المدينة المنورة

من إمامةبيديا
(بالتحويل من مدينة الرسول)

تمهيد

المدينة المنورة؛ تقع في شمال مكة على بعد خمسمائة كيلومتر تقريبا. وفي حواليها نخيل وبعض البساتين لصلاح تربتها للزراعة نسبيا. وكان اسمها قبل الإسلام يثرب، وبعد هجرة الرسول(ص) إليها سميت: مدينة الرسول، وحذف المضاف إليه تخفيفا فقيل: المدينة.

ويقال: إنّ العمالقة أوّل من سكنوا المدينة أو يثرب، وظلّوا بها حتّى نزلها اليهود في القرن الثاني الميلادي على اثر اضطهاد الرومان لهم في فلسطين، والمظنون أنّهم هاجروا من موطنهم الأصلي في فلسطين إلى الجزيرة على إثر ضغوط القيصر نينوس عليهم وهدمه لهيكلهم سنة ٧٠م وكذلك اصطدام القيصر هوريان بهم سنة ١٣٢م ففي هذه الاثناء فرّ كثير منهم إلى الحجاز[١].

ونرى أنّ الحجاز منطقة جرداء تقريبا لا تصلح للزراعة والعمل، فهي لا تصلح للسكنى والحياة... وهذا قد جعل المنطقة في مأمن من فرض السيطرة عليها من قبل الدولتين العظميين آنذاك: الروم والفرس، ولذلك لا نرى لهم أي أثر فيها، إذ لم يكن لهم أي مغنم في تجهيز الجيوش إليها، فهم ان فعلوا ذلك كان عليهم أن يرجعوا عنها خائبين خاسرين.

وقد نقل بعض المؤرخين اليونانيين: أنّ القائد اليوناني الكبير: دمريوس، عزم على تسخير الجزيرة حتّى وصل إلى قرية: پترا - ولعلها ماء بدر - فقال له أهلها: أيّها القائد اليوناني! لما ذا تحاربنا؟ فنحن نعيش في صحاري ليس فيها أي شي‌ء للعيش، وقد اخترنا هذه الصحارى القاحلة الجرداء كي لا نذعن لأمر احد، فاقبل هدايانا وانصرف عنا. والا فنحن نعلمك أنّك ستصاب بمصائب عظيمة ومشاكل كثيرة: واعلم أنّ أحدنا لا ينفكّ عمّا هو عليه من الخلق والعادة، فلو تقدمت فينا وأسرت منّا اناسا تريد أن تذهب بهم فإنّك لن ترى نفعا فيهم فإنّهم سوف يقابلونكم بسوء الأعمال والنيات لا يغيرون شيئا ممّا هم عليه!

فقبل القائد اليوناني هداياهم وانصرف عن تسخير الجزيرة[٢].[٣]

انتشار الإسلام في المدينة

مرّ في تعبير القمي في تفسيره: أن رسول الله(ص) بعث إلى المدينة مع الاثني عشر نقيباً في بيعة العقبة الأولى: مصعب بن عمير بن هاشم يصلّي بهم. فكان يصلّي بهم ويقرئهم القرآن حتّى سمّي بينهم بالمقرئ، وحتّى لم تبق دار في المدينة الا وفيها رجال ونساء مسلمون.

ومرّ في تعبير ابن شهرآشوب في «المناقب»: ثمّ أنفذ النبي(ع) معهم (ابن عمه) مصعب بن عمير بن هاشم، فنزل دار أسعد بن زرارة، فاجتمعوا عليه وأسلم أكثرهم. أمّا لما ذا نزل دار أسعد بن زرارة؟

فقد مرّ في أخبار حصار قريش لبني هاشم في شعب أبي طالب عن الطبرسي في «إعلام الورى» عن علي بن إبراهيم القمي قال: كان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهورا طويلة، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان آخر حرب بينهم «يوم بعاث» وكانت للأوس على الخزرج.

وكان عبد الله بن ابي بن سلول شريفاً في الخزرج، ولكنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث ولم يعنهم على الأوس وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولا اعين على الظلم. فرضيت به الأوس والخزرج واجتمعوا على أن يملّكوه عليهم لشرفه وسخائه، وحتّى أنهم اتخذوا له اكليلا احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها...

وكان أسعد بن زرارة (الخزرجي من بني النجار أخوال الرسول) صديقا لعتبة بن ربيعة المخزومي، فخرج هو وذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، فلمّا نزل على عتبة قال له: انّه كان بيننا وبين قومنا حرب، وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم.

فقال عتبة: بعدت دارنا عن داركم، ولنا شغل لا نتفرغ معه لشي‌ء! قال أسعد: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟

قال له عتبة: خرج فينا رجل يدّعي أنّه رسول الله، سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وأفسد شبابنا وفرّق جماعتنا.

فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفا وأعظمنا بيتا.

وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم: النضير وقريظة وقينقاع: أنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة يكون مهاجره إلى المدينة، لنقتلنّكم به يا معشر العرب! فلمّا سمع ذلك الكلام من عتبة وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود فقال: أين هو؟ قال: جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم الا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فانه ساحر يسحرك بكلامه.

فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر لا بدّ لي أن أطوف بالبيت؟ فقال: ضع في اذنيك القطن.

فدخل أسعد المسجد وقد حشا اذنيه من القطن. فطاف بالبيت ورسول الله(ص) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل منّي! أ يكون مثل هذا الحديث بمكّة فلا نعرفه حتّى أرجع إلى قومي فاخبرهم؟! ثمّ أخرج القطن من اذنيه ورمى به وقال لرسول الله: أنعم صباحا! فرفع رسول الله رأسه إليه وقال: قد أبدلنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة: السلام عليكم. فقال له أسعد: ان عهدك بهذا لقريب. إلى ما تدعو يا محمد؟ قال: إلى شهادة أن لا آله الا الله وأنّي رسول الله، وأدعوكم الى: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [٤].

فلمّا سمع أسعد هذا قال: أشهد أن لا آله الا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله. يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج وبيننا وبين اخواننا من الأوس حبال مقطوعة، فان وصلها الله بك فلا أجد أعزّ منك، ومعي رجل من قومي فان دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك. والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، وكانوا يبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك. والله ما جئت الا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل ممّا أتيت له.

ثمّ أقبل ذكوان. فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشّرنا به وتخبرنا بصفته، فهلمّ وأسلم. فأسلم ذكوان.

ثمّ قالا: يا رسول الله، ابعث معنا رجلاً يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك. وكان مصعب بن عمير بن هاشم فتى حدثا مترفا بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهم، فلمّا أسلم جفاه أبواه، ولم يخرج من مكّة فكان مع رسول الله في الشعب حتّى تغيّر وأصابه الجهد، وقد كان تعلم من القرآن كثيرا. فأمره رسول الله(ص) بالخروج مع أسعد فخرج هو مع أسعد إلى المدينة، فكان نازلا على أسعد بن زرارة، يخرج معه في كلّ يوم يطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه من كلّ بطن الرجل والرجلان من الأحداث.

فقال أسعد لمصعب: انّ خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس، وهو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فان دخل في هذا الأمر تم لنا أمرنا، فهلمّ نأتي محلتهم.

