آية الانذار والهداية في القرآن

من إمامةبيديا


آية الإنذار و الهداية

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[١]

تمهيد

هذه الآية الشريفة أيضاً من الآيات المتعلّقة بولاية وإمامة أمير المؤمنين (ع) حيث بحث فيها العلماء والمفسّرون أبحاثاً متنوعة، ويستفاد من الروايات أنها تدلُّ مضافاً إلى ولاية أمير المؤمنين (ع) ولاية وإمامة جميع الأئمّة المعصومين (ع) كما سيأتي تفصيل ذلك في الأبحاث القادمة.[٢]

الشرح والتفسير

ذرائع مختلفة

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ[٣] والظاهر من هذه الآية الشريفة أن الكفّار طلبوا هذه المرّة أمراً منطقياً لأنّ كلّ نبي لا بدّ له لإثبات حقانيّته وأنه مرسل من الله تعالى من معجزة يثبت فيها هذا الادعاء، وهنا طلب الكفّار معجزة من نبي الإسلام (ص)، ويجيبهم الله تعالى على طلبهم المعقول هذا بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[٤].[٥]

تناسب صدر الآية وذيلها

سؤال: هل هناك تناسب وانسجام بين صدر الآية الشريفة وذيلها؟ وهل أن الجواب على طلب المشركين من النبي بأن يأتيهم بآية ومعجزة هو «إنّما أنت منذر...»؟

الجواب: لأجل العثور على الترابط بين صدر الآية وذيلها لا بدّ من مراجعة الآيات الاخرى التي تتحدّث عن طلب الكفّار للمعجزة من النبي الكريم (ص).

ويحدّثنا القرآن الكريم في الآيات 90- 93 من سورة الإسراء على لسان المشركين:

﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ[٦] هنا يقول الكفّار بأنّنا لن نؤمن لما تقول حتّى تأتينا بمعجزة، ثمّ طلبوا منه سبع معاجز كما نريد ونشتهي، أي أن المعجزات التي تأتي بها من دون أن تكون مطابقة لميلنا ورغبتنا فلا فائدة فيها، بل لا بدّ أن تكون المعجزة حسب رغبتنا وميلنا [٧].

ويستفاد من ظاهر الآية أنهم ذكروا سبع معاجز في دائرة طلبهم وتوقعهم من النبي، والظاهر أن هذا الطلب صدر من أشخاص متعددين كلُّ واحد منهم طلب معجزة معيّنة:

  1. ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا[٨] فأوّل معجزة طلبوها من النبي الأكرم (ص) هو أن يفجر لهم في أرض الحجاز وصحراءها المحرقة عيناً تفيض بالماء الزلال وتفور بالمياه العذبة ليشرب منها الناس ودوابهم ويسقون مزارعهم.
  2. ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا[٩] وهذه المعجزة أيضاً لها بعد في إحياء الأراضي الميّتة وعمران المنطقة من خلال إيجاد بساتين مليئة بأشجار العنب والنخيل وتجري من خلالها المياه.
  3. ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا[١٠] وهنا نرى طلباً غير معقول وهو أنهم أرادوا من النبي أن يدعو الله تعالى لإنزال العذاب عليهم على شكل مطر من الأحجار السماوية لهلاكهم، وهذا الطلب إذا تحقّق فإنهم سيؤمنون ويذعنون لدعوة النبي.
  4. ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا[١١] وهكذا نرى إنّ الإنسان عند ما يصل به العناد واللجاجة إلى أعلى المراتب لا يلتفت إلى ما يقول، فهؤلاء لم يقولوا: اذهب بنا إلى الله‌ والملائكة بل طلبوا من النبي (ص) أن يأتي إليهم بالله والملائكة ويحضرهم عندهم.
  5. ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ[١٢] والطلب الخامس لإثبات النبوّة أنهم أرادوا أن يبني النبي لنفسه قصراً مجللًا بالذهب والزخارف والنقوش، لأن سكّان مكّة كانوا فقراء غالباً فلو أنك كنت تملك مثل هذا القصر العظيم والجذّاب فهذا يدلُّ على أنك مرسل من الله تعالى.
  6. ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ[١٣] والذريعة السادسة هي أنهم طلبوا من النبي لإثبات صدق دعواه أن يطير في السماء أمام أعينهم ليذعنوا للحقّ ويؤمنوا بدعوته.
  7. ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ[١٤] وتمادى بعض الكفّار في عنادهم ولجاجتهم وطلبوا من النبي مضافاً إلى طيرانه في السماء أمام أعينهم عليه أن يأتيهم بكتاب من الله إليهم ليقرءوه.

