الاغترار والانخداع
تمهيد
«الاغترار والانخداع»: هي ضدّ الفطنة والكياسة وهي ملكة يكون صاحبها شديد التّأثّر عن ظواهر الأمور وهي تمنع صاحبها غير الفطن الكيّس عن اختيار الصحيح من الأمرين، لا سيّما إذا اشتبها في البين.
وبعبارةٍ أخرى: الغرور هو الخدعة والمتّصف به هو المغرور والمخدوع به، فيُخدع بسهولةٍ.
وبهذا المعنى لا يخلو إنسانٌ عن الغرور، بل خلوّه منه يدلّ على كونه تالياً تلو المعصوم، وهو الأوحدىّ من الناس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[٢].
وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾[٣].
وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾[٤].
وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[٥].
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾[٦].
فتأمّل في الآيات كيف هدّد المغرور بالمادّيات والمشتهيات النفسانيّة.
فمن يُخدِع هو الغَرور - بالفتح - ومن يُخدَع هو المغرور والحالة هي الغرور - بالضّم -.
قال في المفردات: يقال غررت فلاناً أصبت غرّته ونلت منه ما أريده واصل ذلك من الغرّ وهو الأثر الظّاهر من الشّيء، إلى أن قال: فالغرور كلّ ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان.
والقرآن الشريف حذر الإنسان عن هذه الرّذيلة مراراً في آىٍّ كثيرة مع بيان ما يغرّ الإنسان من الدّنيا أو الشيطان أو الهوى حتّى عدّ من جملته الرّحمة العميمة الإلهيّة لانّ من غرّ برحمة الله من غير أن يكون أهلاً لها فهو أشدّ حمقاً ممّن أيس عنها، وهذا قد جعله القرآن الكريم من مصاديق الغرور.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[٧].
مراتب الاغترار والانخداع
وهذه الرّذيلة بذاتها مقولة بالتشكيك ولها مراتب شدّة وضعفاً. إلّا انّ المهمّ انقسامها بحسب متعلّقها بأقسام، كما أن القرآن الكريم اهتمّ بها بهذا الاعتبار:
الغرور بظواهر الحياة
الغرور بظواهر الحياة، كالجاه والسلطنة والجمال وما إليها وكلّ واحدٍ منها لمن يخصّه، فمن الناس من يكون غروراً بالمال، ومنهم من يكون بأزيد منه، وهكذا وأشدهم حمقاً من يغرّ بما لا طائل تحته، كالمناصب الدنيويّة وهذه المرتبة تلازم الكبر والعجب وتنافي التّوحيد الصّفاتى.
ثمّ المتّصفون بهذه المرتبة قد هدّدهم القرآن بأن لا مآل لأمرهم إلّا الاستهزاء بالدين - ذلك بانّكم اتّخذتم آيات الله هزواً -.
حتّى يجعلون الدين لهواً ولعباً - الّذين اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً -.
ثمّ هدّدهم بما هو أشدّ من السابقين إليهما، قال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾[٨].
وقال تعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾[٩].
حيث إنّ الآيتين تدلّ على تجسّم الاعمال وعلى انّ الإنسان رهين ما اكتسب ان كان خيراً فخيراً وان كان شرّاً فشرّاً فله صورةٌ توافق عمله، وحشره ليس إلّا مصحوباً بتلك الصورة فان كانت الصورة خيراً فهو على صورة الخير والإنسان الكامل. وان كانت شرّاً فهو على تلك الصورة فان كانت كلباً فهو كلب وان كانت خنزيراً فهو عليها وهكذا...
فتلك الصّورة شاهدة له شهيدةٌ تكويناً على كونه من أهل الجنّة أو من أهل النّار فصاحب الصورة شاهد لنفسه أو على نفسه والآيتان لمكان قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾[١٠] وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا﴾[١١] وقوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾[١٢] تدلّان على انّ المغرورين بحيوة الدّنيا يردون النار ويشهد عليهم هويتهم وصورتهم لانّ البسل هو الضّميمة والملازمة فلذا يقال للعبوس وكريه الوجه باسل.