فجاء مصعب مع أسعد إلى محلّة سعد بن معاذ. فبلغ ذلك سعد بن معاذ فقال لاسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني إن أبا أمامة أسعد بن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شبابنا، فاته وانهه عن ذلك. فجاء اسيد بن حضير فنظر إليه أسعد فقال لمصعب بن عمير: ان هذا الرجل شريف، فان دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا فاصدق الله فيه.

فلمّا قرب اسيد منهم قال: يا أبا أمامة، يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا ولا تفسد شبابنا واحذر الأوس على نفسك!

فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمرا فان أحببته دخلت فيه وإن كرهته نحّينا عنك ما تكرهه. فجلس، فقرأ عليه سورة من القرآن.

فقال: كيف تصنعون اذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلّي ركعتين. فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر ثمّ خرج وعصر ثوبه ثمّ قال: اعرض علي. فعرض عليه: شهادة أن لا آله الا الله وأنّ محمدا رسول الله. فقالها، ثمّ صلّى ركعتين، ثمّ قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الآن خالك واحتال عليه في أن يجيئك!

فرجع اسيد إلى سعد بن معاذ، فلمّا نظر إليه سعد قال: اقسم أن اسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب به من عندنا![٥].

فلمّا وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين فو الله ما رأيت بهما بأسا، وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدّثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه! - وذلك أنهم قد عرفوا أنّه ابن خالتك - ليخفروك!

فقام سعد مغضباً مبادراً تخوّفا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يد اسيد ثمّ قال: والله ما أراك أغنيت شيئا! ثمّ خرج إليهما.

فلمّا رآه أسعد قال لمصعب: أي مصعب، جاءك - والله - سيّد من وراءه من قومه ان يتّبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان!

ولمّا رآهما سعد مطمئنّين عرف أن اسيدا إنمّا أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشمّتا وقال لأسعد: يا أبا أمامة، أمّا والله لو لا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا منّي! أتغشانا في ديارنا بما نكره؟!

فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فان رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وان كرهت عزلنا عنك ما تكره؟

قال سعد: أنصفت. ثمّ ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه من القرآن[٦] ﴿حْمَ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[٧] فلمّا سمعها بعث إلى منزله فاتي بثوبين طاهرين فاغتسل وشهد الشهادتين وصلّى ركعتين، ثمّ قام وأخذ بيد مصعب وحوّله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابنّ أحدا.

ثمّ جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف، لا يبقينّ رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبيّ الا أن يخرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب.

فلمّا اجتمعوا قال: كيف حالي عندكم؟ قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا ولا نردّ لك أمرا فمرنا بما شئت.

فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتّى تشهدوا أن لا آله الا الله وأنّ محمداً رسول الله، والحمد لله الذي أكرمنا بذلك، وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به.

فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم الا وفيها مسلم أو مسلمة. وشاع الإسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين أشرافهم، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود.

وكتب مصعب إلى رسول الله بأن الأوس والخزرج قد دخلوا في الإسلام، فلمّا بلغ ذلك رسول الله أمرهم بالخروج إلى المدينة، فكانوا يتسلّلون إليها رجلا رجلا، فينزلهم الأوس والخزرج عندهم ويواسونهم‌[٨].

روى ذلك الطبرسي في «إعلام الورى» عن علي بن إبراهيم القمي، ولا يوجد الخبر في الموجود المطبوع من تفسيره، وروى في تفسيره «مجمع البيان» عن ابن سيرين قال: اجتمع الأنصار إلى أسعد بن زرارة وقالوا له: لليهود يوم يجتمعون فيه كلّ سبعة أيام، وللنصارى يوم أيضاً مثل ذلك، فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله عز وجل ونشكره.

فلليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد فاجعلوا يومنا يوم العروبة (و هي اسم الجمعة في الجاهلية فتوافقوا عليه).

فاجتمعوا فيه إلى أسعد بن زرارة، فذبح لهم شاة، ثمّ ذكّرهم وصلّى بهم، ثمّ تغدّوا وظلّوا حتّى تعشّوا عنده من تلك الشاة، وذلك لقلّتهم، فسمّوه يوم الجمعة لاجتماعهم إليه فيه. فهذه أوّل جمعة جمّعت في الإسلام[٩] حيث صلّوا فيه مع أسعد بن زرارة فريضة ظهر يوم الجمعة جماعة، قبل قدوم الرسول وتشريع صلاة الجمعة والخطبتين قبلها.

وروى ابن إسحاق بسنده عن كعب بن مالك الأنصاري قال: كان (أسعد بن زرارة) أول من جمّع بنا بالمدينة في هزم (بني) النبيت من حرّة بني بياضة في نقيع يقال له: نقيع الخضمات. وهم يومئذ أربعون رجلا[١٠].

ولعلّه كان بعد رجوع مصعب بن عمير إلى مكّة قبل بيعة العقبة الثانية[١١].[١٢]

كانت الصلاة يومئذ إلى بيت المقدس

قال ابن إسحاق: فلمّا انصرف عنه القوم (من بيعة العقبة الأولى) بعث رسول الله معهم مصعب بن عمير بن هاشم، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم في الدين... وكان يصلي بهم[١٣] ولم يقل عن القبلة شيئاً.

ولكنّه روى عن معبد بن كعب، عن أخيه عبد الله بن كعب، عن أبيه كعب بن مالك الخزرجي قال: ما بلغنا أنّ نبيّنا يصلي الا إلى الشام فكنّا اذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام (يعني القدس)... فلمّا خرجنا من المدينة في حجّاج قومنا... وتوجّهنا لسفرنا... وسيّدنا وكبيرنا البراء ابن معرور، قال لنا: يا هؤلاء، اني قد رأيت رأيا فو الله ما أدري أ توافقونني عليه أم لا؟! قلنا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت أن لا أدع هذه البنية (الكعبة) بظهري بل اصلي إليها. فقلنا: والله ما بلغنا أنّ نبيّنا يصلي الا إلى الشام وما نريد أن نخالفه. فكنا اذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام، وصلّى هو إلى الكعبة، وقد عبنا عليه ما صنع، وأبى الا الاقامة على ذلك وقال: إنّي لمصلّ إليها... حتّى قدمنا مكّة.

فلمّا قدمنا مكّة قال لي: يا ابن أخي لقد وقع في نفسي ممّا صنعت في سفري شي‌ء: لما رأيت من خلافكم إيّاي فيه، فانطلق بنا إلى رسول الله حتّى نسأله عما صنعت.

وكان العباس بن عبد المطلب عم النبي يقدم علينا تاجراً، فكنا نعرف العباس (و يعرفنا) وكنا لا نعرف رسول الله ولم نره قبل ذلك، فخرجنا نسأل عنه، فلقينا رجلا من أهل مكّة فسألناه عن رسول الله، فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا، فقال: فهل تعرفان العباس عمّه؟ قلنا: نعم، قال: فاذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. فدخلنا المسجد، فاذا العباس جالس، و رسول الله جالس معه.

