البَصَر في نهج البلاغة
تمهيد
«البَصَر»: العين، وقوة الإبصار، يقال: مدى البَصَر؛ أي مرمى النظر، أو مدى ما تراه العين.
والبَصَر: قوة الإدراك، ولا تطلق على لفظ البصر - بمعنى حاسة الرؤية-: بصيرة؛ وهي قوة القلب المُدرِكة، وإنما البصيرة هي: بَصَرٌ؛ أي المضاهية لإدراك الرؤية[١]، فلهذا يقال: بَصُرَ به بَصَراً وأبصَرَهُ إبصاراً رآه، وبَصُرتُ به: علمتُهُ، فأنا بصيرٌ به، وهو ذو بَصَرٍ وبَصيرةٍ؛ أي علم وخبرة، وقلما يقال في حاسة البصر إذا لم تضامه رؤية القلب: بَصُرت.
وقد ورد البصر في القرآن على وجوه:
منها: بصر العين في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾[٢].
ومنها: بُعد النظر والحجة: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾[٣].
ومنها: بَصَر العلم والأدب والحرمة: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾[٤].
ومنها: بَصَر للتعجيل والسرعة: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[٥].
أي وما شأن الساعة في سرعة المجيء إلا كرجع الطرف، أو هي أقرب من هذا وأسرع، والمقصود تمثيل سرعة المجيء على وجه المبالغة.
ومنها: بصر القلوب: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾[٦]. أي على أبصار قلوبهم.
ومنها: بصر السؤال عن المعصية والطاعة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾[٧]. أي كان صاحبها مسؤولا عما نسب إليها يوم القيامة، أو تسأل نفس الأعضاء؛ لتشهد على صاحبها.
ومنها: بصر في مقابل عدم الفائدة والمنفعة: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ﴾[٨].
ومنها: بصر في مقابل الغي والغفلة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾[٩].
ومنها: بصر في مقابل الغطاء واللعنة: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾[١٠].
ومنها: بصر المقابل لإبعاد المفكرين عن اللقاء والرؤية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾[١١].
ومنها: بصر مقابل الختم: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾[١٢].
ومنها: بصر للنظر والعبرة: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾[١٣].
ومنها: البصر بمعنى العلم القوي المضاهي لإدراك الرؤية، قال تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾[١٤].
أي علمك بما أتيت به نافذ قوي تُبصِر به ما كنت تجحده في الدنيا. والكلام يتضمن تشبيه حصول اليقين برؤية المرئي ببصر قوي، يقال: هو حديد النظر، وحديد الفهم: إذا كان نافذاً.
قال تعالى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا﴾[١٥]. أي: عَلِمتُ ما لم يعلموا به من البصيرة، أو اهتديت إلى فكرة لم يهتدوا إليها، أو رأيت ما لم يروه، ويقال: هو بصير بالأمور؛ أي خبير بها.
من وصفه(ع) للجنة: «فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا»[١٦]. «رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ»: فكرت وأمعنت، أو نظرت بعين بصيرتك.
ومن مدحه(ع) للحكمة: «وَ إِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ الْمَيِّتِ وَ بَصَرٌ لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ»[١٧].
«لِلْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ»: كناية عن الجاهل، والحكمة ترفع جهله، فتحصل له بصيرة يدرك بها الأمور، ويقف على حقائق الأشياء، بمثابة البصر للأعمى على سبيل التشبيه البليغ.
ومن ثنائه(ع) على النبي الأعظم(ص): «إِمَامُ مَنِ اتَّقَى وَ بَصَرُ مَنِ اهْتَدَى»[١٨]. أي هو سبب بصيرة المهتدين، كأنه بصر هم الذين يرون به سبيل الحق.
ومن حثه(ع) على التقوى: «فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ»[١٩].