وكما ترون أن هذه المعاجز السبعة المذكورة في الآية الشريفة تتعلّق بعضها بعمران وإحياء الأرض، وبعض آخر تتضمن الهلاك والموت لهؤلاء المعاندين والمغرورين، والقسم الثالث يتضمن أعمال غير معقولة وغير منطقية، والقسم الرابع لا يتعدّى‌ أن يكون مجرد ذريعة واهية وليس طلباً حقيقياً.

لو كان الأنبياء يتحرّكون في تعاملهم مع أقوامهم من موقع القبول لكلِّ مقترحاتهم والإتيان بالمعجزات كما يرغبون فإنّ بعض الجهلاء والمعاندين والمتذرّعين سيطلبون كلّ يوم معجزة من نبيّهم وسيكون الدين الإلهي ملعبة بأيديهم، ولهذا فإن الله تعالى كان يعطي لكلِّ نبي من الأنبياء معجزة أو معجزات عديدة لبيان حقّانيته وإثبات رسالته ولا يهتم لمطالبات مثل هؤلاء الأشخاص اللجوجين.

ومع الالتفات إلى هذه المقدمة المطوّلة نعود إلى الآية الشريفة حيث تقول الآية:

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ[١٥].

وفي الجواب على هذا الطلب المعقول حسب الظاهر يمكن القول: إنّ نبي الإسلام قد أتى‌ بالمعجزة من الله تعالى بحيث عجز الجن والإنس عن الإتيان بمثلها كما تصرّح الآية 88 من هذه السورة:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[١٦].

فعند ما جاء النبي (ص) لهم بمعجزة من الله تعالى لن يتمكنوا من الإتيان بمثلها مضافاً إلى معجزات اخرى، فلا معنى لطلبهم معجزة اخرى من النبي الكريم، ولذلك أمر الله تعالى أن يقول في جوابهم: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» فمسئوليتك هي الإنذار والتحذير وليست الإتيان بالآية والمعجزة فإننا نحن الذين نقرر شكل المعجزة وكيفيتها، ولكلِّ قومٍ شخص يهديهم إلى الحقّ.

وعلى هذا الأساس يتّضح التناسب والانسجام بين صدر الآية وذيلها.[١٧]

من هو المنذر والهادي؟

ولغرض توضيح معنى هاتين المفردتين يمكننا البحث في هذا الموضوع من طريقين:

الأوّل: تفسير الآية بدون ملاحظة الروايات‌

فهل تعني هذه الآية الشريفة أن النبي الأكرم (ص) هو «المنذر» وهو «الهادي»؟ أو أنه منذر فقط والهادي شخص آخر؟

وهنا توجد ثلاث نظريات في تفسير هاتين الكلمتين:

  1. يرى البعض أن هاتين الكلمتين تعودان كلاهما إلى النبي الأكرم (ص)، فهو المنذر وهو الهادي في نفس الوقت. ولكن الإنصاف إن هذا القول مجانب للصواب ولا ينسجم مع ظاهر الآية ولا يتناسب مع أجواء الفصاحة والبلاغة في اللغة العربية، لأنّ هاتين الكلمتين لو كانتا تعودان على شخص واحد فمقتضى الفصاحة والبلاغة أن تقول الآية: ﴿أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[١٨] لا أن تكون كلمة «هادٍ» في جملة مستقلة ومنفصلة عن الجملة الاولى، وعليه فإنّ الظاهر من الآية أن تكون كلمة «هادٍ» متعلّقة بشخص آخر غير نبي الإسلام (ص) حيث ينبغي استكشافه من خلال القرائن والشواهد الاخرى.
  2. و ذهب آخرون إلى أن «المنذر» يعود إلى النبي الأكرم (ص) بينما «الهادي» يعود إلى الله تعالى، فالنبي هو المنذر للناس، والله تعالى هو الهادي لكلِّ قوم إلى الصراط المستقيم وطريق الحقّ. ولكن يمكن أن يقال في مقام الجواب أن هذه النظرية أيضاً لا تنسجم مع ظاهر الآية الشريفة لأن كلمة «هادٍ» وردت في هذه الآية «نكرة» في حين أن الله تعالى هو أعرف المعارف وأجلى ما يكون عن الخفاء والتنكير، مضافاً إلى أن ظاهر الآية يدلُّ على وجود «هادٍ» لكلِّ قوم من الأقوام السالفة لا أن الهادي لجميع الأقوام هو شخص واحد، وعليه فإنّ هذا التفسير لا يتناسب مع أجواء الآية الشريفة.
  3. هو أن يقال بأن الهادي شخص آخر غير الله تعالى وغير نبيّه الكريم، فهل يمكن أن يكون المقصود بهذه الكلمة هم العلماء من كلِّ قوم وطائفة؟ كلا، لا يمكن أن يكون المقصود هو العالم من كلِّ قوم، لأن كلمة «هادٍ» وردت نكرة كما تقدّم، والنكرة تدلُّ على الوحدة، أي أن لكلِّ قوم وطائفة هادٍ واحد من الناس، فمن هو هذا الشخص الهادي للُامّة الإسلامية؟

ومع الأخذ بنظر الاعتبار مجموع ما تقدّم من أبحاث في تفسير هذه الآية يمكن القول في شرح معناها والمراد منها كما يلي:

  1. أيُّها النبي: أنت المنذر والمؤسس للرسالة الإسلامية والدين الإسلامي ولكلِّ دين هناك شخص بمثابة الحافظ والحارس لهذا الدين والذي يأخذ بعهدته هداية الناس إلى الله تعالى وسوقهم إلى الحقّ.
  2. و من جهة اخرى فإنّ اتحاد السياق يقتضي أن يكون تعيين هذا الهادي ونصبه من قبل الله تعالى، كما أن المنذر وهو النبي الأكرم (ص) معيّن ومنصوب من الله تعالى. وعلى هذا الأساس فإنّ الهادي لا يقصد به الله تعالى أو النبي أو علماء الامّة بل يجب أن يكون شخصاً آخر معيّناً ومنصوباً من قبل الله تعالى.
  3. و من جهة ثالثة فإنّ الشخص الوحيد الذي ورد في حقّه نصٌّ صريح من رسول الله (ص) على ولايته وإمامته هو الإمام علي (ع) ولا يوجد نصٌّ في هذا الشأن لغيره من الصحابة، وحتّى أن علماء أهل السنّة لم يدّعوا مثل هذا الادعاء، وعليه فلو قلنا أنّ «المنذر» هو رسول الله و«الهادي والإمام» هو الإمام علي (ع) المنصوب لهذا المقام من قبل الله تعالى وبواسطة نبيّه الكريم فإنّ هذا المعنى يتناسب مع أجواء الآية الشريفة.[١٩]

الطريق الثاني: تفسير الآية بملاحظة الروايات الشريفة

وهناك روايات عديدة ناظرة إلى بيان المراد من هذه الآية الشريفة حيث نشير هنا إلى خمسة نماذج منها، ثلاثة منها من مصادر وكتب أهل السنّة ورواية واحدة من مصادر الشيعة، أما الرواية الخامسة فمذكورة في كتب الفريقين.

