الاقتصاد في علم الأخلاق

من إمامةبيديا

تمهيد

«الاقتصاد»: هي ملكة يقتدر بها صاحبها على كونه في صراط سويٍّ من حيث المعيشة والعمل والخُلُق، فمن يتوسّط في جميع الأمور انفاقاً وعملًا فله تلك الفضيلة العظمى الّتي فيها خير الدنيا والآخرة .

اما التوسّط من حيث المعيشة فأورده الذكر الحكيم في عداد صفات المؤمنين .

قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا[١]

بل ذكر في الحديث كأنّه الكمال الكامل وحقيقة الإيمان .

قال الإمام أبو جعفر (ع): «اَلْكَمَالُ كُلُّ اَلْكَمَالِ اَلتَّفَقُّهُ فِي اَلدِّينِ وَ اَلصَّبْرُ عَلَى اَلنَّائِبَةِ وَ تَقْدِيرُ اَلْمَعِيشَةِ .»[٢]

وقال أمير المؤمنين (ع): «لاَ يَذُوقُ اَلْمَرْءُ مِنْ حَقِيقَةِ اَلْإِيمَانِ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ ثَلاَثُ خِصَالٍ: اَلْفِقْهُ فِي اَلدِّينِ، وَ اَلصَّبْرُ عَلَى اَلْمَصَائِبِ، وَ حُسْنُ اَلتَّقْدِيرِ فِي اَلْمَعَاشِ»» [٣]

واما التوسّط في الاعمال فهو الّذي عبّر عنه في مصطلح الأخلاقيّين وباحثيه بالعدالة المؤكّد عليها في الشرع، حتّى كأنّها شرطٌ في جميع ما يرجع إلى الأمور الجماعيّة، حتّى الإمام في الصلاة . وقد أوصي بها في التنزيل ولو كان الاتّصاف بها ممّا يُلام عليه، أو يوجّه ضرراً إليه أو إلى أقربائه وذويه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[٤]

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى[٥]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ[٦]

وأمّا التوسّط في الخُلُق فهو ممّا اهتمّ به التنزيل حتّى جعله غاية ارسال الرسل وانزال الكتب .

قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[٧]

وممّا ذكرنا ظهر انّ الاقتصاد والتوسّط في الأمور والصراط المستقيم والعدالة والقسط كلها ألفاظ مختلفة تنبىء عن معنى واحد، نعم! إذا اجتمع بعضُها الآخَر فله معنى خاصٌّ به، ولكن يُستعمل كلٌ واحد منها مكان الآخر، وذلك لتقاربها في المعنى .

نعم سبر موارد استعمالها يدلّ على أنّ الأكثر انّ استعمال الاقتصاد في المعيشة، والعدالة في الاعمال، والقسط في السجايا .

وهذه الفضيلة العظمى مطلوبة حتّى وفي العبادات، كما تدلّ عليه جملةٌ من النصوص، منها قول الإمام أبي جعفر (ع) انّه قال: قال رسول الله (ص): «إِنَّ هَذَا اَلدِّينَ مَتِينٌ؛ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَ لاَ تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ اَللهِ؛ فَإِنَّ اَلْمُنْبَتَّ لاَ أَرْضاً قَطَعَ، وَ لاَ ظَهْراً أَبْقَى» [٨]

بل يستفاد ذلك من آي الوحي أيضاً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا[٩]

بل أمر الله تعالى بانسلاك النّاس في الصراط السويّ، ثم بأن يدعوه تعالى ليستقيموا فيه .

قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ[١٠]

وقال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ[١١]

وكلّ ذلك يدلّ على انّ التوسّط في جميع الأمور مطلوب حتّى في العبادات، وهذا هو السرّ في الأمر به ولو في الأمور المُياومة، فكأنّ الأدب مرهون هذه الفضيلة .

قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ[١٢]

أضف إليه ذكره مرادفاً لمهام الأمور المأمور بها، ثمّ مرادفاً لجملةٍ ممّا يُنهى عنه، وهذا يدلّ على مطلوبيّته للشارع جلّ وعلا .

قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ[١٣]

فترى انّ الله تعالى جعل الاقتصاد في المشي وغضّ الصوت تلواً للصلاة والقيام بها وللأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم جعله تلواً للنهي عن التذلّل والتكبّر والوسوسة والتفاخر فوحدة السياق تدلّ على انّ الاقتصاد حتّى في الآداب الجماعيّة هامٌّ جدّاً، حيث عُدّ في سياق اهمّ الواجبات.[١٤]

انّ حوائج الإنسان للعيش في الدنيا تنحصر بالمأكل والمشرب والملبس والمسكن والزواج .

