جرير بن عبد الله البجلي

من إمامةبيديا

نبذة

أبا عمرو جرير بن عبد الله البجلي. صحب رسول الله فترة قصيرة، وصحب الإمام أيضا فترة قصيرة، وكان في كلا الفترتين دورا سياسيا هاما، ولكنه في كلا الصحبتين لم ينتقع بها - أي بالصحبة - في صقل نواياه وذات نفسه، ولم تملك تلك النفحات النبوية العلوية كيانه وفؤاده، ولم تشيع في نفسه طمأنينة اليقين، ودفأ الحق بل ما أن ثارت عاصفة حتى انتشلته والقته في أحضان الباطل، ولم تعطه تلك الصحبة للرسول الكريم، والإمام مناعة نفسية، ولا مجنا يذود عن نفسه.

إنه ذهب كما ذهب الكثير ضحية المصالح الشخصية، والأهواء النفسية، والمطامع والأحقاد التي تشوش وجه الحق الناصع.

والوساوس النفسية التي لا تكاد تمل من اثارة النقيع أمام نظرة الإنسان، والتي لا تكاد تني من دفع الإنسان نحو منعرجات السبل، ومضرسات الطرق.

كان ابن عبد الله فارغ القامة سامقا حتى قيل إن طوله كان ستة أذرع وحذاءه كان في ذراع، حلو قسمات الوجه جميلها، ضاحك السن، يخضب لحيته بزعفران فتصبح كالتبر، لين العريكة، وقد انحرف به هذا اللين نحو التهاون بأداء واجباته ومسؤلياته الملقاة على عاتقه، وفي نفس الوقت كان زعيم بجيلة، والمشار إليه بالبنان.

قال الجاحظ: ثلاثة سادوا في الجاهلية والإسلام...

وجرير بن عبد الله[١]. أسلم في سنة عشرة من الهجرة، وأدرك رسول الله (ص) آخر حياته الرسالية.

وعندما تنبأ الأسود العنسى في الجزيرة العربية حاول الرسول الكريم أن يقضي على دعوته الباطلة فارسل إلى ذي الكلاع الحميري، وكان زعيم قومه، وإلى ذي رعين، وهو من سادة اليمن أن يتعاونا مع المخلصين على قطع دابر المتنبأ، ووند دعوته، وكان رسوله إلى ذي الكلاع، وذي رعين هو ابن عبد الله صاحب الترجمة[٢].

وأوصاه الرسول أن يعرج على ذي الخلصة، وهو بيت صنم كان لقبيلة خشعم ويهدمه، فسار أبن عبد الله في خمسين جنديا من قومه حتى أغار على صنم خثعم وهكذا قضى الرسول على آخر صنم الأصنام العربية، وهو عليه الصلاة والسلام يكاد يودع الدنيا إلى الرفيق الأعلى.

قال جرير وهو يستعرض سمات الفترة من حياته مع الرسول العظيم: أسلمت قبل موت رسول الله بأربعين يوما، وما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رأني قط الا ضحك وتبسم.

وفي صاحب الترجمة قال الرسول الحكيم: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»[٣].

إن سيرة الرسول العامة كانت إكرام الضيف كائنا من كان، وصاحب الترجمة ابن عبد الله كان ضيفا طارئا على طيبة، وخاصة وإنه سيد قومه فكيف يحجب، وكان من الأخلاق الرسالية هي البشر والابتسام فيمن يلقاهم الرسول، وذلك لاشاعة الدف في قلوب الوافدين على الرسول، وفي قلوب الناس عامة، وكان ابن عبد الله واحدا من الوافدين، وهو كريم قومه.

ثم ان ابن عبد الله اشترك في المعارك التي دارت بين الإسلام والدولة الساسانية، وكان يتزعم الجنود من عشيرته بجيلة.

قال الشاعر:

لو لا جرير هلكت بجيلةنعم الفتى وبئست العشيرة


يبدو ان الشاعر كان في جوانحه امتعاض من بجيلة الأمر الذي راح يذمها في أسلوب مديح سيدها.

وقال الشاعر الفرزدق قصيدة تشيد بابن عبد الله، ويظلل قبيلة بجيلة المنن التي لجرير عليها حيث جمعها الله به من التشتت والتبعثر:

لولا جرير لم تكوني قبيلةبجيل ولكن جده بك أصعدا[٤]
به جمع الله التشتت منكمكما جمعت ريح جهاما مبددا
ونهنه كلبا عنكم بعدما سمتلخالدها في يوم ضنك فعردا
ليالي يدعو ابني نزار لنصرهإلى النسب الأدنى إليه فأييدا
ولم يدع من كانت بجيله قبلهالى النسب المغمور لكن تمعددا
أخالد لو حافظتم وشكرتمعرفتم لعبد القيس عندكم يدا[٥].[٦]


جرير والي همدان

ولما ان وضعت الحرب أوزارها ارتاد ابن عبد الله مدينة الكوفة الحديثة العمران، وشيد فيها دارا في سرة حي قومه، وعاش في هذه المدينة إلى أن حج في أحد الأعوام وقد ساءه حياة الخمول والدعة، ولما أن أتم حجه عرج على مدينة الرسول، والتقى بالحاكم ثم كانت لقاءات بينه وبين الحاكم، وبين بطانته، واسفرت هذه اللقاءات عن تعيينه واليا على مدينة همدان بعد أن أعطى موثقا على ولاء البيت الحاكم، وتقديم مصالح البيت على أي مصلحة أخرى.

وكانت مدينة همدان الجميلة الأجواء صيفا، والقارسة البرد شتاءا ذات الجبال الشماء، والينابيع المتدفقة يومئذ مدينة صغيرة لا يسكنها سوى عشرة آلاف نسمة هذا إذا ضممنا إليها أعداد أهل القرى والأرياف.