1. يقول ابن عبّاس الراوي والمفسّر المعروف: لَمّا نَزَلَتْ‌ ﴿أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[٢٠] وَضَعَ رَسُولُ اللهِ (ص) يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ، فَقالَ: «أَنَا الْمُنْذِرُ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ، وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ عَلَى مِنْكَبِ عَلِيٍّ، فَقالَ: أَنْتَ الْهادِي يا عَلِيّ، بِكَ يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ مِنْ بَعْدِي‌» [٢١]. هذه الرواية الشريفة مذكورة في مصادر أهل السنّة وهي صريحة على أن المقصود ب «الهادي» هو علي ابن أبي طالب (ع).
2. وجاء في كتاب «شواهد التنزيل» [٢٢] و«الدرّ المنثور» عن أبي برزة الأسلمي أنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (ص) يَقُولُ: «﴿أَنْتَ مُنْذِرٌ[٢٣] وَضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِ نَفْسِهِ، ثُمَّ وَضَعَها عَلى صَدْرِ عَلِيٍّ وَ يَقُولُ‌ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[٢٤] [٢٥]». وهذه الرواية أيضاً مذكورة في كتابين من الكتب المعتبرة لدى أهل السنّة، وقد رواها شخص آخر غير ابن عبّاس ونجد أنها تصرّح بأن «الهادي» هو علي بن أبي طالب (ع).
3. وجاء في كتاب «مستدرك الصحيحين» المعروف لدى علماء أهل السنّة، رواية في تفسير الآية المذكورة عن الإمام علي (ع) نفسه: عَنْ عَلِيٍّ: ﴿أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[٢٦] قالَ عَلِيُّ: «رَسُولُ اللهِ (ص) الْمُنْذِر وَ أَنَا الْهادِي‌» [٢٧]. وطبقاً لهذه الرواية المذكورة في كتاب آخر من كتب ومصادر أهل السنّة المعروفة أن الإمام علي (ع) هو الهادي.
سؤال: من المعلوم في علم الدراية والحديث أن الراوي لو روى‌ حديثاً يتضمن مدحه والثناء عليه فإنّ هذه الرواية لا تكون مقبولة، فكيف يمكن الاستدلال بالرواية المذكورة آنفاً على المطلوب والحال أن الراوي هو الإمام علي (ع) نفسه؟
الجواب: إنّ هذا الكلام صحيح بالنسبة إلى غير المعصومين، ولكن بالنسبة إلى المعصومين الذين لا يتصور في حقّهم الخطأ والذنب فغير صادق، والإمام علي (ع) باعتقاد جميع الشيعة معصوم، وكذلك يرى أهل السنّة أن الأحاديث والروايات الواردة عن جميع الصحابة وأحدهما الإمام علي (ع)، حجّة ودليلًا شرعياً، وعليه فالإشكال المذكور مردود وغير وارد لدى كلا الفريقين.
4. ما ورد في مصادر الفريقين العامّة والخاصّة من حديث الإسراء حيث رواه أهل السنّة عن ابن عبّاس‌ [٢٨] ورواه علماء الشيعة عن ابن مسعود، ويروي هذان عن رسول الله (ص) هذه الرواية، حيث قال رسول الله (ص): «لَمّا اسْرِيَ بي الى السَّمَاءِ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَ رَبّي مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لا نَبِيُّ مُرْسَلٌ وَ لا حاجَةٌ سَأَلْتُ إلّا أَعْطانِي خَيْراً مِنْها فَوَقَعَ فِي مَسامِعي‌ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ[٢٩] فَقَلْتُ: إِلهي أَنَا الْمُنْذِرُ، فَمَنِ الْهادِي؟ فَقالَ: يا مُحَمَّد ذاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِب غايَةُ الْمُهْتَدِينِ، إمامُ الْمُتَّقِينَ، قائِدُ الغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ‌ [٣٠]؛ وَ مَن يَهْدِي مِنْ امَّتِكَ بِرَحْمَتِي إلَى الْجَنَّةِ» [٣١].
هذه الرواية الجذّابة والشيقة تبيّن بجلاء تطبيق الآية محل البحث على النبي الأكرم (ص) والإمام علي (ع) في السماء.[٣٢]