فسلّمنا ثمّ جلسنا إليه. فقال رسول الله للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك، فقال رسول الله: الشاعر؟ قال العباس: نعم. فقال له البراء بن معرور: يا رسول الله، قد هداني الله للإسلام، وقد خرجت في سفري هذا، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية بظهري فصليت إليها، وخالفني أصحابي في ذلك حتّى وقع في نفسي من ذلك شي‌ء، فما ذا ترى يا رسول الله؟ قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. فرجع البراء إلى قبلة رسول الله وصلّى معنا إلى الشام[١٤].[١٥]

كان العباس يحضر النبي ويتوثّق له

وكما روى ابن إسحاق هنا عن معبد بن كعب عن أخيه عبد الله بن كعب عن أبيه كعب بن مالك الخزرجي: أن العباس كان يجالس رسول الله(ص) في المسجد الحرام أيام الموسم ويعرفه بالناس... يستمرّ فيروي عنه: أنّه(ص) جاءنا - في العقبة الثانية - ومعه عمه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، الا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن اخيه ويتوثّق له.

فلمّا جلس كان أوّل من تكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج: انّ محمداً منّا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده (؟!) وانه قد أبى الا الانحياز إليكم واللحوق بكم (؟) فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه، فانتم وما تحمّلتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فانّه في عزّ ومنعة من قومه وبلده (؟!). فقلنا له: قد سمعنا ما قلت. فتكلّم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربّك ما أحببت.

فتكلم رسول الله فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام ثمّ قال: ابايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم[١٦].

ثمّ يروي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ قومه قالوا: انّ القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله(ص) قال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فان كنتم ترون أنّكم إذا نهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو - والله إن فعلتم - خزي الدنيا والآخرة، وان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه، فهو - والله - خير الدنيا والآخرة.

قالوا: فانّا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله ان نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وما قال ذلك العباس الا ليشدّ العقد لرسول الله في أعناقهم[١٧].

وكأنه يروي الخبر كذلك عن عبد الله بن أبي بكر، وأنّه قال في آخر الخبر: قال ذلك العباس ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد الله بن ابي بن سلول، فيكون أقوى لأمر القوم[١٨] وكأن ابن إسحاق تخيّل اختلافا بين القولين فقال: فالله أعلم أيّ ذلك كان.

فان كان بين القولين خلاف في ارادة العباس بن عبادة بقوله ذلك تأخير القوم تلك الليلة يرجو أن يحضرها عبد الله بن ابيّ بن سلول. فلا خلاف في أنّه قال ذلك ليشدّ العقد لرسول الله ويقوي أمره وأمرهم، سواء أراد ذلك من خلال حضور ابن سلول أم لا. هذا، ولكن قول ابن أبي بكر يدل على أنّ طلب رسول الله منهم البيعة على «بيعة الحرب» لم يكن طلبا قد تقدّم به إلى القوم من ذي قبل بل كأنّه فاجأهم أو فاجأ جمعهم بذلك.

وتتقارب مقالة العباس بن عبادة مع مقالة العباس بن عبد المطلب، وكلاهما يريد شدّ العقد لرسول الله ويتوثق له، فيقول أحدهم: وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه فمن الآن فدعوه. ويقول الآخر: فان كنت ترون أنكم اذا... أسلمتموه فمن الآن. وكلّ من المقالتين للرّجلين في روايتين، ولا تجمعهما رواية واحدة. فهل كان كلاهما؟ أو أحدهما؟ وان كان أحدهما فهل هو العباس بن عبادة أو العباس بن عبد المطلب؟

وهل صحيح ما جاء فيما روي عن العباس عمّ النبي(ص) أنّه في عزّ من قومه ومنعة في بلده؟! وأنّه قد منعه عن قومه ممن هو على مثل رأيه؟! كما في النص. وهل صحيح أنّه: أبى الا الانحياز إلى الخزرج واللحوق بهم؟! وهل كانت هجرته مجاهرا بها منذ بيعة العقبة الثانية؟! بل يقول ابن إسحاق: وأقام رسول الله بمكّة ينتظر أن يأذن له ربّه في الخروج والهجرة من مكّة إلى المدينة[١٩].

أم أن الصحيح هي رواية عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ قومه ورواية عبد الله بن أبي بكر، وأن المتكلم كان العباس بن عبادة، لا العباس بن عبد المطلب على رواية معبد بن كعب. ولا ننسى أن هذه السيرة لابن إسحاق اختصره من كتابه الكبير في التاريخ الذي صنّفه لـلمهديّ بن المنصور العباسي بأمر المنصور[٢٠].[٢١]

قصة صنم عمرو بن الجموح

ومن القصص المروية في أخبار إسلام الأنصار: قصة معاملة معاذ بن عمرو بن الجموح مع صنم أبيه عمرو بن الجموح، قالوا: كان الأشراف يتّخذون لأنفسهم آلهة يطهّرونها ويعظّمونها، وكان عمرو بن الجموح سيّداً من سادات بني سلمة وشريفاً من أشرافهم، وكان قد اتّخذ في داره صنما من خشب يسمّيه مناة (أي الآلهة التي يمنى أي يراق لديها الدماء قربانا لها) وكان ابنه معاذ بن عمرو بن الجموح ممّن شهد العقبة وبايع رسول الله بها، فكان هو وأصحابه يدلجون بالليل على صنم عمرو بن الجموح فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة منكّسا على رأسه. فاذا أصبح عمرو غدا يلتمسه، حتّى اذا وجده غسله وطهّره وطيّبه. فاذا أمسى عمرو عدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطهّره ويطيّبه. ثمّ إذا أمسى يعدون عليه فيفعلون به مثل ذلك، فاستخرجه من حيث ألقوه فغسله وطهّره وطيّبه، ثمّ جاء بسيفه فعلّقه عليه ثمّ قال له: اني والله ما أعلم من يصنع بك ما ترى، فان كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك. فلمّا أمسى ونام عمرو، عدوا عليه فأخذوا السيف من عنقه ثمّ ألقوه في بئر من آبار بني سلمة ثمّ أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل. فلمّا غدا عمرو خرج تتبّعه حتّى وجده في تلك البئر منكّسا مقرونا بكلب ميت، فلمّا أبصره ورآه قال يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره[٢٢].[٢٣]

إذن النبي(ص) لأصحابه بالهجرة إلى المدينة

قال ابن شهرآشوب: كان النبي(ص) لم يؤمر الا بالدعاء والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل، فطالت قريش على المسلمين، فلمّا كثر عتوّهم أمر بالهجرة فقال(ص): إنّ الله قد جعل لكم دارا تأمنون بها واخوانا.

فخرجوا أرسالا، حتّى لم يبق مع النبي الا علي(ع) و أبو بكر[٢٤].

وقال قبله محمد بن إسحاق: كان رسول الله(ص) قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحلل له الدماء، إنما كان يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل.

وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتّى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، وبين معذّب في أيديهم وبين هارب في البلاد فرارا منهم: منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه.

فلمّا عتت قريش على الله عزّ وجل وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذّبوا نبيّه(ص)، وعذّبوا ونفوا من عبده ووحّده وصدّق نبيّه واعتصم بدينه، أذن الله عزّ وجل لرسوله في (أخذ البيعة) للقتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم...