والإسلام أراد وقدّر لكلّ إنسان هذه الحوائج الخمس بمقدار الضرورة، بل بمقدار السعة والرفاه فمن يقدر على تحصيل تلك الخمسة يجب عليه تحصيلها ومن لا يقدر عليها فعلى الامّة إعانته فيها .

وقانون المواسات الّذي يُعدّ من أوجب الواجبات الاقتصاديّة وُضِع لهذا الامر الهامّ .

وأجود طرق المجتمع لتحصيله هو مراعاة الاقتصاد في المصرف، ولا يحتاج إلى فكر بل بأدنى تأمّل يظهر أنّ صرف فضول العيش في حوائج المجتمع الضروريّة يجعله في سعة ورفاه فضلًا عن رفع حوائجه الضروريّة، فلو انّ النّاس اقتصدوا في مأكلهم ومشربهم واجتنبوا عن الإسراف والتبذير وصرفوا الزوائد في حوائج غيرهم، لن يوجد فقير محتاج إلى شيء، فانظر إلى هذا المثال الّذي يُعلن عن الإذاعات ويُنشر في الصُحف والمجلات: انّ المجتمع يستهلك من الخبز ما يفي بخمسة عشر مليوناً آخر، ولو لم يكن هذا الإسراف فهل يبقى أحدٌ جائعاً لا يجد سبيلًا إلى الطعام؟ كما أنّ الجيكارة واستعمالها يستهلك من المنابع المالية ما يفي بتأمين ما نقص من الماء المحتاج إليه في المجتمع للشرب .

فلو انّ النّاس اقتصدوا في الملبس واجتنبوا الترفّه وقاموا بما احتاج إليه غيرهم فهل يوجد من يحتاج إلى البسة ضروريّة بل إلى البسة ترفّهية؟

كما لنا أن نتساءل المخدّرات عن البستهنّ غير الضروريّة لهن؟، لو اقتصدن فيها فهل يبقى منهنّ من يحتاج إلى الضروريّة منها؟ وهكذا الكلام في مساكن النّاس ومشاغلهم و. . . .

نعم يترائى في زماننا هذا المدعوّ باستقرار الدولة الإسلامية فيه بين الشعب المسلم التسابق في الابنية الترفّهية وألبستها بمبرّرات مختلفة، كرئاسة المنظّمة والبلدة وغيرهما من أجزاء المجتمع السّياسيّة، على كون المجتمع بحاجةٍ ماسّة إلى المدارس الأوليّة فضلًا عن المدارس العالية .

هذا وأنّ الجيل الشابّ في خطر عظيم، لعدم تمكّنه من الزواج، ولو اكتفى النّاس في زواج أبنائهم وبناتهم بالضرورىّ من الانفاق، واجتنبوا عن السّرف والتبذير فيه فهل يبقى شاب عزب لا يجد إلى النكاح سبيلًا؟، سيّما لو أنفق النّاس الزائد من الضرورىّ في زواج أقربائهم وذويهم، هذا الأمر المستحسن الّذي حيث عليه الشارع وجعله من المندوب .

وان أبيت عن ذلك فالتفت إلى الأحد وثات الشائعة في الزواج، من جعل البعل معدماً أو دائناً، ثمّ عليه أن يشترى من المجوهرات والألبسة الفاخرة ما يميل إليه أسرة الزوجة، ثمّ على أسرتها الوليمة الترفّهيّة في مجلس الزواج، وعلى جميع المدعوّات لبس الألبسة الجاهرة غير المستعملة ولو لمرّةٍ واحدة ثمّ على والد العروس تجهيزها بما تحتاج إليه طوال حياتها من اوّلها إلى آخرها، ثمّ على البعل القيام بترتيب مجلس العرس من المآكل والمشارب الزائدة على الضرورىّ بمرّات عديدة، وعلى جميع المدعوّين اهداء الصباحيات إلى العروس والعريس وهذا ما يضطرّ الجيل الشاب إلى أن لايفكّر في أمر الزواج، إذ الزواج في عصرنا هذا يحتاج إلى هذه الاستهلاكات البالغة حد السّفاهة، فنعوذ بالله تعالى منها .