أي بصيرة لعمى قلوبكم؛ فإن قلب غير المتقي أعمى لا يبصر العواقب، فتنغلق عليه أبواب المعرفة، فإذا اتقى الإنسان أبصر قلبه حقائق الأمور وعواقبها، وانكشفت أمامه الرؤية السليمة، فيهتدي بنور التقوى إلى الرشد والصواب.
ومن حمده وثنائه(ع) على الله تعالى: «اللهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا تَأْخُذُ وَ تُعْطِي وَ عَلَى مَا تُعَافِي وَ تَبْتَلِي حَمْداً يَكُونُ أَرْضَى الْحَمْدِ لَكَ وَ أَحَبَّ الْحَمْدِ إِلَيْكَ وَ أَفْضَلَ الْحَمْدِ عِنْدَكَ حَمْداً يَمْلَأُ مَا خَلَقْتَ وَ يَبْلُغُ مَا أَرَدْتَ حَمْداً لَا يُحْجَبُ عَنْكَ وَ لَا يُقْصَرُ دُونَكَ حَمْداً لَا يَنْقَطِعُ عَدَدُهُ وَ لَا يَفْنَى مَدَدُهُ فَلَسْنَا نَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَتِكَ إِلَّا أَنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ حَيٌّ قَيُّومُ لَا تَأْخُذُكَ سِنَةٌ وَ لا نَوْمٌ لَمْ يَنْتَهِ إِلَيْكَ نَظَرٌ وَ لَمْ يُدْرِكْكَ بَصَرٌ أَدْرَكْتَ الْأَبْصَارَ»[٢٠].
بين: «نَظَرٌ» و«بَصَرٌ» سجع متواز، جاء من عطف الجملة الثانية على الجملة السابقة عطف بيان، أو المراد بالنظر الفكر، فالجملتان مختلفتان، ولكنهما متجانستان في إيقاعهما؛ لإقرار العجز عن معرفة كنه عظمة الله، واعتراف بأن العقل غير قادر على الوصول إلى ذلك.
ومن تنزيهه(ع) للباري سبحانه: «عَظُمَ عَنْ أَنْ تَثْبُتَ رُبُوبِيَّتُهُ بِإِحَاطَةِ قَلْبٍ أَوْ بَصَرٍ»[٢١]. أي إنه سبحانه أعظم من أن يراه الإنسان، أو يدرك كنهه وأسراره.
وقال(ع) في بيان عظمة قدرة الله تعالى وذكر لطيف صنعه: «أَ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى صَغِيرِ مَا خَلَقَ كَيْفَ أَحْكَمَ خَلْقَهُ وَ أَتْقَنَ تَرْكِيبَهُ وَ فَلَقَ لَهُ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ؟»[٢٢].
أي هو تركيب متقن، فكل شيء في موضعه، فقد فتح له السمع والبصر، يرى مواقع حركاته، ويسمع الأصوات بما يناسب تركيبه.
ومن حديثه(ع) عما آلت إليه الأمور بعد الرسول(ص): «وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ٢١٩٥ وَ لَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ وَ الْعِلْمِ بِمَوَاضِعِ الْحَقِّ»[٢٣]. أي أهل البصيرة بالدين، والعلم بمواضع الحق.
ومن وصفه(ع) لزهد النبي الأكرم(ص): «فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلَا يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَ لَا يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً وَ لَا يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ وَ أَشْخَصَهَا عَنِ الْقَلْبِ وَ غَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ»[٢٤].
أي أحب(ص) أن تغيب عن عينيه زينة الدنيا، فلا يتخذ منها زينة، أو فراشا، أو ثيابا فاخرة، أو غيرها. ومن تذكيره بأياديه الكريمة على أهل الكوفة وإحسانه إليهم: «وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّيْمِ شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ»[٢٥].
من إحسانه إليهم غضه عن سيئاتهم ومنكراتهم، كما نظر إلى قليل إحسانهم، فجازاهم به.
ومن وصفه(ع) للبعث والنشور: «سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ»[٢٦].
«يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ»: أي إنه تعالى يحيط بهم علما، ولا يخفون عنه. انسجام الألفاظ وتآلفها وتلاحق إيقاعها الحافلة بالإيحاء والحركة والبروز أكسبتها قوة وتأثيراً.
ومن نهيه(ع) عن استعمال الرأي في غير موضعه: «فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ وَ لَا تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكَرُ»[٢٧].
«فَلَا تَسْتَعْمِلُوا الرَّأْيَ»: أي لا تعتمدوا على الآراء في معرفة الأمور التي لا يصل إليها فكر الإنسان، كما في استخدام الرأي في تفسير القرآن، أو استخدام الرأي والقياس في الأحكام الشرعية.
بين «الْبَصَرُ» و«الْفِكَرُ» سجع متواز يجسد ما يقصده بدقة ووضوح، زادهما دقة الاستعانة بالصور الخيالية.
كالاستعارة المكنية في إدراك قعره البصر، والاستعارة التبعية في «التغلغل» إذ شبه سرعة الدخول بالغلغلة وهي تخلخل الماء بين أصول الشجر بجامع الوصول إلى أقصى حد ممكن.
وقال(ع) فيما ينبغي للعاقل أن يعمله: «فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأَ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ؟»[٢٨].
«فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ»: المتأمل بتبصر وتعقل، و«الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ»: الذي يعمل بنهج البصيرة والإدراك؛ أي لا يقدم على أي شيء إلا بعد دراسته وتدبره على أساس سليم؛ فإن كان خيرا لا شر فيه أو خيره أكثر من شره، أقدم عليه، وإن كان شرا كله أو شره أكثر من خيره، أحجم عنه[٢٩].
ومن حكمه(ع) في القلب والبصر: «الْقَلْبُ مُصْحَفُ الْبَصَرِ»[٣٠].
فإن ما يراه البصر ينقش في القلب، فكأنه كتاب له[٣١]، كما أنه إذا أبصر الإنسان صاحبه فإنه يرى قلبه بوساطة رؤية وجهه، ثم يعلم ما في وجهه من حب وبغض وغيرهما، وكذا يعلم برؤية الخط الذي في المصحف، ما يدل الخط عليه[٣٢].
وفي حديثه(ع) عن نعم الله على الإنسان: «ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً وَ لِسَاناً لَافِظاً وَ بَصَراً لَاحِظاً لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً»[٣٣].
ناسب بين الحافظ واللافظ واللاحظ والمعتبر، «الحافظ»: الذي يحفظ الأشياء، و«اللافظ»: الذي يلفظ ويتكلم، و«اللاحظ»: المراقب والنبه، و«المعتبر»: الذي يأخذ العبرة.
ومن تعليمه(ع) ابنه محمد ابن حنفية فنون الحرب: «ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ وَ غُضَّ بَصَرَكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ»[٣٤].
قابل بين «الرمي بالبصر» الذي هو عبارة عن مدى ما تراه العين وهي مفتوحة، و«الغض به» الذي هو انخفاضه؛ وذلك لأن الغض يزيل الجبن، كما أن الرمي يشجع الفؤاد، فالمراد بالأمر الأول وهو التبصر والتأمل، وبالأمر الثاني عدم الاهتمام بهم. أو المراد بالأمر الأول النظر الظاهر، وبالثاني النظر إلى الباطن، فمن شروط الخائض للحرب أن يبلغ نظره الظاهر جميع أطراف الجيش المعادي، وذلك أدعى إلى التهيئة النفسية للقتال، ويغض نظره الباطن؛ ليطمئن قلبه بالثبات والصمود.
ومن وصفه(ع) لعجيب خلقة الطاووس: «فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً»[٣٥]. أي نظر إلى قوائمه بعناية وقصد، و«زَقَا» صاح وصوت في دهشة «مُعْوِلاً»: صارخاً.
