جعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمرو المخزومي القرشي
نبذة
أمه أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أخت الإمام أمير المؤمنين(ع)، فالإمام هو خال جعدة بن هبيرة، وجعدة هو من كبار أصحاب الإمام، تربى في حجر الإمام، وترعرع في جو العلم والتقوى، ونما في ظلال الإمامة، وارتوى من ينبوع الفضيلة، ودرس على الإمام، وكان الإمام يرعاه ويحدب عليه إلى أن أمسى من أحب الناس إليه(ع).
ولد في العام الذي فتح رسول الله(ص) مكة سنة (٨)، وكان أبوه هبيرة لا يزال على الوثنية، ولم تكد مكة تستقبل رسول الله في حشود المسلمين حتى أستقل هبيرة ناقته وهرب من وجه المسلمين إلى نجران، وهناك أمضى بقية حياته ثم توفى وشيكا، ومن هذا المنطلق أضحى جعدة في ظل رعاية خاله في الثقافة والعلم والمعرفة إلى أن صار من كبار الفقهاء[١]، ومن أشراف قريش عامة، وبني مخزوم خاصة، وكان خطيبا مصقعا، ذا لسان بتار، وإذا ما ناظر فحججه تترى حتى يفحم خصمه، وعندما ازدانت الخلافة بالإمام كان جعدة في طليعة جنوده المنافحين عن العقيدة والسلوك الإسلامي.
ويبدو من بعض المراجع أن جعدة كان يسكن الكوفة حينما تسلم الإمام الخلافة حيث إن الإمام ما ان دخل البلد، واتخذه عاصمة الإسلام حتى ارتاد دار ابن اخته جعدة، وألقى عصا الترحال هناك إلى أن تم دار الإمام الخاصة، وكان جعدة يومئذ شابا في الثلاثين من ربيعه أو يكاد، مشبوب الطاقات، طموحا إلى المعالي، شجاعاً.
ولما ان نزل الإمام دار ابن أخته حتى تهللت أسارير الشاب الطموح التقي، وأشرق كيانه، بل والدار شاع فيها أريج الإمام، ونفحات الإمامة فاضحى جعدة عضيد خاله في تيسير شؤن الدولة، «وقد استعمل علي(ع) جعدة بن هبيرة»[٢].
ولما ان اندلعت نيران القاسطين حتى كان جعدة أحد قادة كتائب الإمام الناهدة إلى صفين، وهناك وفي ساحة المعركة أبلى جعدة بلاء حسنا، وأبدى من ضروب الشجاعة والتكتيك الحربي في ساحة المعركة ما اشتهر في صفوف الجيش، وأصبح يشار إليه بالبنان بل وصار القدوة الحسنة للجندي البطل المضحي، والمخلص الإمامه قائد الجيش الأعلى.
ولجعدة بن هبيرة مشهدان فريدان: مشهد مناظرة، ومشهد نضال ومعركة.
في بعض أيام صفين جمع عتبة بن أبي سفيان جنود كتيبته الكبيرة وخطبهم وحثهم على القتال ثم وعدهم أن يسير بهم إلى ساحة المعركة غدا، أما اليوم فعليهم الاعداد للغد، والتأهب لمعركة ضارية ثم إن عتبة نهد وحده إلى ساحة المعركة، وعليه امارات السلام ثم نادى: «يا جعد.. يا جعد».
فلما سمع جعدة هتاف عتبة، وكان ساعتئذ عند الإمام يبت في شأن من شؤون الجيش طلب من الإمام أن يأذن له للخروج إليه، فرمقه الإمام في عطف وحب عظيمين ثم أذن له.
خرج جعدة من مركز القيادة، وركب جواده ثم شق صفوف الجند حتى خلص إلى الساحة، وهناك شاهد عتبة وحده، ولما التقيا طفق عتبة يسرد على مسامع جعدة ما مفاده:
- إنك لا تحاربنا إلا حباً لخالك أي أمير المؤمنين(ع)، ولعمك ابن أبي سلمة عامل البحرين.
- إن الاسرة الأموية حاولت ولاء الإمام لولا شؤون كرهوها منه.
- إن معاوية أحق بالولاية على ولايته.
- إن جنود معاوية هم أنشط وأشد على القتال من معاوية نفسه، ولكن الإمام أنشط من جنوده في حربه ضد القاسطين.
- إن جنود معاوية أطوع له من جنود الإمام للامام، وأخيرا أعرب عتبة قائلاً.
- وما أقبح أن يكون عليا في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس حتى إذا أصاب سلطاناً أفنى العرب. هكذا نطق العدو، كان عتبة يتكلم متدفقا، وجعدة يصغي إليه ويفكر في أسلوب الاجابة، وفي غضون كلام عتبة تجمهر الجنود من المعسكرين حولهما يصغيان في اهتمام إلى هذا النقاش، وعندما أنهى عتبة حديثه أو قل وجهات نظره في شؤون المعركة وأسبابها حتى انبرى ابن أخت الإمام يكشف عن الاخطاء التي تحتوي عليها وجهات نظر عتبة، ويلقي الأضواء على تهافتها وانفصامها وانحراف مرماها. قال جعدة تلميذ الإمام وخريج مدرسته.
- أما حبي لخالي فوالله لو كان لك حال مثله لنسيت أباك[٣]. وهنا انطبعت على شفاه الجنود المحتشدين الملتفين حولهما بسمة ساخرة أو ضحكة متهكمة، وهم يرمقون عتبة، فكاد ينفجر أعصارا لولا أنه تجلد.
- وأما ابن أبي سلمة فلم يصب أعظم من قدره، والجهاد أحب إلي من العمل.
- وأما فضل أمير المؤمنين على من سواه فهذا ما لا يختلف فيه اثنان.
- وأما رضاكم بمنطقتكم وولايتكم، فقد رضيتم بها أمس فلم يقبل.
- وأما قولك إنه ليس بمنطقتنا رجل إلا وهو أجد من معاوية، وليس بالعراق لرجل مثل جد علي، فهكذا ينبغي أن يكون، مضى بعلي يقينه، وقصر بمعاوية شكه، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل.
- وأما قولك نحن أطوع لمعاوية منكم للامام، فوالله ما نسأله إن سكت ولا نرد عليه إن قال.
- وأما قتل العرب فإن الله كتب القتل والقتال فمن قتله الحق فإلى الله.