ونظير هذا الفقير وذلك الغنىّ في مجتمعنا كثير وليت ان الأغنياء كانوا يسمعون أنين الفقراء وليت انهم يسمعون ذلك الشعر الّذي هو لسان حال الفقراء ولسان قولهم ولكن قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ[١٥].

فتحصّل من جميع ما ذكرنا انّه ان هجم علينا عويصة الفقر الفردى والجماعي وانتشر العدم بحيث يحتاج بعض النّاس إلى قوت يومه وليلته وستر بدنه ومسكنٍ يسكن فيه وزواجٍ يسكن إليه، كلّ ذلك ليس إلّا لعدم تمكين المتمكّنين عن قانون المساواة والعمل به، والغفلة عن اهتمام الشرع به.

وأحسن الأعمال الصالحة وأجودها وأوجبها هو مراعاة الاقتصاد والمواسات والإباء عن الاسرافات والتبذيرات والاترافات، ونحن غفلنا عن اخلاق الإسلام واخلاقياته وتوهّمنا انّ المراد بالعمل الصالح في هذه الآية الشريفة هو العبادات المشهورة كالصلاة والصوم والزكاة والحجّ فقط مع انّ دُستور الاقتصاد في المعيشة وكذلك قانون المواسات يُعدّان من اهمّ الواجبات، هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا البحث ونتلوه بذكر الروايات ليكون ختامه مسكاً ونوراً.[١٦]

أركان الاقتصاد في المعيشة

لا اشكال في انّ الاقتصاد المطلوب عقلًا وشرعاً يتوقّف على أمور .

التوليد، ولااقلّ من كونه على حدّ الكفاف والكفاية فعلى الزارع في زراعته والصانع في صنعه وصنعته وأهل العلم في مدرسته والعامل في معمله أن يفي بما يرتبط إليه وبعبارة أخرى القيام بإيفاء المهمّة على وجه أحسن لرفع حوائج الفرد والمجتمع ليكون النّاس في سعةٍ من العيش ومعلوم انّ ذلك من أوجب الواجبات لئلّا يكون المسلمون عبدةً للكفّار في لوازم معاشهم، كما قد أشار إليه تعالى مؤكّداً عليه .

قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ[١٧]

فترى أنّه تعالى نهى عن أخذ المؤمنين غير المؤمنين أولياء، ثمّ أوعد الآخرين ان يرفع يد عنايته عنهم وعن مجتمعهم إلّا ان يرجعوا ويتّقوا عن تلك الكبيرة الموبقة .

وليس المراد من أخذهم أولياء الصّلة والترابط والمؤالفة بينهما فقط، بل المصداق الجليّ للاستيلاء هو الصلة الاقتصاديّة والسياسيّة بحيث توجب تغلّبهم على بلاد المسلمين فيكون المسلمون رقاقاً لهم، ومعلوم انّ الملّة الّتي تحتاج في انتاج الصنائع والاشياءالكفّار ليست إلّاعبيداً لهم .

والبطانة المنهى عنها المبيَّن فسادها في الذكر الحكيم لا تكون إلّا تحت لواء الحاجة الاجانب في أنحاء الانتاجات .

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[١٨]

ويشترط في النشوء والانتاج أمورٌ هامّة:

١. ان يكون التوليد ممّا يحتاج اليه، فالانتاجات غير الضروريّة كالترفّهيّات اضرّ من تعليق ملّة على ملّة سيّما الكفّار وسيّما إذا احتاج تلك الملّة إلى ضروريّاتها فكلّ ملّة يتوغّل في التجمّلات فعليها الهلاك لانّها من فضول العيش وهي دقّت ورقّت واسترقّت أعناقهم .

هذا إذا كانت هي من انتاجاتهم، فكيف إذا كانت من مستورداتهم، فكيف إذا كانت تصديراتهم من انتاجاتهم الضرورية أو من ذخائرهم ثم كانت مستورداتهم من الترفّهيّات فويل لهم ثمّ ويل لهم . فتحصّل انّ من كان له ماء وارض ثمّ افتقر فعليه لعنة الله .

ومن كان له استعداد فافتقر فعليه لعنة الله .

ومن كان شهيداً وأسوة للنّاس ثمّ جعل غيره أسوة لنفسه فعليه لعنة الله .

ومن جعل عدوّه بطانة وأراد ان يستفيد منه فهو في عمى وعليه لعنة الله .

