سيرة النبي الخاتم في نهج البلاغة
تمهيد
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾[١].
مسك الختام لأحاديث النبوة الحديث حول خیر الأنام وخاتم النبيین (ص) في جملة من شؤونه ومواقفه، ثم ارتحاله إلى الرفيق الأعلى.[٢]
أولاً: حياة النبي (ص)
وهي حياة عجيبة حافلة بالمواقف، فمما يثیر الانتباه حقًّا أن هذا الرجل العظيم بما يملك من مقام كبیر ومنزلة من الله تعالى وسيادةٍ للمجتمع وأفضلية على الخلق وبما يحمل من سائر الكمالات- نجد أن شؤونه في نفسه ومع أهله وصلته بالناس وعموم أدوار حياته كلها مواطن تستوجب منا الوقوف والتأمل فيها طويلاً، وهذا التأمل في هذه السیرة العظيمة لا شك أنه يقوي إيماننا بمقام الرسول العظيم الذي هو برهان بذاته على حسن اختيار الله تعالى له وأهليته لتحمل أعباء الرسالة الكبیرة، وهذا أمر مهم جدًّا في المقام، وفي هذا المجال يتحدث الإمام (ع) عن يوميات النبي وممارساته الطبيعية التي كان يحياها[٣]:
- «وَلَقَدْ كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ صلّی اللَّهِ علیه وَآلِهِ يَأْكُلُ عَلَى اَلْأَرْضِ وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ اَلْعَبْدِ وَيَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ وَيَرْكَبُ اَلْحِمَارَ اَلْعَارِيَ».
وذلك مظهر التواضع من هذه النفس الفذة التي هي بالأفق السامي، ومع ذلك فهو يجلس ليأكل على الأرض، ولم يأخذ به منصب النبوة والسيادة بل والطباع البشرية التي تلازم المناصب العليا بطبعها، فهو مع كل ذلك يجلس كالعبد[٤]، وهو أنموذج آخر مغاير لكل هذه الاعتبارات فبيده يصلح نعله، وثوبه مرقوع وراقعه هو نفسه، وأما مركبه فلا سروج من ذهب عليه ولا بطائن من حرير بل هو المركب العادي العاري الذي يساويه في ذلك بعامة الناس ويُركِبُ عليه معه (يردف) من يكون من الناس.
- «وَيَكُونُ اَلسِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ اَلتَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ يَا فُلاَنَةُ لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ غَيِّبِيهِ عَنِّي فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ اَلدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا...».
- «فَأَعْرَضَ عَنِ اَلدُّنْيَا بِقَلْبِهِ وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ...».
فيعمرها ويعمل لها ويهيء له فيها أسباب النعيم بل هو يعتقدها -كما هي- ممرًّا عاجلاً إلى الآخرة، هذه حياة مميزة ونفسية فذة سمت من السمو ما تحار به العقول[٥].[٦]
ثانيًا: النبي أكمل الخلق
لا شك أن مظهر الشجاعة ومظهر القوة التي دافعت عن الإسلام وأعزته تَمثَّلَ في بطولات أمیر المؤمنین (ع)، ولكن ينبغي أن لا يُغفل عن حقيقة أن النبي (ص) هو أشجع الناس من غیر حاجة إلى شهادة أحد، وكذلك هو الأمر في الخطابة والبلاغة فمظهرها وشمسها هو أمیر المؤمنین (ع)، ولكن النبي (ص) هو أبلغ الناس وقد أوتي جوامع الكلم، وهكذا هو الأمر في كل فضيلة لأن النبيَّ لا بد وأن يكون أكمل الناس ليكون لائقًا بهذا المنصب، وهذا ما يقتضيه الاعتقاد الصحيح كما أنه مما تشهد به سيرة النبي (ص)، والإمام (ع) يقرِّر هذه الحقيقة بل جاء في بعض تعبيراته: « إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ »[٧]، والشهادة من الإمام (ع) لها قيمتها الخاصة نظرًا للشجاعة الكبیرة التي اتصف بها فتكون شهادته شهادة الخبیر العارف المختص.
