إثبات ضرورة الإمامة في علم الكلام
شبهة بدعية وجوب تعيين الإمام
عمد بعض أهل السنة إلى طرح هذه الشبهة، وهي أن رؤية الشيعة بشأن الإمامة ووجوب تعيين الإمام من قبل الله أو النبي الأكرم(ص) ووجود النص، ليس إلا بدعة في الدين؛ إذ لم يرد هذان الأمران (وجوب تعيين الإمام، ووجود النص على إمام خاص) في النصوص الدينية (القرآن والسنة النبوية)، وهذا هو معنى البدعة. إذ قيل في تعريفها: «إدخال ما ليس في الدين على الدين، وإخراج ما في الدين من الدين». وقال ابن خلدون في ذكر هذه الشبهة: «ظهر من بدعة الإمامية من قولهم... إنه يجب على النبي تعيينها» [١]
توضيح ذلك أن هذه الشبهة (الإمامة والحكومة ليست من شؤون الدين والنبوة) أخذت تطرح اليوم من قبل بعض العلمانيين من الشيعة والسنة.
مناقشة وتحليل
في معرض تحليل هذه الشبهة يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية:
١. النزاع المبنائي: ليس هناك من خلاف بين الشيعة والسنة بشأن. كبرى البحث وأصل البدعة وتعريفها وحرمتها؛ لأن البدعة وإن كانت لغة تعني: «إحداث وإيجاد كل أمر جديد وغير مسبوق»، إلا أنها تعني في المصطلح الديني: «إحداث أمر جديد في الدين بحيث يخالف الشريعة والسنة النبوية» على نحو ما تعرض له اللغويون.
وقد عمد ابن الأثير إلى تقسيم البدعة إلى قسمين: بدعة هداية، وبدعة ضلالة، وقال في تعريف هاتين البدعتين: «فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله(ص)، فهو في حيّز الذم والإنكار، وما كان تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه الله أو رسوله فهو في حيّز المدح»[٢].
وقال ابن منظور الأفريقي: «إنما يريد من خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة»[٣].
وقال الطريحي في مجمع البحرين: «البدعة: الحدث في الدين، وما ليس له أصل في كتاب ولا سنة»[٤].
وقد ذكر الإمام الشافعي أن ملاك حرمة البدعة ليس في نفس كونها أمراً جديداً، بل لما فيها من مخالفة الكتاب والسنة أو الإجماع: «ما أحدث وخالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً فهو البدعة والضلالة، وما أحدث من الخبر ولم يُخالف شيئاً من ذلك فهو البدعة المحمودة»[٥].
كما عرف ابن كثير - وهو من المفسرين المتقدمين من أهل السنة - البدعة على أنها إحداث أمر في الدين من تلقاء النفس من دون أن يكون لها مبنى من الدين، كما قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾[٦]: «إنما التزموها من تلقاء أنفسهم... الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله»[٧].
هذا وقد فسّر الزمخشري[٨]، والفخر الرازي[٩] وغيرهما من مفسري أهل السنة «ابتدعوها» بـ «أحدثوها من عند أنفسهم».
وعلى هذا الأساس فإن البحث بشأن وجود الإمامة أو عدم وجودها ليس بدعة في الكبرى، بل في مقام الثبوت والصغرى. بمعنى: هل أصل الإمامة من الدين أم لا، كي يكون إدخالها أو إخراجها داخلاً في تعريف البدعة؟
يذهب الشيعة بالاستناد إلى الأدلة النقلية - الأعم من كتاب الله وسنة النبي الأكرم - إلى الاعتقاد بأن أصل الإمامة مذكور في القرآن والسنة النبوية، وكان يجب على الله ورسوله طبقاً لبعض الأدلة أن يعينوا للمسلمين الإمام والقائد السياسي والديني، وهذا ما حصل فعلاً، وعليه يكون أصل الإمامة وتعيينها جزءاً من الدين.
ومن جهة أخرى يذهب أهل السنة إلى الاعتقاد بأن الإمامة ليست جزءاً من الدين، ولذلك لا يجب على الله ورسوله أن يعرفا وينصبا الإمام التالي.
وعليه توجد هنا رؤيتان ولا يمكن قبل تحليل ونقد آراء الطرفين وأدلّتهم أن ندعي أن الإمامة وتعيينها ليست من شؤون النبي والنبوة، وأن إدخالها في الدين بدعة.
