ب «الإفساد في الأرض» و جعل ذلك من علامات النفاق و العداوة للإسلام، و توجد في سائر الآيات القرآنية شواهد كثيرة على اهتمام الإسلام بحفظ الطبيعة.
- ↑ التفسير الأمثل: ذيل الآية مورد البحث.
- ↑ سورة البقرة، الآية 206.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص217-219.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص219.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن (كتاب)|آيات الولاية في القرآن، ص219.
- ↑ مجمع البيان: ج 1، ص 301.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص220.
- ↑ اسم أبي ذر «جندب» و اسم أبيه «جنادة» و قيل «السكن»، و كان من كبار صحابة النبي صلى الله عليه و آله و رجلًا عظيماً و جليلًا، و يعدّ من الأشخاص الذين لم يبايعوا أبا بكر. (مستدركات علم الرجال: ج 2، ص 240).
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن (كتاب)|آيات الولاية في القرآن، ص220-221.
- ↑ مجمع البيان: ج 1، ص 301.
- ↑ مجمع البيان: ج 1، ص 301.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص221.
- ↑ للمزيد من التفاصيل يرجى مراجعة نفحات القرآن: ج 7.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13، ص 262.
- ↑ الغدير: ج 2، ص 48.
- ↑ يقول أبو جعفر الإسكافي استاذ ابن أبي الحديد في جوابه على هذا الإشكال بأن هذا الكلام كذب صريح و لم و يرد عن النبي صلى الله عليه و آله أنه تكلم بهذا الكلام، و الرواية المذكورة إنما هي من المجعولات لرجل يدعى (أبو بكر الاصم) الذي أخذ عنه الجاحظ هذه الرواية (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13، ص 263).
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص221-223.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن (كتاب)|آيات الولاية في القرآن، ص223.
- ↑ ولد حسان بن ثابت قبل ولادة النبي صلى الله عليه و آله بثمان سنوات و بقي بعده مدّة طويلة فكان من الشعراء المعمّرين حيث ناهز عمره على المائة و عشرين سنة، و قد أمر النبي صلى الله عليه و آله بوضع منبر خاص لحسّان في مسجده و أحياناً كان يأمره بأن يرتقي هذا المنبر و ينشد الشعر، و قد أخذ البعض عليه بأن المسجد ليس محلًا لإنشاد الشعر، و لكن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله قال لهم بأن أشعار حسّان أثرها «أشدّ من النبال»، و بعد رحلة النبي صلى الله عليه و آله تعرض حسّان إلى نوع من عدم الاهتمام به من قبل الخليفة الأوّل و الثاني حيث منعاه من إنشاد الشعر في مسجد النبي، و لا يخفى على القارئ الكريم السبب في هذا المنع، نعم إن جريمته هي الدفاع عن علي بن أبي طالب (ع) بطل واقعة الغدير، و قد ترك هذا الشاعر المخضرم ديواناً موجوداً لحدّ الآن أودع فيه قصائده و أشعاره في وصف الخليفة الحقيقي للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله.
- ↑ و قد ذكر العلّامة الأميني هذه الآيات التسع و أضاف إليها واحدة، و هي كالتالي: 1- الآية 18 من سورة الكهف، 2- الآية 62 من سورة الأنفال، 3- الآية 64 من سورة الأنفال، 4- الآية 23 من سورة الأحزاب، 5- الآية 55 من سورة المائدة، 6- الآية 19 من سورة التوبة، 7- الآية 96 من سورة مريم، 8- الآية 21 من سورة الجاثية، 9- الآية 7 من سورة البيّنة، 10- سورة و العصر. (الغدير: ج 2، ص 49- 58).
- ↑ الغدير: ج 2، ص 47.
- ↑ قارن بين هذا العمل و بين مدّعيات القوى التي تدعي حقوق الإنسان ليتضح جيداً أنهم أكثر توحشاً و همجية من العرب الجاهليين، لأننا نرى في هذا العصر هجوم أمريكا و بريطانيا على افغانستان بصورة وحشية حيث لم يرحموا النساء و الأطفال و الشيوخ، و حتّى المرضى في المستشفيات لم يسلموا من تعرضهم و أذاهم.
- ↑ بحار الأنوار: ج 19، ص 83.
- ↑ بحار الأنوار: ج 19، ص 85.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص223-226.
- ↑ سورة البقرة، الآية 204.
- ↑ التفسير الأمثل: ذيل الآية مورد البحث.
- ↑ ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن (كتاب)|آيات الولاية في القرآن، ص226-227.