وقال(ع) عارضاً على معاوية المبارزة لحسم النزاع بين الفريقين: «وَ اخْرُجْ إِلَيَّ وَ أَعْفِ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْقِتَالِ لِتَعْلَمَ أَيُّنَا الْمَرِينُ عَلَى قَلْبِهِ وَ الْمُغَطَّى عَلَى بَصَرِهِ»[٣٦]. أي المحجوبة بصيرته.
ومن حمده(ع) للباري سبحانه وتقديسه: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلَامُ الظُّهُورِ وَ امْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ فَلَا عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ وَ لَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ»[٣٧].
{{نص حديث|بَطَنَ خَفِيَّاتِ الْأَمُوُرِ»: أي علم ما خفي على الحواس من أعماقها، وما غاب عنها، و{{نص حديث|أَعْلَامُ الظُّهُورِ»: الآيات والآثار الدالة على وجوده سبحانه، و{{نص حديث|امْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ»: امتنعت رؤيته لفقدان شروط الرؤية بالنسبة إليه، «ولَا قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ»: أي المثبت لوجود الله تعالى، لا يتمكن من رؤيته بقلبه معرفة ضرورية، وأن يحيط به إحاطة تامة، ولما كان الإبصار حقيقة في الرؤية بالعين المستلزمة للإحاطة بالعلم والعرفان الضروري، لذا أطلق(ع) لفظ «يبصر» وأريد به ذلك مجازا؛ من باب إطلاق اسم الملزوم على اللازم.
ومن وصفه(ع) لسكرات الموت: «فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ وَ خَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ»[٣٨]. أي أخذ بصره كما أخذ سمعه، فانقطعت علائقه بهذه الدنيا؛ لتمهد خروج روحه.
ومن تحذيره(ع) من العشق: «وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَهُ وَ أَمْرَضَ قَلْبَهُ»[٣٩]. «أَعْشَى بَصَرَهُ»: أعماه؛ فإن المحب لا يرى إلا الصفات المحبوبة، وأما الصفات الذميمة فيغض عنها.
ومن وصفه(ع) أيضاً لسكرات الموت: «ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ»[٤٠]. «الولوج»: الدخول؛ أي ازداد تأثير الموت في أبدانهم، «يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ»: ينظر بأم عينيه.
وقال(ع) ذاما أهل الكوفة: «يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِثَلَاثٍ وَ اثْنَتَيْنِ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ وَ بُكْمٌ ذَوُو كَلَامٍ وَ عُمْيٌ ذَوُو أَبْصَارٍ»[٤١].
وصفهم بالصفات المتضادة؛ لعدم التزامهم بالتعاليم والمواعظ، فهم بمنزلة من لا يستفيد من حواسه، بل كان فاقدها أحسن حالا منهم.
ومن تعاليمه(ع) أصحابه كيفية القتال: «وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ»[٤٢]. «غض البصر»: خفضه، و«رابط الجأش»: ثابت الجنان عند الشدة.
ومن طرائف حكمه(ع): «أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ»[٤٣].
أي أشد الأبصار رؤية، «نَفَذَ فِي الْخَيْرِ»: مضى وجرى في تفحصه، فسهل مسلكه، كأنه مستعار من نفوذ السهم؛ فإنه لا مرد له، كشعاع يخرج من العين، فإذا نفذ طرف الشعاع في الخير كان شديد الإبصار، وإذا نفذ في الشر - بأن نظر البصير إلى الشر وأراده- كان البصر ضعيفاً كليلا.
ومن تحذيره(ع) وتخويفه من عذاب الله وعقابه: «أُولِي الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْعَافِيَةِ وَ الْمَتَاعِ هَلْ مِنْ مَنَاصٍ أَوْ خَلَاصٍ أَوْ مَعَاذٍ أَوْ مَلَاذٍ؟!»[٤٤].
حثهم(ع) على أن ينتبهوا ويستيقظوا، فابتدأ بأصحاب العقول النيرة الذين يميزون بين الحق والباطل، وأردف بأصحاب الأسماع الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، ثم نادى أصحاب العافية في الأبدان والأديان، وأصحاب الأموال والمقتنيات، فإن هؤلاء أحق من يتنبه ويستمع ويعتبر[٤٥].