لما أذن الله تعالى له في (أخذ البيعة) للحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وأوى إليهم من المسلمين، أمر رسول الله أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكّة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال لهم: ان الله عزّ وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها.

فخرجوا أرسالا (جمعاً فجمعاً). وأقام رسول الله بمكّة ينتظر أن يأذن له ربّه في الخروج من مكّة والهجرة إلى المدينة [٢٥].[٢٦]

هجرة أبي سلمة إلى المدينة

كان من المسلمين المهاجرين إلى الحبشة: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي مع أم سلمة، وأن عدداً منهم لما سمعوا بإسلام جمع من قريش رجعوا إلى مكّة فوجدوا الخبر كاذباً، وأخذهم المشركون ليعذّبوهم، فتفرّقوا. منهم أبو سلمة.

وقال ابن إسحاق: منهم من بأرض الحبشة ومنهم من بالمدينة وفي كل وجه. ويفهم منه أن منهم من هاجر إلى المدينة قبل بدء الهجرة وقبل بيعة العقبة، وصرّح به ابن هشام فقال: كان قدم على رسول الله من أرض الحبشة، فلمّا آذته قريش وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار (في اللقاء الأول قبل العقبة الأولى) هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة.

ثمّ روى ابن إسحاق عن أبيه عن سلمة بن عبد الله عن أبيه عبد الله ابن عمر عن أُمه أم سلمة قالت: لما أجمع ابو سلمة على الخروج إلى المدينة جهّز لي بعيره فأركبني ومعي ابني سلمة في حجري، ثمّ خرج يقود بعيري.

فلمّا رأته رجال بني مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، فعلام نتركك تسير بصاحبتك؟! ثمّ نزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه. وقال رهط أبي سلمة: اذ نزعتموها من صاحبنا فلا نترك ابننا عندها. فتجاذبوا بنيّ سلمة بينهم حتّى خلعوا يده وانطلق به رهط أبي سلمة. وحبسني أهلي عندهم. وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.

قال: فكنت أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتّى امسي، سنة أو قريبا منها.

حتّى مرّ بي رجل من بني عمّي فرأى ما بي فرحمني، فقال لهم: أ لا تخرجون هذه المسكينة، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ فعند ذلك ردّوا إليّ ابني وقالوا لي: إن شئت فالحقي بزوجك.

قالت: فارتحلت بعيري وابني في حجري، وخرجت اريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق الله، وانما قلت (في نفسي): أتبلّغ بمن لقيت حتّى أقدم على زوجي. فلمّا كنت بالتنعيم (على فرسخين من مكّة) لقيت عثمان بن طلحة من بني عبد الدار فقال لي: يا بنت أبي أميّة إلى أين؟ فقلت: اريد زوجي بالمدينة. قال: أ وما معك أحد؟ قلت: لا والله الا الله وابني هذا. فقال: والله مالي أن أتركك، ثمّ أخذ بخطام البعير فانطلق بي، حتّى اذا بلغ المنزل أناخ بي ثمّ تأخر عنّي، حتّى اذا نزلت أخذ بعيري فحطّ عنه ثمّ قيّده في شجرة، ثمّ تنحّى عنّي إلى شجرة فاضطجع تحتها. فاذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدّمه ثمّ تأخّر عنّي وقال: اركبي، فاذا ركبت أتى فأخذ بخطامه فقاده، فلم يزل يصنع ذلك بي حتّى أقدمني المدينة، فلمّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء، قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثمّ انصرف راجعا إلى مكّة[٢٧].[٢٨]

المهاجرون بعد أبي سلمة

ثمّ قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة: عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة.

ثمّ عبد الله بن جحش مع أهله وأخيه عبد بن جحش وكان شاعراً ضرير البصر، وكان صهر أبي سفيان على ابنته الفرعة، وكانوا حلفاء بني اميّة.

فكان منزل أبي سلمة، و عامر بن ربيعة، و عبد الله بن جحش، وأخيه عبد بن جحش على مبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف في قباء[٢٩].

ثمّ خرج عمر بن الخطاب، و عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فروى ابن إسحاق عن نافع مولى عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه عمر قال: لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا و عياش بن أبي ربيعة و هشام ابن العاصي بن وائل السهمي، تواعدنا (أشجار) التناضب فوق (منزل) سرف (على ستة أميال من مكّة) وقلنا: أيّنا لم يصبح عندها فقد حبس فليمض صاحباه. فأصبحت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة عند (أشجار) التناضب، وحبس عنّا هشام وفتن فافتتن.

فلمّا قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف في قباء. وكان عياش بن أبي ربيعة المخزومي ابن عمّ أبي جهل بن هشام المخزومي بل أخاه لامّه، فخرج أبو جهل وأخوه الحارث حتّى قدما علينا المدينة، وقالا له: إن امّك قد نذرت أن لا يمسّ رأسها مشط ولا تستظلّ من شمس حتّى تراك! فقلت له: يا عياش إنه والله ان يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم. فقال: ابر قسمي ولي هناك مال فآخذه، فأبى الا أن يخرج معهما. فخرج معهما، حتّى اذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أ فلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى.

فأناخ وأناخا ليتحوّل، فلمّا استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثمّ دخلا به مكّة وفتناه فافتتن.

وكان عمر بن الخطاب حين قدم المدينة قد نزل على رفاعة بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف في قباء، ولحق به من أهله وقومه: اخوه زيد بن الخطاب، وصهره خنيس بن حذافة السهمي، وحلفاؤهم: واقد بن عبد الله التميمي، و خولي بن أبي خولي وأخوه مالك، و سعيد بن زيد و إياس بن بكير، وإخوانه: عاقل وعامر وخالد. ونزل عثمان بن عفان على أوس بن ثابت أخي حسّان بن ثابت من بني النجار.

وهاجر عبد الرحمن بن عوف فنزل على سعد بن الربيع الخزرجي.

وهاجر صهيب بن سنان (الرومي) فروى ابن هشام عن أبي عثمان النهدي قال: لما اراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا فكثر مالك عندنا وبلغت الذي بلغت ثمّ تريد ان تخرج بمالك ونفسك؟! والله لا يكون ذلك! فقال لهم صهيب: أ رأيتم إن جعلت لكم مالي أ تخلّون سبيلي؟! قالوا: نعم. قال: فاني جعلت لكم مالي. ثمّ هاجر فنزل على خبيب بن أساف الخزرجي بالسنخ ومعه طلحة بن عبيد الله.

فلمّا بلغ رسول الله أمر صهيب قال: ربح صهيب! ربح صهيب! ونزل الزبير بن العوام على منذر بن محمد من بني جحجبي بالعصبة، ومعه أبو سبرة. ونزل: مصعب بن عمير بن هاشم على سعد بن معاذ (هذه المرة).

وهاجر من بني عبد المطلب: حمزة بن عبد المطلب فنزل على أسعد بن زرارة (مكان مصعب). وهاجر معه موالي رسول الله: زيد بن حارثة و أبو كبشة، وأنسة، وحليفا حمزة: ابو مرثد الغنوي وابنه مرثد، فنزلوا على كلثوم بن هدم من بني عمرو بن عوف في قباء، أو: سعد بن خيثمة، وكان عزبا فنزل عليه العزاب منهم.