توصيات آية الولاية والإنذار

هذه الآية الشريفة لا تقتصر على بيان بعض البحوث الاعتقادية والتاريخية، بل تتضمن توصيتان لجميع المسلمين والشيعة في عصرنا الحاضر وتفتح لهم أبواب الحياة الكريمة والعقيدة السليمة في هذا الزمان وجميع الأزمنة وبإمكانها فيما لو جسّدها الإنسان على مستوى الممارسة والعمل أن تحلّ كثيراً من مشكلاته في حركة الحياة: [٣٣]

1- التعصّب هو الحجاب والمانع!

يستفاد من المقطع الأوّل لهذه الآية الشريفة أن الإنسان لا يمكنه أن يصل بأدوات التعصّب واللجاجة إلى أي مرتبة من مراتب المعرفة والكمال الإنساني، فلو أراد الإنسان أن يدرك الحقّ والحقيقة فينبغي عليه أن يتحرّك في خطّ الحقّ من موقع التسليم والإذعان لا من موقع التفسير بالرأي وتحكيم الآراء المسبقة واتّباع الأهواء النفسية، ولهذا نرى أن الآيات القرآنية والروايات الشريفة قد نهت بشدّة عن «الجدال بالباطل» وحذّرت من عاقبة اتّباع هذا الطريق المنحرف للوصول إلى الحقّ، حيث يقول القرآن الكريم في الآية الثالثة من سورة الحجّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ[٣٤].

فالمجادلة بالباطل في هذه الآية الشريفة قد جعلت رديفاً لاتّباع الشيطان المريد، وهذا يعني أن الإنسان إذا صار في خطّ الجدل والمراء وتعامل في حواره مع الآخرين بلغة التعصّب والابتعاد عن المنطق فإنه يكون قرين «الشيطان المريد».

ونقرأ في الروايات الإسلامية ما يؤكد هذا المضمون من أن أحد الحجب والموانع المهمة للإيمان والوصول إلى مرتبة اليقين هو الجدال بالباطل والمناقشة مع الطرف المخالف بلغة الاتهام وعدم التمسك بالبرهان المنطقي والعقلاني، فقد ورد عن النبي الأكرم (ص) قوله: «ما ضَلَّ قَوْمٌ إلّا أَوْثَقُوا الْجِدالَ» [٣٥].

فطبقاً لهذه الرواية الشريفة أن العامل الوحيد للضلالة والابتعاد عن الحقّ هو البحث غير المنطقي والجدال من موقع الخصومة والتعصّب المذهبي.

سؤال: لما ذا كانت جميع أسباب وعوامل الضلالة والزيغ تمتد بجذورها إلى الجدال بالباطل؟

الجواب: لأن الإنسان لو وجد في نفسه إذعاناً وتسليماً للحقّ فإنّ الدعاة إلى الحقّ كثيرون في هذه الدنيا وبإمكان الإنسان أن يجد طريق الهداية والإيمان الصحيح بيسر وسهولة، وقد ورد أن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام في جوابه لهارون الرشيد عند ما طلب منه الموعظة والنصيحة قال: «ما مِنْ شَي‌ءٍ تَراهُ عَيْناكَ إلّا وَ فِيهِ مَوْعِظَةٌ» [٣٦].

أي أن جميع ما في الأرض من كائنات ومخلوقات وظواهر طبيعية هي في الحقيقة موعظة لمن فتح قلبه على الله والحقّ، فالسماء بكلِّ ما تحوي مجرّات عظيمة وشموس منيرة ما هي إلّا موعظة، ظاهرة الزمان والمكان موعظة، الحوادث المفرحة والمرّة موعظة، أجل فكلّ هذه الامور تكون موعظة بشرط أن يتمتع الإنسان باذنٌ واعية وعينٌ بصيرة وفؤاد حيّ.