وما إن أنهى جعدة حججه الدامغة، وأدلته الكاشفة حتى انفجر عتبة غاضبا مزمجرا خاصة عند ما لمح سخرية الجنود منه، حينما قال جعدة: أما لخالي فوالله لو كان لك خال مثله لنسيت أباك، وأيضا حينما لوح في أن الحق في جانبهم - أي في جانب معسكر الإسلام - غضب عتبة وأمسى فمه فوهة شتائم وسباب رخيص وجهها نحو تلميذ الإمام، ولكن التلميذ الهادئ الأعصاب، الوضاء الحجة بعد أن شاهد أن الجنود قد أطمأنوا إلى حججه، لمح ذلك في قسمات وجوههم وزغردة عيونهم. إن التلميذ الهادئ لم تستثيره الكلمات النابية، والسباب الهابط، فأشاح بوجهه عنه، وأعرض عن سبابه.
ترى أي وزن للرجل المستهتر في معيار «التربية» حتى تكون لكلماته الجارحة، وسبابه الرخيص وزن أو رد فعل، ونحاول أن نقف لحظات في النقطة الأخيرة من أدلة تلميذ الإمام: جعدة.
«وأما قتل العرب، فإن الله كتب القتل والقتال، فمن قتله الحق فإلى الله».
إن التاريخ مشحون بالمعارك الطاحنة، وساحات القتال شهدت الأشلاء المبعثرة أو تلال القتلى.
والحرب العالمية الثانية ضربت الرقم القياسي في فداحة المعارك، وضخامة أرقام القتلى، إن القتال أو المعارك هي من سنن التاريخ العام للبشرية، إذن لا معدى عن القتال، والتاريخ أمامنا، والحياة المعاصرة المشبوية الاوار، والمصبوغة بالوان الحمرة القانية نراها عن كثب، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي أهداف هذه المعارك؟ وفي سبيل أي اتجاه يقتل أو يستشهد الجندي أو الجنود في ساحات القتال.
إن هذا السؤال أجاب عنه تلميذ الإمام، وخريج مدرسته، وألقى الأضواء عليها:
إن الجندي إما أن يستشهد في سبيل الحق والحقيقة على مسرح الواقع، وإما أن يقتل الجندي في سبيل الباطل، في سبيل مطامع القادة أو سيطرتهم فحسب أو في سبيل تركيز هذه القاعدة: «الغاية تبرر الواسطة».
إن الجندي إن استشهد في سبيل الحق، فإلى الله ومصيره إلى الجنة والنعيم المقيم، وإن قتل الجندي في سبيل الطاغوت، في سبيل الباطل وهو يعلم أن قتاله في سبيل الباطل على كثرة ألوانه وصوره البراقة، فمصيره إلى الزبانية والضنك والضيق، طالما ان القتال لا معدى عنه.
إن أمام الجندي هذان المنهجان، وهذان الخطان، فليختر أحدهما، فإن المآل يعود إلى أحدهما، وإذا كان القتل في سبيل الله فأي غضاضة في هذا الاستشهاد.
وهكذا عبر تلميذ الإمام: أن الحق في جانبهم مما أثار غضب مناظره ثم وفي صباح اليوم التالي كانت كتيبة عتبة على أهبة الاستعداد، وكان قائدها قد شمر عن ساعد الجد، وألقى إلى المعركة أقصى طاقاته وإمكانياته، وفي نفس اللحظة كان تلميذ الإمام جعدة القائد الكمي يقود كتيبة إلى ساحة المعركة.
التحم الفريقان، وكان القائدان قد دخلا في غمار المعركة، وأوغلا الصراع، وصبرت الكتيبتان للنضال، ولكن عتبة الذي كان يستند في نضاله في سبيل مغنم مادي، وكانت معنوياته المهيبة به على قدر هذا المغنم، فإنه لم يمكنه الصبر أكثر مما تصبر الأمر الذي لوى عنان جواده ولاذ بالفرار مخلفا جنوده في ساحة المعركة بين فكي أسود الإمام.
وكان جعدة وهو يستند في معركته إلى الإسلام ونفحات الإيمان، فإنه جالد وأثار الحماس المستطير في جنوده، فقاتلوا، ولكن ما إن انتشر خبر فرار عتبة في صفوف جنوده حتى هربوا هم أيضا مخلفين المعركة وراءهم، وهناك وفي سرادق معاوية كان عتبة مصدر تندر أخيه، وقد شاهده يلهث في قراره، قال له وهو يضحك في خبث: هزمك جعدة، لا تغسل رأسك منها أبدا، فقال عتبة: لا والله لا أعود إلى مثلها أبدا، ولقد أعذرت، وما كان على أصحابي من عتب، ولكن الله أبى أن يديلنا، فما أصنع.
عاد جعدة البطل الكمى، والذي اقتبس شجاعته من خاله أشجع إنسان إطلاقاً إلى الإمام بالنصر المؤزر، فحظى عنده، وأثنى عليه الإمام[٤].
فقال النجاشي: يستعرض المناظرة بينهما، ويعدد فضائل جعدة بن هبيرة ومميزاته الرائعة على الصعيد النفسي والعسكري والاجتماعي.
| إن شتم الكريم يا عتب خطب | فأعلمنه من الخطوب عظيم | |
| أمه أم هانئ وأبوه | من معد ومن لؤي صميم | |
| ذاك منها هبيرة بن أبي وهب | أقرت بفضله مخزوم | |
| كان في حربكم يعد بألف | حين تلقى بها القروم القروم | |
| وابنه جعدة الخليفة منه | هكذا يخلف الفروع الاروم | |
| كل شيء تريده فهو فيه | حسب ثاقب ودين قويم | |
| وخطيب إذا تمعرت الأوجه | يشجى به الألد الخصيم | |
| وحليم إذا الحبى حلها الجهل | وخفت من الرجال الحلوم | |
| وشكيم الحروب قد علم الناس | إذا حل في الحروب الشكيم | |
| وصحيح الأديم من نغل العيب | إذا كان لا يصح الاديم | |
| حامل للعظيم في طلب الحمد | إذا أعظم الصغير اللئيم | |
| ماعسى أن تقول للذهب الأحمر | عيباً هيهات منك النجوم | |
| كل هذا بحمد ربك فيه | وسوى ذاك كان وهو فطيم[٥] |
وقال الأعور الشنى يهجو عتبة:
| ما زلت تنظر في عطفيك ابهة | لا يرفع الطرف منك التيه والصلف | |
| لا تحسب القوم إلا فقع قرقرة | أو شحمة بزها شاوٍ لها نطف | |
| حتى لقيت ابن مخزوم وأي فتى | أحيا مآثر آباء له سلفوا | |
| إن كان رهط أبي وهب جحاجحة | في الأولين فهذا منهم خلف | |
| أشجاك جعدة إذ نادى فوارسه | حاموا عن الدين والدنيا فما وقفوا | |
| حتى رموك بخيل غير راجعةٍ | إلا وسمر العوالي منكم تكف | |
| قد عاهدوا الله لن يثنوا أعنتها | عند الطعان ولا في قولهم خلف | |
| لما رأيتهم صبحا حسبتهم | أسد العرين حمى أشبالها الغرف | |
| ناديت خيلك إذ غض الثقاف بهم | خيلي إلى فما عاجوا ولا عطفوا | |
| هلا عطفت على قتلى مصرعة | منها السكون ومنها الأزد والصدف | |
| قد كنت في منظر من ذا ومستمع | يا عتب لولا سفاه الرأي والسرف | |
| فاليوم يقرع منك السن عن ندم | ما للمبارز إلا العجز والنصف[٦] |
وهكذا أصبح موقف جعدة بن هبيرة في الساحة انشودة على لسان الشعراء وانتشرت في صفوف الجنود يترنمون بها ويستوحون منها الشجاعة والقوة ثم دخلت في عالم الأدب العربي.[٧]
جعدة بن هبيرة والي خراسان
ولما رجع الإمام من صفين، وكان جعدة قد أبدى في ساحات المعارك بطولات فذة في الذود عن حياض الإسلام، فحاول الإمام أن يكافئه على جهوده المشكورة، ففوض إليه «ولاية خراسان» وهي من كبريات الولايات الإسلامية الواقعة تحت ظل راية الإمام، نهض جعدة باعداد الرحلة الطويلة والشاقة إلى نيسابور.