ارتاد الوالي الجديد محل ولايته، وهو فرح، مسرور، يكاد يخرج من إهابه لقد طرح الخمول الذي عاشره أمدا في حي قومه بالكوفة، ها ان الولاية منحته رصيدا كبيرا في مد يد العون لمرتاديه من الأسر البجلية خاصة وإن عهد حكومة أسرة الحاكم في المدينة كان عهد البذخ والقصف على حساب الشعب.

كانت الولاية أنثل تعتبر رصيدا ماديا يستغله الوالي في أرواء مطامحه وشهواته، والنفوذ في قلوب عشيرته وأقربائه، ولكن هذه الحياة المستغلة لم تدم طويلا، ولم يرسل القدر حبله بل دمدمت الثورة على المستغلين.

وشيدت على انقاضها دولة العدالة السائدة، وصيانة الحقوق المنهارة، والاموال المبعثرة، دولة الإمام التي أعادت إلى الإسلام وضائته واريجه، ومسحت عنه غبار الجاهلية المستغلة. لقد ارسل الإمام أمير المؤمنين كتابا إلى محافظ همدان جاء فيه: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ حَكَمٌ عَدْلٌ لاٰ يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذٰا أَرٰادَ اَللّٰهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلاٰ مَرَدَّ لَهُ وَ مٰا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وٰالٍ أُخْبِرُكُمْ عَنَّا وَ عَمَّنْ سِرْنَا إِلَيْهِ مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ اَلْبَصْرَةِ وَ مَنْ تَأَشَّبَ إِلَيْهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهِمْ مَعَ طَلْحَةَ وَ اَلزُّبَيْرِ وَ نَكْثِهِمْ صَفْقَةَ أَيْمَانِهِمْ فَنَهَضْتُ مِنَ اَلْمَدِينَةِ حِينَ اِنْتَهَى إِلَيَّ خَبَرُ مَنْ سَارَ إِلَيْهَا وَ جَمَاعَتِهِمْ وَ مَا فَعَلُوا بِعَامِلِي عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَتَّى قَدِمْتُ ذَا قَارٍ فَبَعَثْتُ اَلْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ فَاسْتَنْفَرْتُكُمْ بِحَقِّ اَللَّهِ وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ حَقِّي فَأَقْبَلَ إِلَيَّ إِخْوَانُكُمْ سِرَاعاً حَتَّى قَدِمُوا عَلَيَّ فَسِرْتُ بِهِمْ حَتَّى نَزَلْتُ ظَهْرَ اَلْبَصْرَةِ فَأَعْذَرْتُ بِالدُّعَاءِ وَ قُمْتُ بِالْحُجَّةِ وَ أَقَلْتُ اَلْعَثْرَةَ وَ اَلزَّلَّةَ مِنْ أَهْلِ اَلرِّدَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهِمْ وَ اِسْتَتَبْتُهُمْ مِنْ نَكْثِهِمْ بَيْعَتِي وَ عَهْدَ اَللَّهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلاَّ قِتَالِي وَ قِتَالَ مَنْ مَعِي وَ اَلتَّمَادِيَ فِي اَلْغَيِّ فَنَاهَضْتُهُمْ بِالْجِهَادِ فَقَتَلَ اَللَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ نَاكِثاً وَ وَلَّى مَنْ وَلَّى إِلَى مِصْرِهِمْ وَ قُتِلَ طَلْحَةُ وَ اَلزُّبَيْرُ عَلَى نَكْثِهِمَا وَ شِقَاقِهِمَا وَ كَانَتِ اَلْمَرْأَةُ عَلَيْهِمْ أَشْأَمَ مِنْ نَاقَةِ اَلْحِجْرِ فَخُذِلُوا وَ أَدْبَرُوا وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ اَلْأَسْبٰابُ فَلَمَّا رَأَوْا مَا حَلَّ بِهِمْ سَأَلُونِيَ اَلْعَفْوَ عَنْهُمْ فَقَبِلْتُ مِنْهُمْ وَ غَمَدْتُ اَلسَّيْفَ عَنْهُمْ وَ أَجْرَيْتُ اَلْحَقَّ وَ اَلسُّنَّةَ فِيهِمْ وَ اِسْتَعْمَلْتُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ اَلْعَبَّاسِ عَلَى اَلْبَصْرَةِ وَ أَنَا سَائِرٌ إِلَى اَلْكُوفَةِ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ تَعَالَى وَ قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ زَحْرَ بْنَ قَيْسٍ اَلْجُعْفِيَّ لِتُسَائِلُوهُ فَيُخْبِرَكُمْ عَنَّا وَ عَنْهُمْ وَ رَدِّهِمُ اَلْحَقَّ عَلَيْنَا وَ رَدِّ اَللَّهِ لَهُمْ وَ هُمْ كَارِهُونَ وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ».

ولما جاءه رسول الإمام زحر بن قيس الجعفي، وسلمه الكتاب فضه بن عبد الله والم بمحتواه ثم نادى مناديه في شوارع المدينة وسككها الصلاة جامعة، وما أن سمع الناس هذا الهتاف حتى هرعوا إلى المسجد الأعظم في المدينة إذ إن الهتاف لا يكون إلا لامر ذي بال، ولقد ترامى إلى مسامعهم الأحداث السياسية التي نجمت في مدينة الرسول(ص)، وما اسفرت عنها من مستجدات على الساحة السياسية في العالم الإسلامي هرع الناس زرافات ووحدانا إلى المسجد الأعظم ليستشفوا بارقة من هذه المستجدات التي أخذت عواصفها تهز الولاة، واصحاب البذخ والقصف من على عروشهم، وما يدريهم لعل عاصفة من هذه العواصف أخذت طريقها إلى هذا الولي لتقتلعه من مقعده الوثير، ولما ان تم شمل اهل المدينة ارتاد ابن لتقتلعه هذا الوالي من عبد الله المسجد الأعظم ويرافقه رسول الإمام زحر بن قيس، وهناك استقل ابن عبد الله المنبر، ورمى الجمع المحتشد بعينيه الجميلتين والتي اخذت ومضاتها تخفت أسا على مركزه في الولاية التي عليه ان يودعها خلال أيام ثم طفق يخطب والناس قد سادهم السكوت كأن على رؤسهم الطير، ووقف المترجم بجانبه يترجم كلامه للأمة الفارسية فقال: أيها الناس هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وهو المأمون على الدين والدنيا، وقد كان من امره وأمر عدوه ما نحمد الله عليه، وقد بايعه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والتابعين باحسان، ولو جعل هذا الامر شورى بين المسلمين كان أحقهم بها. ألا وان البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، وعلى حاملكم على الحق ما استقمتم، فان ملتم أقام ميلكم».