ومن ترك ما يحتاج إليه في الانتاج ويكون انتاجاته غير الضروريات في العيش فعليه لعنة الله .

وبالجملة انّ الشرط والحجر الأساس في الانتاج ان يكون ممّا رغّب إليه الإسلام في كثير من آيات القرآن، وهو العمل الصالح، فانتاج المحرّمات كالخمر والمخدّرات ليس ممّا يُؤمر به من قِبَل العقل والشرع، هكذا الحكم في الترفّهيّات غير الضروريّة في معايش الناس .

٢ - ان يكون المنتَج شهيّاً محبوباً بحيث يمنع المستعملين عن الرغبة إلى ما أنتجه أهل الكفر والشرك، وهذا هو المشاهَد اليوم في بلادهم ويخالفه أهل الصناعة من ملّة التوحيد، حيث انّ المنتجات في بلادنا تكون على أوهن الوجوه، ولذلك ترى اقبال النّاس إلى ما صنعه صنّاع الإفرنج .

٣ - ان يكون التوليد المنتج مستيقناً ذا دوام، وهذا مصداق جلىّ للعمل الصالح، فالصانع الّذي لا يحسن صنعه، فهو المفسد لا المصلح وعمله يضرّ بالمجتمع، فلذا ترى ان الذكر المبين نهى عن بخس الأشياء تارة من لسان هود (ع) وتارة من لسان شعيب (ع) وثالثة من غير اسناده إلى أحدٍ مكرِّراً ذلك مهدّداً فيه بكلمة الويل الظاهرة في التهديد والعقاب .

قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا[١٩]

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ[٢٠]

وقال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ[٢١]

والبخس كما فسّره الراغب في المفردات هو نقص الشّيء على سبيل الظلام، فلا يختصّ بالمكيال والميزان .

وكذلك الطفّ، لأنّها بمعنى القلّة، كما في المفردات ايضاً والمطفّف هو من نقص الشّيء ظلماً، ولا تختصّ بالمكيال والميزان، وذكر المكيل والموزون في تلك الموارد من باب المثال .

واظهر مصاديق الباخس والمطفّف هو الصانع الّذي ينقص عمله ويكون ظاهره غير باطنه وبعبارة أخرى يكون غير محكّم متقنٍ وهو غشّ، ومن غشّ وُصِف في بعض الأحاديث بأنّه سلب عنه الإيمان وانخرط في زمرة المنافقين .

وقد روى انّ رسول الله (ص) حين سوّى لحد سعد بن معاذ واحكمه واتقنه قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَبْلَى وَ يَصِلُ اَلْبِلَى إِلَيْهِ وَ لَكِنَّ اَللهَ يُحِبُّ عَبْداً إِذَا عَمِلَ عَمَلاً أَحْكَمَهُ» [٢٢]

وروى ايضاً انّ رسول الله (ص) رأى في قبر إبراهيم ابنه حين دفنه خللًا، فسوّاه بيده مع كونه حزناً من موته وقال: «ذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً فَلْيُتْقِنْ» [٢٣]

واظهر مصاديق الباخس والمطفّف هو الديواني الّذي له رفع حوائج النّاس ولكن يسوّف في علمه فيضيّع أعمارهم لو لم يكن ذنب هذا أعظم من الرشاء فلا اقلّ من مماثلتهما في الحكم، فلذا سلب عنه الإيمان مهدّداً بكلمة الويل .

قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ[٢٤]

وقد ورد متواتراً ما يدلّ على ذمّ المانعين، فراجع الكافي تجد صدق ما قلنا ونحن نذكر هنا رواية كنموذج منها .

عن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: «أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَنَعَ مُؤْمِناً شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَ هُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ أَقَامَهُ اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ مُسْوَدّاً وَجْهُهُ مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ فَيُقَالُ هَذَا اَلْخَائِنُ اَلَّذِي خَانَ اَللهَ وَ رَسُولَهُ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى اَلنَّارِ .» [٢٥]

هذا كلّه من غير النظر إلى العنوان الثانوي المترتّب عليه ومع النظر إليه فذنبه أعظم .

