نقاش:الإمام جعفر الصادق عليه السلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

التمهيد

لكي نكتشف العوامل المباشرة، وغير المباشرة التي أملت على الإمام الصادق(ع) سلوكه في التخطيط، وطريقته في العمل الدعوتي، علينا أن نحيط - ولو بشكل عام - بالظروف والملابسات العامة للأمة في عصره، ولواقع الحكام آنذاك ونتفهم موقع الإمام بصورة خاصة وموقفه الذي يخطط له من خلال هذه الظروف والملابسات التي تحدد لنا إكتشاف أبعاد حركة الإمام(ع) وأعماله وبالتالي نتفهم تاريخه(ع) بوعي، والحكمة التي كانت تكمن وراء اختياره لهذا الأسلوب أو ذاك دون غيره من الأساليب.

الأمة الإسلامية في عصر الإمام الصادق(ع)

كانت الأمة تزخر بمظاهر الفساد، والبعد الفكري والعقائدي عن الحياة الإسلامية التي ينشدها الإمام(ع) في جميع المجالات في الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو غيرها.

فعلى الصعيد النظري والعملي لم تكن الخطوط العامة للعقيدة واضحة في أذهانهم وسلوكهم، نتيجة لمحاولات التمييع العباسية الجديدة التي أخذت تقوم بتزوير صورة الفقه والدين عن طريق الوضع في الحديث، والفتيا بالرأي، وتمييع التشريع الإسلامي بإدخال عناصر غريبة في مصادره التشريعية كالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها من الأمور التي أفقدت التشريع خاصيته وأصالته الإسلامية، ومحاولات الحكام لتشجيع الغلاة والمتصوفة... مما أدى إلى ظهور حركات غريبة، ومبادىء فاسدة، هيأت لها الظروف والأوضاع العامة أن تستشري زمن الإمام(ع) حتى أصبحت خطراً على وجود وكيان الإسلام التشريعي والعقيدي، بالإضافة إلى ما يعتمد داخل الأمة من صراع سياسي ومذهبي عنيف بحيث لم تترك فرصة لتتعرف الأمة على واقع الإسلام أو تحياه.

فكان لابد للإمام الصادق(ع) أن يواجه كل هذه التناقضات والتيارات المنحرفة التي تعيشها الأمة في أوضاعها وفي تصوراتها والتي تهدد الإسلام في الصميم.

وكان الإمام(ع) يواجه لونين من الانحراف، انحراف على الصعيد السياسي متمثلاً بالجهاز الحاكم والدولة، وإنحراف خطير في اتجاهات الأمة وجهلها بواقع الرسالة.

فالسؤال الآن هو كيف خطط إمامنا(ع) وهو يعالج كل هذه الأوضاع والظروف البالغة التعقيد، وهو يعيش رقابة صارمة ومطاردة جادة من قبل الحكام آنذاك‌؟!...

اختيار وتخطيط

بعد أن إستوعب إمامنا(ع) واقع أمته الفكري والعملي والظروف السياسية المحيطة به، مقارناً ذلك بواقع ما يملك هو من قوى وإمكانات المواجهة والتحدي السياسي، رأى أن التفكير بذهنية المواجهة السياسية للحكم - في مثل ظروفه وواقعه - من الأمور التي لا تقع في حدود ما يملك من استعداد وقدرات «فالإمام(ع) لم يكن يرى أن الظهور بالسيف والإنتصار المسلح الآني، يكفي لإقامة حكم الإسلام فإن إقامة الحكم وترسيخه، لا يتوقف في نظره على مجرد تهيئة حملة عسكرية، بل يتوقف قبل ذلك على إعداد جيش عقائدي يؤمن بالإمام وعصمته إيماناً مطلقاً ويعي أهدافه الكبيرة ويدعم تخطيطه في مجال الحكم ويحرس ما يحققه للأمة من مكاسب»[١].

وللإمام الصادق حوار مع أحد أصحابه يوضح لنا مضمون ما قلناه.. «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُلْتُ لَهُ وَ اَللَّهِ مَا يَسَعُكَ اَلْقُعُودُ قَالَ وَ لِمَ يَا سَدِيرُ قُلْتُ لِكَثْرَةِ مَوَالِيكَ وَ شِيعَتِكَ وَ أَنْصَارِكَ وَ اَللَّهِ لَوْ كَانَ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ مَا لَكَ مِنَ اَلشِّيعَةِ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ اَلْمَوَالِي مَا طَمِعَ فِيهِ تَيْمٌ وَ لاَ عَدِيٌّ فَقَالَ يَا سَدِيرُ وَ كَمْ عَسَى أَنْ تَكُونُوا قُلْتُ مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ مِائَةَ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَقَالَ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ نِصْفَ اَلدُّنْيَا قَالَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قَالَ يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَ مَعَنَا إِلَى يَنْبُعَ قُلْتُ نَعَمْ فَأَمَرَ بِحِمَارٍ وَ بَغْلٍ أَنْ يُسْرَجَا فَبَادَرْتُ فَرَكِبْتُ اَلْحِمَارَ فَقَالَ يَا سَدِيرُ تَرَى أَنْ تُؤْثِرَنِي بِالْحِمَارِ قُلْتُ اَلْبَغْلُ أَزْيَنُ وَ أَنْبَلُ قَالَ اَلْحِمَارُ أَرْفَقُ بِي فَنَزَلَ فَرَكِبَ اَلْحِمَارَ وَ رَكِبْتُ اَلْبَغْلَ فَمَضَيْنَا فَحَانَتِ اَلصَّلاَةُ فَقَالَ يَا سَدِيرُ اِنْزِلْ بِنَا نُصَلِّي ثُمَّ قَالَ هَذِهِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ لاَ يَجُوزُ اَلصَّلاَةُ فِيهَا فَسِرْنَا حَتَّى صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ وَ نَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ يَرْعَى جِدَاءً فَقَالَ وَ اَللَّهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ اَلْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي اَلْقُعُودُ وَ نَزَلْنَا وَ صَلَّيْنَا فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ اَلصَّلاَةِ عَطَفْتُ إِلَى اَلْجِدَاءِ فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ»[٢].

ونستنتج من هذا النص «أن الإمام(ع) كان يؤمن بأن تسلم السلطة وحده لا يكفي ولا يمكن من تحقيق عملية التغيير إسلامياً ما لم تكن هذه السلطة مدعمة بقواعد شعبية واعية تعي أهداف تلك السلطة وتؤمن بنظريتها في الحكم وتعمل في سبيل حمايتها وتفسير مواقفها للجماهير وتصمد في وجه الأعاصير».