فهتف الناس من جوانب المسجد بلكنة فارسية سمعا وطاعة.. سمعا وطاعة.. رضينا.. رضينا، ثم نهض رسول الإمام والقى على جمهور الناس وحشودهم المحتشدة كلمته شرح فيها ما جاء في كتاب الإمام من حديث الساعة، والحدث الهام الذي اثار انتباه المسلمين والذي كان الفريد من نوعه، والذي كانت احكامه لا زالت غامضة إلى أن كشفها الإمام في سيرته مع اصحاب الجمل، وهي سيرة سارت عليها الدول المتحاربة المسلمة إلى عهدها الحاضر إلا أن يتجن متجنى أو يحيف ظالم أو تنحرف دولة.

القى رسول الإمام خطابه على الحشود المحتشدة، وكان مما حفظ من كلامه هو هذا: «اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي اِخْتَارَ اَلْحَمْدَ لِنَفْسِهِ وَ تَوَلاَّهُ دُونَ خَلْقِهِ لاَ شَرِيكَ لَهُ فِي اَلْحَمْدِ وَ لاَ نَظِيرَ لَهُ فِي اَلْمَجْدِ وَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ اَلْقَائِمُ اَلدَّائِمُ إِلَهُ اَلسَّمَاءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ اَلْوَاضِحِ وَ اَلْكِتَابِ اَلنَّاطِقِ دَاعِياً إِلَى اَلْخَيْرِ وَ قَائِداً إِلَى اَلْهُدَى ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّ عَلِيّاً كَتَبَ إِلَيْكُمْ كِتَاباً لاَ يُقَالُ بَعْدَهُ إِلاَّ رَجِيعٌ مِنَ اَلْقَوْلِ وَ لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنْ رَدِّ اَلْكَلاَمِ إِنَّ اَلنَّاسَ بَايَعُوا عَلِيّاً بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحَابَاةٍ بِبَيْعَتِهِ لِعِلْمِهِ بِكِتَابِ اَللَّهِ وَ سُنَنِ اَلْحَقِّ وَ إِنَّ طَلْحَةَ وَ اَلزُّبَيْرَ نَقَضَا بَيْعَتَهُ عَلَى غَيْرِ حَدَثٍ وَ أَلَّبَا عَلَيْهِ اَلنَّاسَ ثُمَّ لَمْ يَرْضَيَا حَتَّى نَصَبَا لَهُ اَلْحَرْبَ وَ أَخْرَجَا أُمَّ اَلْمُؤْمِنِينَ فَلَقِيَهُمَا فَأَعْذَرَ فِي اَلدُّعَاءِ وَ أَحْسَنَ فِي اَلْبَقِيَّةِ وَ حَمَلَ اَلنَّاسَ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ هَذَا عِيَانُ مَا غَابَ عَنْكُمْ وَ إِنْ سَأَلْتُمُ اَلزِّيَادَةَ فَزِدْنَاكُمْ وَ ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ[٧]»[٨].

أبرق ابن عبد الله إلى الإمام بطاعة أهل مدينته، وبيعتهم ريثما يلتقي هو بالإمام في الأسابيع المقبلة، ثم وبعد أيام شهدت الوديان والجبال ابن عبد الله على ناقته تخب به، وبرفاقه بأتجاه العاصمة، وفي خاطره الأمال الكبار تدغدغه، وفي طريقه أنشد ابن عبد الله قصيدة يفتخر فيها بالولاية على ثغرهمدان، والمعارك التي خاضها في ولايته، ويخلص إلى مديح الإمام قائد الدولة الأعلى:

اتانا كتاب علي فلمنرد الكتاب بأرض العجم
ولم نعض ما فيه لما أتىولما ندم ولما نلم
ونحن ولاة على ثغرهانضيم العزير ونحمي الدمم
نسافيهم الموت عند اللقاءبكأس المنايا ونشفي القره
طحناهم طحنة بالقناوضرب سيوف تطير اللمم
مضينا يقينا على دينناودين النبي مجلى الظلم
أمين الاله وبرهانهوعدل البرية المعتصم
رسول المليك ومن بعدهخليفتنا القائم المدعم
عليا عنيت وصي النبينجالد عنه غواة الامم
له الفضل والسبق والمكرماتوبيت النبوة لا يهتضم


كان عنت الأموي الطاغية يقض مضجع الإمام الأمر الذي عزم على أن يرسل سفيرا من قبله إلى الأموي ليأخذه أما بالبيعة، وأما بالحرب المشبوبة، ومن سيكون سفير الإمام؟ لابد أن يكون سفيره يتحلى بخصائص تخوله أن يقوم بأعباء السفارة:

  1. أن يكون شهيرا لدى الرعايا.
  2. أن يكون طاهر الذيل له شخصية عصامية لا تذله المغريات.
  3. أن يكون له مكانة اجتماعية في أوساط الرعايا والساسة.
  4. أن يكون لين العريكة حلو الحديث يملأ مرآه القلوب والعيون بالاجلال والترحيب.
  5. أن يتحلى بصفات خاصة كانت مطمح نظر الإمام، إلى هاتيك الخصائص التي استعرضناها.