ومن بني المطلب: مسطح بن اثاثة بن عبّاد بن المطلب، و بنو الحارث ابن المطلب. عبيدة وأخواه الطفيل والحصين. ومعهم سويبط بن سعد من بني عبد الدار، و طليب بن عمير، وخبّاب (بن الأرت) مولى عتبة بن غزوان، فنزلوا على عبد الله بن سلمة في قباء.

ونزل مولى خبّاب: عتبة بن غزوان و ابو حذيفة عتبة بن ربيعة، وسالم مولاه، على عباد بن بشر من بني عبد الأشهل. ولم يتخلّف بمكّة أحد من المهاجرين الا من حبس أو فتن، الا علي بن أبي طالب و أبو بكر بن أبي قحافة. وأقام رسول الله بمكّة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة[٣٠].

وعلم من هنا أن حمزة بن عبد المطلب، و عبيدة بن الحارث بن المطلب واخوانه وموالي رسول الله: زيد بن حارثة و أبا كبشة وأنسة كانوا قد هاجروا، ولعلّ ذلك كان قبل بيعة العقبة الأولى فضلاً عن الثانية ولذلك لا يوجد لهم ذكر أو أثر فيها، بل روى ابن إسحاق أنّ العباس حضرها يتوثق لابن أخيه وهو على دين قومه، وقد مرّ الكلام فيه.

وقد ذكر عن ابن عباس قال: كان أبي من المستضعفين من الرجال، وامّي كانت من المستضعفات من النساء، وكنت أنا من المستضعفين من الولدان، غلاما صغيراً[٣١] ويقصد بالمستضعفين قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا[٣٢] فإن صحّ قوله عن نفسه وامّه فالله أعلم بأبيه.[٣٣]

آبار المدينة وسيولها

ذكر النميري البصري ستّ عشرة بئراً هي:

  1. «الأعواف»، وهي التي اشتراها النبي(ص) فيما بعد وتوضأ فيها فسالت، فجعلها صدقة جارية عامة[٣٤].
  2. «الأغرس»، توضّأ النبي(ص) منها وأراق بقية وضوئه فيها، وهي بئر على نصف ميل من الشمال الشرقي من مسجد قباء[٣٥].
  3. «بئر أنس» أو «البرود»، والمقصود أنس بن مالك الأنصاري قال: كان في داري بئر تدعى في الجاهلية «البرود»[٣٦].
  4. «بضاعة»، كانت طيّبة الماء في وسط بيوت بني ساعدة، فكان يستقى منها للنبيّ(ص) فقيل له: قد يلقى فيها محائض النساء ولحوم الكلاب؟ فقال: إن الماء طهور لا ينجسه شيء[٣٧].
  5. «البويرمة»، لـ بني الحارث بن الخزرج[٣٨].
  6. «الجاسوم»، كانت للـ هيثم بن التيهان، وشرب منه النبي(ص)[٣٩].
  7. «الحاء»، كانت في بستان لـ أبي طلحة الأنصاري في قبلة المسجد من جهة الشرق (اذ كانت القبلة إلى الشام) وكان ماؤها طيّبا فكان رسول الله يدخل البستان فيشرب منها، فتصدق بها أبو طلحة (أو أهداها للنبيّ) فلما أهدى حسان بن ثابت مولاه صفوان بن المعطل للنبيّ، أعطاه النبي بئر حاء[٤٠] هديّة معوّضة.
  8. «الحفير» في الحرانية، كان إذا طغى سيل مهزوز وخيف منه على المدينة صرف إلى الحفير فصبّ فيها، وكان يصب فيها سهل مذينيب أيضاً[٤١].
  9. «بئر رومة»، ورومة أرض نزلها المشركون عام الخندق بين الجرف ورعانة، وفيها البئر. واختلفت الأخبار فيها على أنّها: كانت ليهوديّ، أو لرجل من مزينة، أو لرجل من بني غفار، وكان يبيع منها القربة بمدّ، فقال له رسول الله(ص): بعنيها بعين في الجنة. فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها ولا أستطيع. قالوا: فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمس وثلاثين الف درهم وجعلها للمسلمين. وقالوا: اشتراها بأربعين الفا. وقالوا: بل ذكرت لعثمان وهو خليفة فابتاعها بثلاثين الف درهم من مال المسلمين وتصدق بها عليهم [٤٢] وهو الأولى.
  10. «بئر ذرع»، بئر بني خطمة، بفناء مسجدهم، توضّأ منها النبي وبصق فيها[٤٣].
  11. «السقيا»، كانت في حسيكة، وهي اسم موضع بالمدينة طرف جبل ذباب، وبها منازل لليهود، من ناحية أرض ابن ماقية إلى أداني الجرف كلّه، واسم أرض السقيا الفلج أو الفلجان، واسم بئرها السقيا، وكانت لـ ذكوان بن عبد قيس الزرقي، فابتاعها منه سعد بن أبي وقاص فيما بعد ببعيرين، وكان ماؤها عذبا يستقى منه لرسول الله [٤٤].
  12. «العينية»، عند كهف بني حرام، توضّأ منها النبي ودخل ذلك الكهف[٤٥].
  13. «الغرس»، كانت في دار سعد بن خيثمة في قباء، وكان إلى جانبها مهراس وهو حجر منقور كالحوض عظيم لا يقدر على تحريكه، يتوضّأ منه، توضأ وشرب وغسّل منه رسول الله(ص) كما عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر(ع)[٤٦].
  14. «بئر مدرى»، كان في مسير سيل المهزور إلى مسجد النبي، وعندها بني الردم لردّ السيل عن المدينة والمسجد، في خلافة عثمان[٤٧].
  15. «اليسيرة»، وهي لـ بني أمية من الأنصار (لا المهاجرين) توضّأ منها النبي وبصق فيها للبركة، وهو سماها «اليسيرة»[٤٨].
  16. «الهجير»، بئر بالحرّة فوق قصر ابن ماه[٤٩].

وللمدينة أودية ثلاث: «بطحان»، و «العقيق»، و «القناة». فأما البطحان، فهو الوادي المتوسط بين بيوت المدينة، ويبدأ السيل فيه من ذي الجدر، وهي قرارة في الحرة اليمانية، يصب في شرقي ابن الزبير وعلى جفاف ومرقبة و بني حجر، و بني كلب، والحساة، حتى يفضي إلى فضاء بني خطمة، والأغرس، ثم يرد الجسر، ثم يستبطن الوادي حتى يصير في زغابة.

ويظهر أن هذا السيل كان نافعاً غير ضارّ ولذا روى النميري البصري بسنده عن عائشة عن النبي(ص) قال: إن بطحان على ترعة من ترع الجنة[٥٠].

وكان يُسيل فيه سيل آخر يدعى الرانونا، يأتي من جبل في يماني عير ومن حرس في شرق الحرة، ثم يصبّ على صريحة، ثم يتفرّق في الصفاصف، فيصبّ في أرض القصبة ويستبطنها حتى يمرّ عن يمين قباء، ثم يدخل غوساء، ثم بطن ذي خصب، ثم يقرن بذي صلب، ثم يستبطن السراة حتى يمرّ على قعر البركة، ثم يفترق فرقتين، فتمرّ فرقة على بئر جشم تصبّ في سكة الخليج حتى يفرغ في وادي بطحان[٥١].