أبلغ جعدة صفوة رفاقه بولايته الجديدة، وعرض عليهم صحبته في هذه الرحلة، فاستجابوا لهذا العرض السخي. إنها رحلة، وإنها ولاية وجاه وسلطان وحياة رغيدة، تحركت قافلة جعدة بن هبيرة الوالي الجديد على منطقة شاسعة لها سماتها الجغرافية، الخاصة، ولأهلها الثقافة والتقاليد واللسان الخاص بهم.
إن جعدة ورفاقه، وكان بعض رفاقه من الفرس المسلمين الذين يتقنون اللغة الفارسية الخراسانية، إن جعدة ورفاقه يسيرون إلى منطقة غريبة عنهم، وإن كانوا قد سمعوا بعض مواصفاتها على السنة المسلمين، تحركت قافلة جعدة بن هبيرة وشيعها الإمام وأصدر تعاليمه إلى عامله، سارت القافلة عبر البلدان والقرى عبر الصحاري،عبر الوهاد والوديان، عبر الجبال الشماء، أهل القرى والمدن، لقد سارت عبر أرض مستوية حتى بلغت قصر شيرين، ومن هناك سارت تقطع الجبال والوديان في طريقها إلى حلوان، ودينور، وقرمسين، ومن قرمسين سارت القافلة بعد أن قضت فترة في المدينة تتزود بزادها، وتلقي عن نفسها وعثاء الرحلة، ومتاعب الطريق سارت القافلة وهي متأهبة لقطع الجبال الخشنة العالية، الذرى والعقبات الملتوية، وهذه المنطقة الشاسعة بالذات أطلق عليها التاريخ بمنطقة الجبال.
سارت القافلة، وهي تبذل قصارى جهدها لمواصلة الرحلة بين هاتيك الجبال الشاهقة، والوديان الهابطة العميقة الغور حتى بلغت مشارف جبال أسد آباد الهائلة، ومنها انحدرت باتجاه مدينة همذان، وقد أخذ منها المتاعب مأخذها، وكادت النفوس تنقطع دون بلوغ المدينة، وما إن أشرف الركب على المدينة المشرقة بجمالها وبهائها، بأشجارها وأزهارها، بأنهارها ومياهها المتدفقة حتى شعر أن المتاعب المرهقة تبددت تماما كالضباب المتكائف الذي تبدده أشعة الشمس المشرقة.
انحدر الركب إلى المدينة من جبال الوند» وهناك، وفي المدينة استقبلهم عامل المدينة بالحفاوة والتكريم، وأمضى الركب فترة ممتعة ة في البلدة الجميلة برياضها ومياهها الهادرة، وبجبالها المحيطة بها كالسوار المحيط بالمعصم.
ثم انطلق ركب جعدة يبادر غايته، وكان الطريق أمامه سهلا فسيحا لا يحده الرؤية الا أن تكون هناك بضعة تلال تثير بعض المتاعب التي سرعان ما تخف حينما يعود الأرض إلى فسحة النظر، مر ركبنا الذي كانت الأمال تثير فيهم الحماس والنشاط في الحركة، والأماني تحدوهم نحو الغاية. مر الركب على مدينة «كرج» و«ساوة» ومنها سار الركب في أرض سهلة حتى بلغ إلى الري، وهنا ألقى موكب جعدة عصى الترحال ريثما يعود إليه نشاطه وقوته بعد مشاق الطريق، ونزل الموكب ضيوفا على عامل المدينة، واحتفى بهم العامل، وأعد على شرفهم ضيافة كبرى أشترك فيها كبار الموظفين، والشخصيات الاجتماعية البارزة ...
سار الركب ميمما شطر نيسابور قاعدة خراسان، ولكن أين هو من نيسابور إن الشقة لا زالت بعيدة وغم الأسابيع التي أمضاه في الرحلة والحركة، ورغم المتاعب الهائلة لا جرم أن جغرافية البلاد أيضا غريبة على حواسه ومشاعره تماما كما ان لغتها وتقاليدها أيضا غريبة عليه الا ان هناك العقيدة هي مثار العطف والحب المتبادل.
سار جعدة ورفاقه يقطعون الطريق في أرض فسيحة سهلة يكاد لا يستوعبه مرمى البصر الحديد، مضى الركب ليالي وأياما طوالا، فمر على «قومس» ومدنا وبضعة قرى، وأشرف الركب على مدينة «خسروجرد» بعد أن عبر عقبة كأداء، ومن هناك واصل جعدة ورفاقه الرحلة، وما هي إلا ساعات حتى بلغوا إلى قصبة سبزوار، واستقبلهم أهلها استقبالا حافلا بعد أن علموا بسمات الركب الناهد. أليس أن أهلها يوالون الإمام أمير المؤمنين علي(ع) الولاء الفذ، وهذا ابن أخت الإمام، ووالي خراسان المرسل من قبله إذن دع أهلها يبذلون جهدهم في النصيحة والحفاوة والاكرام، وتمهل الركب في هذه القصبة حيث إن الوفود تقاطرت من القرى المجاورة مهنئة ومستبشرة بابن أخت الإمام، والوفد المرافق له، ولكن شعر جعدة ورفاقه أن الأهلين يهمسون بأحاديث تستشعر معالم الاشفاق والنذير، تساءل جعدة ورفاقه عن هذه الهمسات ماهي، وعن ماذا؟ أهي همسات عن ملامح الضيوف الكرام وهيئات ملابسهم وزيهم أو ان الهمسات لا تمت إليهم بصلة بل ترتبط بشؤون أخرى، ولكن لماذا هذا الامتعاض الذي يلوح في الوجوه بعد الهمسات؟ ولكن لما كانت أحاديث النجوى متكررة وبشكل واضح أحب جعدة ورفاقه أن يتعرف على مضمون هذه الهمسات الأمر الذي سأل جعدة بواسطة مترجمه المرافق له كبير أهل القصبة عن مضمون هذه الهمسات، وعن الملامح المشفقة، والنظرات المعبرة عن العطف.