لقد كان أغلب علماء أهل السنة ملتفتين إلى هذه المسألة، ولذلك أوردوا هذه الشبهة.
٢. اكتشاف الوجوب وليس فرض الوجوب على الله: الأمر الآخر أن وجوب تعيين الإمام على الله لا بمعنى الوجوب الاعتباري والوضعي الذي يستوجب تكليفاً على الله من ناحية غير الله، بل بالمعنى التكويني الذي يستنتج من صفات الله الكمالية، من قبیل اتصافه بالحكمة وفي الحقيقة فإن الشيعة يذهبون إلى الاعتقاد بأن وجوب التعيين على الله أو نبيه ليس وجوباً وتكليفاً عليهما، بل هو اكتشاف للوجوب من خلال النظر في صفات الله والنبي الأكرم الله. وبعبارة أدق: لا توجد هنا نسبة إلى الله، وإنما هو مجرد كشف.
٣. اعتراف بعض أهل السنة بالوجوب المتقدم: لقد اعترف بعض علماء أهل السنة بهذا النوع من الوجوب «الكشف» والتزم به، كما قال النسفي بشأن بعثة الأنبياء: «وفي إرسال الرسل حكمة»[١٠].
وقال التفتازاني في شرح ذلك: «أي مصلحة وعاقبة حميدة، وفي هذا إشارة إلى أن الإرسال واجب لا بمعنى الوجوب على الله، بل بمعنى أن قضية الحكمة تقتضيه لما فيه من المصلحة»[١١].
٤. إمكان دعوى البدعة على الخصم: كما قام بعض علماء أهل السنة بالسماح لأنفسهم أن يصفوا الشيعة بالبدعة وتكفيرهم لذلك، يمكن للشيعة في المقابل أن يلصقوا بأهل السنة التهمة ذاتها، وذلك بالقول: إن الإمامة وتعيين الإمام يُعد جزءاً من الدين؛ لثبوتها بالأدلة العقلية والنقلية، بل هي من التعاليم الدينية الجوهرية والهامة، وللأسف الشديد يكابر أهل السنة في إخراجها من الدين، وجعلها من الأمور العرفية والدنيوية.
فعليه إذا كان القرار قائماً على التمسك بالبدعة، فإن بإمكان الشيعة أن يتمسكوا بها لاتهام الخصم أيضاً.
٥. اختصاص ذلك بالعمد دون الموارد الاجتهادية: صحیح أن البدعة تعنی أن ندخل في الدين ما ليس فيه، أو أن نخرج منه ما فيه، ولكن ذلك إنما يكون بقيد التعمّد والعناد، بمعنى أن يسعى الفرد إلى أن يخرج مفردة من الدين رغم علمه بأنها من صميم الدين، أو أن يتعمد إدخال مسألة في الدين رغم علمه بخروجها عن الدين.
وإذا لم يتم تقييد البدعة بهذا القيد، فإن الأغلبية المتاخمة للإجماع من علماء الدين - الأعم من الشيعة والسنة - سيطالها وصف البدعة؛ لأن أكثر البحوث الكلامية والفقهية وغيرهما هي من الأمور الخلافية بين المذاهب، وإن فقه أهل السنة ينقسم في حد ذاته إلى أربعة مذاهب، حيث تختلف هذه المذاهب في مسألة واحدة على آراء وأقوال مختلفة، ولا شك في أن واحداً منها في الحد الأقصى هو المطابق للدين الحقيقي، ولكن لا يمكن نسبة الآراء الأخرى إلى البدعة، إذ الفرض أن العلماء الآخرين قد استفرغوا جهدهم في تحصيل الحكم الواقعي، غاية ما هنالك أنهم أخطأوا في إصابة الواقع دون قصد أو تعمّد منهم إلى ذلك، وقد روى أهل السنة أنفسهم عن أبي هريرة قوله: «للمخطئ أجر، وللمصيب أجران»[١٢].