وأمام هذا الواقع كان لا بد من تخطيط سريع يتجه نحو هدفين:

  1. العمل من أجل بناء هذه القواعد الشعبية والإشراف عليها وتنظيم أساليب عملها في مواجهتها للإنحراف، وجعلها كتلة مترابطة لها أساليبها الخاصة في التنظيم. فبناء القاعدة الشعبية المتيتة ذات الأساليب المنظمة هي التي تكفل للإمام ولحركته أرضية صالحة لتسلم السلطة.
  2. العمل على تحريك ضمير الأمة الإسلامية وإرادتها والإحتفاظ للضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية بدرجة من الحياة والصلابة تحصن الأمة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين وهذا ما سوف نفصل الحديث عنه.

«فتخلي الإمام(ع) عن ممارسة العمل المسلح بصورة مباشرة ضد الحكام المنحرفين، جاء تعبيراً عن اختلاف صيغ العمل السياسي التي تحددها الظروف الموضوعية، وإدراك عميق لطبيعة العمل التغييري وأسلوب تحقيقه»[٣].

ورأينا في حديث الإمام الصادق قبل قليل مع سدير الصيرفي أن الإمام كان مستعداً دائماً لخوض عمل مسلح إذا وجدت لديه القناعة بوجود الأنصار والقدرة على تحقيق الأهداف الإسلامية من وراء ذلك العمل المسلح غير أن ملابسات وظروف عصره كانت لا تشجعه على التفكير أو الدخول في صراع مكشوف مع السياسة الحاكمة، فهي قضية غير مضمونة النتائج، إن لم تكن مؤكدة الفشل، ومن هنا جاء رفض الإمام لقبوله أي عرض عسكري يستهدف الإطاحة بالحكم.

ولهذا رأى الإمام(ع) أن ينصرف شخصياً وبصورة كلية عن ممارسة التحدي السياسي، ليمارس العمل داخل الأمة وبيني فيها قواعده الشعبية بناء واعياً لتكون أداة تنظيمية لنشر أفكاره وبث مبادئه، وإعداد القوة الفكرية وطليعتها المؤمنة لكي تتابع السير بقناعة وإيمان من أجل إقامة حكم الله في الأرض أو على الأقل لإبقاء الأسس النظرية لمثله محفوظة لدى الأمة، ولا يهم الإمام كثيراً أن لا يحصل هو على نتيجة سعيه في هذا المجال، فقد سبقه آباؤه في العمل على هذا المستوى، مبشرين الأمة، أن دولتهم ستظهر يوما ما ما دامت أسسها النظرية محفوظة لدى الأمة.

والإمام الصادق(ع) واجه في تخطيطه لعملية البناء الإسلامي مشكلتين رئيسيتين، كان عليه أن يضعهما موضعا مهما في حسابه:

  1. الواقع الفاسد والوضع الاجتماعي والأخلاقي المائع الذي أخذ بالهبوط والتدني مهدداً بذلك واقع الإسلام وتشريعاته. كما نشطت جميع المبادىء الهدامة على شكل حركات فكرية كحركات الزندقة، فقد جمع العباسيون الزنادقة حولهم ولم ينبذوهم إلا فيما بعد[٤] وقد انطلقت كثيراً من الدعوات الإلحادية باسم المانوية، المزدكية والخرمية والزرادشتية [٥].
  2. الرقابة الشديدة التي طوق بها الإمام(ع) وحملات العنف والمطاردة والاضطهاد، الموجهة ضد أصحابه والمنتمين لحركته، وقد أفرد أبو الفرج الأصفهاني[٦] كتاباً خاصاً يعرض فيه كل ما جرى عليهم من المحن والتنكيل الذي لا يوصف، محاولة منهم لشرذمة أصحاب الإمام ومصادرة فعالية الحركة، وقد أثمرت محاولاتهم هذه إلى ظهور النزعات والمحاور المختلفة بين الشيعة، ولم يكن للإمام الصادق(ع) أي مجال لتوحيد صفوف الشيعة ومصادرة النزعات المذهبية الحادثة فيما بينهم لتعذر الإتصال بهم وإسراف السلطة في القسوة على الشيعة وسومهم أشد العذاب [٧].

عناصر نجاح الحركة

وقبل أن نتحدث عن أساليب الإمام(ع) العملية نود أن نتعرف، على شروط نجاح حركته وهو يعيش ظروف عصره فحركته(ع) اعتمدت في تخطيطها واستراتيجيتها الحقيقتين التاليتين:

  1. بناء القواعد الشعبية والتركيز على بنائها الداخلي والإشراف عليها في حدود الإرتباط الخاص بينه وبين شيعته ليجعلها قاعدته الإرتكازية، يمتد من خلالها إلى صفوف الأمة والإنتشار في أوساطها، والتأثير على مجرى الأفكار والأحداث فيها بسبيل تحقيق الهدف الأكبر الذي يعمل من أجله الإمام(ع)[٨].
  2. كسب ثقة الأمة بحركته(ع) «فالدعوة - أي دعوة - ما لم تكن منتمية لمطالب الجماهير معبرة عن آمالها فمصيرها الفشل لا محالة، ومن ناحية أخرى لا جدوى على الإطلاق في دعوة ما مهما كان نبل أهدافها ما لم تستند على الجماهير المناصرة لها... ولذا نجحت الدعوة العباسية لإستغلالها المكيافيلي لشعار - الرضا من أهل البيت[٩].

فبناء القواعد وكسب ثقة الأمة، هما الشرطان الرئيسان في توفير الحماية لعمل الإمام(ع) والإبتعاد بحركته(ع) عن محاولات واحتمالات الإحتواء، وتجييرها لصالح الحكم العباسي.

و على أساس هاتين الحقيقتين، بادر الإمام(ع) إلى شكلين من أشكال العمل:

  1. أعماله الحركية: ونعني بها علاقات التفاعل بقوى الأمة - الخارجية - واستمدت مجالها من أمرين:
    1. توجيه عواطف الأمة تجاه أطروحة أهل البيت.
    2. محاولة تعبئتها بطاقات روحية وفكرية، لترتفع بوعيها إلى أهداف الإسلام.
  2. أعماله البنائية: وتشمل قواعد الإمام الشعبية المتغيرة والواعية والمتحملة لمسؤولياتها، والمرتبطة بالإمام في مجالات الإشراف والعمل المنظم والتنفيذ.

«و على هذا الأساس بالإمكان فهم عدد من النصوص التي وردت عن الإمام(ع) بوصفها تعليم أساليب للجماعة التي يشرف على سلوكها الإمام(ع) وكانت تختلف هذه الأساليب باختلاف الظروف الشيعية والملابسات التي يمرون بها، تبعا لصيغ العمل السياسي التي تحددها الظروف الموضوعية»[١٠].

ومن هنا لا يمكن الفصل بين أعمال الإمام الحركية عن مجال عمله البنائي داخل قواعده أو الكتلة المرتبطة به.