قال في المفردات: البسل ضمّ الشىءو منعه ولتضمّنه لمعنى الضمّ استعير لتقطيب الوجه فقيل هو باسل ومبتسل الوجه - يعنى كريه المنظر -.
وقال في المجمع يقال: ابسلته بجريرته أي: اسلمته والمستبسل المستسلم الّذي يعلم انّه لا يقدر على التّخلّص.
وقال في المنجد: بسل بسولاً الرجل عبس من الغضب أو الشّجاعة إلى أن قال: البسيل الكريه الوجه.
ولو لم ترد مذمةٌ أخرى لهم غير هاتين الآيتين، لكان كافياً في تحذيرهم عن سيرتهم غير المرضيّة الّتي تتمثّل للناس أجمعين في يوم القيامة. ولعلّ إعادة قوله تعالى: الّذين اتّخذوا دينهم لهواً ولعباً في تلك الآيات إشارة إلى انّهم يحشرون يوم القيامة على صورة القردة اللاهي اللاعب نعوذ بالله من المزق والهتر في الدّنيا والآخرة.
كما انّ قوله تعالى: ليس لها من دون الله ولىّ ولا شفيع لتهديد عظيم ويدلّ على عدم شمول شفاعة الشّافعين (ع) لهم وليس لهم إلّا ما اكتسبوا بأيديهم من شراب من حميم ومن عذاب اليم.
الغرور بالشياطين
الغرور بالشياطين، جنيّاً كانوا أو إنسيّاً، ولكون تلك المرتبة من أشد مراتب هذه الرذيلة، جعلها الله سبحانه تلواً للغرور بالدنيا، ثم أمر بالاجتناب عنها في كثيرٍ من آي القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[١٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[١٤].
والغرور - بفتح الغين - كلّ ما يغرّ الإنسان والمراد منه في الآية هو الشّيطان انسيّة كانت أو جنيّة والشيطان يغرّ الإنسان من حيث لا يحتسب، بل يخيّل إليه أنّه من الرّشد، لا من الغىّ والغرور، فيغرّه من وراء سبعين حجابٍ. والكتاب الكريم بما أنّه كتاب هدايةٍ أخبر الناس بذلك.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾[١٥].
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾[١٦]
وكلمة الخنّاس والوحي بمعنى - وهو على ما يختلج في الصدر - الالقاء في حجاب وهذا الحجاب هو زخرف القول أي قولٌ لا واقع له لكنّه حُشى بظواهر يقبلها الخيال، فيخيّله إلى العقل، فيقع في شبكة الشيطان، فيغرّ من لا ناصر له من الله تعالى، ولا طريق إلى الخلاص منه إلّا بالنصر الإلهي.
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾[١٧]
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[١٨]
والذكر الحكيم ذكر في جملةٍ من آياته كيفيّة اغترار الابليس الإنسان حيث إنّ منهم من يوحى إلى آخر، حتّى يلقاه في صدر الإنسان، وايحاء الشيطان والقاء الوساوس في صدر الإنسان ليس بغريبٍ، انّما الغريب ايحاء بعض الناس في عصرنا بعض الوساوس في صدر اللعين حيث انّهم يفعلون ما لا يتخيّله الشيطان!.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾[١٩]
وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾[٢٠]
وللايجاء والالغاء طرق مختلفة، ذُكر بعضها في القرآن:
قال تعالى: ﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً﴾[٢١]
فهذه الآيات تدلّ على انّ غرور الشّيطان يؤدّى بالغرور إلى الاضلال ثم السقوط في بحر الامانيات فلا محالة يوجب ستر الفطرة، بل كسر هذا الدر اليتيم، وينجرّ إلى الخسران المبين في الدّنيا والآخرة.
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾[٢٢].
روى في البرهان مذيّلاً على هذه الكريمة عن أبي جعفر (ع) من بين أيديهم أهون عليهم الآخرة ومن خلفهم امرهم بجمع الأموال ومنعهم عن الحقوق لتبقى لورثتهم وعن ايمانهم افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشّبهة وعن شمائلهم بتحبيب اللّذات إليهم وتغليب الشّهوات على قلوبهم [٢٣]
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلً قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُوراً وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾[٢٤].