وتأسيساً على هذا فإنّ الحقّ لا يخفى على طلّاب الحقّ وعشّاق الحقيقة، ومن وقع في وادي الضلالة والانحراف فإنه يعاني من مشكلة في واقعه النفساني قبل كلِّ شي‌ء وبالتالي يعيش مرض الجدال بالباطل.

وقد اتّضح ممّا تقدّم أنه لا تفاوت بين المباحث والمواضيع الدينية والأخلاقية والسياسية وأمثال ذلك، فمثلًا ما نقرأه في الصحف والإعلام حول المسائل السياسية يتدخل فيه هذا العنصر بالذات، أي أن كلُّ طرف من الأطراف المتنازعة لا يريد أن يذعن ويسلّم للحقّ بل يريد أن يحكّم رأيه ويفرض نظره على الآخرين بعيداً عن معايير الحقِّ والإنصاف، وإلّا فإنّ تشخيص الحقّ في المسائل السياسية لا يكون مشكلًا وعسيراً أيضاً، ولكن عند ما تتدخل المسألة في إطار التعصّب المذهبي والمنافع الشخصية والحزبية فإنّ‌ الإنسان يبتعد عن أجواء الحقّ وسيختفي نور الحقّ بغشاوة سميكة من ظلمات الأهواء النفسانية.

ونقرأ في رواية اخرى عن أمير المؤمنين ومولى المتقين أنه قال: «الْجَدَلُ فِي الدِّينِ يُفْسِدُ الْيَقِينَ» [٣٧].

لأن الإنسان عند ما يعيش حالة الجدل الدائم مع الآخرين فتدريجياً يطرح رغباته وميوله وأفكاره الشخصية المستوحاة من الأهواء النفسية في لباس الدين والمذهب ويتصور أن هذا الرأي ما هو إلّا قراءة سليمة للدين وللمفاهيم القرآنية.

والخلاصة أنه ورد النهي الشديد والأكيد في الآيات والروايات الشريفة عن الجدل بالباطل، وأما الجدل بالحقّ والحوار المنطقي والهادف والذي يقوم على أساس الأدلّة والبراهين العقليّة ويكون الهدف منه هو إيضاح الحقيقة واستجلاء كوامن الحقّ من دون أن تكون رغبة لدى الطرفين في الاستعلاء والغلبة والتفوق على الخصم فإنّ مثل هذا الجدال والحوار ليس فقط لا إشكال فيه بل هو مأمور به من قبل الله تعالى، حيث نقرأ في الآية 125 من سورة النحل قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[٣٨].[٣٩]

2- الاقتداء بالهادي‌

والتوصية الثانية للآية الشريفة والتي تستفاد من المقطع الثاني لها هي أن المسلمين لو أرادوا الهداية إلى الله تعالى والسير في خطّ التقوى والإيمان فلا بدّ أن يتّخذوا الإمام علي (ع) قدوة وعلى أساس من كونه «هادياً» للمسلمين.

الإمام علي (ع) في أخلاقه وسلوكياته وأقواله وكتبه المشحونة بالمعارف العالية والمفاهيم السامية وكلماته القصار المليئة بالموعظة والحكمة، وتاريخ حياته الملي‌ء بالدروس والعبر، وآداب معاشرته وأخلاقه الجذّابة مع الآخرين، ومديريته القوية والرصينة، واسلوب تعامله وتفاعله مع الأحداث والأشخاص والأقوام من الداخل والخارج، وأخيراً إرشاداته وتعليماته الإنسانية كلُّها يمكن أن تكون اسوة وقدوة لجميع المسلمين في حركتهم الدنيوية وسلوكهم المعنوي في خطّ التكامل الأخلاقي والإلهي.