وأما سيل وادي العقيق، فهو يأتي من موضع يقال له بطاويح، وهو حرس من الحرة، ومن غربيّ شطاي، حتى يصبّا جميعاً في النقيع، وهو من المدينة على أربعة برد في يمانيها، ثم يصب في غدير يلبن وبرام، ويدفع فيه وادي البقاع، وتصبّ فيه نقعاء، فيلتقين بأسفل موضع يقال له البقع، ثم يذهب السيل مشرّقا فيصبّ على مزادتين يستقى منهما، ثم يستجمعن بوادي ربر في أسفل الحليفة العليا، ثم يصبّ على الاتمة وعلى الجام، ثم يفضي إلى وادي الحمراء فيتبطّن الوادي، حتى ينتهي إلى ثنيّة الشريد، ثم يفضي إلى الوادي، فيأخذ في ذي الحليفة، ثم يستبطن الوادي فتصب عليه شعاب الجماء ونمير، ثم يستبطن بطن الوادي ثم يفترش سيل العقيق يمنة ويسرة ثم يستجمع حتى يصب في زغابة، وكان سيلا مباركا[٥٢].

وأما بطن وادي مهزوز فهو الذي كان يتخوّف منه الغرق على أهل المدينة.

وهو يأخذ من شرقيّ الحرة، ومن هكر، وحرّة صفة، حتى يأتي على جبال بني قريظة (اليهود) ثم يسلك فيه شعب فيأخذ في واد يقال له مذينيب بين بيوت بني أمية بن زيد، ثم يلتقي هو وسيل بني قريظة بالمشارف، ثم يجتمع الواديان مهزوز ومذينيب فيفترقان في الأملاك ثم يأخذ بطن الوادي ثم يأخذ في البقيع حتى يخرج على بني جديلة ببطن مهزوز، وآخره كومة أبي الحمراء ثم يفضي فيصبّ في وادي قناة.

وروى بسنده عن الصادق عن أبيه الباقر(ع) قال: قضى رسول الله في سيل مهزوز: أنّ لأهل النخل إلى العقبين، ولأهل الزرع إلى الشراكين، ثم يرسلون الماء إلى من هو أسفل منهم.

وروى بسنده عن محمد بن إسحاق عن أبي مالك بن ثعلبة بن أبي مالك، عن أبيه ثعلبة، وكان امام مسجد بني قريظة، قال: قضى رسول الله في مهزوز ووادي بني قريظة: أن الماء إلى العقبين، لا يحبس الأعلى على الأسفل ويحبس الأسفل على الأعلى.

وتجتمع هذه السيول في وادي زغابة وهو طرف وادي إضم، وانما سمّي اضم لانضام السيول به واجتماعها فيه، ثم تجتمع فتنحدر على عين أبي زياد، ثم تنحدر فيلقاها شعاب يمنة ويسرة، ثم يلقاها وادي مالك بذي خشب والجنينة، ثم يلقاها وادي أوان ودوافعه من الشرق، ويلقاها من الغرب واد يقال له بواط والخراز، ويلقاها من الشرق وادي الأتمة، ثم تمضي في وادي إضم وعيونه حتى يلقاه وادي برمة الذي يقال له ذو البيضة من الشام، ويلقاها وادي ترعة من القبلة، ثم يلتقي هو ووادي العيص من القبلة، ثم يلقاها دوافع واد يقال له حجر، ووادي الجزل الذي به السقيا والرجة في نخيل ذي المروة مغرّبا، ثم يلقاها وادي عمودان في أسفل ذي المروة، ثم يلقاه وادي سفيان، ثم يفضي إلى البحر عند جبل يقال له أراك، ثم يدفع في الغمر من ثلاثة أمكنة في البحر يقال لها: اليعبوب، وحقيب والنتيجة[٥٣].[٥٤]

أسواق المدينة في الجاهلية و الإسلام

روى النميري البصري عن أبي غسان قال: كان بالمدينة في الجاهلية: سوق بزبالة، بالناحية التي تدعى يثرب. وسوق بالجسر في بني قينقاع، وسوق بالصفاصف والعصبة (غربيّ مسجد قباء). وسوق في زقاق ابن حبين يقال له المزاحم، كانت تقوم في الجاهلية وأول الإسلام[٥٥].

وروى الشافعي في «الام» عن الإمام الصادق(ع) قال: كان رسول الله(ص) يخطب يوم الجمعة، وكان لهم سوق يقال لها البطحاء، كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والابل والغنم والسمن.

ولعله السوق الذي روى النميري البصري عن عائشة أنها قالت: كان يقال لسوق المدينة: بقيع الخيل.

وعن عطاء بن يسار قال: لما أراد رسول الله أن يجعل للمدينة سوقا أتى سوق بني قينقاع (بالجسر) ثم جاء إلى سوق المدينة فضربه برجله وقال: هذا سوقكم فلا يضيّق ولا يؤخذ فيه خراج[٥٦].[٥٧]

حُرمة المدينة وفضلها

واسمها القديم «يثرب»، فنسخه القرآن الكريم لقباحته، وسمّاها «المدينة» في سُوَر عدّة، وتمسّك بالاسم الأوّل المنافقون والذين في قلوبهم مرض. ففي يوم الأحزاب إذ اجتمعت قوى الشرّ من يهود ومشركين وكان لأبي سفيان شرف قيادتها؛ جاءت لقطع شأفة الإسلام وكان يوماً عصيباً زاغت الأبصار فيه وبلغت القلوب الحناجر، ونجم النفاق: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا[٥٨].

فالمنافقون وجدوها سانحةً للإفصاح عن كوامِنهم، فها هي جموع الأحزاب جاءت لخلاصهم من الإسلام! فمن الوفاء أن يُضعفوا الجبهة الداخليّة لعسكر الإسلام بإيجاد ثلمة فيه من خلال انسحابهم ورجوعهم، وقد تعلّلوا لذلك أنّ بيوتهم عَوْرة، ونفى القرآن ذلك وإنّما يُريدون إلّا فِراراً.

وظهروا على حقيقتهم فهم الآن ردّوا الأشياء إلى أسمائها التي اندرست، فالمدينة صارت يَثْرِب، ولولاهم وأنّ القرآن الكريم يتحدّث عن أحوالهم لما وجدت لهذا الاسم في القرآن من أثر!

ويَثْرِب اشتقاقه من التَّقرِيب وهو التَّقريع والتَّقهير بالذنب[٥٩]. ويقال: ثَرَّبَ فلانٌ على فلانٍ، إذا لامَه ووبَّخه، وهو التثريب[٦٠]. ومنه قوله تعالى: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ[٦١].

فاسمُها المُبارك: «المدينة» بحذف مقدّر وهو «المنوّرة» أو بإطلاقها فلا يُراد منها إلّا «مدينة الرسول(ص)». فإذا قيل: المدينة انصرف الذهن إلى مكان واحد لا غير، هو: المدينة المنوّرة بنور الهجرة والرسالة التي انطلق شعاعها من مكّة المكرّمة، فلمّا ضاقت الأمور برسول الله وكادوا أن يقتلوه، أمره الله سبحانه بالهجرة إلى مدينة الأنصار، فكان انبعاث نور الإسلام منها أوسع وأسرع.