وفي الآيات الشريفة تنبيه خاصٌّ على أن الشّيطان وأعوانه الجنيّة والانسيّة كانّهم خلقوا وأمروا باغواء الناس بطرق مختلفة - والظّاهر انّ الأوامر في هذه الآيات أوامر تكوينيّة بمعنى انّ ذاتهم وجبلّتهم جُبّلت على الاغواء بصور مختلفة - كالأصوات اللافتة للنظر نظير الغناء وآلات اللهو وكاعلاماتهم الفاسدة المعنى البهيّة المنظر المتزيّنة بشعائر الدين حتّى يجلب بها من لا رسوخ للشريعة في قلبه، فينحرف تارة بما يُفشى من الأنوثيّة، أو بما يُكتب ببعض الأقلام المتّسمة بأقلام العلماء وأهل المعرفة وما إلى ذلك من الوساوس الابليسيّة.
ومن أقوى مصائد الشيطان في عصرنا هذا، اغوائه الناس بجمع الأمور خلطاً بين الحلال والحرام، وله طرق كبناء الرِّجزات الدوليّة أو شركات المحاصَّة ولا سيّما في الدول الثريَّة بالذخائر الأرضيّة وكاقواء الناس باستجلاب قلوبهم إلى الجنس، ومآل هذا ليس إلّا إلى إهلاك الحرث والنسل.
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾[٢٥]
ومن أهمّ طرقه الغاء الوسوسة في صدور الشباب منهم بأنّ الانكفاف عن مباني الدين القويمة يُعدّ من حرية الفكر والتَّثقّف حيث لا ملائمة بين العلم والدين ولا سيّما في العصر الحالي وهذه الوسوسة وإن كانت موجودةً من قديم الزمن ولكنّها الآن صارت أشدّ ممّا كانت عليه.
والذكر الحكيم خير شاهد على استمرار تلك الوساوس طيلة الدهر بين وساوس الأبالسة الجنّية والانسيّة.
اغراء الناس بالخليل السوء
ومن خدائع اللعين، اغراء الناس بالخليل السوء، وقد اهتمّ به القرآن الكريم حيث أنزل فيه سورة كاملة، وعلى الكلّ ولا سيّما على الشباب المسلم أن يتعوّذوا من مكره صباحاً ومساءً بقراءة هذا السورة المباركة.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾[٢٦]
ولا ريب في أنّ القدر المتيقّن من شرّ ما خلق، هو شرّ الخليل السوء، ومنهم الخُدَنة، فيشيعون في الناس رذائلهم الخُلقية كالميل إلى الجنس من غير باعثٍ من الشرع ولذا فُسّر قوله تعالى من شرّ غاسقٍ إذا وقب بثوران الغريزة الجنسيّة لأنّ ثورانها وتحرّكها ليس إلّا كظلمةٍ شديدةٍ أحاطت بصاحبها.
والقدر المتيقّن من قوله ومن شرّ النفّاثات في العقد هو شرّ النّفوس الخبيثة من الشياطين الانسيّة إذا وسوسن ونفثن في الرّوع بالتّخيلات الواهية والتّحريكات المفسدة فلو فسّرت بالنّساء السّاحرات فهو من باب المثال وإلّا فلا خصوصيّة للنّساء ولا خصوصيّة لسحرهنّ ونفثهنّ في العقد بل يمكن تعميمها لغيرهنّ.
والقدر المتيقّن من قوله تعالى: ومن شرّ حاسد إذا حسد، هو شرّ حسد الخليل السّوء.
فلا ريب في انّ السورة بعمومها تدلّ على المقصود.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾[٢٧].
وهذه السّورة من غير تكلّف تدلّ على وجوب الاستعاذة من وسوسة الخليل السّوء سيّما الخنّاس منه الّذي يعلم كيفيّة النفذ والثقب في القلوب كما ينفذ الماء تحت التّبن.
فعلى الناس ولا سيّما على الشباب منهم أن يجتنبوا من تلكم الأخلّاء قبل أن يأتي لهم يوماً يندمون فيها على عمرهم وقوّة شبابهم.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾[٢٨].