توضيح ذلك، انّ العمل غير المتقن من الصانع، أو الانتاجات الترفّهيّة من الناتجين، أو التوانى للديواني حرام ذاتاً وقد مرّ الكلام فيه ولكنّ الاهمّ من ذلك ما يترتّب عليها من توجّه الضرر إلى المسلمين والعار إلى الشريعة البيضاء فيسلّط عليهم الكفر، وهذا ذنبٌ لا يُرجى أن يغفر الله له.[٢٦]

التوزيع والتقسيم الصحيح

من أركان الاقتصاد هو التقسيم ومرادنا منه هنا، هو توزيع الانتاجات بين النّاس ويقال للموزّع الكاسب والتاجر، والواسطة بين المولّد والمستعمل، وهو ممّا رغّب إليه الشرع ويظهر من غير واحد من الروايات، انّ أهل البيت (ع) كما كان لهم الانتاج كان لهم التوزيع ايضاً، ومن الروايات الّتي تدلّ على قيامهم بالانتاج هي رواية علي بن حمزة، فانّه قال: «رَأَيْتُ أَبَا اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ قَدِ اِسْتَنْقَعَتْ قَدَمَاهُ فِي اَلْعَرَقِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيْنَ اَلرِّجَالُ فَقَالَ يَا عَلِيُّ قَدْ عَمِلَ بِالْيَدِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَ مِنْ أَبِي فِي أَرْضِهِ فَقُلْتُ وَ مَنْ هُوَ فَقَالَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ، وَ آبَائِي كُلُّهُمْ كَانُوا قَدْ عَمِلُوا بِأَيْدِيهِمْ وَ هُوَ مِنْ عَمَلِ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلْمُرْسَلِينَ وَ اَلْأَوْصِيَاءِ وَ اَلصَّالِحِينَ» [٢٧]

ومن الروايات الّتي تدلّ على كونهم من موزّعي المنتجات رواية محمد بن عذافر عن أبيه، فانّه قال: «أَعْطَى أَبُو عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ أَبِي أَلْفاً وَ سَبْعَمِائَةِ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ اِتَّجِرْ بِهَا لِي ثُمَّ قَالَ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لِي رَغْبَةٌ فِي رِبْحِهَا وَ إِنْ كَانَ اَلرِّبْحُ مَرْغُوباً فِيهِ وَ لَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ يَرَانِي اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُتَعَرِّضاً لِفَوَائِدِهِ» [٢٨]

وقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): «إِنَّ اَللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُحِبُّ اَلْمُتَحَرِّفَ اَلْأَمِينَ»[٢٩]

وقد اشترط في التقسيم كالانتاج أشياء:

١. توزيع ما يحتاج إليه النّاس والاجتناب عن تقسيم المحرّمات والترفّهيات .

فالمذكور في الشرط الأوّل من شروط التوليد، يجري هيهنا أيضاً .

٢. مراعاة العدل والانصاف فكلّ تاجر وكاسب وموزّع أخذ بالانصاف أمامه فهو تاجرٌ، وإلّا ففاجر، حيث انّ مهمّته تضرّ بالمجتمع حينئذٍ .

ويظهر من الروايات انّ الربح جايز إذا كان مصحوباً بالعدل، وإلّا فهو حرام بحكم الربا وان كان بحسب الفقه حلالًا .

بل يظهر منها أيضاً انّ قانون المواسات يقتضى ان لا يربح الموزّع من المؤمن بعد تحصيل قوت يومه إلّا ان يريد البائع التجارة فاذن يجوز أن يُربَح منه .

وانّ قانون المواسات يقتضى ان يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه ويبغض لغيره ما يبغض لنفسه، وان لا يرضى للمؤمنين ما لا يرضى لنفسه وعياله، ونحن نذكر منها روايتين كنموذجٍ منها .

عن الإمام أبي عبد الله (ع) قال: «رِبْحُ اَلْمُؤْمِنِ عَلَى اَلْمُؤْمِنِ رِبًا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَارْبَحْ عَلَيْهِ قُوتَ يَوْمِكَ أَوْ يَشْتَرِيَهُ لِلتِّجَارَةِ فَارْبَحُوا عَلَيْهِمْ وَ اُرْفُقُوا بِهِمْ.»[٣٠]

وعن أبي عبد الله (ع) انه اعطى ألف دينار نفراً للتجارة فهو باع له بربح الدينار ديناراً فجاء إليه بكيسين في كلٍ ألف دينار، ونقل له القضية فهو اخذ رأس المال وقال: «لاَ حَاجَةَ لَنَا فِي هَذَا اَلرِّبْحِ ثُمَّ قَالَ يَا مُصَادِفُ مُجَالَدَةُ اَلسُّيُوفِ أَهْوَنُ مِنْ طَلَبِ اَلْحَلاَلِ .»[٣١]

وشتّان بين هذه الروايات وبين ما يقوم به أهل السوق في عصرنا هذا .