ولكونها حاضنة الرسالة ومثوى الرسول(ص)، وقبره على ترعة من تُرع الجنّة، فقد صارت حَرَماً كما أن مكّة حرم.

روى مسلم قال: حدّثنا قُتَيبة بن سَعيد، حدّثنا عبد العزيز بن محمّد الدَّرَاوَرْديّ، عن عمرو بن يَحيى المازنيّ، عن عَبّاد بن تَميمٍ، عن عمّه عبد الله بن زَيد بن عاصمٍ أنّ رسول الله(ص) قال: «إنّ إبراهيم حَرَّم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوتُ في صاعها ومدها ما دعا به إبراهيم لأهل مكة»[٦٢].

ذكر النووي في شرحه، قال: قوله(ص): «إن إبراهيم حرم مكة» هذا دليل لمن يقول إنّ تحريم مكّة إنّما هو من زمن النبي إبراهيم(ص)؛ والصحيح أنّه كان يومَ خلق الله السماوات والأرض وقد كانت المسألة مستوفاة قريباً. وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين أحدهما أنّه حرّمها بأمر الله تعالى بذلك، لا باجتهاده، فلهذا أضاف التحريم إليه تارة وإلى الله تارة؛ والثاني أنّه دعا لها فحرّمها الله بدعوته فأُضيف التحريم إليه لذلك. وقوله(ص): «و إنّي حرمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكّة» وذكر مسلم الأحاديث التي بعده بمعناه.

هذه الأحاديث حجّة ظاهرة للشافعيّ ومالك، ففيهما في تحريم صيد المدينة وشجرها. وبسنده أخرج مسلم عن رافع بن خَدِيج قال: قال رسول الله(ص): «إِنّ إبراهيم حرم مكة وإنّي أُحرم ما بين لابتيها - يريد المدينة»[٦٣].

وعن نافع بن جُبَيْر أنّ مروان بن الحكم خطبَ الناسَ فذكر مكّةَ وأهلَها وحُرْمَتها ولم يَذْكُرِ المدينةَ وأهلَها وحُرْمَتها، فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرتَ مكّة وأهلها وحُرمتها ولم تذكر المدينةَ وأهلها وحرمتها وقد حرّم رسولُ الله(ص) ما بين لابَتَيْها، وذلك عندنا في أديم خَوْلانيّ إن شئتُ أقر أتُكَه؟ قال: فسكت مروان ثمّ قال: قد سمِعتُ بعض ذلك![٦٤]

قال: حدثنا أبوبكر قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الأَسديّ حدّثنا سُفيان عن أبي الزُبير عن جابر قال: قال النبي(ص): «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، لا يُقطع عِضَاهُها ولا يُصاد صيدها»[٦٥].

وبسنده عن سعد بن أبي وقّاص قال: قال رسول الله(ص): «إنِّي أُحرم ما بين لابتي المدينة أنْ يُقطَعَ عِضاهُها أو يُقْتَلَ صَيْدُها» وقال: «المدينةُ خَيْرٌ لهم لو كانوا يعلمون، لا يدَعُها أحد رغبةً عنها إلَّا أَبْدَلَهُ الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه، ولا يَثْبُتُ أحدٌ على لأوائِها وجهدها إلا كنتُ له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة»[٦٦].

وللقاضي عياض تفسير للحديث الشريف يظهر من خلاله فضيلة أهل المدينة الذين صاروا لأسباب عدّة ومنها احتفاء النبي(ص) بهم واختصاصهم بفضائل وأنّهم موضع شفاعته وهو الشهيد عليهم يومَ القيامة.

قال القاضي عياض: «قال أهل اللغة اللأواء: بالمدّ الشدّة والجوع، وأمّا الجَهْد فهو المشقّة...، ومجيء أو في لفظ الحديث، إمّا أن يكون للتقسيم فيكون شهيداً لبعض أهل المدينة، وشفيعاً لبقيّتهم، إمّا تشفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإمّا شهيداً لمن مات في حياته وشفيعاً لمن مات بعده...، وهذه خصوصيّة زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيامة وعلى شهادته على جميع الأمّة وقد قال(ص) في شهداء أُحُد: «أنا شهيد على هؤلاء»، فيكون لتخصيصهم بهذا كلّه مَزيد، أو زيادة منزلة وحُظْوة. قال: وقد يكون «أو» بمعنى الواو - واو العطف - فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً. وقد روى: «إلّا كنتُ له شهيداً أو شفيعاً». قال: وإذا جعلنا «أو» للشكّ؛ فإن كانت اللفظة الصحيحة «شهيداً» اندفع الاعتراض لأنّها زائدة على الشفاعة المدّخرة المجرّدة لغيرهم؛ وإن كانت اللفظة الصحيحة «شفيعاً»؛ فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادّخارها لجميع هذه الأُمّة؛ أنّ هذه شفاعةٌ أخرى غير العامّة التي هي لإخراج أمّته من النار ومعافاة بعضهم منها بشفاعته(ص) في القيامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يومَ القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظلّ العرش، أو كونهم في رَوح وعلى منابر أو الإسراع بهم إلى الجنّة أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض، والله أعلم[٦٧].

هذه هي المدينة المنوّرة، فهي حرام مثلما مكّة حرام؛ وأهلها خيرُ أهل فقد آمنوا إذ كفرت قريش وغيرها، وآووا ونصروا وجاهدوا وبذلوا وذكر لهم القرآن فضيلة السبق إلى الإسلام، هم والسابقون من المهاجرين.

فهي طيبة، وطابة، والمدينة المنوّرة، ومدينة الرسول؛ وليست: نتنة! وأهلها أهل حُرم لا يجوز انتهاكه، فضلاً عن استباحتها أيّاماً ثلاث!

و مسلم بسنده عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله(ص) قال ثمّ ذكر مثل الحديث السابق وزاد في الحديث: «ولا يُريدُ أحدٌ أهل المدينة بسُوءٍ إِلَّا أَذابَهُ اللهُ في النار ذَوْبَ الرصاص، أو ذوب الملح في الماء»[٦٨].