إن هذه الصفات، وتلك الخصائص وجدها الإمام متمثلة في جرير بن عبد الله، فهو شهير لدى رعايا الأموي حيث إن معظم رعاياه من اليمنيين، والسفير هذا هو زعيم بجيلة، وهي قبيلة يمنية لها صلاتها برعايا الأموي تماما كما لزعيمها ابن عبد الله صلاته برعايا الأموي، ومعرفة وثيقة بهم، ومن هذا المنطلق فابن عبد الله له مكانة اجتماعية مرموقة، وهو طاهر الذيل، وإن كانت شخصيته لا تتحلى بالعصامية أمام المغريات إلى أبعد الحدود.

ثم إن ابن عبد الله يتحلى بالخلق، والكلام الطيب، والنبرات الجميلة، وهو في نفس الوقت يملأ القلوب والعيون بقامته الرشيقة الفارعة، وملامحه المتناسقة الجميلة. وهذه الصفات لها صدى في القلوب العربية التي تحبذ المظاهر البراقة.

دعا الإمام ابن عبد الله، وعرض عليه فكرة السفارة، فقال ابن عبد الله، وهو يأمل أن يكون هو السفير: «ابعثني إليه فإنه لم يزل لي مستنصحا وودا، فاتيه فأدعوه إلى أن يسلم لك هذا الأمر، ويجامعك على الحق على أن يكون أميرا من أمرائك، وعاملا من عمالك ما عمل بطاعة الله واتبع ما في كتاب الله.

وأدعو أهل الشام إلى طاعتك وولايتك، وجلهم قومي، وأهل بلادي، وقد رجوت أن لا يعصوني».

إن ابن عبد الله خف ليكون سفير الإمام إلى الشام، ولكن اعترض على هذه السفارة فريق من الناس، وكان الأشتر القائد المحنك اللسان الناطق لوجهة نظر هذا الفريق المعترض، وكان الأشتر نفسه لا يرتاح نفسيا إلى ابن عبد الله، كان يكرهه، وطبيعي ان يكرهه سفيرا يتسلم زمام امة في سفارته هذه، وهذا لا يعني ان الإمام كان يحب ابن عبد الله أو أن نفسه تميل إليه ألا ترى كيف يعبر ابن عبد الله عن الأموي: «ابعثني إليه فإنه لم يزل لي مستنصحا وودا». إن صلة الحب بين الأموي وبين ابن عبد الله قائمة، ولا يرتبط بين القلبين برباط الحب والود إلا أن يكون هناك لقاء في النفسيات لقاء في الخصائص، وليس بين قلوب الصالحين وبين قلوب الطالحين لقاء أو تواد.

إذن ليس هناك بين قلب الإمام(ع) وبين قلب عبد الله الذي ارتبط بالأسوي بحبل الود والحب لقاء، ولكن الإمام لم يجد في كتابه من يسفره سفيرا الا ابن عبد الله أو لم يجد من يتحلى بالخصائص التي أحب أن يتحلى بها ممثله الا ابن عبد الله.

قال الأشتر للامام: «الا تبعثه ودعه، ولا تصدقه في الله إني لأظن هواه هواهم، ونيته نيتهم».

ولكن الإمام قال في نبرة حانية: «دَعْهُ يَتَوَجَّهُ فَإِنْ نَصَحَ كَانَ مِمَّنْ أَدَّى أَمَانَتِهِ، وَإِنْ دَاهَنَ كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُ مَنْ أوتمن، وَلَمْ يُؤَدِّ الْأَمَانَةِ، وَوَثِقَ بِهِ فَخَالَفَ الثِّقَةِ».

ثم ان الإمام دعا ابن عبد الله وزوده بهذه التعاليم فقال: «إِنَّ حَوْلِي مَنْ تَرَى مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَكِنِّي اخْتَرْتُكَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ فِيكَ: خَيْرُ ذِي يُمْنِ. أَنْتَ مُعَاوِيَةَ بِكِتَابِي فَإِنْ دَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَإِلَّا فَانْبِذْ إِلَيْهِ وَأُعْلِمُهُ أَنِّي لَا أَرْضَى بِهِ أَمِيراً، وَإِنِ الْعَامَّةَ لَا تَرْضَى بِهِ خَلِيفَةَ». فقال ابن عبد الله: «والله يا أمير المؤمنين ما ادخرك من نصرتي شيئا، وما اطمع في معاوية».

فقال الإمام: «إِنَّما قَصْدِي حَجَّةً أَ قَيِّمُهَا عَلَيْهِ‏»[٩]. ثم ان الإمام سلمه كتابه.

اعد ابن عبد الله الزاد والراحلة، وبرفقة بعض أصدقائه أصحر تخب به وبرفقته النوق متجها لوجهته ... ولما بلغ إلى قصر معاوية بالشام استأذن حاجبه بعد أن عرض عليه هويته، وما إن سمع به حتى دعاه لمقابلته، وهناك فى البلاط حيث احتف به بطانته القى ابن عبد الله على مسامع الأموي وحاشيته هذه الخطبة: أما بعد، فإنه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين، وأهل المصرين، وأهل الحجاز، وأهل اليمن، وأهل مصر، وأهل العروض وعمان، وأهل البحرين واليمامة، ولم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها لو سال عليها سيل من أوديته غرقها، وقد أتيتك ادعوك إلى ما يرشدك ويهديك إلى مبايعة هذا الرجل.

أيها الناس ... ان الناس بايعوا عليا غير واتر ولا موتور. . . ألا إن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا وإن العرب لا تحتمل السيف، وقد كانت بالبصرة أمس ملحمة أن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء للناس، وقد بايعت العامة عليا، ولو ملكنا والله أمورنا لم نختر لها غيره، ومن خالف هذا استعتب، فادخل يا معاوية فيما دخل فيه الناس.