أطرق كبير القصبة مفكرا ثم رفع رأسه، ونظر إلى ابن أخت الإمام نظرات حب وعطف واشفاق، وتريث وقال في كلمات هادئة وئيدة ما ترجمتها: «إن هناك حركات وانتفاضات مناوئة للدولة في نيسابور، ومرو، وهما من أكبر مدن خراسان».
وما كاد الرجل يتفوه بهذه الكلمات حتى بوغت المترجم، وارتسمت في محياه امارات الألم والامتعاض فبادره جعدة وقال: «ماذا يقول الرجل»، فترجم له مترجمه الخاص كلمات الرجل.
وهنا وعلى جعدة كانت الكلمات أشد وقعا، والمباغتة أكبر فطفق جعدة يحث مترجمه الخاص أن يسأل الرجل الخبير بالأحداث الواقعة في منطقة خراسان، أن يسأل عن أنباء هذه الحركات المناهضة، وظروفها وملابساتها، فقال الرجل زعيم القصبة: ان الانباء وصلتنا أن ثلاث فرق تعاضدت للعمل ضد الدولة بعد أن ادركت هذه الفرق التوتر السياسي - بأبعاده - الذي يكاد أن يعصف بالدولة، والحروب الداخلية بين الإمام ودولته الشرعية وبين الطامعين والناكثين، أضاف الرجل قائلا: إن هذه الفرق الثلاثة من منطلق هذه الرؤية قامت بتحركاتها المناوئة.
تساءل جعدة: يا ترى من هي هذه الفرق، وما هي هويتها وملامحها وسماتها؟
قال الرجل: الفرقة الاولى هي الاسرة الساسانية الحاكمة التي غزاها الإسلام فبدد أحلامها في الحكم الطويل.
أضاف الرجل: إن هذه الفرقة هي المتزعمة للفرقتين التاليتين، ولقد سمعنا أن بنت كسرى يزدجرد تقود هذه الحركة.
الفرقة الثانية: هي أصحاب المصالح المؤممة في عهد الحكم الساساني، هؤلاء الذين فقدوا مصالحهم وجاههم ونفوذهم على أثر اشراقة الإسلام، وانتشاره في ربوع الدولة الساسانية.
الفرقة الثالثة: فرقة أمنت بالإسلام كعقيدة ومنهج ثم ارتدت بسبب: هي اغراء الفرقة الاولى والثانية ودعوتهما لها ببريق المال والجاه والمنصب والثراء، وهذه الفرقة كانت من رعايا الدولة الساسانية، ومن سواد الشعب. هذه الفرق الثلاثة تشكل نواة التحركات، ثم قال زعيم القصبة الناصح الامين:
ولقد توالت الأخبار تقول: إن الاسرة الساسانية تمد الانتفاضة في «ابر شهر» بالعتاد الحربي، والجنود، والذخيرة تمد كل ماله صلة بالمعركة، المعركة الطاحنة بين قواها، وقوى الإسلام.
أضاف الناطق: إن المسؤولين عن التحركات يتشوفون إلى رد فعل الدولة في العاصمة، وهنا ختم الزعيم السبزواري حديثه المعبر عن التوتر السياسي في المنطقة.
كان المترجم الخاص لجعدة قد ترجم حديث الزعيم حرفيا ذلك الحديث المشير إلى عاصفة تكاد تهب في المنطقة، وان النذر تلوح في الافق.
جنح جعدة الوالي الجديد إلى الصمت مفكرا في مسيرته هذه أيتابع رحلته إلى مقر ولايته وها هي تضطرم بلفحات لهيب عاصفة، وتعج بالمعادين للدولة، والمساندين للاسرة الساسانية، تساءل جعدة: يا ترى لو واصل رحلته إلى «أبرشهر» وها هي على قيد مرمى رمح، ثم وصل خبر الرحلة إلى المناوئين، فماذا سيكون مصيره؟ أليس المصير الحتمي له ولرفاقه الذين يمثلون الدولة، وفي أعلى المستويات هو القاء القبض عليهم واعتقالهم كرهينة يساومون عليها إذا اقتضى الأمر الدولة المركزية، ولربما كان هناك في صفوف الخارجين على سلطان الدولة بعض المتطرفين، فطلبوا من الزعماء اعدام الرهائن.
كان التفكير يسير بصاحبنا جعدة زعيم القافلة الصغيرة الناهدة من العاصمة إلى «أبر شهر» لتستلم زمام السلطة، كان التفكير يسير به رويدا تارة، وحاميا مشبوب الحماس تارة أخرى، وهنا قال أحد رفاقه وقد علم بالأحداث المستجدة في المنطقة يعرض رأيه على زعيم القافلة: «ماذا يا ترى لو استنفرنا الناس، وكونا كتائب من هنا وهناك من البلدان الموالية للدولة، وحشدنا الجنود ثم قذفنا بهم في وجه الخارجين على سلطان الدولة حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وكي نصبح وقد أعذرنا إلى أنفسنا وإلىالدولة التي نمثلها».
إنها فكرة تبدو لأول وهلة حرية بالاهتمام والتنفيذ، ولكن هناك عوائق تقف دون تنفيذ الفكرة.
- على جعدة أن يخبر الإمام بالاجواء السياسية التي تعيشها خراسان أو قل ولاية خراسان، وهى تكون أكبر ولاية فى العالم الإسلامي يومذاك، ثم بعد رسم مخططات العدو كاملة، وإطلاع الإمام عليها يأتي دور تعليمات الإمام التي يصدرها في هذا الصدد، والتي يجب تنفيذها، فيا ترى ما هي نوعية هذه التعليمات، فهل هي تعليمات تتمثل في دخول الدولة معركة ضارية ضد الفرق الخارجة؟ أو أنها تعليمات سلمية تستهدف الدخول في مفاوضات.
- كيف بامكان القافلة الصغيرة ان تستنفر الناس، وتطلب الامدادات من المدن القريبة والبعيدة لأبرشهر، والموالية للدولة ان هذا الاستنفار يتطلب أن يكون المستنفر شهيرا في الوسط الاجتماعي في الولاية، والولايات الاخرى.
يا ترى من يعرف هوية القافلة أو سمات جعدة أو شخصيته الا القلة القليلة التي لا يؤبه لها في هذا الظرف الحازب، وفي مواجهة العناصرالخارجة.