مع الإمام الصادق(ع) في تخطيطه

باشر الإمام(ع) عمله التغييري بشكلين من أشكال العمل:

  1. أعماله الحركية، وكان طابعها علنيا.
  2. أعماله البنائية، وكان طابعها سريا (التقية).

فأعماله الحركية: تشمل علاقات التفاعل بقوى وإمكانيات الأمة وقد امتازت نشاطاته الحركية بالعلنية، لأن فترة الإنتقال التي جاءت مباشرة بعد زوال حكم بني أمية جعلت الإمام(ع) في مأمن من بطش الحكام، ورقابتهم الشديدة، وكذلك إقبال المسلمين على الفقهاء والعلماء للتعرف على التشريع الإسلامي في حل مشاكلهم الفردية والاجتماعية، هذه العوامل وغيرها ساعدت الإمام(ع) في أن يباشر عمله بالأسلوب العلني الظاهر ولكن دون أن يصحب عمله العلني هذا بعمل سياسي مكشوف... بل إن الإمام(ع) افتتح ولكن دون نشاطه الحركي في صفوف الأمة بجهوده العلمية الجبارة ومدرسته الفكرية الرائدة، التي تخرج منها أكابر الفقهاء والمفكرين، مخلفاً بذلك للأمة من بعده ثروة ثقافية من تلامذته العقائديين، أمثال هشام بن الحكم ومؤمن الطاق، ومحمد بن مسلم، وزرارة بن أعين وغيرهم.

«حتى أن حركته العملية اتسعت اتساعاً هائلا ًشملت جميع المناطق الإسلامية»[١١].

«ونقل عنه الناس من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان»[١٢].

ويقول الجاحظ في الإمام(ع): «وفجّر الإمام الصادق(ع) ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وفتح للناس أبواباً من العلوم لم يعهدوها من قبل وقد ملأ الدنيا بعلمه»[١٣].

وكان يهدف الإمام(ع) من وراء أسلوبه العلني، وجهره بنشاطه العلمي والفكري، معالجة جهل الأمة بالرسالة، عقيدة ونظاماً، والوقوف أمام موجبات الإلحاد وشبهاتهم المضللة وحل المشاكل التي نشأت بفعل تأثير الانحراف... واتخذت أعمال الإمام(ع) الحركية في مجالها العلني أسلوبين من أساليب العمل:

أسلوب الهدم: وتمثل في تصديه ووقوفه الحاسم للشبهات المغرضة في العقائد والنظريات الدينية المفتعلة لأغراض سياسية، من أجل وأد الروح الإسلامية الصحيحة لدى الجماهير.

وجاء أسلوبه في الهدم بما يلي من الأعمال: مقابلته للتيارات الغريبة الفاسدة التي أوجدتها الأوضاع السياسية الفاسدة في العهدين الأموي والعباسي، وما ارتبط بالعهدين من صراعات مذهبية وقبلية وقومية، ونتيجة لظهور الفكر الأجنبي عن طرق ترجمة الكتب الإغريقية والفارسية والهندية، مما مهد أرضية صالحة لظهور فئات خطرة على الإسلام من هذه الفئات: الغلاة، والزنادقة، والوضاعون، وأهل الرأي والمتصوفة، وقد قاوم الإمام الصادق(ع) هؤلاء جميعاً وصارعهم على صعيد العلم، وكشف خطورة اتجاهاتهم للأمة»[١٤].

أسلوب البناء: وقد تمثل بجهود علمية وفكرية دائبة، في مجالات نشر الفكر الإسلامي وتعميق مبادئه وأحكامه، وكانت مباشرته لهذا الجانب تتلخص بالآتي:

  1. نشر مفاهيم العقيدة وأحكام الشريعة، وبث الوعي العلمي وتجنيد جمهرة كبيرة من العلماء للقيام بتثقيف المسلمين، وقد افتتح الإمام(ع) معهدا من أكبر المعاهد الإسلامية في عصره واختار يثرب دار الهجرة ومهبط الوحي مركزاً لمعهده، وجعل من الجامع النبوي محلاً لتدريس محاضراته التي خاض فيها جميع الفنون»[١٥]. وكان من جملة تلامذته أئمة المذاهب الإسلامية السنية كـ مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن عينية، وأبي حنيفة وكـ محمد بن الحسن الشيباني، ويحي بن سعيد وغيرهم من العلماء والمحدثين والفقهاء أمثال أيوب السجستاني وشعبة بن الحجاج وعبد الملك بن جريج وغيرهم[١٦]. وقد بلغ مجموع تلامذة الإمام(ع) أربعة آلاف تلميذ[١٧].
  2. فتح باب التخصص العلمي في الفلسفة وعلم الكلام والرياضيات والكيمياء. فقد تخصص المفضل بن عمرو ومؤمن الطاق وهشام بن الحكم وهشام بن سالم في الفلسفة وعلم الكلام، وتخصص جابر بن حيان بالرياضيات والكيمياء، وزرارة ومحمد بن مسلم وجميل بن دراج وحمران بن أعين وأبي بصير وعبد الله بن سنان في الفقه وأصول التفسير[١٨].
  3. وضع القواعد لمسائل الأصول، والفقه، ليربي في تلامذته ملكة الإجتهاد والإستنباط، ومن القواعد الأصولية التي وردت عن الإمام(ع) قاعدة البراءة والتخيير، والإستصحاب. ومن القواعد الفقهية، قاعدة الفراغ والتجاوز وقاعدة اليد والضمان وغيرها»[١٩].

والإمام(ع) استهدف بعمله هذا ثلاثة أمور مهمة:

  1. بناؤه لقاعدة متينة للتشريع الإسلامي، وركيزة قوية للعقيدة الإسلامية، وضمان استمرار وبقاء الإسلام، وسط التيارات المختلفة.
  2. تصحيحه للمفاهيم الخاطئة والأحاديث المكذوبة.
  3. تركيز وتوضيح لمرجعيته القيادية من الناحية العلمية والفقهية وفرض إمامته من هذه الناحية، بحيث لا يملك كبار العلماء من المذاهب الإسلامية الأخرى إلا أن يعترفوا بذلك كإعتراف أبي حنيفة قائلاً: «سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ وَ قَدْ سُئِلَ مَنْ أَفْقَهُ مَنْ رَأَيْتَ فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَمَّا أَقْدَمَهُ اَلْمَنْصُورُ بَعَثَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ إِنَّ اَلنَّاسَ قَدْ فُتِنُوا بِجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَهَيِّءْ لَهُ مِنْ مَسَائِلِكَ اَلشِّدَادِ فَهَيَّأْتُ لَهُ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ وَ هُوَ بِالْحِيرَةِ فَأَتَيْتُهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَ جَعْفَرٌ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِهِ فَلَمَّا بَصُرْتُ بِهِ دَخَلَنِي مِنَ اَلْهَيْبَةِ لِجَعْفَرٍ مَا لَمْ يَدْخُلْنِي لِأَبِي جَعْفَرٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَأَوْمَأَ إِلَيَّ فَجَلَسْتُ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ هَذَا أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ ثُمَّ اِلْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا أَبَا حَنِيفَةَ أَلْقِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ مِنْ مَسَائِلِكَ - فَجَعَلْتُ أُلْقِي عَلَيْهِ فِيُجِيبُنِي فَيَقُولُ أَنْتُمْ تَقُولُونَ كَذَا وَ أَهْلُ اَلْمَدِينَةِ يَقُولُونَ كَذَا وَ نَحْنُ نَقُولُ كَذَا فَرُبَّمَا تَابَعْنَاكُمْ وَ رُبَّمَا تَابَعْنَاهُمْ وَ رُبَّمَا خَالَفَنَا جَمِيعاً حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى اَلْأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَمَا أَخَلَّ فِيهَا بِشَيْءٍ ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَ لَيْسَ أَنَّ أَعْلَمَ اَلنَّاسِ أَعْلَمُهُمْ بِاخْتِلاَفِ اَلنَّاسِ»[٢٠].