ثم ان ابن عبد الله سلم كتاب الإمام إلى معاوية، وإليك نص الرسالة: «﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[١٠] أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ بَيْعَتِي لَزِمَتْكَ بِالْمَدِينَةِ وَ أَنْتَ بِالشَّامِ لِأَنَّهُ بَايَعَنِي اَلَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عُثْمَانَ عَلَى مَا بُويِعُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَخْتَارَ وَ لاَ لِلْغَائِبِ أَنْ يَرُدَّ وَ إِنَّمَا اَلشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ إِذَا اِجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ فَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ رِضًا فَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ رَغْبَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اِتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ وَلاَّهُ اَللَّهُ مَا تَوَلَّى وَ يُصْلِهِ ﴿جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا[١١]: وَ إِنَّ طَلْحَةَ وَ اَلزُّبَيْرَ بَايَعَانِي ثُمَّ نَقَضَا بَيْعَتِي فَكَانَ نَقْضُهُمَا كَرِدَّتِهِمَا فَجَاهَدْتُهُمَا عَلَى ذَلِكَ ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ[١٢] فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ اَلْمُسْلِمُونَ فَإِنَّ أَحَبَّ اَلْأُمُورِ إِلَيَّ فِيكَ اَلْعَافِيَةُ إِلاَّ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْبَلاَءِ فَإِنْ تَعَرَّضْتَ لَهُ قَاتَلْتُكَ وَ اِسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَ قَدْ أَكْثَرْتَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ اَلنَّاسُ وَ حَاكِمِ اَلْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَ إِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ فَأَمَّا تِلْكَ اَلَّتِي تُرِيدُهَا فَهِيَ خُدْعَةُ اَلصَّبِيِّ عَنِ اَللَّبَنِ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ نَظَرْتَ بِعَقْلِكَ دُونَ هَوَاكَ لَتَجِدَنِّي أَبْرَأَ قُرَيْشٍ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ وَ اِعْلَمْ أَنَّكَ مِنَ اَلطُّلَقَاءِ اَلَّذِينَ لاَ تَحِلُّ لَهُمُ اَلْخِلاَفَةُ وَ لاَ تُعْرَضُ فِيهِمُ اَلشُّورَى وَ قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ وَ إِلَى مَنْ قِبَلَكَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اَللَّهِ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ اَلْإِيمَانِ وَ اَلْهِجْرَةِ فَبَايِعْ وَ﴿ُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ[١٣]»[١٤].

أنظر إلى نصوص هذا الكتاب، وهو بقلم فقيه الإسلام العظيم ثم اعتبر كيف صارت الخلافة لعبة بأيدي الأهواء والشهوات من بدئها إلى خاتمتها، وصارت الأهواء والشهوات قوانينا ونصوصا اتبعها الناس إلى يوم الناس هذا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قرأ الأموي الكتاب ثم انفض المجلس على أن يلتقى ابن عبد الله بالأموي في لقاء أخر يقرر معه الجواب، ولكن معاوية كان يدافع ابن عبد الله ولا يلتقي به، وإذا التقى به لم يمنحه الجواب سارت الأيام والأسابيع، والأموي يسوف في المواعيد، وكان ابن عبد الله قد أرخى الحبل للأموي، وطفق يزور أصدقائه ومعارفه من اليمنيين، ويقضي معهم سحابة النهار وقسطا من الليل يسهر معهم في شتى القضايا، وقضية الساعة الهامة، وكان يدعو الناس أن يلتحقوا بالإمام، ويمدوا إليه يد البيعة، فإن المهاجرين والأنصار قد بايعوه عن بكرة أبيهم.

ثم إن ابن عبد الله قد ضجر من تسويف معاوية وتتدافعه للقاءات، وهذه شهور تمضي من رحلته من عاصمة الإمام، وفي ذات بالأموي فقال له والغضب يحتدم أواراً: «إن المنافق لا يصلى حتى لا يجد في الصلاة بدا،، ولا احسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بدّا».

فقال له معاوية: إنها ليست بخدعة الصبي عن اللبن، إنه أمر له ما بعده قابلعني ريقي.

ثم إن معاوية عقد اجتماعات مطولة مع كبار حاشيته، وخاصة بعد أن التحق به ابن العاص حول الجواب الذي عليه ان يرسله للامام: أيمد يده بالبيعة؟ أم يمدها بالسيف فأشارت عليه حاشيته أن يثير إعلاما مدويا في صفوف رعاياه يفيد ان الإمام اشترك في الثورة على عثمان، وأن يثير مشاعر الناس الساذجة في هذا الصدد ثم اجتمع معاوية بابن العاص فتداولا الأمر بينهما فمال ابن العاص أن يمد للامام يد البيعة والطاعة فامتعض معاوية من هذه التوصية ففكر في سحب ابن العاص إلى جانبه وليس أفضل من أغراءه بولاية مصر، وما أن خطر له هذا الخاطر حتى انفرجت أساريره، ولوح لابن العاص بالولاية التي سال لها لعاب ابن العاص، ولم يكتف ابن العاص بهذا التلويح بل طلب من معاوية وثيقة على الولاية إذا ما نجح على العدالة العلوية، وهكذا أحضر معاوية وثيقة قيد فيها أن تكون مصر طعمة لابن العاص ثم سطر فيها: «ولا ينقض شرط طاعة».

فبادره ابن العاص الداهية وهتف بالكاتب أن يكتب بدل تلك الجملة: «ولا تنقض طاعة شرطا» [١٥] .

كان معاوية قد ضايقه الحاج ابن عبد الله في القرار النهائي ففكر في الخروج من هذا المأزق على حساب الإمام لا على حساب قضايا نفسه فكرا طويلا إلى أن توصل إلى حل مرضي يفسح له في رقعة الزمن، فلا يضايقه في الحاحه في البت في الأمر، ومن هذا المنطلق ارتاد قصر ضيفه، ورسول الإمام جرير بن عبد الله، وكان ابن عبد الله في قصره الذي جعله معاوية تحت تصرفه. إن الأموي كان يسعى أن يثير ميول ابن عبد الله تجاهه، وتجاه قضاياه فكان يكرمه ويرسل إليه الهدايا، وفتح امامه المتع واسكنه في قصر فسيح الارجاء مخضر الشعاب فيه أشجار متهدلة، وأنهار جارية.