ونحن الذين ندّعي الولاية لهذا الإمام العظيم وندّعي أننا من أتباعه فما هو مقدار الفاصلة بين حياتنا وتعاملنا وأفكارنا مع حياة ذلك الإمام وأفكاره وأخلاقه؟ لنرى‌ طعام الإمام علي (ع) كم كان زهيداً وبسيطاً، ولباسه في أوج اقتداره وحكومته كم كان رخيصاً وساذجاً، فهل أن زخارف الدنيا وتجملاتها استطاعت أن تقيّد الإمام علي (ع) وهو في أعلى مواقع القدرة بحبائلها وأن تؤسره بأسلاكها، بل نقرأ في التواريخ أن تشييع الإمام ومراسم تكفينه ودفنه كانت بسيطة للغاية، ولكن مع الأسف أنّ بعض من يدّعي أنه شيعة علي (ع) يعيش في عالم الزخارف الدنيوية البرّاقة وقد أصبح أسيراً لاحابيلها الموهومة، بل إنّ المراسم التي تجرى لهم بعد وفاتهم من بذل الطعام ومجالس الفاتحة والعزاء مليئة بالمظاهر البرّاقة ومشحونة بعناصر الهوى‌ والفخفخة بحيث لا نجد شبهاً بينها وبين مجالس العزاء الحقيقية بل قد تنفق في هذه المجالس ملايين الدنانير من دون أن تكون الدوافع سليمة والغايات إلهية.

وقد سمعت قبل مدّة خبراً قد يكون مفرحاً من جهة ومثيراً للقلق من جهة اخرى، وهو:

«مات أحد الأشخاص فقرر أولياء الميت وأبناؤه أن ينفقوا مصارف مجلس العزاء ومراسم الفاتحة على الامور الخيرية، فجلسوا لمحاسبة نفقات مجلس العزاء هذا فتبيّن أنه قد يصل إلى خمسة ملايين تومان، فقرّر هؤلاء الأبناء أن ينفقوا هذا المبلغ على البنات من العوائل الفقيرة لكي يؤمّنوا لهم جهاز العرس وأثاث البيت الزوجي بدلًا من صرفه على مجلس العزاء والفاتحة، فكان هذا المبلغ يكفي لتجهيز عشرة بنات، أي يكفي لتكوين عشر عوائل جديدة ومحتاجة».

هذا الخبر هو مقلق ومثير للتشويش من جهة المبالغ الطائلة التي تصرف على مجالس العزاء هذه، ومن جهة اخرى مفرح ومثير للارتياح والانبساط بأن يقوم أولياء الميت وورثته بخطوة مهمة مستوحاة من العقل والوجدان ويقرّروا إنفاق ذلك المبلغ الكبير على امور خيرية وإنسانية.

ما المانع من أن يقوم المسلم بإنفاق مثل هذه المبالغ الكبيرة على امور إنسانية وموارد خيرية بدلًا من بذلها لمظاهر خاوية وتشريفات زائفة؟

عزيزي القارئ: إنّ توفير مقدّمات الزواج للشباب المحتاجين ليست وظيفة وتكليف الوالدين فقط بل هو تكليف عام لجميع المسلمين كما تقول الآية الشريفة: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ[٤٠].

فهذه الوظيفة في الحقيقة تتعلق بجميع أفراد المجتمع، ولا يقتصر الحال على مسألة الزواج بل سائر المشكلات والمعضلات التي تواجه الشباب والفتيات في مجتمعاتنا الإسلامية حيث ينبغي أن نمدّ لهم يد العون ونسعى في حلّ مشاكلهم والتخفيف من آلامهم وهمومهم في حركة الحياة من قبيل مشكلة «العطالة» التي تمثل العامل المهم لكثير من المفاسد الاجتماعية، وكذلك مشكلة «المسكن» ومشكلة «التحصيل الدراسي» وأمثال ذلك.