وسجّل الإمام (ع) شهادته فقال[٨]:
- «كُنَّا إِذَا اِحْمَرَّ اَلْبَأْسُ اِتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَّا أَقْرَبَ إِلَى اَلْعَدُوِّ مِنْهُ»:
وليس بعد هذا الوصف وصف فعند اشتداد البأس يكون الرسول (ص) درعًا للمسلمين وأقربهم إلى العدو، وقد علم الجميع شجاعة أمیر المؤمنین (ع) فهذا الأمر إذًا ليس ضعفًا فيه أو خوفًا في بعض الأوقات بل هو دلالة وشهادة بشجاعة النبي التي لا تضاهيها شجاعة، فكون النبي له عريش في المعركة يوجِّهُ منه أصحابه ويشاورهم لا يعني بُعدَه عن القتال، ولكن اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يباشر الرسول سفك الدماء بنفسه بكثرة وإن كان هذا في سبيل الله، وذلك لأنه صاحب الدعوة الأول وهو مظهر الرحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[٩] فاقتى الأمر أن يقوم بهذه المهمة الكبیرة الشخص الثاني في الدعوة ونفس النبي علي (ع)، وشتان بین شجاعة النبي والوصي من جهة وبین ما كان عليه غيرهما كالأول والثاني اللذين يعتذر لها ابن أبي الحديد خلال شعر له في حقهما، مذكرًا بفرارهما يوم أحد، وعودتها منهزمین من خيبر يجبن كل منهماأصحابه ويجبنونه، ولا يخفى أن هذا العذر هو في حدِّ ذاته ذمٌّ لهما.[١٠]
ثالثًا: النبي الأمان والرحمة
كما يعرف من التأريخ أن الأمم السابقة كانوا يُعاجَلون بالعقوبة والعذاب عند تكذيبهم للرسل، إلا أن أمة الرسول محمد (ص) كانت آمنةً من العذاب والعقوبة في الدنيا وما ذلك إلا لامتياز الرسول (ص) على بقية الرسل برحمةٍ إلهية خاصة وشاملة، ولهذا يُطلب منه أن يدعو على قومه فيدعو لهم لا عليهم قائلاً:
- «اَللَّهُمَّ اِهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ»[١١].
ويرشدنا أمير المؤمنين (ع) إلى ذلك[١٢]:
وحكى عنه أبو جعفر محمد بن علي الباقر (ع) أنه قال:
- « كَانَ فِي اَلْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ اَلْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ أَمَّا اَلْأَمَانُ اَلَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اَللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَآلِهِ) وَأَمَّا اَلْأَمَانُ اَلْبَاقِي فَالاِسْتِغْفَارُ، قَالَ اَللَّهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[١٣]».
قال الرضي: وهذا من محاسن الاستخراج ولطائف الاستنباط.
ويلاحظ تركيز كثیر من الروايات والآثار على هذه الناحية في حق النبي وفي حق آله وأنهم سببٌ لرحمة الله تعالى لعباده وإخراج الخیرات من الأرض وإنزالها من السماء، وينبغي أن يلاحظ أن رفْعَ الأمان لا يعني رفع الخیر والبركات الأخرى للرسول بعد ارتحاله للرفيق الأعلى فخیره وبركاته والرحمة به باقية، وهذه ليست قضية جزئية بل هي أمور تكوينية تتعلق بالكون ونظامه، إضافةً إلى انتفاع الناس العظيم بالدعوة التي شيَّدها الرسول (ص) وتركها لهم إن تمسكوا بها.[١٤]
رابعًا: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾[١٥]
ولا يعنينا -هنا- الحديث عن الوسيلة ببيان أنها ليست مظهرًا للشرك -والعياذ بالله- أو ليست مظهرًا لعدم التوكل على الله تعالى والثقة برحمته، مع تمام وثوقنا بصحة معتقداتنا ووضوحها ورسوخها وقيام الدليل التام عليها وبعدها عن أدنى مغالطة أو شك، بل يعنينا بيان ارتباطها بشخص الرسول الأعظم (ص) بالدرجة الأولى، فالرسول بما يملك من قدسية ونفسية فذة جعل الله تعالى وجوده رحمة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾[١٦]، وقد قال (ص):
- « إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةُ مُهْدَاةٌ».[١٧]
ولكون حرمته حيًّا كحرمته ميتًا ولبقاء بركاته فإن الصلة به لم تنقطع بارتحاله إلى الرفيق الأعلى بل هذه الصلة باقية، ويلاحظ كما تشیر إليه الروايات أنه لو لم يخلَّد ذكر الرسول (ص) في القرآن الكريم ويكون له وجود في الشعائر الإسلامية ومنها الأذان، وكذلك العبادات كالصلاة، لنُسيِ ذكره الشريف ونسيانه حرمان من الخیر والعطاء، وهذا الخلود هو مصداق لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾[١٨].
إذن فهو بهذا المقام حينما يُتَّخَذُ وسيلةً إلى الله تعالى إنما لأنه العبد المرتضى والحبيب المصطفى ونحن نستعين به لغفران الذنب وتهذيب النفس الأمارة بالسوء ولعموم الخیر والرحمة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾[١٩]..