ان عبد الله كان في قصره وإذا صهيل الخيل، ووقع الحوافر، وضوضاء الناس يسري إلى مسامعه تطلع من نوافذ القصر وإذا به يرنو إلى موكب الأموي يتقدم تجاه قصره.

يا ترى ماهي الخطة التي ينوي تنفيذها، وما هي الفكرة التي يحب أن يعرضها في جدول الأعمال أوقل ماهي الحيلة الماكرة التي يرتأى تنفيذها، دعه يصبر حتى يسفر الصبح.

انعقد اللقاء بين سفير الإمام ومعاوية وإذا به يدنو من عبد الله ويلقي إليه هذه الكلمات هامسا كأنما يحاول أن تكون الكلمات سرا بينه وبين السفير: «يا جرير إني قد رأيت رأياً».

قال ابن عبد الله في نبرات مشتاق قد امضه هذا التردد والميوعة التي اتسمت بها تصرفات معاوية تجاه رسالته: «هاته».

قال: «أكتب إلى صاحبك يجعل لي الشام ومصر جباية، فإذا حضرته الوفاة لم يجعل لأحد بعده بيعة في عنقي. ثم تريث قليلا واردف قائلا: واسلم له هذا الأمر واكتب إليه بالخلافة».

فقال جرير: «اكتب بما اردت، واكتب معك»، وهكذا انصاع الرسول لفكرة معاوية، وهو بعيد عن أجواء المؤامرة التي يحوكها ضده أوانه قريب ولكنه يحاول أن يلتثم صدع الامة، ويجمع كلمتها. إذن ما عليه إلا أن يكتب بفكرة الأموي إلى الإمام ليرى قرار الدولة في هذا الصدد عسى أن تنتهي الرسالة الحامية التي اضطلع بحملها إلى سلام يسود الامة، ويسود دولة الإمام وقضايا الإسلام.

أرسل ابن عبد الله بكتاب معاوية وكتابه إلى العاصمة منتظرا الجواب، ولكن إلى أن يصل الكتابان إلى الإمام، ويأتي الجواب من جانبه، فإن الوقت سينفسح امام معاوية، فيستطيع أن ينظم أموره حسب مبتغاه ثم لا يضايقه ابن عبد الله في تعجيل القرار.

كان البريد يواصل مسيرته، وهو يحمل الكتابين إلى عاصمة الإسلام. لنترك البريد يتابع سعيه ولنلم بالعاصمة، والقضايا المستجدة فيها في غضون غياب رسول الإمام.

كان كبار رجال الدولة يحثون الإمام على المبادرة لغزو معاوية، وكانوا قد استطالوا الوقت، وشعروا أن هذا التأخير المفرط من جانب معاوية في رد حاسم إنما هو لتبييت مؤامرة مما حفزهم إلى حث الإمام إلى الاستعداد للمعركة، ولكن الإمام كان من رأيه أن يتريث، وتتريث الدولة حتى يرجع الرسول، وكان(ع) يقول في هذا الصدد: «إِنَّ اِسْتِعْدَادِي لِحَرْبِ أَهْلِ اَلشَّامِ وَ جَرِيرٌ عِنْدَهُمْ إِغْلاَقٌ لِلشَّامِ وَ صَرْفٌ لِأَهْلِهِ عَنْ خَيْرٍ إِنْ أَرَادُوهُ وَ لَكِنْ قَدْ وَقَّتُّ لِجَرِيرٍ وَقْتاً لاَ يُقِيمُ بَعْدَهُ إِلاَّ مَخْدُوعاً أَوْ عَاصِياً وَ اَلرَّأْيُ عِنْدِي مَعَ اَلْأَنَاةِ فَأَرْوِدُوا وَ لاَ أَكْرَهُ لَكُمُ اَلْإِعْدَادَ. وَ لَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا اَلْأَمْرِ وَ عَيْنَهُ وَ قَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وَ بَطْنَهُ فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلاَّ اَلْقِتَالَ أَو اَلْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى اَلْأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وَ أَوْجَدَ اَلنَّاسِ مَقَالاً فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا»[١٦].

وصل البريد إلى العاصمة، فذهب توا إلى الإمام فسلمه كتاب ابن عبد الله رسوله وكتاب معاوية.

نظر الإمام في كتاب الأموي، وتأمل سطوره يستشف ما وراء السطور من مؤامرة أو إخلاص، ولكن طالما ان طبيعة الأموي تميل إلى نسج المؤامرة قبل أن تميل إلى الاخلاص في قضايا الامة فإن الكتاب يصبح كتاب مؤامرة.

كتب الإمام إلى رسوله موضحا خوافي فكرة الأموي، ومسفرا عن أهدافه: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَرَادَ ... أَنَّ يرثيك حَتَّى يَذُوقَ أَهْلِ الشَّامِ [١٧]، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَاحْمِلْ مُعَاوِيَةَ عَلَى اَلْفَصْلِ وَ خُذْهُ بِالْأَمْرِ اَلْجَزْمِ ثُمَّ خَيِّرْهُ بَيْنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ أَوْ سِلْمٍ مُخْزِيَةٍ فَإِنِ اِخْتَارَ اَلْحَرْبَ فَانْبِذْ إِلَيْهِ وَ إِنِ اِخْتَارَ اَلسِّلْمَ فَخُذْ بَيْعَتَهُ وَ اَلسَّلاَمُ».

رجع البريد وهو يحمل رسالة الإمام إلى سفيره، وكان الأموي في خلال فترة غياب البريد قد قام بنشاطات محمومة في تسميم الأجواء ضد الإمام بين رعاياه، واعداد الناس للتصويت إلى جانبه، وهكذا انصاعت الرعايا لشباك مصيدته، وانطلت عليها خداعه.