وفيه خرج الأسلوب الإنشائي عن معناه الحقيقي، كالنداء لغرض التنبيه، والاستفهام يراد به الإنكار، مضافا إلى الإيقاع الذي يعتمد على السجع المتوازي بين «الْأَسْمَاعِ» و«الْمَتَاعِ» لإثارة الوجدان، وعلى ما يسمى بحسن التقسيم؛ لاستحضار العبر واستخلاص الموعظة، ومنه تتجسد دعوة الإمام القوية الصادقة.
ومن حديثه(ع) عن فضل النبي(ص): «قَدْ صُرِفَتْ نَحْوَهُ أَفْئِدَةُ الْأَبْرَارِ وَ ثُنِيَتْ إِلَيْهِ أَزِمَّةُ الْأَبْصَارِ»[٤٦]. «الأزمة»: جمع زمام؛ وهو ما يشد به، أو المقود، وانثناء الأزمة كناية عن تحول الأبصار إليه.
وقال(ع) في تنزيه الله سبحانه وتعالى: «وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ»[٤٧].
«الرَّادِعُ»: ما يردع عن الشيء، ويمنع من ارتكابه، و«الأناسي»: جمع إنسان؛ وهو ما يرى وسط البصر ممتازا عن السواد في لونه، وإنسان العين: ناظرها، والنيل: الحصول على الشيء، والإدراك: القوة المدركة، وأدرك الشيء ببصره: رآه، قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وعليه يستحيل إدراكه تعالى من حيث ذاته، وقوله(ع): «الرَّادِعُ» على سبيل المجاز، وإلا فهو سبحانه غير قابل للرؤية إطلاقا؛ لكونه منزها عن الجهة والمكان.
ومن حديثه(ع) عن موضع الملائكة: «وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا»[٤٨].
«الرَّجِيجِ»: الزلزلة والاضطراب، استكت المسامع: صمتت، ولم تعد تسمع، السبحات: البهاء والعظمة، وسبحات الوجه: محاسنه، و«تَرْدَعُ»: تمنع وتكف. أي أن خلف ذلك الاضطراب الذي يصم الآذان ويفقدها السمع، متسعات من النور، أي أنوارا قوية شديدة تمنع العيون أن تصل إليها، فترتدع مدفوعة، وترجع كليلة لا تقوى على مواجهتها، أو النظر إليها[٤٩].
ومن بيانه(ع) لقيام الحجة على الناس في زمانه كزمان النبي(ص): «وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ وَ لَا جُعِلَتْ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَّا وَ قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ»[٥٠].
فالله تعالى هو الذي فتح أبصارهم لينظروا ويعتبروا، وجعل لهم قلوبا ليتفكروا ويحللوا الأشياء ويدركوا أسرارها، وهو سبحانه لم يجعل الحجة في خصوص عهد النبي(ص) بل هي قائمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقال(ع) في تنزيه الله تعالى: «وَ لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ وَ الْقُلُوبُ»[٥١]. أي لا يراه ولا يعرفه أحد؛ لأن كل من أمكن الإحاطة به وإدراكه فهو محدود محصور، والله منزه عن ذلك.
ومن حنينه(ع) للأتقياء المهتدين: «أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى وَ الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى؟»[٥٢].
«الْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ»: الناظرة إلى أعلام التقوى، وفي الصحاح: «لأرينك لمحا باصرا؛ أي أمرا واضحا». استفهم متأسفا عن العقول التي لا تأخذ الحق من أئمة الهدى(ع) أين هي؟ كما تأسف للأبصار كيف لا تتطلع إلى الأعلام الشامخة في التقوى فتقتدي بها وتسير على نهجها؟ وأين القلوب الطاهرة الصافية التي وهبت لله على أن تكون في طاعته وعقدت الأمور على الالتزام بأمره؟ وفي «مَصَابِيحِ الْهُدَى» و«مَنَارِ التَّقْوَى»» استعارتان.