ثم انه لو فرضنا أن جعدة كان له شخصية شهيرة في الوسط الاجتماعي، فمن أين له المال والعتاد والذخيرة لتكوين جيش لجب يقذفه في وسط المعركة، أن المشكلة تعود في حلها إلى العاصمة مركز قيادة العالم الإسلامي.
ثم ان هناك مشاكل أخرى شعر بها جعدة، وتلمسها من خلال الظروف الاجتماعية والاقتصادية، ومن غضون الأوضاع الزمانية والمكانية الحاكمة.
ان جعدة شعر بالمشاكل الآنفة، وأدرك مشاكل أخرى لم يهتد إليها رفاقه مما دعاه إلى رد الفكرة المعروضة، ولكن أليس الأجدر به وبرفاقه أن يواصلوا الرحلة إلى أبرشهر، وهي تكاد تكون على مرمى رمح من قصبة سبزوار[٨] ويسيروا إليها متنكرين كي يسلموا من المخاطر أو القبض عليهم، ثم وهناك في ساحة الأحداث يتأملون لون الحركة الخارجة أو الحركات الخارجة على سلطان الدولة، وما هي سماتها وملامحها، وما هي أهدافها وأتجاهاتها، مشاعرها وأحاسيسها، ثم يجسوا نبض القوى الموالية للامام أو قل يجسوا نبض سواد الشعب الذي حاصرته هذه الفرق الخارجة.
ثم ان هناك معلومات تستطيع قافلة جعدة الصغيرة ان تحصل عليها لو انها سارت متنكرة إلى منطقة الأحداث والتحركات، وهنا أضاءت في ذاكرة جعدة بارقة أمل في أن يتوصل إلى كرسي الولاية، ثم يحاول أخماد اللهيب المثار.
أصدر جعدة تعاليمه إلى القافلة الصغيرة بالتحرك باتجاه مدينة «أبرشهر» وقبل الرحيل أمرهم أن يتنكروا في أزيائهم، ويتخذوا زي أهل خراسان، وبالفعل أضحت القافلة في زي أهل البلاد، ولكن الجوانح واللسان يختلف إلى حد كبير عن أهل البلاد، ثم أصدر جعدة تعليماته إلى أصحاب القافلة أن لا يتكلموا أو يتفوهوا بكلمة أو نأمة كي لا يفتضح التنكر في الزي، وفي نفس الوقت أصدر جعدة تعليماته إلى بعض رفاقه في القافلة من الفرس الذين يتقنون اللغة الفارسية فأمرهم أن يكونوا واجهة القافلة، ولسانها الناطق، وممثليها المعيرين عنها، وإن يكونوا حذرين وأذكياء، وذوي مبادرة قبل أن يخلص أحد من أهل المنطقة إلى القافلة ليتحدث لواحد من أبناءها حتى تكتشف الخطة التنكرية، ثم إن جعدة ورفاقه ودعوا زعيم سبزوار المخلص، وألقوا إليه أن يكتم اتجاه رحلتهم أو يعرضها على انها اتجاه معاكس مثلا إلى العاصمة.
سارت القافلة باتجاه «أبرشهر» أو «نيسابور»، وكانت القافلة تسير في ساعات الليل حيث الهدوء، والنسيم العليل، والظلام المخيم، وإذا ما أقبل النهار بأضوائه كمنوا، وفي ثنايا ليلة أو ليالي بلغوا «أبرشهر» مبائة التوجسات والمؤامرات، وكانت القافلة على امتداد الطريق من سبزوار _أبرشهر ترهف المسامع، وتحد النواظر، وتشحذ المشاعر، وتتشوف إلى الأخبار التي يلقيها إليها الركبان أو عابروا السبيل الذين يظن فيهم خيرا، ولا يتوجس منهم شرا أو غدرا في مثل هاتيك الظروف المتوترة ...
بلغ الركب إلى «أبرشهر» وهناك شاهدوا عيانا الجنود المدججة، والخطب المحرضة، والارهاب المسيطر على المدينة كي لا يستطيع سواد الناس الموالون للدولة في المدينة أو خارجها أن يعارضوا أو يحملوا راية المعارضة، وكان هناك في المدينة إعلام خطير قد أصم المسامع، وسد منافذ العقل. كان الاعلام الذي شنته الفرق الثلاثة ضد الدولة يتكون بذوره من تاريخ قريب لمسه الناس، وذاقوا ظلمه وظلماته، كان الاعلام الخطير يعدد الجرائم التي ارتكبها الولاة قبل عهد الإمام، ويرسم صور الولاة في جبايتهم للأموال في صورة مستهترة عليها طابع اللامسؤلية، والجشع، والنهم.
أليس أذاقوا المظلوم العسف والحيف، ونعم الظالم الضالع في ظلمهم بالحياة الرغيدة، والترف والأمان. نعم، والاعلام إذا لامس القلوب، وجاءها من مكمن تجاربها ومشاعرها عن واقع الحياة التي عاصروها ونهلوا من كأسها المر. إن الاعلام في طابعه هذا سيكون خطرا، وإن كان الاعلام يزيف الواقع المعاصر مع الواقع الغابر، ويجعلهما صورة واحدة مع العلم أنهما صورتان: أحداهما مضيئة، والأخرى معتمة حقيقة.
ولكن الناس في كل زمان ومكان هم الناس ينساقون مع الاعلام، مع أصحاب الترف، وعلية القوم، هذا إذا كان الاعلام مزيفا من جذوره، فكيف لو كان الاعلام يستعرض بعض الحقائق من واقع تصرف الولاة مع الناس تصرفاً أهوج ومعتم، إن هذا الاعلام سيقدس من قبل الشعب، ويتخذ أقواله التقديس والقبول من دون مناقشة.
كان الوضع متدهورا خطيرا للغاية خاصة والأخبار توالت إن مرو أيضا ضالعة في هذه الحركة التمردية، وهناك القرى والمدن الصغيرة منقسمة على نفسها بين مؤيدة للمتمردين وبين شاجبة لها ومؤيدة للدولة.
وحينما أرتسمت لدى جعدة صورة كاملة عن حركة المتمردين، وعن مصادرها ودوافعها واتجاهاتها خلف هو ورفاقه المدينة، واتجهوا نحو الإمام، نحو العاصمة، وهناك وفي العاصمة أنبأوا الإمام عن الأوضاع الراهنة في خراسان الأمر الذي بادر الإمام وأرسل جيشا على رأسه «خليد بن قرة اليربوعي» والتحق بالجيش مجموعات من هنا وهناك من البلدان التي مر عليها «ابن قرة» في طريقه نحو نيسابور، وما إن بلغ نيسابور حتى طوق المدينة، ثم جرت مفاوضات بينه وبين المتمردين حتى اثمرت المفاوضات عن صلح مشرف، وأعاد ابن قرة النظام إلى المدينة، ثم سار وجيشه إلى مرو، وهناك أيضا صالحه أهل مرو على غرار صلح نيسابور[٩].