وبيَّن (ع) أدب مسألة الله تعالى فقال[٢٠]:
- « إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اَللَّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ اَلصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَآلِهِ) ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّ اَللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ اَلْأُخْرَى.»[٢١]:
فسمَّى الصلاة مسألة لأنك تسأل الله أن يصلي عليه، وكما نعتقد -وهو الحق- أن الله لا يرضى ورسوله لا يرضى بالصلاة البتراء إنما يرضى الله تعالى ويرضى رسوله بالصلاة التي شرَّعها الله تعالى، فيصلي صاحب الحاجة قائلاً: (اللهم صلِّ على محمدٍ وآلِ محمد)، وهذه المسألة مقضية لحب الله تعالى لرسوله، فإذا سأل السائل بعدها بمسألته المشروعة قضاها الله تعالى لأنه أكرم من أن يمنع حاجة وقد قضى أخرى، وذلك بغض النظر عن وجه استجابة الدعاء، فقد يستجاب سريعًا وقد يؤجل في الدنيا وقد يؤخر ويدَّخر للآخرة، وقد يدفع الله به بلاء عن السائل.[٢٢]
خامسًا: الفاجعة الكبرى بارتحال النبي (ص)
وهذه الفاجعة ألمَّت بالدرجة الأولى بالإمام (ع) لأن الشخص إنما يتأثر بارتحال العظيم بقدر ما يدرك من مقامه، ومن هذا ما حدثني به أحد أجلاء أساتذتي أن الشيخ عبد الحسین الأميني صاحب الغدير كان يأتي لحرم أمیر المؤمنین (ع) كل ليلة فيستقبل الضريح ساعة كاملة يتفجر بركانًا من البكاء، لأنه كان يعرف الكثیر عن مقام ومظلومية أمیر المؤمنین (ع)، ولهذا فإن تأثر الإمام وتصويره لرحلة النبي إنما هو ناتج عن معرفته التامة والخاصة بمقام النبي وبركات وجوده الشريف وارتباط الأرض بالسماء لوجوده، كما أنه يصور خطورة الفادحة وشدة آثارها على الأمة.
عبر الإمام (ع) عن ارتحال النبي (ص)[٢٣]:
- «وَلَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اَللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَآلِهِ) وَإِنَّ رَأْسَهُ لَعَلَى صَدْرِي وَقَدْ سَالَتْ نَفْسُهُ فِي كَفِّي فَأَمْرَرْتُهَا عَلَى وَجْهِي وَلَقَدْ وُلِّيتُ غُسْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ وَاَلْمَلاَئِكَةُ أَعْوَانِي...».
وتستوقفنا في هذا النص الشريف عدة مواطن نشير إليها فيما يلي:
- 1. تفنيد وكذب ما يرويه بعضهم من أن النبي (ص) مات عند عائشة وهو بین سحرها ونحرها محاولین أن يجعلوا لها بهذا مقامًا، ومن المعروف أن النبي كان في لحظاته الأخیرة لا يأنس إلا بعلي والزهراء والحسنين (ع) ويدعوهم إليه، والإمام يشیر هنا بوضوح أنه صاحب هذا المقام وهذا الفضل في كونه مع الرسول حین قُبِضَ وإن رأسه لعلى صدره.
- 2. ماذا يعني بالنفس؟ يرى البعض أن المعني بالنفس هو الدم كما هو أحد معانيها، وأنه خرج من النبي عند احتضاره دم أخذه علي وأمرَّهُ على وجهه، أما التفسیر الآخر وهو اللائق والمناسب كما يذكره المیرزا حبيب الله الخوئي (رحمه الله) فهو أن المقصود بالنفس هي الروح الطيبة المقدسة التي استلهم منها الإمام البركة والقداسة والشرف الأرفع، ولا يخفى أن هذا بعيد كل البعید عن حلول روح النبي في الإمام فإن هذا مما لا يصح أصلاً، ومن قبيل التشبيه العادي لتقريب المعنى ما يفعله المسلمون عند ذكر النبي أو بعد الدعاء من أنهم يمرُّون أيديهم على وجوههم طلبًا للرحمة والبركة، كما لا يخفى أن الحقيقة التامة لهذا الأمر هي من أسرار النبي والوصي وهذا ليس بغريب عن عالمهما إِذْ ضمَّ من الأسرار الشيء الكثیر، وإلا فأي معنى مثلاً لقول أمیر المؤمنین (ع):
- « فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ (صلّی اللَّهِ علیه وَآلِهِ) عَلَّمَنِي أَلْفَ بَابٍ مِنَ اَلْعِلْمِ يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ، وَ لَمْ يُعْلِمْ ذَلِكَ أَحَداً غَيْرِي.»[٢٤]، وأيُّ أسلوب هذا الذي يتعلم فيه الإمام مليون (ألف ألف) باب من العلم في مناجاة واحدة.