وقال(ع) في بعثة الأنبياء: «وَ لَكِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ رُسُلَهُ أُولِي قُوَّةٍ فِي عَزَائِمِهِمْ وَ ضَعَفَةً فِيمَا تَرَى الْأَعْيُنُ مِنْ حَالاتِهِمْ مَعَ قَنَاعَةٍ تَمْلَأُ الْقُلُوبَ وَ الْعُيُونَ غِنًى وَ خَصَاصَةٍ تَمْلَأُ الْأَبْصَارَ وَ الْأَسْمَاعَ أَذًى»[٥٣] أي برؤيتها.
ومن تحذيره(ع) من الفتنة: «فَإِنَّ الْفِتْنَةَ طَالَمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا وَ أَغْشَتِ الْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا»[٥٤]
«أَغْدَفَتْ»: الإرسال، و«الجلابيب»: جمع جلباب وهو الثوب الأعلى للمرأة، و«الغشاوة»: الغطاء، أي جعلت على البصر غشاوة منعتها من النفوذ إلى المرئيات الحقيقية، فلم يميزوا الحق من الباطل.
استعار(ع) لفظ الجلابيب لأمورها المغطية بصائر أهلها عن سلوك طريق الحق، كانعدام رؤية المرأة التي ترسل جلبابها على وجهها، كما استعار لفظ الظلمة باعتبار التباس الأمور فيها، ورشح بذكر الإغداف والإغشاء.
ومن تحذيره(ع) قثم بن العباس من جواسيس معاوية: «وُجِّهَ إِلَى الْمَوْسِمِ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْعُمْيِ الْقُلُوبِ الصُّمِّ الْأَسْمَاعِ الْكُمْهِ الْأَبْصَارِ الَّذِينَ يَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ»[٥٥]. «الْكُمْهِ»: جمع أكمه وهو الأعمى خلقة، «يَلْبِسُونَ»: يخلطون.
ومن مناجاته(ع) للباري سبحانه عند الحرب: «اللهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ وَ مُدَّتِ الْأَعْنَاقُ وَ شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ وَ نُقِلَتِ الْأَقْدَامُ»[٥٦].
«مُدَّتِ الْأَعْنَاقُ»: تضرعت، و«شَخَصَتِ الْأَبْصَارُ»: أطالت النظر دون أن تطرف؛ أي توجهت نحو السماء تأملا بإيتاء النصر والرزق.
ومن وصفه(ع) للأئمة(ع): «فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَبْصَارِ وَ الْأَسْمَاعِ وَ الْأَفْئِدَةِ»[٥٧].
أي أضاءت أبصارهم برؤية الحقائق، وأسماعهم بالاستماع إلى الحق، وأفئدتهم بفهم الحقيقة؛ فإنهم اهتدوا بعقولهم إلى عبادة الله تعالى، والتوجه إليه، فانفتحت آفاق العلم والمعرفة، فرأوا الأمور على حقيقتها، وكشفوا جوهرها، وأدركوا عمقها، ومنها أدركوا جلال قدرة الله تعالى وعظمته.
ومن خطبة له(ع) مشتملة على الملاحم: «وَ لَا تَتَرَامَوْا بِالْأَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ(ص)، مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ وَ لَا جَهِلَ السَّامِعُ»[٥٨].
«لَا تَتَرَامَوْا»: لا ينظر بعضكم إلى بعض تغامزا، فكان بعض أصحابه(ع) كثيراً ما يستنكرون أقواله؛ لجهلهم أو عداوتهم، وأكثر ما ينكرونه ما كان يخبرهم به عن الأمور الغيبية وما سيجري عليهم مستقبلاً.
ومن تذكيره(ع) بنعم الله تعالى: «جَعَلَ لَكُمْ أَسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا وَ أَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا»[٥٩]. المراد بعشى الأبصار هنا عمى القلب؛ وهو الانزواء عن الحق.