وقال تعالى: ﴿ِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾[٢٩]
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾[٣٠]
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾[٣١].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾[٣٢]
الإغراء بالله تعالى وبرحمته وفضله
الإغراء بالله تعالى وبرحمته وفضله، حيث إنّ الشيطان يغرّ الإنسان بأنّ رحمة الله واسعةٌ فافعل ما شئت ولا تخف منه! والقرآن الكريم حذّر الناس من ذلك حيث كرّر ذكره تنبيهاً لهم عليه،
قال تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[٣٣]
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[٣٤]
يظهر من الآيتين انّ من حيل الشيطان اغرائه عبادالله تعالى برحمته ومغفرته فهم مغمرون في المعاصي الكبيرة بينما يرجون رحمته تعالى وليس هذا برجاء بل حمق يحمّله الشياطين الانسيّة والجنيّة على بعض النّاس عامّيهم وغافليهم.
توضيح ذلك: انّ الرّجاء على قسمين، قسم هو من النّعم الإلهيّة والكمال كلّ الكمال رهين هذا القسم وهو انّ الرّاجى كالزّارع الّذي يزرع ويرجو من الله تعالى البركة والرّحمة لانّ الزّارع هو الله ولسنا إلّا الحارث.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾[٣٥]
وهذا القسم من الرّجاء يلازم الخوف كما قاله الرّاغب في المفردات. [٣٦]
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٣٧]
وهذا القسم ضدّ اليأس فمن تزيّن به لا يكون آئساً عن ابتغاء نعم الله تعالى وفضله فهو من أفضل النّعم ولولاه لما وجد كمال ولا خير كما انّ ما يضادّه وهو اليأس يعدّ من النّقم الإلهية الموجبة لشرّ الدّنيا والآخرة ويمنع الإنسان من كلّ خير والقرآن الكريم ذكره، ثمّ نبّه الإنسان على أنَّه لا يليق إلّا بالكافر، فلا ينبغي للمؤمن أن يتّصف به.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[٣٨]
والقسم الثاني ما أشرنا إليه آنفاً من أنّه رجاء الحمقاء لا رجاء الرّاجين، كمن لايزرع ولا يقوم بما يجب على الزّارع، بينما يرجو أن يحصد من الأرض أفضل أقسام الّثمار.
ومن المؤسف عليه أنّ الناس لم يتنبّهوا بما تنبّههم به القرآن، وأكّد عليه ما روى عن المعصومين (ع)، فمنهم من اغترّ به، وما هم بنذير، بل كثيرٌ منهم ابتلوا بهذه الرذيلة، فلازمهم البطالة والفشل، ولا مآل لهم إلّا الخسران في الأولى والندامة في الأخرى.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُم بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[٣٩]
ولو لم يرد شىءٌ في التحذير عن هذه الرذيلة إلّا هذه الآيات المباركات، لكانت وافيةً للناس لأن لايبتلوا بهذه الرذيلة ولايخدعوا بهذه الخديعة. ووالله انّه يليق أن يرتعد الجلود ممّا جاء في هذه الآيات، خوفاً من الابليس واشفاقاً على النفس.
الغرور بالآمال والامانىّ
الغرور بالآمال والامانىّ، وهذا الغرور أيضاً قد اهتمّ به القرآن والمراد منهما هو رجاء الحمقاء الّذي مضى آنفاً معناه لانّ الامل لغة هو الرّجاء والمنى لغة التقدير فان وقعا في محلّهما وهو تقدير العأقل عاقبة العمل مع التأمّل فهو من النّعم والسّعادة رهينةٌ لهما وقد أكّد الوحي وما صدر عن المعصومين (ع) على ذلك بل ليس الإسلام إلّا دين التدبّر والتّقدير ويظهر من غير واحد من الآيات انّ القرآن نزّل للتّدبير والتّدبّر والتّعقّل والتّقدير والتأمّل.
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[٤٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[٤١].
بل القرآن جعل شرّ الدّواب الّذين لا يتفكّرون ولا يتأمّلون في عواقب الأمور ولاتقدير لهم فيما يقومون به، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾[٤٢].