ينبغي علينا وبالإلهام من سيرة أمير المؤمنين (ع) أن نتحرر من قيود وأسر التشريفات والظواهر البرّاقة والابتعاد عن منزلقات الزخارف الدنيوية ونعيش البساطة والطهارة والنقاء في الحياة الفردية والاجتماعية بل يجب على الحكومة الإسلامية مضافاً إلى توفير المناخ المناسب لمثل هذه السلوكيات والقيم الأخلاقية والثقافية لجميع أفراد المجتمع أن يقوم المسئولون أنفسهم بالعمل بهذا المبدأ المقدّس لكي يمكنهم في حال إصلاح هذه الأزمة الاجتماعية والإدارية، إصلاح قسم مهم من الفساد الاقتصادي والتخلف الاجتماعي الذي تعاني منه البلدان الإسلامية وبالتالي يتسنّى‌ للمسلمين التخلص من التبعية للأجنبي والاستعمار الذي لا يفكر إلّا في مصالحه الشخصية ومنافعه المادية، ونستطيع إن شاء الله ببركة ذلك الإمام الهمام أن نحفظ عزّة وكرامة الامّة الإسلامية ونحلّ مشكلاتها.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لاستماع قول الحقّ ويرزقنا اذناً واعية لفهم هذه التعليمات المهمة الواردة في دائرة المفاهيم القرآنية ثمّ يوفقنا لتجسيد هذه المفاهيم على مستوى العمل والتطبيق والاستفادة من ثمراتها الكثيرة وبركاتها العميمة إنه أرحم الراحمين... آمين يا ربّ العالمين.[٤١]

المراجع والمصادر

  1. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن

الهوامش

  1. سورة الرعد، الآية 7.
  2. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص327.
  3. سورة الرعد، الآية 7.
  4. سورة الرعد، الآية 7.
  5. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص327.
  6. سورة الإسراء، الآية 90.
  7. انظر تفصيل شأن النزول لهذه الآيات في التفسير الامثل: ج 7 ذيل الآية.
  8. سورة الإسراء، الآية 90.
  9. سورة الإسراء، الآية 91.
  10. سورة الإسراء، الآية 92.
  11. سورة الإسراء، الآية 92.
  12. سورة الإسراء، الآية 93.
  13. سورة الإسراء، الآية 93.
  14. سورة الإسراء، الآية 93.
  15. سورة الرعد، الآية 7.
  16. سورة الإسراء، الآية 88.
  17. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص327-330.
  18. سورة الرعد، الآية 7.
  19. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص330-331.
  20. سورة الرعد، الآية 7.
  21. الدرّ المنثور: ج 4، ص 45.
  22. شواهد التنزيل: ج 1، ص 298.
  23. سورة الرعد، الآية 7.
  24. سورة الرعد، الآية 7.
  25. الدرّ المنثور: ج 4، ص 45.
  26. سورة الرعد، الآية 7.
  27. مستدرك الصحيحين: ج 3، ص 129.
  28. شواهد التنزيل: ج 1، ص 296.
  29. سورة الرعد، الآية 7.
  30. جملة «قائد الغرّ المحجلين» ورد في روايات عديدة. و«الغرّ» جمع «أغرّ» وهو الأبيض النوراني، ويقال للشخص ذي الوجه النوراني «أغرّ»، وأما «محجّل» فمن «حَجَل» وهو نوع من الطير الأبيض، ثمّ اطلق على الفرس الأبيض، ثمّ على كلّ شخص ذي سمعة طيبة ومكانة مرموقة في المجتمع، وعليه فيكون معنى الجملة «قائد الوجهاء والشخصيات الراقية في المجتمع».
  31. تفسير فرات الكوفي: ص 78.
  32. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص332-333.
  33. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص333.
  34. سورة الحج، الآية 3.
  35. بحار الأنوار: ج 2، ص 138.
  36. ميزان الحكمة: باب 4120، ح 21711.
  37. ميزان الحكمة: باب 492، ح 2285.
  38. سورة النحل، الآية 125.
  39. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص334-336.
  40. سورة النور، الآية 32.
  41. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص336-338.