ومن الواضح أن هذا الإعتراف بإمامة الصادق ما كان ليحدث لولا نشاطه العلمي، وبروزه على صعيد المعارف على المستوى الذي تحدثنا عنه[٢١].

والصادق(ع) بكلا أسلوبيه الهدم والبناء، كان يمهد لمناخ ملائم لتثبيت دعوته الإسلامية الشاملة، ويمنحها إمكانية القوة لكي تنتقل إلى مراحل عمل أخرى ربما اختلفت في أسلوبها وطابعها.

أما أعماله البنائية: فهي تشمل نشاطاته التغييرية، في حدود إشرافه ورعايته للكتلة المرتبطة به والتنسيق معها للعمل الموحد، وكان طابع العمل معها (سريا) ويسمى بالمصطلح الفقهي (بالتقية).

وأراد الإمام(ع) بالعمل السري أو التقية أو ضمان وحماية دعوته أمام مقاومة الأعداء إلى حين اكتمال مقومات مرحلته بعد أن يمنحها فاعلية الصمود ومرونة التحرك، والتقية كما فهمها الإمام(ع) - كانت تعني استمرار العمل مع خفائه.

وقد تناولت أعماله البنائية بالدرجة الأولى «جوانب الإشراف المباشر على الشيعة بوصفهم الجماعة المرتبطة بالإمام(ع) والتخطيط لسلوكها وحماية وجودها وتنمية وعيها وإمدادها بكل الأساليب التي تساعدها على الصمود والإرتفاع بها إلى مستوى الحاجة الإسلامية»[٢٢].

وتمثلت أعمال الإمام(ع) البنائية بما يلي من الأساليب التنظيمية:

الإشراف المباشر على شيعتهم بوصفهم الجماعة الموالية له والتخطيط لسلوكهم وتنمية وعيهم، وحماية وجودهم، والإرتفاع بهم إلى مستوى الحاجة الإسلامية إلى جيش عقائدي وطليعة واعية وكان يصل الإشراف إلى درجة تنظيم أساليب لحل الخلافات الشخصية بين أفراد الكتلة ورصد الأموال لها كما يحدث بذلك الـ معلي بن خنيس: «و قد كان الإمام(ع) يقيم أحكام الله تعالى داخل هذا الكيان الخاص من شيعته، فكان يتسلم الضرائب المالية من مواليه ويوزعها على شؤون عمله، وقد جلبه المنصور عدة مرات بموجب هذه التهمة»[٢٣].

كما كان الإمام(ع) يأمر أتباعه بعدم اللجوء إلى الحاكم المنحرف ومقاطعتهم إياه، وتجنب التعامل معه.

يقول الصادق(ع) بهذا الصدد: «إياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى أهل الجور». أيما مؤمن قدم مؤمناً في خصومة إلى قاض أو سلطان جائر فقضي عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم».

ويقول(ع): «أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانكم ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرفعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله تعالى فيهم: ألم تر الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به»[٢٤].

وقد أمر الإمام(ع) أتباعه بمقاطعة الحكومة المنحرفة، فيقول: «اَ تُعِنْهُمْ عَلَى بِنَاءِ مَسْجِدٍ»[٢٥].

وبجانب أوامر المقاطعة السلبية، كان يوضح لقواعده: «اتقوا الحكومة فإن الحكومة للإمام العالم بالقضاء العادل بالمسلمين كنبي أو وصي نبي».

وبهذا يؤكد الإمام(ع) حقه في الحكم، ويثبت وجهة نظره في الأوضاع وينجح في صيانة أصحابه عن الإندماج في جسم الوضعية القائمة أو التأثر بها، لقد عبأهم نفسياً - بهذه العملية - ضد الوضع الراهن في وقته، فكانت أسلوباً للبناء بالنسبة لهم، وأسلوباً للهدم بالنسبة للحكم القائم [٢٦].

وقد وصل إشراف الإمام(ع) في إدارة شؤون قواعده أن نصب لهم القضاة، وأمرهم بالرجوع إليهم وتقبل ما يأمرون به وما يقضون.

قال(ع): «اِنْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ قَضَايَانَا فَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهُ قَاضِياً فَتَحَاكَمُوا إِلَيْهِ»[٢٧].

والإمام(ع) كان يوصي أصحابه وقواعده بالحذر والمحافظة التامة على طابع العمل السري (التقية) في كل عمل ينفذونه حذرا من تربص القوى المناهضة.

ويقول لهم(ع): «كونوا لنا دعاة صامتين»[٢٨].

وقال يوصي الـ معلى بن خنيس: «يَا مُعَلَّى اُكْتُمْ أَمْرَنَا وَ لاَ تُذِعْهُ»[٢٩] الأمة.

وقال لـ عبد الله بن جندب: «رَحِمَ اَللَّهُ قَوْماً كَانُوا سِرَاجاً وَ مَنَاراً كَانُوا دُعَاةً إِلَيْنَا بِأَعْمَالِهِمْ وَ مَجْهُودِ طَاقَاتِهِمْ لَيْسَ كَمَنْ يُذِيعُ أَسْرَارَنَا»[٣٠].

وللإمام وصية لمحمد بن النعمان الأحول في تحف العقول، يؤكد له على العمل بخفاء، والإلتزام بالتقية، حتى أن الأمر كاد أن يتم للإمام(ع) لولا إخلال بعض أصحابه بالسرية وإفشائهم عنه ما لا يريد إفشاءه.