وامّا ان وقعا في غير محلّهما بحيث يُقدّر الأمور بالظّن ويطلب الشّيء من غير الاجتهاد في تحصيله، فهو رذيلةٌ، ولاسبب لها إلّا اغترار الابليس الانسىّ والجنى. ومن اللافت للنظر المؤسّف عليه أنّ أماني الناس وما يرجونه يُعدّ من هذا القسم، ولذلك ترى أنّ القرآن الكريم لا يستعمل لفظه الأماني وما يشتقّ منها إلّا ويريد بها هذا المعنى، وهكذا روايات المعصومين، ويشهد له سبر المادّة فيهما وتدقيق النظر فيها.
قال في المفردات في ذيل لغة منى: الّتمنى تقدير شيء في النّفس وتصويره فيها وذلك قد يكون عن تخمين وظنّ وقد يكون عن رويّة وبناء على أصل لكن لمّا كان أكثره عن تخمين صار الكذب له املك فأكثر الّتمنى تصوّر مالا حقيقة له [٤٣]. وقد وردت من منبعى النبوّة والولاية ما يدلّ على مذامّ تلك الرّذيلة منها قوله (ص): «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ طُولُ اَلْأَمَلِ وَ اِتِّبَاعُ اَلْهَوَى، فَأَمَّا طُولُ اَلْأَمَلِ فَيُنْسِي اَلْآخِرَةَ»[٤٤] وامّا القرآن فيحذّر عن المنيّة والامل مؤكّداً على تحذيره، قال الله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾[٤٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾[٤٦]
قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾[٤٧]
وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾[٤٨]
اغترار الابليس
اغترار الابليس الشَّباب فيمدّهم إلى الفسق والفجور. ولهذا قد عُبِّر عن الشبيبة والصباء بالجنون أو الفسق والفجور.
قال رسول الله (ص): «اَلشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ اَلْجُنُونِ.» [٤٩]
وقال الصادق (ع): «أَ تَظُنُّونَ أَنَّ اَلْفُتُوَّةَ بِالْفِسْقِ وَ اَلْفُجُورِ كَلاَّ إِنَّ اَلْفُتُوَّةَ وَ اَلْمُرُوءَةَ طَعَامٌ مَوْضُوعٌ وَ نَائِلٌ مَبْذُولٌ وَ اِصْطِنَاعُ اَلْمَعْرُوفِ وَ أَذًى مَكْفُوفٌ فَأَمَّا تِلْكَ فَشَطَارَةٌ وَ فِسْقٌ»[٥٠]
والسّرّ في ذلك: استيلاء المشاعر والعواطف والمشتهيات والأماني على الشباب، وذلك لقوّتهم الجسدانيّة من ناحيةٍ، وضعف عقولهم من ناحيةٍ أخرى فكأنّهم في بحرٍ لجىٍّ لاخيار لهم فيه، فكأنّهم والمجانين سيّان!. هذا مع ما لهذا المنزل من العمر من الفضائل الجمّة، بحيث لا يستعمل لفظة الفتى في ألسن الوحي والمعصومين إلّاعلى المتّصف بالمحامد والمكارم الخُلقيّة.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾[٥١]
وقال الصادق (ع) في رواية: «أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ أَصْحَابَ اَلْكَهْفِ كَانُوا كُلُّهُمْ كُهُولاً فَسَمَّاهُمُ اَللهُ فِتْيَةً بِإِيمَانِهِمْ» [٥٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾[٥٣].
والظّاهر انّ الاطلاق لمكان تحصنهنّ الّتي هي من أرقى الفضائل. ونظير هاتين الآيتين في القرآن الكريم كثير.