فالروايات نهت عن الربح زائداً على قوت يومه وأمرت بمراعاة الرفق والانصاف والمواسات .

بينما نرى في هذا العصر ولع بعض السوقيّين على جمع الأموال ونهبها من أي طريق أمكن لهم، فبعد ذلك لا تعجب من قول أمير المؤمنين (ع)، فانّه قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي عَامِرٍ إِلَى اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَرِّ بِقَاعِ اَلْأَرْضِ وَ خَيْرِ بِقَاعِ اَلْأَرْضِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ شَرُّ بِقَاعِ اَلْأَرْضِ اَلْأَسْوَاقُ وَ هِيَ مَيْدَانُ إِبْلِيسَ، يَغْدُو بِرَايَتِهِ وَ يَضَعُ كُرْسِيَّهُ وَ يَبُثُّ ذُرِّيَّتَهُ فَبَيْنَ مُطَفِّفٍ فِي قَفِيزٍ أَوْ سَارِقٍ فِي ذِرَاعٍ أَوْ كَاذِبٍ فِي سِلْعَةٍ فَيَقُولُ عَلَيْكُمْ بِرَجُلٍ مَاتَ أَبُوهُ وَ أَبُوكُمْ حَيٌّ فَلاَ يَزَالُ مَعَ ذَلِكَ أَوَّلَ دَاخِلٍ وَ آخِرَ خَارِجٍ ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ خَيْرُ اَلْبِقَاعِ اَلْمَسَاجِدُ وَ أَحَبُّهُمْ إِلَى اَللهِ أَوَّلُهُمْ دُخُولاً وَ آخِرُهُمْ خُرُوجاً مِنْهَا.»[٣٢]

٣ - رفع الوسائط بين الانتاج والتقسيم وتوزيع الربح بين أهاليهما بما يقتضيه الحكمة .

وهذا شرط هامٌّ جدّاً، لئلّا يسقط الانتاج بخسران المنتج وربح الموزّع، حيث للسعلة سعرٌ آخر في السوق بينهما بعدٌ بعيدٌ، وليس الربح هذا إلّا للموزّعين في سلسلتهم الطوليّة .

وبهذا الأمر الثالث يحدث الطبقات الاجتماعية السفلى والعليا في المجتمع، فيفنى الشرع والمجتمع معاً .

الاستهلاك العادل وهذا الشرط هو مرادنا في هذا الفصل والإسلام اهتمّ به كمال الاهتمام .

وهذا الشرط هو المعدّل للشرطين الأوّل والثاني، وهذا هو الّذي يكون من الإيمان ومن الكمال بل كلّ الكمال، وهذا هو الّذي يمكّن المرء بما فوق التمكّن والسعة والرفاه، وهذا هو الّذي يجلب الحيواة الطيّبة، ولا حيواة إلّا بالاقتصاد في الاستهلاك وإلّا فالحيواة مع الإسراف والتبذير لا يكون إلّابرماً وبالمآل عذاباً في الدارين، وقد مرّ انّ الذكر الحكيم يشير إلى ترتّب الكبائر الموبقة عليه، فاسمع إلى هاتين الآيتين لترى ما بينهما من الوعيد الهائل .

قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لّا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ[٣٣]

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[٣٤]

وبالجملة لا اشكال في انّ العيش الهنيء تحت لواء الاقتصاد في الاستهلاك ومن لايقتصد في الاستهلاك فيعذّب بالإسراف والتبذير طوال حياته، إذ يبتلى بالترفّه والرّقابة في العيش والتسابق فيهما، فيبتلي بالتّعب والفاقة، ويتبعهما الانهيار العصبي المترتّب عليه الهموم والغموم والاضطراب وإن شئت فقل انّهم مجانين على صورة العقلاء، وفقراء على صورة الأغنياء، فيرى النّاس انّهم في راحة مع انّهم في شدّة الآلام الروحيّة ويرونهم في غنى مع انّهم في غاية الاحتياج النفسي وحتّى في العدم، إذ الإسراف والتبذير يفني ثروتهم وأموالهم، فهم في الحقيقة عادموا اللذّة والثروة . وقد رسّمهم الله في الذكر أحسن ترسيمٍ حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ[٣٥]