ومنها قوله: «اَلْمُذِيعُ عَلَيْنَا سِرَّنَا كَالشَّاهِرِ بِسَيْفِهِ عَلَيْنَا رَحِمَ اَللَّهُ عَبْداً سَمِعَ بِمَكْنُونِ عِلْمِنَا فَدَفَنَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَ اَللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ بِشِرَارِكُمْ مِنَ اَلْبَيْطَارِ بِالدَّوَابِّ شِرَارُكُمْ اَلَّذِينَ لاَ يَقْرَءُونَ اَلْقُرْآنَ إِلاَّ هَجْراً وَ لاَ يَأْتُونَ اَلصَّلاَةَ إِلاَّ دَبْراً وَ لاَ يَحْفَظُونَ أَلْسِنَتَهُمْ اِعْلَمْ أَنَّ اَلْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ لَمَّا طُعِنَ وَ اِخْتَلَفَ اَلنَّاسُ عَلَيْهِ سَلَّمَ اَلْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ اَلشِّيعَةُ عَلَيْكَ اَلسَّلاَمُ يَا مُذِلَّ اَلْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ مَا أَنَا بِمُذِلِّ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ لَكِنِّي مُعِزُّ اَلْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُكُمْ لَيْسَ بِكُمْ عَلَيْهِمْ قُوَّةٌ سَلَّمْتُ اَلْأَمْرَ لِأَبْقَى أَنَا وَ أَنْتُمْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ كَمَا عَابَ اَلْعَالِمُ اَلسَّفِينَةَ لِتَبْقَى لِأَصْحَابِهَا وَ كَذَلِكَ نَفْسِي وَ أَنْتُمْ لِنَبْقَى بَيْنَهُمْ يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِنِّي لَأُحَدِّثُ اَلرَّجُلَ مِنْكُمْ بِحَدِيثٍ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ عَنِّي فَأَسْتَحِلُّ بِذَلِكَ لَعَنْتَهُ وَ اَلْبَرَاءَةَ مِنْهُ فَإِنَّ أَبِي كَانَ يَقُولُ وَ أَيُّ شَيْءٍ أَقَرُّ لِلْعَيْنِ مِنَ اَلتَّقِيَّةِ إِنَّ اَلتَّقِيَّةَ جُنَّةُ اَلْمُؤْمِنِ وَ لَوْ لاَ اَلتَّقِيَّةُ مَا عُبِدَ اَللَّهُ وَ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - ل﴿ا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ[٣١] - ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً[٣٢] يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِيَّاكَ وَ اَلْمِرَاءَ فَإِنَّهُ يُحْبِطُ عَمَلَكَ وَ إِيَّاكَ وَ اَلْجِدَالَ فَإِنَّهُ يُوبِقُكَ وَ إِيَّاكَ وَ كَثْرَةَ اَلْخُصُومَاتِ فَإِنَّهَا تُبْعِدُكَ مِنَ اَللَّهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ اَلصَّمْتَ وَ أَنْتُمْ تَتَعَلَّمُونَ اَلْكَلاَمَ كَانَ أَحَدُهُمَا إِذَا أَرَادَ اَلتَّعَبُّدَ يَتَعَلَّمُ اَلصَّمْتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَشْرِ سِنِينَ فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ وَ يَصْبِرُ عَلَيْهِ تَعَبَّدَ وَ إِلاَّ قَالَ مَا أَنَا لِمَا أَرُومُ بِأَهْلٍ إِنَّمَا يَنْجُو مَنْ أَطَالَ اَلصَّمْتَ عَنِ اَلْفَحْشَاءِ وَ صَبَرَ فِي دَوْلَةِ اَلْبَاطِلِ عَلَى اَلْأَذَى أُولَئِكَ اَلنُّجَبَاءُ اَلْأَصْفِيَاءُ اَلْأَوْلِيَاءُ حَقّاً وَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ اَلْمُتَرَاسُّونَ اَلْمَشَّاءُونَ بِالنَّمَائِمِ اَلْحَسَدَةُ لِإِخْوَانِهِمْ لَيْسُوا مِنِّي وَ لاَ أَنَا مِنْهُمْ إِنَّمَا أَوْلِيَائِيَ اَلَّذِينَ سَلَّمُوا لِأَمْرِنَا وَ اِتَّبَعُوا آثَارَنَا وَ اِقْتَدَوْا بِنَا فِي كُلِّ أُمُورِنَا ثُمَّ قَالَ وَ اَللَّهِ لَوْ قَدَّمَ أَحَدُكُمْ مِلْءَ اَلْأَرْضِ ذَهَباً عَلَى اَللَّهِ ثُمَّ حَسَدَ مُؤْمِناً لَكَانَ ذَلِكَ اَلذَّهَبُ مِمَّا يُكْوَى بِهِ فِي اَلنَّارِ يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِنَّ اَلْمُذِيعَ لَيْسَ كَقَاتِلِنَا بِسَيْفِهِ بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً بَلْ هُوَ أَعْظَمُ وِزْراً يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِنَّهُ مَنْ رَوَى عَلَيْنَا حَدِيثاً فَهُوَ مِمَّنْ قَتَلَنَا عَمْداً وَ لَمْ يَقْتُلْنَا خَطَأً يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِذَا كَانَتْ دَوْلَةُ اَلظُّلْمِ فَامْشِ وَ اِسْتَقْبِلْ مَنْ تَتَّقِيهِ بِالتَّحِيَّةِ فَإِنَّ اَلْمُتَعَرِّضَ لِلدَّوْلَةِ قَاتِلُ نَفْسِهِ وَ مُوبِقُهَا إِنَّ اَللَّهَ يَقُولُ ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ[٣٣] يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لاَ يَزَالُ اَلشَّيْطَانُ يُدْخِلُ فِينَا مَنْ لَيْسَ مِنَّا وَ لاَ مِنْ أَهْلِ دِينِنَا فَإِذَا رَفَعَهُ وَ نَظَرَ إِلَيْهِ اَلنَّاسُ أَمَرَهُ اَلشَّيْطَانُ فَيَكْذِبُ عَلَيْنَا وَ كُلَّمَا ذَهَبَ وَاحِدٌ جَاءَ آخَرُ يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَقَالَ لاَ أَدْرِي فَقَدْ نَاصَفَ اَلْعِلْمَ وَ اَلْمُؤْمِنُ يَحْقِدُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ فَإِذَا قَامَ ذَهَبَ عَنْهُ اَلْحِقْدُ يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِنَّ اَلْعَالِمَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يُخْبِرَكَ بِكُلِّ مَا يَعْلَمُ لِأَنَّهُ سِرُّ اَللَّهِ اَلَّذِي أَسَرَّهُ إِلَى جَبْرَئِيلَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَسَرَّهُ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَسَرَّهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَسَرَّهُ اَلْحَسَنُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَسَرَّهُ اَلْحُسَيْنُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى عَلِيٍّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَسَرَّهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ أَسَرَّهُ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِلَى مَنْ أَسَرَّهُ فَلاَ تَعْجَلُوا فَوَ اَللَّهِ لَقَدْ قَرُبَ هَذَا اَلْأَمْرُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَأَذَعْتُمُوهُ فَأَخَّرَهُ اَللَّهُ وَ اَللَّهِ مَا لَكُمْ سِرٌّ إِلاَّ وَ عَدُوُّكُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ اِبْقَ عَلَى نَفْسِكَ فَقَدْ عَصَيْتَنِي لاَ تُذِعْ سِرِّي فَإِنَّ اَلْمُغِيرَةَ بْنَ سَعِيدٍ كَذَبَ عَلَى أَبِي وَ أَذَاعَ سِرَّهُ فَأَذَاقَهُ اَللَّهُ حَرَّ اَلْحَدِيدِ وَ إِنَّ أَبَا اَلْخَطَّابِ كَذَبَ عَلَيَّ وَ أَذَاعَ سِرِّي فَأَذَاقَهُ اَللَّهُ حَرَّ اَلْحَدِيدِ وَ مَنْ كَتَمَ أَمْرَنَا زَيَّنَهُ اَللَّهُ بِهِ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعْطَاهُ حَظَّهُ وَ وَقَاهُ حَرَّ اَلْحَدِيدِ وَ ضِيقَ اَلْمَحَابِسِ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قُحِطُوا حَتَّى هَلَكَتِ اَلْمَوَاشِي وَ اَلنَّسْلُ فَدَعَا اَللَّهَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ فَقَالَ يَا مُوسَى إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا اَلزِّنَا وَ اَلرِّبَا وَ عَمَرُوا اَلْكَنَائِسَ وَ أَضَاعُوا اَلزَّكَاةَ فَقَالَ إِلَهِي تَحَنَّنْ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ فَأَوْحَى اَللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي مُرْسِلُ قَطْرِ اَلسَّمَاءِ وَ مُخْتَبِرُهُمْ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَأَذَاعُوا ذَلِكَ وَ أَفْشَوْهُ فَحُبِسَ عَنْهُمُ اَلْقَطْرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَ أَنْتُمْ قَدْ قَرُبَ أَمْرُكُمْ فَأَذَعْتُمُوهُ فِي مَجَالِسِكُمْ يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا لَكُمْ وَ لِلنَّاسِ كُفُّوا عَنِ اَلنَّاسِ وَ لاَ تَدْعُوا أَحَداً إِلَى هَذَا اَلْأَمْرِ فَوَ اَللَّهِ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ اِجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يُضِلُّوا عَبْداً يُرِيدُ اَللَّهُ هُدَاهُ مَا اِسْتَطَاعُوا أَنْ يُضِلُّوهُ كُفُّوا عَنِ اَلنَّاسِ وَ لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ أَخِي وَ عَمِّي وَ جَارِي فَإِنَّ اَللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْراً طَيَّبَ رُوحَهُ فَلاَ يَسْمَعُ مَعْرُوفاً إِلاَّ عَرَفَهُ وَ لاَ مُنْكَراً إِلاَّ أَنْكَرَهُ ثُمَّ قَذَفَ اَللَّهُ فِي قَلْبِهِ كَلِمَةً يَجْمَعُ بِهَا أَمْرَهُ يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَصْفُوَ لَكَ وُدُّ أَخِيكَ فَلاَ تُمَازِحَنَّهُ وَ لاَ تُمَارِيَنَّهُ وَ لاَ تُبَاهِيَنَّهُ وَ لاَ تُشَارَّنَّهُ وَ لاَ تُطْلِعْ صَدِيقَكَ مِنْ سِرِّكَ إِلاَّ عَلَى مَا لَوِ اِطَّلَعَ عَلَيْهِ عَدُوُّكَ لَمْ يَضُرَّكَ فَإِنَّ اَلصَّدِيقَ قَدْ يَكُونُ عَدُوَّكَ يَوْماً يَا اِبْنَ اَلنُّعْمَانِ لاَ يَكُونُ اَلْعَبْدُ مُؤْمِناً حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلاَثُ سُنَنٍ سُنَّةٌ مِنَ اَللَّهِ وَ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِهِ وَ سُنَّةٌ مِنَ اَلْإِمَامِ فَأَمَّا اَلسُّنَّةُ مِنَ اَللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ كَتُوماً»[٣٤].