ومن حثه(ع) على التقوى وبيانه للثمرات المترتبة [عليه]: «فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ دَوَاءُ دَاءِ قُلُوبِكُمْ وَ بَصَرُ عَمَى أَفْئِدَتِكُمْ وَ شِفَاءُ مَرَضِ أَجْسَادِكُمْ وَ صَلَاحُ فَسَادِ صُدُورِكُمْ وَ طُهُورُ دَنَسِ أَنْفُسِكُمْ وَ جِلَاءُ [غِشَاءِ] عَشَا أَبْصَارِكُمْ»[٦٠].
أي أن التقوى تجلو وتكشف غطاء أبصار البصائر، وتعدها لإدراك المعقولات، كما أن الباصرة إذا ارتفع حجابها وانجلت غشاوتها، تصلح لإدراك المبصرات[٦١].
وقال(ع) في وصف عظمة خلق الخفاش: «فَلَا يَرُدُّ أَبْصَارَهَا إِسْدَافُ ظُلْمَتِهِ وَ لَا تَمْتَنِعُ مِنَ الْمُضِيِّ فِيهِ لِغَسَقِ دُجُنَّتِهِ»[٦٢].
يقال: «أسدف الليل»: اذا أظلم، و«الغسق»: ظلمة أول الليل، و«الدجنة»: الظلمة، وأضاف(ع) الإسداف إلى الظلمة للمبالغة، وكذلك إضافة الغسق لدجنته.
وقال(ع) في سبب إيجاب الصلاة والزكاة والصيام: «وَ عَنْ ذَلِكَ مَا حَرَسَ اللهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَ الزَّكَوَاتِ وَ مُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي الْأَيَّامِ الْمَفْرُوضَاتِ تَسْكِيناً لِأَطْرَافِهِمْ وَ تَخْشِيعاً لِأَبْصَارِهِمْ وَ تَذْلِيلاً لِنُفُوسِهِمْ»[٦٣]. أي حملا لها على الخشوع والانكسار.
ومن حثه(ع) على الاعتبار بالماضين: «قَدْ تَزَايَلَتْ أَوْصَالُهُمْ وَ زَالَتْ أَبْصَارُهُمْ»[٦٤]. أي تفرقت أعضاؤهم، وزالت عيونهم.
ومن إخباره(ع) بفتن تزيد المؤمنين إيمانا: «ثُمَّ لَيُشْحَذَنَّ فِيهَا قَوْمٌ شَحْذَ الْقَيْنِ النَّصْلَ تُجْلَى بِالتَّنْزِيلِ أَبْصَارُهُمْ وَ يُرْمَى بِالتَّفْسِيرِ فِي مَسَامِعِهِمْ»[٦٥]. أي يكشف الغطاء عن أبصارهم، وتغرس المعارف في قلوبهم.
ومن وصفه(ع) للمتقين: «وَ بَقِيَ رِجَالٌ غَضَّ أَبْصَارَهُمْ ذِكْرُ الْمَرْجِعِ وَ أَرَاقَ دُمُوعَهُمْ خَوْفُ الْمَحْشَرِ»[٦٦].
«غَضَّ أَبْصَارَهُمْ»: خفضها وكفها، و«الْمَرْجِعِ»: القبر وهو محل الرجوع، أو المعاد والرجوع إلى الله، و«الْمَحْشَرِ»: البعث وهو يوم يحشر الناس فيه للحساب، أي كفهم عن الالتفات إلى الدنيا اشتغال سريرتهم بأحوال الآخرة.
ومن وصفه(ع) للمتقين أيضاً: «غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ»[٦٧]. أي كفوها عما حرم الله.
ومن وعظه(ع) بالأموات: «أَ فَبِمَصَارِعِ آبَائِهِمْ يَفْخَرُونَ أَمْ بِعَدِيدِ الْهَلْكَى يَتَكَاثَرُونَ؟!... لَقَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِمْ بِأَبْصَارِ الْعَشْوَةِ»[٦٨]. «أَبْصَارِ الْعَشْوَةِ»: العيون المريضة.