ولما ان وصل البريد إلى ابن عبد الله حتى خف إلى معاوية، وأراه رسالة الإمام الحاسمة حتى في هذه اللحظة لم يدع ينفلت الوقت من يده، فلم يعطي قراره لسفير الإمام بل طلب منه أن يلتقي به في وقت آخر ليلقاه بالفصل، وبالقرار النهائي، ودنت ساعة القرار دعا ابن عبد الله للقائه، وفي صالة الاستقبال انتظر السفير، ولكن معاوية كان في الغرفة المجاورة ينشد هذه الأبيات ليسمع السفير:

تطاول ليلي واعترتني وساوسيلات آتى بالترهات البسابس
أتاني جرير والحوادث جمةبتلك التي فيها اجتداع المعاطس
أكابده والسيف بيني وبينهولست لاثواب الدني بلابس
إن الشام اعطت طاعة يمنيةتواصفها أشياخها في المجالس


ثم بعد برهة من الزمن ارتاد معاوية صالة الاستقبال، وبيده رسالة مختومة، تقدم تجاه السفير والبسمة تداعب شفتيه المنكرتين، وسلم السفير الرسالة، وهو يهتف به فرحاً: «يا جرير الحق بصاحبك إنما هي الحرب الحرب». طار ابن عبد الله إلى العاصمة ليخبر الإمام بمساعيه الفاشلة، ويسلمه الرسالة، وفي العاصمة التقى ابن عبد الله بالإمام وهو يهتف: «الحرب .. الحرب يا أمير المؤمنين» فتح الإمام الرسالة فإذا بها بيضاء ناصعة لا كلمة فيها مدبجة.

إن الرسالة كانت «رقاً مطبوعاً غير مكتوب»، تسامع كبار رجال الدولة بعودة السفير فانهالوا إلى مركز الرئاسة، وكان مالك الأشتر يتقدم الوافدين، وهناك التقوا بالإمام وسفيره، وسمعوا السفير ينقل انطباعاته عن الأموي ورعاياه، وانهم وفق المشاعر المشبوبة التي أثارها معاوية في أساليب مختلفة وخاصة أسلوب الدعاية والاعلام المستمر في المساجد والمقاهي والمزارع ضد دولة الإسلام إنهم عازمون على دخول معركة، وهنا قال الأشتر المعبر عن مشاعر رجال الدولة، واللسان الناطق عن وجهة نظرهم: «أما والله يا أمير المؤمنين لو كنت أرسلتني إلى معاوية لكنت خيرا من هذا الذي أرخى من خناقه، وأقام حتى لم يدع بابا يرجو روحه إلا فتحه أو باباً يخاف غمه إلا سده».

فقال جرير: «والله لو أتيتهم لقتلوك، ووددت والله إنك كنت مكاني بعثت، إذا والله لم ترجع».

فقال الأشتر: «والله لو أتيت معاوية يا جرير لحملته على خطة أعجله فيها عن الفكر».

فقال ابن عبد الله جرير: «فأتهم اذن».

قال: «الان وقد أفسدتهم».

وهنا طفق الاشتر - وقد انتابته نوبة غضب حامية على ابن عبد الله الذي تهاون في رسالته - ينعت ابن عبد الله بالخيانة أيام ولايته على همدان، وفي سفارته هذه ثم قال: «والله ما أنت بأهل أن تمشي فوق الأرض حيا انما أتيتهم لتخذعندهم يدا بمسيرك إليهم ثم رجعت إلينا من عندهم تهددنا بهم، وأنت والله منهم، ولا أرى سعيك إلا لهم، ولئن أطاعني فيك أمير المؤمنين ليحبسنك وأشباهك في محبس لا تخرجون منه حتى تستبين هذه الأمور، ويهلك الله الظالمين».

إنها كلمات حاسمة يلقيها الأشتر العضيد الأكبر للامام ولدولته الفتية، إنها كلمات كانت كبيرة الوقع في نفس ابن عبد الله أثارت بلابلها، طفق من جرائها يفكر في الخلاص من الوقوع في المأزق، إن البقاء في العاصمة ربما أدت إلى خسارة في حياته، وعلى أقل تقدير سيزج به في السجن، وهو لا يأبه بالسجن إن لم تنهار مع السجن كرامته لدى عشيرته وعارفيه، ولم يوصم بالخيانة والمروق من قوانين الدولة المرعية، ولم ينعت بالخيانة العظمى.

إن من يسجن في دولة العدالة المتمثلة في الإمام، إن من يسجن تحت ظل هذه الدولة، فإن السجين لا يطلق سراحه إلا وهو خامل الذكر، موصوم بالذنب، منعوت بالخيانة، مسود الصحيفة، يتجنبه الناس، وينأون عنه، ويتطيرون منه.

إذن قبل أن ينزل به طائلة العقاب، وهو أعرف بنفسه من غيره، قبل أن ينزل به العقاب الصارم دعه يتخذ الليل جملا ويهرب من العاصمة التي بدت منها بوادر التنكر والعداء، ولكن قبل أن يهرب دعه يلتقي بواحد من كبار «الطابور الخامس» في العاصمة، أرسل إلى الأشعث بن قيس وضرب معه موعدا عند الغروب حيث تميل الشمس إلى المغيب، والظلام في الجبانة حيث الهدوء يسود فيها، وحيث تنعدم المارة، وليس هناك أحد يراهما.

أعد ابن عبد الله كل شيء يحتاجه في رحلته المرتقبة، وعلى جناح السرعة، وفي الخفاء من عيون الرقباء، وعند الموعد المحدد اتجه ابن عبد الله إلى الجبانة، وتكاد ذكاء تأزف للمغيب، وهو متنكر وفي الجبانة كان ابن قيس ينتظر صديقه هذا على أحر من الجمر حيث إنه لم يلتقي به من شهور منصرمة، ولم يعلم من أحوال الشيخ الذي يعملون في سبيله تحت ستار زعامة العشيرة، ويثيرون في مسيرة الدولة المعوقات شيئاً.

وفي الجبانة التقى ابن قيس بصديقه في شوق وهيام، ونقل كل واحد منهما للآخر عن انطباعاته، والأخبار التي في حوزته.