«وقد استمر هذا العمل بالنسبة لأهل البيت(ع) جميعاً ورغم أن الدولة تعلم بوجوده أساساً، فإنها لا تعلم بحدوده ومدى خطورته، ومن هنا كان الإمام(ع) ومن قبله آباؤه يتعرضون للملاحقة والمراقبة والاضطهاد، وقد كاد المنصور مرات عديدة أن يفتك بالإمام(ع) لولا أنه كان يتخلص منه بما أوتي من حكمة وحسن أسلوب»[٣٥].

تأييده للحركات الثورية المخلصة «لتحريك ضمير الأمة الإسلامية وإرادتها والإحتفاظ للضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية بدرجة من الحياة والصلابة تحصن الأمة ضد التنازل المطلق عن شخصيتها وكرامتها للحكام المنحرفين، وهذا العمل مارسه ثائرون علويون كانوا يحاولون بتضحياتهم اليائسة أن يحافظوا على الضمير الإسلامي والإرادة الإسلامية وكان الأئمة يسندون المخلصين منهم.

وفي رواية أنه ذكر بين يدي الإمام الصادق(ع) من خرج من آل محمد فقال لا أزال أنا وشيعتي بخير ما خرج من آل محمد ولوددت أن الخارجي من آل محمد خرج وعليّ نفقة عياله»[٣٦].

وقال الإمام علي بن موسى الرضا للمأمون وهو يحدثه عن زيد بن علي الشهيد أنه كان من علماء آل محمد غضب لله فجاهد أعداءه حتى قتل في سبيله ولقد حدثني أبي موسى بن جعفر أنه سمع أباه جعفر بن محمد يقول: «رَحِمَ اَللَّهُ عَمِّي زَيْداً إِنَّهُ دَعَا إِلَى اَلرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ لَوْ ظَفِرَ لَوَفَى بِمَا دَعَا إِلَيْهِ وَ لَقَدِ اِسْتَشَارَنِي فِي خُرُوجِهِ فَقُلْتُ لَهُ يَا عَمِّي إِنْ رَضِيتَ أَنْ تَكُونَ اَلْمَقْتُولَ اَلْمَصْلُوبَ بِالْكُنَاسَةِ فَشَأْنَكَ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ وَيْلٌ لِمَنْ سًمِعَ دَاعِيَتَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ اَلْمَأْمُونُ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ أَ لَيْسَ قَدْ جَاءَ فِيمَنِ اِدَّعَى اَلْإِمَامَةَ بِغَيْرِ حَقِّهَا مَا جَاءَ فَقَالَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ إِنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمْ يَدَّعِ مَا لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ وَ إِنَّهُ كَانَ اتَّقَى اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ إِنَّهُ قَالَ أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ»[٣٧].