والسّر في ذلك: أنّ صفاء القلب وقوّة نور المعرفة في الشباب أكثر من المعمّر المتقدّم في العمر، أضف إلى ذلك قدرته على مخالفة النّفس والمباراة معها فحينئذٍ ان اجتمع له مربّيان يربّيانه من باطنه ومن خارجه فيصل إلى ما لا يصل إليه الطاعن في السّن، امّا من الباطن فيربّيه عقله ووجدانه وضميره، ونعم المربّى لو انضّم إليه النُّصح والمشورة امّا من الخارج فيربّيه أبواه، ومجتمعه وبيعته، والحكم، وعلماء الدين ورجاله، ثمّ لو كان في قلبه ايمانٌ رسخ في زواياه، فأعان ذلكي المربّيين الداخلي والخارجي، فطوبى له وحسن مآب فعلى الشباب بتقوية ايمانهم باختلافهم إلى رجال الدين الصلحاء، ليصلوا إلى ما جُبّل في طبعهم وطينتهم من المكارم والمحامد.
فايّاك أيها الشّاب ثمّ ايّاك ثمّ ايّاك من التنفّر والتّباعد من ذلكم الرجال الصالحين لانّك حينئذٍ تكون طعمة للشياطين الانسيّة والجنيّة فيطمعون فيك كما يطمع البازىّ في فريسته.
وعلى من يقوم بتربية الجيل الشابّ من الوالدين والمعلّم والحكم ورجال الدين والمجتمع أن يرغبوهم إلى الحضور في المساجد وتحت المنابر والمراودة مع العلماء.
والخبرة دلّت على انّ هذا الجيل لو كان مرتبطاً متّصلاً بأعلام الشريعة من الوعّاظ والمساجد والمنابر، فلا سبيل للأبالسة إلى أنّ يصيدوه.
قال علي (ع): «فَإِنَّ يَدَ اَللهِ على [مَعَ] اَلْجَمَاعَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ اَلْفُرْقَةَ فَإِنَّ اَلشَّاذَّ مِنَ اَلنَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ اَلشَّاذَّةَ مِنَ اَلْغَنَمِ لِلذِّئْبِ» [٥٤]
غرور الملاء
غرور الملاء، والملاء اشراف القوم ويقال لهم الملاء امّا لكونهم يملئون عيون النّاس لشرفهم ورتبتهم العليا عندهم وامّا لكونهم يملاءون قلوب الناس بالمال والقدرة والرّياسة والجمال والعشيرة ونحوها. وأكثر استعماله في القرآن في اشراف القوم المغرورين بالعلم والمال والوجاهة والرّئاسة ونحوها حيث إنّ اللفظة توجد في الكتاب الكريم ما يربوا على ثلاثين مورداً، والمراد منها فيه الّذين يصدون سبيل الحقّ ويمنعون النّاس عن الاقبال إلى الله تعالى.
والمفهوم منه أنّ هؤلاء المغترّين المعجبين بأنفسهم لما لهم من المكنة والجاه، صدوا عن سبيل الأنبياء، بل اتّهموهم بما لا يليق بهم وهو الجنون والسَّفه ؛ وما ذلك إلّا لأنّ العلم والجاه يتبعهما الكبر في غالب الأحيان، إلّا من عصمه الله عن هذا الزلل، الا ترى ان العلم لو لم يقترن بالمعرفة وبالتقوى، كيف يصير حجاباً يغطّى ستراً على النفّس يمنعها عن كمالها الخاصّ بها، فهو الحجاب الأكبر.
ولعلّ كثرة استعماله في اشراف السّوء لانّ العلم والوجاهة غالباً يغرّان الإنسان ويوجبان التكبّر والعجب والاستكبار إلّا من حفظه الله تعالى.
الا ترى انّ العلم بدون التّقوى كيف يكون حجاباً للإنسان بل انّه حجاب أكبر فكذلك انّه صدّ لترقّى الجامعة بل يترائى ان من يكون في ذىّ أهل العلم وليس له نصيب من العلم مع علمه بانّه لا يعلم شيئاً انّه في كمال التّكبر والعجب ويغرّه ذىّ الرّوحانيّة إذا لميكن من أهل التّقوى.
الا ترى انّ من فاز برئاسةٍ من غير أن يكون متحلّياً بحلى التقوى كيف يتعزز للنّاس مع كونه متذلّلاً عن من هو فوقه، وكيف يغترّ بمنصبه مع أن هذا المنصب ليس عند الناس إلّا من الأضحوكات؟
وبالجملة: هذا الغرور اشدّ ضلالة وأرذل من جميع تلك الاقسام.