ابن قيس نقل أخبار العاصمة وانطباعاته عنها، وابن عبد الله أخباره عن الشام وأهلها، وفي خلال الحديث الرخاء زود ابن عبد الله صديقه بالأمنيات الطيبة التي يحملها له من جانب معاوية، وتوصياته المستقبلية ثم عرجا من هذا الحديث إلى ذم الدولة، وأملا نقل السلطة من العدالة إلى الظلم والغشم، وفي غضون النقد مر بهما ضب يعدو فنادياه ساخرين: «يا أبا حسل هلم يدك نبايعك بالخلافة».

ثم ضحكا وودع ابن عبد الله صديقه باتجاه قرقيسيا تحت ستار الظلام المخيم على الأجواء، ولما بلغ الإمام بعد فترة زمنية، وبعد أن أسفر ابن قيس عن عدائه للدولة، وولائه لأعدائها، وانتشرت عنه هذه التصرفات الممضة، قال(ع): «إِنَّهُمَا يُحْشَرَانِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَ إمامها [إِمَامُهُمَا] ضَبٌّ».

ولما بلغ الإمام ان ابن عبد الله لاذ بالفرار جاء، وفي ركبه الكثير من عمال البناء، وتبعه عليه الصلاة والسلام الكثير من الناس ليستشفوا عن وجهة الإمام، كان الناس ينظرون إلى الإمام يسير باتجاه حي بجيله، ثم باتجاه قصر ابن عبد الله القوراء، وهناك امر الإمام بهدم الدار فهدم العمال بمعاول الهدم جوانبا من القصر حتى لا يصلح للسكنى، ثم أمر الإمام أمير المؤمنين(ع) باحراق ديوان ابن عبد الله الذي كان يسمر فيه، ويلتقى بأصدقائه ومعارفه ورواده، وفي لمحة طرف كان الدخان يتصاعد من الديوان، واللهيب قد أحاط سرادقه، وبهذا الأسلوب استنكر الإمام على ابن عبد الله ووصمه بالخيانة التي لا يستطيع التخلص من تبعاتها، وليس الإمام الممثل للدولة الإسلامية استنكر على ابن عبد الله تصرفاته الهوجاء بل عاضد الإمام على هذا الاستنكار معظم أفراد قبيلة بجيلة، وهي قبيلة ابن عبد الله التي كان يستند إليها ويتزعمها.

إن بجيلة وحيها الكبير في العاصمة استنكرت تصرفات ابن عبد الله، واستنكرت هروبه، فلم ترافقه في رحلته هذه، ولم يغادر العاصمة من أفرادها الا قلة قليلة تعد بالأصابع التحقت به في «قرقيسيا». ففي صفين كانت بجيلة تخوض المعارك ضد الباطل الأموي معاضدة للامام ومبادئه، وكان الإمام قد سلم راية بجيلة إلى رفاعة بن شداد ليقودها في نضالها الحربي كعقيد له مواهبه ومؤهلاته الحربية [١٨].

وليس بجيلة وحدها عافت زعيمها ونابذته بل حتى ابن جرير بن عبد الله ويسمى بعمرو أستنكر على أبيه مغادرة العاصمة هروبا بل ولم يروي عن أبيه شيئا في مجال «الثقافة النبوية».

هذا إن كان جرير استوعب منها شيئا أو جانبا من جوانبها، وإنما الذي روى هو أبو زرعة بن عمرو بن جرير البجلي روى عن جده.

أخذت ناقة ابن عبد الله تخب باتجاه «قرقيسيا»، وكتب في طريقه رسالة إلى معاوية يخبره عن مفارقته للامام والتحاقه مكشوفا بصفوفه، فرحب به، وسكن جرير بن عبد الله في مدينة قرقيسيا وكانت تابعة لأعمال معاوية، وتوفي فيها عام ٥٤، أي توفي بعد ١٧ عاما من هروبه من عاصمة الإمام، ومن نفحات الإمام ورصيده الثر في الإسلام إلى مقاطعة الأموي ولفحاته ونكره، ورصيده الثر من الجاهلية ودهائها.

قال ابن عبد الله: «الخرس خير من الخلابة، والبكم خير من البذاء». ولم يشترك ابن عبد الله في صفين.[١٩]

المراجع والمصادر

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج٢

الهوامش

  1. البرصان والعرجان: ٧٩.
  2. أسد الغابة ٢: ١٤٣، الاستيعاب ٢٣٤ – ٢٣٧.
  3. الاستيعاب ١: ٢٣٤.
  4. كانت بجيلة احتربت فتفرقت في قبائل العرب ثم جمعها جرير بواسطة تدبير الدولة.
  5. ديوان الفرزدق، شرح الصاوي ١: ١٨٢.
  6. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٤٣-١٤٦.
  7. سورة الكهف، الآية ٣٩.
  8. نصر: ١٨.
  9. الكامل في اللغة ١: ١٩٠ – ١٩١، صفين ٢٧ - ٢٨، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٧٣، أعيان الشيعة ١٦: ٢٢٧.
  10. سورة الفاتحة، الآية ١.
  11. سورة النساء، الآية ٩٧.
  12. سورة التوبة، الآية ٤٨.
  13. سورة الكهف، الآية ٣٩.
  14. نهج السعادة ٤: ٨٩ - ٩١، العقد الفريد ٣: ١٠٦. الإمامة والسياسة ١: ٩٤، صفين ٢٩، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٣: ٧٥.
  15. الكامل في اللغة ١: ١٩٠ – ١٩١، طبعة الاستقامة - القاهرة.
  16. نهج البلاغة ٨٤، رقم الكلام ٤٣.
  17. المقصود من أهل الشام هم المهاجرون من اليمنيين والحجازيين الذين هاجروا إلى سورية أيام الفتوح، وليس المقصود السكان الأصليين في البلاد حيث انهم كانوا تبعا ليس لهم من إدارة البلاد شيء، ولا يرجع إليهم في رأي أو مشورة إنما كان النظام السياسي في البلاد بيد الأجانب المهاجرين.
  18. صفين ٢٠٥.
  19. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٤٦-١٦٢.