وقد كان الإمام الصادق(ع) يحض الناس ويدفعهم للوقوف مع زيد في ثورته ضد الدولة الأموية، وعندما بلغه مقتل زيد (بلغ ذلك منه كل مبلغ وحزن له حزناً شديداًَ عظيماً حتى بان عليه وفرق من ماله على عيال من أصيب مع زيد من أصحابه ألف دينار)[٣٨].

وحين خسرت حركة بني الحسن(ع) تألم الإمام لذلك وبكى وحمل الناس مسؤولية التقصير إزاءهم.

ويقول ابن عمر الكندي: «دخلت على أبي عبد الله(ع) فقال: هل لكم علم بآل الحسن‌؟ وكان قد اتصل بنا خبرهم فلم نحب أن نبدأه به، فقلنا نرجو أن يعافيهم الله، فقال: وأين هم من العافية‌؟ ثم بكى حتى علا صوته وبكينا»[٣٩].

«فهذا الثناء من الإمام(ع) على القائمين بأمر هذه الحركات وهذا الألم والبكاء عليهم لا يمكن أن يلتئم مع وجهة نظر الإمامية إلا على أساس كونها واجهات ظاهرة لعملهم ترتبط بهم بشكل أو بآخر أو هي كما قيل في شأن زيد لا تعمل إلا من أجل انتزاع الأمر للرضا من آل محمد ولو كانت تدعو لنفسها في عرض الإمامة لما جاز الثناء عليهم أو البكاء لهم، ولما اختلف حسابهم عن الآخرين من بني أمية أو بني العباس من مغتصبي الحكم»[٤٠].

الإمام(ع) ورفضه للمعروض العسكرية

حقيقة مهمة، وهو أن تحقيق انتصار حاسم للإمام(ع) على واقعه، مرهون بنجاح عمله التغييري في مجال بناء كتلة مرتبطة بقيادته المعصومة مؤمنة به وبنظريته في الحكم، واستبعدنا في الوقت نفسه حقيقة تقول: إن فكرة الإستيلاء السياسي المسلح، قضية غير مضمونة النتائج إن لم تكن مؤكدة الفشل ولهذا أبى الإمام(ع) أن يدخل طرفا في مثل هذا الصراع.

وعلى ضوء هذه الحقيقة يمكن تفسير رفض الإمام(ع) لتلك العروض العسكرية والمساومات السياسية لاحتواء حركته، واستغلالاً ميكيافيليا من قبل الغير، أو على الأقل حرفها عما رسمه الإمام(ع) من مرحلة عمل تنسجم وظروف الأمة الموضوعية والتي ترتبط ارتباطا مصيرياً بواقع عمله التغييري.

فمناهج الأئمة(ع) في ممارسة التغيير لم تكن في أي وقت مناهج مغامرات تتخذ العفوية والإرتجال أساسا في تقرير العمل التغييري الشامل بل كانت خططهم كلها ومناهج التغيير عندهم قائمة على أسس علمية وموضوعية واضحة.

فإمكانيات الإمام(ع) والأوضاع الفكرية والسياسية العامة جعلته يرفض جميع العروض العسكرية المسلحة والمساومات السياسية التي كانت تهدف احتواء عمله من الداخل وإجهاض حركته متى شاءوا خصوصا وهي في مبتدإ سيرها.

والعباسيون لم تكن تنجح حركتهم بقلب نظام الحكم الأموي إلا بعد أن رفعوا شعار الرضا من آل البيت واستغلوه استغلالاً مكيافيليا لإمتصاص العواطف العلوية وقواعدها الشعبية باعتبار (أن آل البيت كانوا يمثلون أقوى الأحزاب المعارضة للسياسة الأموية من ناحية، فضلاً عن تبنيهم قضية العدالة الإسلامية من ناحية أخرى»[٤١].

«ولم يعترفوا قط بحكومة الأمويين المغتصبين للحكم، وكان إخلاصهم لآل البيت وتعلقهم بهم داعياً لأن يكسبوا العطف العام»[٤٢].

«وكما حاول الدعاة العباسيون جلب كل المقاومة الشيعية العلوية إلى صفوفهم وأظهروا غايتهم الأولى وهي قلب الحكم الأموي وأخفوا سعيهم لأخذ الخلافة، وتجنبوا كل ما يظهر أنهم قاموا لأخذ محل العلويين بل إنهم أعلنوا بأنهم جاءوا لأخذ ثأر من استشهد منهم»[٤٣].

«وبادىء ذي بدء تجدر الإشارة إلى أن البيت العباسي لم يضع أصول الدعوة ولم يبذر بذورها وإنما الظروف وحدها هي التي ساقت إليه قيادة نظام سري محكم له أجهزته ودعاته وأتباعه، فجنوا ثمارا زرعها بنو عمهم العلويون وركبوا موجة المد الثوري كما يقال وقلبوا ظهر المجن للرواد الذين امتحنوا أشد المحن من أجل إرساء هذا النظام السري المحكم»[٤٤].

فقد أدرك العباسيون حقيقة العواطف العلوية وحاولوا احتواءها عندما طرحوا «شعاراً ذكياً يكفيهم مشقة الخلاف (و يميع القضية) فدعوا للرضا من آل محمد، وهو شعار مبهم يثبت لهم حقاً في الإمامة ويجنبهم خطورة ما يمكن أن يثار من مشكلات لو أنهم جعلوا الدعوة مقصورة على بيتهم فقط.. فقد عقدوا العزم على ذلك، لكنهم لم يفصحوا عما في أنفسهم ولم يكن بوسعهم أن يفعلوا ذلك، ولو فعلوا لتألب عليهم البيت العلوي ودعاته المخلصون فضلاً عن الجماهير التي افتتنت بفضائل بني علي وفاطمة»[٤٥].

وقد كتب أبو مسلم الخراساني كتاباً للصادق(ع) جاء فيه:

«إني أظهرت الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت، فإن رغبت فلا مزيد عليك..»[٤٦].

فانظر ماذا أجابه الإمام(ع) عندما كتب إليه رداً على كتابه هذا مخاطباً الخراساني: «ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني»[٤٧].

وبهذا الرد يكشف لنا الإمام(ع) أن الدافع في رفض هذا العرض كان علمه بعدم واقعيته وصدقه من جهة (ما أنت من رجالي) ومعرفته بعدم وجود القوة الكافية التي تسنده في طلب الحكم (و لا الزمان زماني).