من هنا يجب التدقيق والتريث جداً، وعدم التسرع في اتهام الخصوم بالبدعة في الدين، وأن لا يعتبر الرأي المخالف بدعة. وفي هذا السياق تندرج مسألة الإمامة؛ إذ يجب على أهل السنة - خاصة وأنهم يعتبرونها من المسائل الفقهية الخاضعة للاجتهاد - أن لا يتهموا من يختلف معهم في هذه (المسألة الفقهية) بأنه يمارس البدع ويستنكرون منه ذلك. بل عليهم طبقاً للمبنى الذين يقولون به «للمخطئ أجر، وللمصيب أجران»أن يعتبروا الشيعة وكل من ينكر خلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل مخطئين مأجورين بالأجر الواحد، لا أن يتهمونهم بالبدعة ويكفرونهم على هذا الأساس.
ولا يخفى أن هذا النوع من الاتهامات إنما يقتصر على عدد قليل، أما اليوم فإنّ أكثر علماء أهل السنة والإمامية يتجنبون اتهام الآخر ورميه بالكفر والبدعة.[١٣]
شبهة استحالة تكليف الله
ذهب علماء الإمامية إلى نظرية «وجوب الإمامة»؛ أي ضرورة تعيين الإمام على الله بالوجوب العقلي. أمّا أهل السنة فينكرون الوجوب العقلي لذلك على الله، وينكرون على الإمامية ما يذهبون إليه من تحديد ما يجب على الله فعله[١٤]، في حين أن الله هو الخالق المطلق الذي لا يمكن أن يسأل عما يفعل، بحكم قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾[١٥].
مناقشة وتحليل
في الإجابة عن هذه الشبهة هناك مسألتان جديرتان بالتأمل، هما:
١. الإشكال المرتبط بإنكار الحسن والقبح العقليين: إن هذه الشبهة من قبل أهل السنة - سيما الأشاعرة منهم - تنشأ من إنكار أصل «الحسن والقبح العقلي». حيث يمثل إنكار هذا الأصل أحد المباني الكلامية للأشاعرة، بمعنى أن الأشياء والأفعال بقطع النظر عن الله لا تنصف بالحسن والقبح العقليين، وإنما ذلك تابع إلى أمر الشارع وحكمه[١٦].
وقد اتضح ضعف هذا الأصل والمبنى الكلامي للأشاعرة في علم الكلام[١٧]، حيث قيل: إن إنكار هذا الأصل يستلزم توالي باطلة، لا يمكن لأحد أن يلتزم بها، من قبيل: عدم إثبات الشريعة والنبوة؛ إذ يمكن على الله أن يجري المعجزة على يد من يدعي النبوة كاذباً، بل من خلال إنكار الأصل المتقدم لا يمكن إثبات حُسن شيء أو قبحه؛ إذ من الممكن أن يكون خبر الشرع والشارع عن الحسن أو القبح بنفسه كاذباً، وإن الكذب على الله - بحسب الفرض - ليس محالاً من الناحية العقلية.
أما بعد البناء على أصل الحسن والقبح العقليين، فإن العقل يحكم بأن الله لا يستطيع أن يفعل القبيح. وبعبارة أخرى: إن الله يجب أن يقوم بالأفعال الحسنة. أما الشبهة القائلة بأن ذلك يلزم منه تحديد التكليف على الله - المطروحة من قبل الأشاعرة[١٨]- فسوف يتضح الجواب عنها من خلال المسألة الآتية.
٢. الخلط بين الوجوبين الاعتباري والتكويني: المسألة الأخرى التى يجب الالتفات إليها فيما يتعلق بإسناد الوجوب على الله تكمن في اختلاف هذا الوجوب عن الوجوب الاعتباري الفقهي. بمعنى أن الوجوب الاعتباري هو الوجوب الذي يُفرض على المكلف أو المكلفين من الخارج فيفرض عليهم اتخاذ موقف معين بحيث لا يكون أمامهم من خيار آخر، من قبيل الأسير أو السجين الذي يفرض عليه التواجد في زمن خاص ومكان محدد، وهذا التكليف عبارة عن حكم ووجوب فقهي واعتباري، وإذا خالفه يكون مستحقاً للعقاب والمؤاخذة.
وهناك وجوب من نوع آخر ليس هو من سنخ الجعل والاعتبار، بل يُستنتج من التكوين والذات، كأن يقال إن شجرة الجوز ستثمر جوزاً حتماً، أو إن القوة الجاذبية تستقطب الأشياء باتجاهها. إن هذه الضرورات الطبيعية تستنتج من العلاقة التكوينية بين الأشياء، وبعبارة أخرى: يتم اكتشافها، فإن إثمار شجرة الجوز جوزاً، لا يتضمن إي إجبار وإكراه خارجيين يفرض عليها بأن تثمر الجوز، وإنما ذلك ينشأ من اقتضاء طبيعتها.