وأعاد ابن قرة النظام والأمن إلى حوزة خراسان، وأثبت سيادة الدولة عليها بعد أن ألقى القبض على رؤوس المتمردين[١٠]
ابن هبيرة وامتحان الخطاب
وفي ذات كانت حشود الناس متجمهرة، فاحب الإمام أن يلقي ابن أخته الاريب عنده جعدة بن هبيرة كلمة امام الحشود المحتشدة، وتلبية لرغبة الإمام صعد ابن هبيرة المنبر مرقاة مرقاة بأناة، وهو يفكر في الكلمة التي يجب عليه أن يلقيها على الحشود، كان يفكر ويعصر فكره عله يسعفه بالأمل، كان التفكير في مساره وإذا يجد نفسه أمام الجمهور المحتشد وجها لوجه: هناك القادة، وكبار رجال الدولة، والعلماء، والفقهاء، تلامذة الإمام، كان الجميع يرمقون الفتى الخطيب في إعجاب وتقدير. أليس هو جعدة ريحانة بني مخزوم وفتاها الشجاع الكمي؟ بدأ الفتى في إستهلال الكلمة: الحمد لله، والثناء العاطر، والصلاة على رسول الله، انها كلمات محفوظة لديه، وكان ابن هبيرة في خلال الاستهلال يعصر فكره على الخطبة المرتقبة، ولكن ما إن انتهت الكلمة الأخيرة من الاستهلال حتى سكت.. سكن.. توقف.. تلعثم لسانه، كان يحاول جاهدا أن يخرج من مأزق الصمت الذي سيطر عليه، وعلى الجمهور المحتشد الذي كان يرمقه، وقد ارتسمت في بعض الملامح بسمة ساخرة، وأخر انطبعت في ضحكة مشفقة مكتومة، وثلة ثالثة من الجمهور كانت تنظر إليه كما ترنوا إلى جماد لا تثير فيها مشاعر الفتى وموقفه العصيب شيئاً.
إن ابن هبيرة ملكته رهبة الموقف فهناك المعصوم صلوات الله عليه فحصر تماما، فلم ينبس بكلمة بل حتى إنه نسى أن يترك المنبر أو ينزل من المنبر، انه بقى واقفا حتى سمع هاتفا يهتف به: «لا عليك إنزل» فينزل بدون ارادة، انه شعر بخيبة أمل في لسانه، وفي خاطره الذي لم يسعفه بكلمات ينهى لحظات الخطاب.
كان الإمام أمير المؤمنين(ع) على مرأى ومسمع من ابن أخته، وهو الذي أمره أن يلقي خطابا على المحتشدين، ولما شاهد الإمام هذا المشهد بادر وصعد المنبر، وكان الناس بعد نزول ابن هبيرة يخوضون في تعليقات وإنتقادات على موقف ابن هبيرة، ولما رمقوا الإمام فوق ذروة المنبر حتى ساد الصمت، وطفق الإمام يخطب، ويستعرض فلسفة الحصر، وفلسفة الاسترسال، ومواقف اللسان في حصره واسترساله، ويبين فصاحة أهل البيت، فقال: «أَلاَ إِنَّ اَللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ اَلْإِنْسَانِ فَلاَ يُسْعِدُهُ اَلْقَوْلُ إِذَا اِمْتَنَعَ وَ لاَ يُمْهِلُهُ اَلنُّطْقُ إِذَا اِتَّسَعَ وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ اَلْكَلاَمِ وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ فَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اَللَّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ اَلْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ وَ اَللِّسَانُ عَنِ اَلصِّدْقِ كَلِيلٌ وَ اَللاَّزِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى اَلْعِصْيَانِ مُصْطَلِحُونَ عَلَى اَلْإِدْهَانِ فَتَاهُمْ عَارِمٌ وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ وَ قَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ لاَ يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ وَ لاَ يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ».
قال ابن ميثم بالحرف الواحد بعد أن استعرض كلام الإمام هذا: «ثم خطب خطبة طويلة ذكر الرضي رحمه الله منها هذا الفصل»[١١].
إن جعدة بن هبيرة رضوان الله عليه لازم الإمام ملازمة الظل ينتهل من نمير علومه، ويقتبس من سيرته المشرقة، ويتتبع خطاه، دع أن الإمام خاله تربطه به وشيجة عريقة، وصلة وثيقة يكاد يطير فخرا بمرافقته للامام، ومناصرته له.
وقبل أن تحدث الفادحة الكبرى بأسبوع، والتي أدت إلى استشهاد الإمام(ع) كان جعدة مع الإمام، ومعه جمهور عظيم من الناس.
نعم في وسط العاصمة، وفي ساحة كبيرة كان الناس ينتظرون خطبة الإمام، ولكن لما كانت أرض الساحة منبسطة، ولم يكن هناك منبر أو اكمة يصعد عليها الإمام ليواجه الشعب بخطابه، فإن جعدة الحريص أن تجري الأمور حسب ما يرام بادر وحمل صخرة ضخمة، وأتى بها باتجاه موقف الإمام ونصبها للإمام.
وقف الإمام على الصخرة ثم طفق يخطب الشعب أو يخطب التاريخ والأجيال، أصغى جعدة إلى خطبة الإمام، إلى تعاليم الإمام، إلى مشاعر الإمام الندية المباركة.
أنها الخطبة الأخيرة للامام أمير المؤمنين(ع) المنطلقة بالعبر والعظات تشق أجواء الزمان والمكان.
رمق جعدة خاله وهو متدفق في خطابه، وإذا البساطة المتناهية في زيه(ع)، عليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان، ولكن الشيء المعبر عن تفاني الإمام في عبادة الله سبحانه وتعالى هو: «وكأن جبينه ثفنة بعير».