- 3. إن مهمة وشرف تغسيل النبي وتجهيزه ومواراته كانت موكولة إلى نفسه علي والملائكة أعوان له. وقال (ع) عند تغسيله النبي (ص) مُؤَبِّنًا ومُتَفَجِّعًا[٢٥]:
- «بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي يَا رَسُولَ اَللَّهِ لَقَدِ اِنْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ اَلنُّبُوَّةِ وَ اَلْإِنْبَاءِ وَ أَخْبَارِ اَلسَّمَاءِ»: فالأنبياء السابقون كان لهم بعد ارتحالهم خلف من الأنبياء، وأما الرسول فارتحاله نهاية لوجود النبوة الظاهر.
- «خَصَّصْتَ حَتَّى صِرْتَ مُسَلِّياً عَمَّنْ سِوَاكَ وَ عَمَّمْتَ حَتَّى صَارَ اَلنَّاسُ فِيكَ سَوَاءً...»: فقد ملك النبي على الإمام كل مشاعره إذ كان وجود الرسول هو كل شيء عند أمیر المؤمنین.
- « بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي اُذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ وَاِجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!»: وهذه التفاتة رائعة من الإمام لحياة النبي الخاصة عند الله تعالى وأنه يسأله أن يذكره ويجعله من اهتماماته. ومما أظهره من الأسى على قبر الرسول ساعة دفنه[٢٦]:
- «إِنَّ اَلصَّبْرَ لَجَمِيلٌ إِلاَّ عَنْكَ وَ إِنَّ اَلْجَزَعَ لَقَبِيحٌ إِلاَّ عَلَيْكَ وَ إِنَّ اَلْمُصَابَ بِكَ لَجَلِيلٌ وَ إِنَّهُ قَبْلَكَ وَ بَعْدَكَ لَجَلَلٌ»: فالإمام يصور افتجاعه بارتحال النبي الذي عاش معه وعاصر دعوته كلها ثم بقي بعده ورأى الآثار وخطورة الموقف بارتحاله وحیرة الأمة وتخبطها وانقلابها بعده، كما أنه رأى اختلاف الحال يوم أن كان مع الرسول يُرمَقُ كالنجم، وإذا به بعده ينزِله الدهر حتى صار يُقرَن إلى تلك النظائر، وتلك هي المأساة التي لم يُصب بمثلها أحد، ولذلك كان له أن يبوح ويبثَّ آهاته.[٢٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٤٠.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٦٠.
- ↑ عن أبي عبد الله (ع): «مرت امرأة بذية برسول الله (ص) وهو يأكل وهو جالس على الحضيض، فقالت: يا محمد والله إنك لتأكل أكل العبد وتجلس جلوسه، فقال لها رسول الله (ص): ويحك وأي عبد أعبد مني؟! قالت: فناولني لقمة من طعامك، فناولها، فقالت: لا والله إلا التي في فيك، فأخرج رسول الله (ص) اللقمة من فمه فناولها، فأكلتها، قال أبو عبد الله (ع): فما أصابها داء حتى فارقت الدنيا روحها». المحاسن، للبرقي ٢/ ٤٥٧ .
- ↑ من المفيد مراجعة كتاب (سنن النبي) للسيد الطباطبائي صاحب الميزان.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٣-٢٦٥.
- ↑ الكافي ١/ ٩٠ .
- ↑ غريب كلامه (ع) رقم ٩، ص ٥٢٠ .
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٠٧.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٥-٢٦٦.
- ↑ الخرائج والجرائح ١/ ١٦٤ .
- ↑ الحكمة رقم ٨٨، ص ٤٨٣ .
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٣.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٦-٢٦٧.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٣٥.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية ١٠٧.
- ↑ بحار الأنوار ١٦ / ١١٥ .
- ↑ سورة الشرح، الآية ٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ٦٤.
- ↑ الحكمة رقم ٨٨، ص ٤٨٣ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ١٩٧.
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٧-٢٦٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة ٢٣٥.
- ↑ الخصال، للشيخ الصدوق / ٥٧٢ .
- ↑ غريب كلامه (ع) رقم ٢٩٢، ص ٥٢٧ .
- ↑ غريب كلامه (ع) رقم ٢٩٢، ص ٥٢٧ .
- ↑ محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٢٦٩-٢٧٢.