المثال الآخر يتعلق ببعض الأشخاص، كأن يقال: إن الإنسان العالم والحكيم لا يقوم باللغو والعبث، وإن الشخص الكريم والجواد مثل حاتم الطائي يُحسن إلى الآخرين، أو أن تعمد الأم إلى اجتراح المستحيل من أجل توفير الأمن لولدها، وقد تضحي بنفسها من أجله. وكل هذا لا ينشأ من الجبر والإكراه والتكليف الخارجى والاعتباري، بل ينشأ من ذات الإنسان وصفاته الفطرية.
وعليه فإن وجوب القيام بالفعل الحسن - من قبيل بعث الأنبياء وتعيين الأئمة - على الله ليس وجوباً مفروضاً عليه من الخارج، بل هو حالة تنشأ من الصفات الكمالية للذات الإلهية، فإن اتصاف الله بالحكمة والجود وإرادة الخير هي التي تقتضي منه أن يعمل على هداية الإنسان لبلوغ السعادة والخلود فيها من خلال إرسال الأنبياء وتنصيب الأئمة، وإن هذا الفعل الإلهى ينشأ من الحكمة واللطف والعناية الإلهية. وبعبارة أخرى: إن الوجوب المحمول على الله «ليس وجوباً على الله (وجوباً وضعياً وفقهياً)»، وإنما هو «وجوب من الله (كلامي وعقلي)».
إذن ليس في نسبة وجوب تعيين الإمام علي الله بالمعنى المتقدم أي محذور. وقد اعترف بعض المتكلمين من الأشاعرة بهذه المسألة، وهو ما سوف نشير إليه فى الشبهة الآتية.[١٩]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص ٥٨٨، الفصل العاشر.
- ↑ النهاية في غريب الحديث والأثر، ج ١، ص ١١٢.
- ↑ ابن منظور، لسان العرب، ج ١، ص ٣٤٢، مادة (ب د ع)، وأيضاً: ج ٨، ص ٦؛ تاج العروس، ج ١١، ص ٩.
- ↑ الطريحي، مجمع البحرين، ج ١، ص ١٦٤.
- ↑ نقلاً عن: السيرة الحلبية، ج ١، ص ١٣٧.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٧.
- ↑ تفسير ابن كثير، ج ٤، ص ٤٨٢.
- ↑ انظر: تفسير الكشاف، ج ٤، ص ٤٨٤.
- ↑ انظر: التفسير الكبير، ج ٢٩، ص ٢٤٦ ؛ ابن حجر العسقلاني، تفسير فتح الباري، ج، ص٢٥٣؛ ابن نجيم المصري الحنفي، البحر الرائق في شرح كنز الدقائق، ج ١، ص ٦١١، وج ٣ ص ٤١٩.
- ↑ شرح العقائد النسفية، ضمن: شرح عقائد أهل السنة، ص ٢١٣.
- ↑ شرح العقائد النسفية، ضمن: شرح عقائد أهل السنة، ص ٢١٣.
- ↑ فتح الباري، ج ١، ص ٦٣ ؛ كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية، ج ٣، ص ٤١.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٦٢-٦٧.
- ↑ انظر: سيف الدين الآمدي، أبكار الأفكار، ج ٣، ص ١٩؛ شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٧٧.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ٢٣.
- ↑ انظر: الفخر الرازي، الأربعين، المسألة رقم: ٢٥، ص٢٤٦؛ تلخيص المحصل، ص ٣٩٣؛ الشهرستاني، نهاية الأقدام، القاعدة: ١٧، ص ٣٧٠ - ٣٨٠؛ القوشجي، شرح التجريد، ص ٣٣٩.
- ↑ لمزيد من التوضيح، انظر: جعفر سبحاني، حُسن وقبح عقلي، الفصل ٩ و١٠.
- ↑ انظر: ابن تيمية، الرسائل الكبرى، ج ١، ص ٣٣٣، الرسالة الثامنة؛ الأسفرائيني، التبصير في الدين، ص ١٥٣.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٥٩-٦٢.