هذا تعبير عن مظهر الإمام وهيئته. أما مشاعره وروحه الطيبة المشرقة، فإليك نص خطابه: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ اَلْخَلْقِ وَ عَوَاقِبُ اَلْأَمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ وَ نَيِّرِ بُرْهَانِهِ وَ نَوَامِي فَضْلِهِ وَ اِمْتِنَانِهِ حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَ لِشُكْرِهِ أَدَاءً وَ إِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَ لِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً وَ نَسْتَعِينُ بِهِ اِسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُؤَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَ اَلْقَوْلِ وَ نُؤْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً وَ أَنَابَ إِلَيْهِ مُؤْمِناً وَ خَنَعَ لَهُ مُذْعِناً وَ أَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَ عَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَ لاَذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً. لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي اَلْعِزِّ مُشَارَكاً وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرُوثاً هَالِكاً وَ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَ لاَ زَمَانٌ وَ لَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَ لاَ نُقْصَانٌ بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلاَمَاتِ اَلتَّدْبِيرِ اَلْمُتْقَنِ وَ اَلْقَضَاءِ اَلْمُبْرَمِ فَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ اَلسَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلاَ عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلاَ سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَ لاَ مُبْطِئَاتٍ وَ لَوْ لاَ إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ إِذْعَانُهُنَّ بِالطَّوَاعِيَةِ لَما جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَ لاَ مَسْكَناً لِمَلاَئِكَتِهِ وَ لاَ مَصْعَداً لِلْكَلِمِ اَلطَّيِّبِ وَ اَلْعَمَلِ اَلصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاَماً يَسْتَدِلُّ بِهَا اَلْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ اَلْأَقْطَارِ لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا اِدْلِهْمَامُ سُجُفِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ وَ لاَ اِسْتَطَاعَتْ جَلاَبِيبُ سَوَادِ اَلْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي اَلسَّمَاوَاتِ مِنْ تَلَأْلُؤِ نُورِ اَلْقَمَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ وَ لاَ لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ اَلْأَرَضِينَ اَلْمُتَطَأْطِئَاتِ وَ لاَ فِي يَفَاعِ اَلسُّفْعِ اَلْمُتَجَاوِرَاتِ وَ مَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ اَلرَّعْدُ فِي أُفُقِ اَلسَّمَاءِ وَ مَا تَلاَشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ اَلْغَمَامِ وَ مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ اَلْأَنْوَاءِ وَ اِنْهِطَالُ اَلسَّمَاءِ! وَ يَعْلَمُ مَسْقَطَ اَلْقَطْرَةِ وَ مَقَرَّهَا وَ مَسْحَبَ اَلذَّرَّةِ وَ مَجَرَّهَا وَ مَا يَكْفِي اَلْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَ مَا تَحْمِلُ اَلْأُنْثَى فِي بَطْنِهَا. وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لاَ يُدْرَكُ بِوَهْمٍ وَ لاَ يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ وَ لاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَ لاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَ لاَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَ لاَ يُحَدُّ بِأَيْنٍ وَ لاَ يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ وَ لاَ يُخْلَقُ بِعِلاَجٍ وَ لاَ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ وَ لاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ اَلَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً بِلاَ جَوَارِحَ وَ لاَ أَدَوَاتٍ وَ لاَ نُطْقٍ وَ لاَ لَهَوَاتٍ . بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا اَلْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ فَصِفْ جِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جُنُودَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ اَلْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو اَلْهَيْئَاتِ وَ اَلْأَدَوَاتِ وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَمٍ وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ. أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي أَلْبَسَكُمُ اَلرِّيَاشَ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ اَلْمَعَاشَ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى اَلْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ لِدَفْعِ اَلْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ اَلَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ مَعَ اَلنُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ اَلزُّلْفَةِ فَلَمَّا اِسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَ اِسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ رَمَتْهُ قِسِيُّ اَلْفَنَاءِ بِنِبَالِ اَلْمَوْتِ وَ أَصْبَحَتِ اَلدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَ اَلْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْقُرُونِ اَلسَّالِفَةِ لَعِبْرَةً! أَيْنَ اَلْعَمَالِقَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْعَمَالِقَةِ أَيْنَ اَلْفَرَاعِنَةُ وَ أَبْنَاءُ اَلْفَرَاعِنَةِ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ اَلرَّسِّ اَلَّذِينَ قَتَلُوا اَلنَّبِيِّينَ وَ أَطْفَئُوا سُنَنَ اَلْمُرْسَلِينَ وَ أَحْيَوْا سُنَنَ اَلْجَبَّارِينَ أَيْنَ اَلَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَ هَزَمُوا بِالْأُلُوفِ وَ عَسْكَرُوا اَلْعَسَاكِرَ وَ مَدَّنُوا اَلْمَدَائِنَ! وَ مِنْهَا: قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ اَلْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ اَلْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ اَلتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ اَلَّتِي يَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ اَلَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اِغْتَرَبَ اَلْإِسْلاَمُ وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ اَلْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَّتِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ. ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ اَلْمَوَاعِظَ اَلَّتِي وَعَظَ اَلْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ اَلْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا . لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ اَلطَّرِيقَ وَ يُرْشِدُكُمُ اَلسَّبِيلَ؟ أَلَا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ اَلدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً وَ أَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أَزْمَعَ اَلتَّرْحَالَ عِبَادُ اَللَّهِ اَلْأَخْيَارُ وَ بَاعُوا قَلِيلاً مِنَ اَلدُّنْيَا لاَ يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ اَلْآخِرَةِ لاَ يَفْنَى مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا اَلَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّينَ أَلاَّ يَكُونُوا اَلْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ اَلْغُصَصَ وَ يَشْرَبُونَ اَلرَّنْقَ! قَدْ وَ اَللَّهِ لَقُوا اَللَّهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَ أَحَلَّهُمْ دَارَ اَلْأَمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ. أَيْنَ إِخْوَانِيَ اَلَّذِينَ رَكِبُوا اَلطَّرِيقَ وَ مَضَوْا عَلَى اَلْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَ أَيْنَ اِبْنُ اَلتَّيِّهَانِ؟ وَ أَيْنَ ذُو اَلشَّهَادَتَيْنِ؟ وَ أَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ اَلَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى اَلْمَنِيَّةِ وَ أُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى اَلْفَجَرَةِ! قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ اَلشَّرِيفَةِ اَلْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ اَلْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ اَلَّذِينَ تَلَوُا اَلْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ تَدَبَّرُوا اَلْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ - أَحْيوا اَلسُّنَّةَ وَ أَمَاتُوا اَلْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ. ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: اَلْجِهَادَ اَلْجِهَادَ عِبَادَ اَللَّهِ أَلَا وَ إِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا فَمَنْ أَرَادَ اَلرَّوَاحَ إِلَى اَللَّهِ فَلْيَخْرُجْ!»[١٢].
ثم إن الإمام أمير المؤمنين عقد الألوية، وكتب الكتائب وهو يريد الرجعة إلى صفين، فما دارت الجمعة حتى استشهد أمير المؤمنين(ع) على يد ملحمية لعنها الله، فعادت الجيوش التي نهدت باتجاه صفين.
قال نوف البكالي، وهو من صحابة الإمام المخلصين: «فكنا كأغنام فقدت راعيها تختطفها الذئاب من كل مكان».