فالمسرفون والمبذّرون والمترفون كذلك فالناس يرون ظواهرهم الجليّة ولا يهتدوا إلى انّ هذه الحياة ظاهرها جيّد متزيّنٌ ولكن في جوفها نزاع وتشاجرٌ وهمّ وغمّ، وفيها آلام تحرق صاحبها وليس لصاحبها إلّا الحساب والكتاب عند الله ومآله إلى النار، فهي كالبحر اللجّىّ تتراكم عليها الظلمة فلا يرى صاحبها نفسه فضلًا عن تلك الحيواة، فهو كالدود ويلفّ في تلك الظلمات حتّى يموت، وإذا مات فله الحسرة والندامة والعذاب، فهو كلّما خرج من غمّ دخل في غمّ آخر .

قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا[٣٦]

والسرّ في ذلك انّ عذابه في الآخرة هو تجسّم ما في دنياه، فكما أنّه في دنياه كلّما أراد ان يخرج من غمّ أعيد في غمّ آخر، ففي فآخرته يكون كذلك ايضاً .

ويشترط فيه ايضاً شروط

  1. التحفّظ الكامل في الاستهلاك، فمن لا يحتاج إلى المسكن الغالي الواسع ولوازمه فيكتفى بما يحتاج اليه، ومن لا يحتاج إلى البسة عالية فيكتفى بالمحتاج اليه، وكذلك في المأكل والمشرب وغيرهما، وبعبارة أخرى انّ العيش الساذج من اهمّ شرائط الاقتصاد .
  2. مراعاة قانون المواسات في الاستهلاك وهذا ايضاً من اهمّ الشرائط .
  3. مراعاة التساوي الجماعية في الاستهلاك، فأعضاء المجتمع لو كانوا في وضع خاصّ كالحرب والقحط وغيرهما فلابدّ له من أن يساويهم في معيشتهم.[٣٧]

تنبيهٌ اقتصاديٌ أخلاقيٌ

انّ الاقتصاد في المعيشة والإسراف والتبذير فيها يضادّ كلّ منها الآخر، فلاتجتمع فليس إلّافي جامع مفهومي الإسراف والتبذير طرفين للاقتصاد، وليس الاقتصاد وسطاً لهما .

وبعبارة أخرى انّ الاقتصاد في المعيشة هو صراط مستقيم ينتهى إلى الله تعالى وقربه وجنّته، والإسراف والتبذير سبيلان منحرفان عن الصراط السويّ، فينتهيان إلى الطاغوت والقرب منه والسعير .

وقد روى انّ رسول الله (ص) رسّم يوماً خطّاً مستقيماً وقال: هذا صراط إلى الجنّة، ثمّ رسّم خطوصاً انحرافية تلو ذلك الطراط المستقيم وقال: هذه كلّها سبل إلى النار، ثمّ أمر ان يكون المسلم في الصراط المستقيم ويتّقى عن كلّ ما هو غيره .

وبما ذكرنا يظهر حال الاقتصاد في العمل وهو العدالة والاقتصاد في السجيّة وبما انّ البحث عن العدالة والسجايا مضى ذكره في هذا الكتاب، وكذلك البحث عن ضدّ الاقتصاد في المعيشة وهو الإسراف والتقتير فنبحث هيهنا عن الاقتصاد في المعيشة فقط .

الاقتصاد في المعيشة يلازم فضائل كثيرة كلّ واحدة منها خير من الدنيا وما فيها منها القناعة والكفاف والاستغناء عن النّاس والصّبر والشكر والرضا والتسليم وقصر الامل والعفّة والزهد والعدالة والشجاعة واتّباع الحقّ والصّدق وعزّة النّفس وعلوّ الهمّة والغيرة والحمية والوقار ونحوها العديد، بحيث يصحّ ان يقال انّه يلازم الفضائل كلّها فيباعد الرذائل كلّها الّتي هي تضادّه، فلايجتمع الطمع والحرص والحاجة إلى النّاس والجزع والفزع والكفران وطول الامل والذلّة وحبّ الدنيا بالمعنى العام من المال والرئاسة والشهوة والحسد والظلم والانظلام والتهوّر والجبن والعزلة ومتابعة الباطل والكذب والغدر ودناءة الهمّة وغيرها .