وبعد أن باءت محاولات العباسيين مع الإمام(ع) بالفشل، فكروا في أن يبعثوا بنفس مضامين الرسالة إلى جهات علوية أخرى من أجل مساومتهم على الحكم وكسب عواطف الجماهير من خلال مراكزهم - العلوية - «فراسلوا عمر الأشرف بن زين العابدين ولكنه رفض دعوتهم، ومن ثم كتبوا إلى عبد الله بن الحسن، وقد قبل كتابهم، فحذره جعفر الصادق فلم يحذر».

«ويذكر اليعقوبي في تاريخه (إن عبد الله بن الحسن قال: أنا شيخ كبير وابني محمد - ذو النفس الزكية - أولى بهذا الأمر، وأرسل إليه جماعة من بني العباس وقال: بايعوا لابني محمد»[٤٨].

ويذكر الجهشياري: «أن الصادق نصح عبد الله بن الحسن ألا يقبل دعوة بني العباس قائلاً: «يا أبا محمد ومتى كان أهل خراسان شيعة لك‌؟ أنت أرسلت أبا مسلم إلى خراسان‌؟ وأنت أمرته بلبس السواد؟ وهؤلاء الذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجهت فيهم‌؟ وهل تعرف منهم أحدا؟!»[٤٩].

بل إن الإمام(ع) تنبأ على ضوء تقديره لمجريات الأمور وإحاطته بملابسات الأوضاع بانتهاء الخلافة إلى العباسيين، فحين جاءه عبد الله بن الحسن قال له: «إن الدولة ستتم لهؤلاء القوم ولا تتم لأحد من آل أبي طالب»[٥٠].

وكانت محاولة ثانية من قبل - أبي سلمة الخلال - وهو أحد نقباء الدولة العباسية والعضو الفعال في قيادة الثورة العباسية، عندما بعث إليه رسولاً يحمل معه كتاباً يذكر فيه للإمام(ع) استعداده للدعوة وتخليه عن بني العباس فكان جواب الإمام(ع): - ما أنا وأبو سلمة، وأبو سلمة شيعة لغيري.

قال رسول أبي سلمة: إني رسول فتقرأ كتابه وتجيبه. فدعا أبو عبد الله بسراج، ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتى احترق، وقال للرسول عرّف صاحبك بما رأيت»[٥١].

ومن هنا نعرف خطأ من يزعم بأن رفض الإمام للحكم مع مواتاة الظروف له يعني تخليه عن الجانب السياسي من قيادته، بل إن كل ما في الأمر أن موقفه الرافض جاء تعبيرا عن صيغة من صيغ العمل السياسي التي حددتها له الظروف الموضوعية.

«و لذلك رأى الإمام(ع) أن يظهر الإنصراف شخصياً بصورة كاملة عن مسألة الحكم ليمارس العمل داخل الأمة، ويعدها على المدى لإنشاء هذا الحكم، بعد أن تؤدي دورها التغييري في الأمة والتأثير على مجرى أفكارها والأحداث المهمة فيها، وتصحيح الانحرافات المختلفة التي أفرزها الواقع السياسي والاجتماعي.[٥٢]

المراجع والمصادر

  1. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر

الهوامش

  1. دائرة المعارف دور الأئمة للسيد الصدر.
  2. الكافي للكليني ج٢ ص٢٤٢.
  3. بحث في الولاية الصدر.
  4. الدولة العربية فلها وزن ص٤٨٩.
  5. الجذور التاريخية للشعوبية الدوري ص٤١.
  6. المقاتل للأصفهاني.
  7. عقائد الزيدية نقلا عن حياة الإمام موسى الكاظم للقرشي.
  8. مجلة النجف دور الإمام الصادق عدنان البكاء.
  9. الحركات السرية ص٦١.
  10. الصدر دور الأئمة الإيمان.
  11. تاريخ العرب سيد أمير علي ص١٧٩.
  12. الصواعق المحرقة ابن حجر ص١٢٠.
  13. رسائل الجاحظ للسندوبي ص١٠٦.
  14. مجلة النجف دور الإمام الصادق.
  15. حياة الإمام موسى للقرشي ص٧٦.
  16. الإمام الصادق والمذاهب الأربعة د. أسد حيدر ج٣ ص٢٧-٢٨ وص٤٦.
  17. الإمام الصادق والمذاهب الأربعة د. أسد حيدر ج٣ ص٢٧-٢٨ وص٤٦.
  18. الإمام الصادق للمظفر ج١ ص١٥٧.
  19. فرائد الأصول للأنصاري، وقواعد الفقه لمحمد تقي الفقيه.
  20. الإمام الصادق والمذاهب الأربعة د. أسد حيدر ج٤ ص٩٢-٩٣.
  21. مجلة النجف البكاء ص٢٤.
  22. دائرة المعارف دور الأئمة للصدر.
  23. مجلة النجف البكاء ص٢٢.
  24. من لا يحضره الفقيه ج٣ ص٤ ابن بابويه.
  25. المكاسب المحرمة الخميني ج٢ ص١٠٢ عن الوسائل أيضاً كتاب التجارة ص٤٢.
  26. مجلة النجف البكاء ص٢٠.
  27. فقه الإمام الصادق محمد جواد مغنية ص٧١.
  28. الصادق والمذاهب الأربعة أسد حيدر ج٤ ص٧١.
  29. وسائل الشيعة ج١١ ص٤٤٥.
  30. تحف العقول لابن شعبة ص٢٢١.
  31. سورة آل عمران، الآية ٢٨.
  32. سورة آل عمران، الآية ٢٨.
  33. سورة البقرة، الآية ١٩٥.
  34. تحف العقول لابن شعبة ص٢٢٧-٢٢٩.
  35. مجلة النجف للبكاء ص٢٣.
  36. بحث في الولاية نقلا عن السرائر لابن إدريس.
  37. أعيان الشيعة جزء ٣٣ ص٧٣.
  38. أعيان الشيعة ج٣٣ ص١١٣ نقلا عن الإرشاد للمفيد.
  39. البحار ج٤٧ ص٣٠٢.
  40. مجلة النجف البكاء ص٢١.
  41. الحركات السرية ص٦٧.
  42. محاضرات في التاريخ الإسلامي ج٣ ص٢٢.
  43. محاضرات في التاريخ الإسلامي ج٣ ص٢٢.
  44. الحركات السرية ص٦٦.
  45. الحركات السرية ص٦٦.
  46. الملك والنحل للشهرستاني ج١ ص٢٤١.
  47. الملك والنحل للشهرستاني ج١ ص٢٤١.
  48. محاضرات في التاريخ الإسلامي ص٦٧ الأعظمي.
  49. محاضرات في التاريخ الإسلامي ص٦٧ الأعظمي نقلا عن المسعودي والجهشياري.
  50. الإمام الصادق علم وعقيدة رمضان لاوند ٨٩.
  51. مروج الذهب للمسعودي ج٣ ص٢٥٤.
  52. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 165 - 183.