وكان جعدة الفقيه الورع بعد إغتيال خاله العظيم يؤم الناس في صلاة الجماعة في غضون الأيام الثلاثة من مرض الإمام، والإمام الذي نصب جعدة لهذا المنصب الهام، منصب إمامة الصلاة، وفي ثنايا هذه الأيام التاريخية الملونة بالدم الطاهر، والأيام التي تلت كان الإمام الحسن وأهل البيت في شغل شاغل بالشؤون السياسية والاجتماعية، فكان جعدة، وهو أقرب الناس إلى أهل البيت، وهو الفقيه التقي قد نهض بأعباء إمامة الصلاة خاصة وانه منصوب من قبل الإمام صلوات الله عليه.
وكان لجعدة من أمه وأبيه اخوان آخران هما: «هانئ»، و«يوسف»، وهاني الذي تكنى به أمه، فيقال: «أم هانئ» ويبدو أنه كان أكبر الاخوة، وجعدة كان أصغر الأخوة.
قال المسعودي: وكان زوج فاختة بنت أبي طالب أبو وهب هبيرة بن عمرو المخزومي، وخلف عليها ابنا وبنات وهاجرت[١٣].
روى عن جعدة مجاهد، وسعيد بن علاقة.
ولجعدة شاعرية مرموقة، وقد وصلنا من شعره بيتان يفخر بنسبه، ووشجائجه من مخزوم وهاشم، وبأخواله:
| أبي من بني مخزوم إن كنت سائلا | ومن هاشم أمي لخير قبيل | |
| فمن ذا الذي يبأى علي بخاله | كخالي على ذي الندى وعقيل[١٤] |
إن أسرة جعدة عاشت في جو التقى والفضيلة في جو الإمام خاصة وإن ينتمي بنسبه إلى أبي وهب جده، وكان ذات ملكات فاضلة، وأحاسيس مرهفة، ومشاعر تقية يهفو إلى مكارم الأخلاق، وكان في نفس الوقت شريفا في قومه، ذا شخصية اجتماعية مرموقة.
وعندما حاولت قريش أن تشيد الكعبة من جديد، وهذا قبل الإسلام فاجتمع كبارها، ومعها أبو وهب المخزومي - جد صاحب الترجمة_ وبيدها المعاول تحاول إن تزحزح لبنات البيت من مكانها، وهي هائبة خائفة مستشعرة الذعر من هذه العملية رغم أنها كانت ذات نوايا حسنة، أنها تقدس البيت، وتقدم له القرابين، تقدم أبو وهب وضرب بمعوله لبنة من اللبنات ثم زحزحها وحملها بيده «في خشية وخوف، ولكنه ما إن قام ليبتعد باللبنة حتى وثبت اللبنة من يده، وعادت إلى موضعها من الكعبة، وهنا قال أبو وهب وقد شاهد المعجزة، وأدرك أبعادها ومراميها يخطب قريشا: «يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا، لا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد».
وذاعت المعجزة بين صفوف قريش، ووعى الناس كلمات أبي وهب المخزومي، وتناقلها الآباء والأبناء والحفدة.
وفي ذات يوم كان ابن الجعدة يطوف حول بيت الله الحرام، وهو شاب حلو الملامح، رشيق الحركات، خاشع القلب، عليه سيماء التقى والصلاح، كان الشاب نجل جعدة بن هبيرة بن أبي وهب يطوف حول البيت، وإذا به يرمقه عبد الله بن صفوان، وهو شيخ كبير قد جلس مجلسه أمام البيت، وتحلق حوله أصدقائه وحفدته، فلما إن لمح الشاب الوضي راعه سماته وملامحه، وخشوعه المعبر، فحاول أن يعرف من هو هذا الشاب، فسأل أصدقائه عنه، فجاءه الجواب: «إن هذا هو ابن جعدة بن هبيرة»، وهنا تهدلت عناقيد الذكريات في قلب الشيخ الطاعن في السن، فهتف معبرا عن أرومة الابن الشاب: «وجد هذا - يعني أبا وهب - الذي أخذ من الكعبة حجرا حين اجتمعت قريش لهدمها، فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه، فقال عند ذلك: «يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها إلا طيبا...»[١٥].
والجدير بالذكر أن أبا وهب هو أيضا خال عبد الله بين عبد المطلب أبي رسول الله (ص). ويقول أبو وهب هبيرة بن عمرو المخزومي والد جعدة - صاحب الترجمة - وقد هرب إلى نجران من أمام الفتح الإسلامي، وقد اشتاق إلى أسرته وزوجته أم هانئ فاختة بنت أبي طالب، وكانت قد أسلمت، وهاجرت إلى المدينة:
| اشاقتك هند أم شاك سؤالها | كذاك النوى أسبابها وانتقالها | |
| وأرقني في رأس حصن ممرد | بنجران بسرى بعد نوم خيالها | |
| فإن تك قد تابعت دين محمد | وقطعت الأرحام منك حبالها |
ولجعدة بن هبيرة حفيد، وهو أبو جعدة بن هبيرة بن جعدة المخزومي، وكانت له منزلة عند الامراء، وكان في عام ١٣٠ على قيد الحياة.[١٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ الاستيعاب ١: ٢٤٢.
- ↑ مروج الذهب ٢: ٣٥١.
- ↑ و جعدة القائل: فمن ذاالذي يبأي على بخاله كخالي عليٍّ ذالندى وعقيل يبأي: يفخر. أسد الغابة ١: ٢٨٥، الاستيعاب ١: ٢٤٢.
- ↑ الاخبار الاطوال: ١٧٣.
- ↑ صفين: ٤٦٥، الأخبار الطوال: ١٧٣ - ١٧٤ ذكر ثلاثة أبيات منها.
- ↑ أعيان الشيعة ١٦: ٢٤٣، صفين: ٤٦٥، الأخبار الطوال: ١٧٣ ذكر خمسة أبيات من القصيدة، ونسبها إلى النجاشي.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٦٢-١٦٩.
- ↑ تبعد المسافة بين سبزوار – وهي من منطقة «بيهق» وبين ابرشهر –نيسابور- نحو ١٦٠ كليومتراً
- ↑ تاريخ الطبري ٥: ٩٢، تحقيق أبي الفضل محمد إبراهيم.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٧٠-١٧٨.
- ↑ شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ٤: ١١٣، نهج البلاغة: ٣٥٤ تحقيق صبحي الصالح.
- ↑ مصادر نهج البلاغة ٢: ٤٤٣ - ٤٥١، نهج البلاغة ٢٦٠ تحقيق صبحي الصالح.
- ↑ مروج الذهب ٢: ٣٥١، تحقيق يوسف أسعد.
- ↑ أسد الغابة ١: ٢٨٥، الاستيعاب ١: ٢٤٢، مروج الذهب ٢: ٣٥١.
- ↑ تاريخ الطبري ٤٠: ٢، طبعة الاستقامة - القاهرة: ١٣٥٧ - ١٩٣٩.
- ↑ مروج الذهب ٢: ٣٥١.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٧٩-١٨٥.