فقل: أعوذ بالله من الغرور سيّما ما يختصّ منه بالملأ.
الاغترار بالتّقوى
الاغترار بالتّقوى، وهذا الاغترار يلازم الكبر، وهو يلازم العجب، وهلمّ جرّا حتّى يصل إلى ما لا يدرك قبحه إلّا الله تعالى. ومن مفاسد هذا الغرور، ضعف المتّصف به، وسقوطه فيما يخاف منه، وهذا من آثاره الوضعيّة الّتي لاتنفكّ عنه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾[٥٥]
وتدبّر فيما صدر عن صاحب الولاية الإلهيّة الكبرى حتّى تعرف انّ بالعجب يصير العابد فاسقاً وبالندم والاقرار بالتقصير يصير الفاسق صدّيقاً، هذا لعجبه يسقط، وهذا لندمه يعلو ويرتقى!.
قال الصادق (ع): «دَخَلَ رَجُلاَنِ اَلْمَسْجِدَ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَ اَلْآخَرُ فَاسِقٌ فَخَرَجَا مِنَ اَلْمَسْجِدِ وَ اَلْفَاسِقُ صِدِّيقٌ وَ اَلْعَابِدُ فَاسِقٌ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْخُلُ اَلْعَابِدُ اَلْمَسْجِدَ مُدِلاًّ بِعِبَادَتِهِ يُدِلُّ بِهَا فَتَكُونُ فِكْرَتُهُ فِي ذَلِكَ وَ تَكُونُ فِكْرَةُ اَلْفَاسِقِ فِي اَلتَّنَدُّمِ عَلَى فِسْقِهِ وَ يَسْتَغْفِرُ اَللهَ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّا صَنَعَ مِنَ اَلذُّنُوبِ.» [٥٦].[٥٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٣.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٥.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٥٠-٥١.
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٣٤-٣٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٨٥.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢٠.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٥.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٧٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٣٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٧٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٧٠.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٣٠.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٣.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٥.
- ↑ سورة الناس، الآية ١-٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١١٢-١١٣.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٩-١٠٠.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١٢١.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ١١٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١٨-١٢١.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٦-١٧.
- ↑ البرهان، ذيل الآية الشريفة.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٦٢-٦٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٠٤-٢٠٦.
- ↑ سورة الفلق، الآية ١-٥.
- ↑ سورة الناس، الآية ١-٦.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٢٧-٣٠.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٣٨.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٦٧-٦٨.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ١٦.
- ↑ سورة الزخرف، الآية ٣٦-٣٩.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٣.
- ↑ سورة فاطر، الآية ٥.
- ↑ سورة الواقعة، الآية ٦٣-٦٥.
- ↑ المفردات، ص ١٩٥، ذيل لغة رجى
- ↑ سورة السجدة، الآية ١٦-١٧.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٨٧.
- ↑ سورة الحديد، الآية ١٢-١٤.
- ↑ سورة ص، الآية ٢٩.
- ↑ سورة الزمر، الآية ١٧-١٨.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٢٢.
- ↑ المفردات، ص ٤٩٦.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ١١٩، ح ١٣.
- ↑ سورة الحجر، الآية ٣.
- ↑ سورة النساء، الآية ١١٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٢٠.
- ↑ سورة الحديد، الآية ١٤.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٢١، ص ٢١١، باب ٢٩، ح ٢
- ↑ بحار الأنوار، ج ٧٣، ص ٣١١، باب ٥٩، ح ١
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٣.
- ↑ بحار الأنوار، ج ١٤، ص ٤٢٨، باب ٢٧، ح ١٠
- ↑ سورة النور، الآية ٣٣.
- ↑ البحار، ج ٣٣، ص ٣٧٣، باب ٢٣، ح ٦٠٤
- ↑ سورة التوبة، الآية ٢٥.
- ↑ وسائل الشيعة، ج ١، ص ٧٦، كتاب الطهارة، باب ٢٢، ح ١٠.
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٥٤٧.