وقال(ع) في صفة الملائكة وقدسيتهم: «نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ مُتَلَفِّعُونَ تَحْتَهُ بِأَجْنِحَتِهِمْ»[٦٩]. «نَاكِسَةٌ دُونَهُ أَبْصَارُهُمْ»: مطأطئة رؤوسهم بخشوع وذل لجلاله سبحانه، «مُتَلَفِّعُونَ»: ملتحفون، أو مشتملون؛ أي أنهم قد التفوا بأجنحتهم، وجعلوها أمام أعينهم خوفاً وإجلالاً.
ومن وصفه(ع) لفعل الدنيا بأهلها: «سَلَكَتْ بِهِمُ الدُّنْيَا طَرِيقَ الْعَمَى وَ أَخَذَتْ بِأَبْصَارِهِمْ عَنْ مَنَارِ الْهُدَى»[٧٠].
أي أوقعتهم في جادة منحرفة، فأسدلت على أبصارهم حجابا منعهم من رؤية منار الهدى، فلم يتمكنوا من الإيواء إليه والاستضائة بنوره من الضلال.
ومن أمره(ع) بحجاب المرأة: «وَ اكْفُفْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ بِحِجَابِكَ إِيَّاهُنَّ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحِجَابِ أَبْقَى عَلَيْهِنَّ»[٧١].
أي احفظهن في دائرة العفة والفضيلة، ولا تفسح المجال لهن في كل ما يشتهين؛ لأن التسهيل في أمرهن مفسد لهن.
من تقديسه(ع) لله سبحانه وتنزيهه: «وَ قَصُرَتْ أَبْصَارُنَا عَنْهُ وَ انْتَهَتْ عُقُولُنَا دُونَهُ»[٧٢]
لتنزهه عن الجسمية، فلا يمكن للعين رؤيته؛ لأنها إنما ترى الأجسام، كما أن العقل الإنساني محدود مهما تعاظم، فلا يستطيع أن يدرك غير المحدود؛ وهو الباري سبحانه وتعالى.[٧٣]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ معجم ألفاظ القرآن الكريم، ج١، ص١٠٠.
- ↑ سورة يوسف: ٩٣.
- ↑ سورة الملك: ٣-٤.
- ↑ سورة النجم: ١٧.
- ↑ سورة القمر: ٥٠.
- ↑ سورة الجاثية: ٢٣.
- ↑ سورة الإسراء: ٣٦.
- ↑ سورة الأحقاف: ٢٦.
- ↑ سورة النحل: ١٠٨.
- ↑ سورة محمد(ص): ٢٣.
- ↑ سورة الأنعام: ١٠٣.
- ↑ سورة البقرة: ٧.
- ↑ سورة الحشر: ٢.
- ↑ سورة ق: ٢٢.
- ↑ سورة طه: ٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٣٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٨٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٧٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٤.
- ↑ في ظلال نهج البلاغة، ج٣، ص٣٠٨.
- ↑ نهج البلاغة، قصار الحكم ٤٠٩.
- ↑ توضيح نهج البلاغة، الشيرازي، ج٤، ص٤٥٧.
- ↑ شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج٢٠، ص٤٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٥.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ١٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٤٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٧؛ ينظر حرف الألف كلمة «أهل» من هذا الكتاب (شرح مفردات نهج البلاغة) ج١، ص٤٤٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٢٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ ينظر: شرح النهج، الموسوي، ج١، ص٥٠٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٩١.
- ↑ شرح النهج، الموسوي، ج٢، ص٨٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٤٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٦٥.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣٣.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ١٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٠١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٨.
- ↑ منهاج البراعة، ج١٢، ص٢٤٨.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٥٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٣٢.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٢١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب ٣١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ السيد جعفر السيد باقر الحسيني، شرح مفردات نهج البلاغة ج٢، ج٢، ص ٢٠١.