كما أنّها تمنع من معاصي كثيرة كالسرقة والرشاء والارتشاء ونهب حقوق النّاس والخدعة والكذب والدناءة في الأقوال والافعال كالتملّق والتذلّل ونحوهما، وبما ذكرنا أشار الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ[٣٨]

فترى انّ الله تعالى كيف أمر بالاقتصاد في المعيشة وعيّن حدوده على أحسن الوجوه ثمّ بيّن أنّه يمنع عن كلّ رذيلة وكلّ معصية (الفواحش ما ظهر منها وما بطن) ثمّ فصّلها بقوله والاثم والبغى والشرك والكذب على الله وهي امّهات الرذائل والكبائر .

ولا محالة تدلّ الكريمة بدلالة الإشارة على انّ الاقتصاد في المعيشة تلازم جميع، ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا[٣٩]

وهذه الآية ايضاً تدلّ على انّ اللؤم كلّه سيّما العُدم والمذلّة مستورٌ تحت الإسراف والتقتير، ولا محالة تدلّ بدلالة الإشارة على انّ الفخر والعزّ كلّه تحت لواء الاقتصاد في المعيشة.

وأنت تعلم انّ الإسراف والتبذير في فضول العيش، يُعدّا من أشراك الشيطان، ليصطاد بهما المرء غير المقتصد في الأمور .

فللذكر الحكيم دلالة واضحة على أنّ سعادة الدارين وكذلك شقاءهما مخبوءان تحت هذه الفضيلة وتركها .

قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ لّا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ[٤٠]

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[٤١].[٤٢]

المراجع والمصادر

  1. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج٣


الهوامش

  1. سورة الفرقان، الآية ٦٧.
  2. الكافي، ج ١، ص ٣٢، باب صفة العلم و. . .، ح ٤
  3. بحار الأنوار، ج ١، ص ٢١٠، باب ٦، ح ٤
  4. سورة المائدة، الآية ٨.
  5. سورة الأنعام، الآية ١٥٢.
  6. سورة النساء، الآية ١٣٥.
  7. سورة الحديد، الآية ٢٥.
  8. الكافي، ج ٢، ص ٨٦، باب الاقتصاد في العبادة، ح ١
  9. سورة الإسراء، الآية ٢٩.
  10. سورة الأنعام، الآية ١٥٣.
  11. سورة الفاتحة، الآية ٦-٧.
  12. سورة لقمان، الآية ١٩.
  13. سورة لقمان، الآية ١٧-١٨.
  14. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٤١.
  15. سورة الروم، الآية ٥٢.
  16. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٥٥.
  17. سورة آل عمران، الآية ٢٨.
  18. سورة آل عمران، الآية ١١٨.
  19. سورة الأعراف، الآية ٨٥.
  20. سورة هود، الآية ٨٥.
  21. سورة المطففين، الآية ١-٥.
  22. بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢٢٠، باب ٨، ذيل ح ١٤
  23. بحار الأنوار، ج ٢٢، ص ١٥٧، باب ١، ح ١٦
  24. سورة الماعون، الآية ١-٧.
  25. الكافي، ج ٢، ص ٣٦٧، باب من منع مؤمناً شيئاً . . .، ح ١
  26. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٤٧.
  27. وسايل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٣، باب ٩ من أبواب مقدمات التجارة، ح ٦
  28. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٦، باب ١١ من أبواب مقدمات التجارة، ح ١
  29. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ١٣، باب ٤ من أبواب مقدمات التجارة، ح ١٤
  30. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٩٣، باب ١٠ من أبواب آداب التجارة، ح ١
  31. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣١١، (نقل الرواية تلخيصاً)، باب ٢٦ من أبواب آداب التجارة، ح ١
  32. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣٤٤، باب ٦٠ من أبواب آداب التجارة، ح ١
  33. سورة الواقعة، الآية ٤١-٤٦.
  34. سورة الإسراء، الآية ١٦.
  35. سورة النور، الآية ٣٩-٤٠.
  36. سورة الحج، الآية ٢٢.
  37. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٥١.
  38. سورة الأعراف، الآية ٣١-٣٣.
  39. سورة الإسراء، الآية ٢٩.
  40. سورة الواقعة، الآية ٤١-٤٦.
  41. سورة الإسراء، الآية ١٦.
  42. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٤٥.