وكان كما قال(ص)، فقد هلك مُسرِف بن عُقبة المُرّي الغَطَفاني وأصل قبيلته من نَجد الزلازل والفِتَن، هلك منصرفه من المدينة وبعد فعلته النكراء ليوقع بمكّة، فعاجلته عقوبة الله تعالى فمات بين المدينة ومكّة، واخترم الله القدير عمر يزيد، إذ مضى الشأميّون إلى الحرم الثاني مكّة وفعلوا فعلتهم الشنيعة فجاءهم الخبر أنّ يزيد مات في ليلةٍ مرّات عدّة ثمّ زهقت روحه مع آخر جرعة خمر! عندها فتّ في عضد الشأميّين وصاروا فِرَقاً! ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ[٦٩].[٧٠]

التغليظ في حرمة المدينة

مسلم بسنده عن أبي سَعيد المَهْريِّ أنّه أصابهم بالمدينة جَهْدٌ وشدّة وأنّه أتى أبا سعيد الخُدريَّ فقال له: إنّي كثيرُ العيال وقد أصابتنا شدّة فأردت أن أنقل عِيالي إلى بعض الرِّيف، فقال أبو سعيد: لا تفعل، الزم المدينة فإنّا قد خرجنا مع النبي(ص)، أظنّ أنّه قال حتّى قدمنا عُسْفانَ فأقام بها لياليَ فقال الناسُ والله ما نحنُ هاهنا في شيءٍ وإنّ عيالنا لَخُلُوفٌ[٧١] ما نأمنُ عليهم. فبلغ ذلك النبي(ص)، فقال: «ما هذا الذي بلغني من حديثكم، والذي أحلف به أو والذي نفسي بيده لقد هممتُ، أو إن شئتم لآمرن بناقتي تُرْحَلُ[٧٢] ثم لا أُحُلُّ لها عُقْدَةً حتى أَقدَمَ المدينة»[٧٣]. وقال: «اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حَرَماً وإني حرمت المدينة حَراماً ما بين مأزمَيْها[٧٤] أَنْ لا يُهْرَاقَ فيها دم ولا تُحمَل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلّا لِعَلْفٍ[٧٥]. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مُدّنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين»[٧٦].

فإنّ النبي(ص) يُحبُّ المدينة حبّاً شديداً ويرجو أن يصلها بسرعة وقد حرّمها حرمةً غليظة ودعا لها بالبركة المضاعفة، وقد سمّاها: مدينتنا مرّتين! ومن هنا يتّضح السرّ في بُغض الأمويّين للمدينة وأهلها من تسمية الجبابرة لها: «أم نتن» وأهلها «يهود» و«أخبث أهل»، والإيقاع بأهلها والسخرية بمقام رسول الله وشخصه؛ فإنّ أهل المدينة هو رسول الله(ص) وبه سُمِّيت وبه شَرُفت، ثمّ بايعه أهلها على النُّصرة فكانوا خيرَ أهل. و أخرج مسلم بسنده عن عاصم الأَحول قال: سألت أنساً أحرّم رسولُ الله المدينةَ؟ قال: نعم، هي حَرامٌ لا يُختلى خَلاها فمَن فعل ذلك فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين![٧٧]

فكيف بقطع الرؤوس صبراً وضرب الرضيع بالحائط فيتناثر دماغه وتُبقر بطن الحامل فتموت مع جنينها ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ[٧٨].

ولكن يبدو أنّ للشأميّين أفئدة تفقه ما لا يفقه المسلمون فهم ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا[٧٩]؛ وذلك لاستحواذ الشيطان عليهم فقست قلوبهم ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ[٨٠].

و يحسن أن نذكر بعض الشعر لابن النابغة عمرو، وزير ابن هند معاوية ومستشاره في المُلمّات، فقد علّمه وقادته سبيل النجاة من سيف ذي الفقار، بكشف عوراتهم! لمعرفته أنّ علياً(ع) علي عن الدنيّات وإن كان فيها الانتصار! فهو(ع) منتصر للحقّ مقاتل في سبيل الله، فكيف يُجهز القرآن الناطق على رجال كلّهم عورات! إلّا أنّهم كشفوا عن الموضع المشترك بينهم وبين المؤمن المتّقي ذلك الموضع الذي يُسمّى «عَورة» و«فَرج»، وقد أُمروا بحفظه من أن يظهر وينكشف، ومن أن يُستفاد منه فيما حرّم الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ[٨١].

و أُمروا بغضّ الأبصار عمّا دون الفَرج، فكيف وأستاه عمرو ومعاوية والضحّاك مكشوفة بسَوادها في ساح الوغى، فأشاح أبوالحسن علي(ع) بوجهه ترفّعاً وإكراماً لذي الفَقار الذي هتف به الوحي يوم بدر ويوم أُحُد، عملاً منه بالقرآن؛ أليس هو مع القرآن والقرآن معه، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ[٨٢].

فكشف أولئك فروجهم فتردّوا، وغضَّ أميرالمؤمنين علي(ع) بصره فزكى وعلا؛ وهو في البدء زكيّ علي.[٨٣]

أُحُد في حديث النبي(ص)

وأخرج مسلم بسنده عن أنس خادم النبي(ص) أنّه قال: أقبل النبي حتّى إذا بَدَا له أُحُد قال: «جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحبُّه»، فلمّا أشرف على المدينة قال: «اللهمَّ إنّي أُحرِّم ما بين جبليها مثلَ ما حرّمَ إبراهيم مكّةَ، اللهمّ بارِك لهم في مُدِّهم وصاعهم»[٨٤].

ذكر النووي في شرحه قوله: حتّى إذا بَدَا له أُحُد قال: «هذا جبل يُحبّنا ونُحبُّه»، قال: الصحيح المختار أنّ معناه أنّ أحُداً يُحبّنا حقيقةً، جعل الله تعالى فيه تمييزاً يُحِبُّ به كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ[٨٥][٨٦]، وكما حنّ الجذع اليابس[٨٧]، وكما رجف حراء فقال(ص): «اسكن حراء فليس عليك إلّا نبيّ أو شهيد» الحديث. فسكن حراء. وكما سبّح الحصى في يده، وكما من حديث الشاة[٨٨]، وكما قال سبحانه وتعالى﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[٨٩] قال: معنى هذه الآية أنّ كلّ شيء يُسبّح حقيقةً بحسب حاله ولكن لا نفقهه واختاره المحقّقون في معنى الحديث وأنّ أحُداً يُحبّنا حقيقةً. وقيل: أهله، فحذف المضاف «أهل أُحُد» وأقام المضاف إليه «أُحُد» مقامه، والله أعلم[٩٠].

و عاد مسلم إلى ذكر جبل أُحُد، فجزم المحقّق بأنّ هذا الحبّ على ظاهره أي عائد إلى الجبل نفسه.

فبسند آخر من طريق قَتادة عن أنس قال: نظر رسول الله(ص) إلى أُحُد فقال: «إنّ أحدا جبل يُحبنا ونُحبه»[٩١].

قال النووي: يُحبُّنا أهلُه وهم أهل المدينة ونُحبّهم والصحيح أنّه على ظاهره وأنّ معناه: يُحبُّنا هو بنفسه وقد جعل الله فيه تمييزاً، وقد سبق بيان هذا الحديث قريباً والله أعلم[٩٢].

ذكر مُقاتل بن سُليمان بشأن الآية التي استدلّ بها النووي من سورة الإسراء: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ[٩٣].

قال: عظّم نفسه جلّ وعلا، فقال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ، يعني تذكره، ﴿السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ يعني وما من شيء ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ يقول: إلّا يذكر الله بأمره، يعني من نبت، إذا كان في معدنه، أو دابّة، أو خلق، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ، يقول: ولكن لا تسمعون ذكرهم لله عزّ وجل[٩٤].

فالمعنيان مقبولان في مسألة (جبل أُحُد) فهو على ظاهره بقرينة تسبيح السماوات والأرض وهي ليس من جنس العاقل من بشر أو ملائكة أو جنّ، وذكر ضمير ما تضمّه السماوات والأرض في التسبيح ﴿وَمَنْ فِيهِنَّ وعاد إلى العموم الشامل: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ فهي عموم الموجودات من عاقلة وغيرها ومن جامدة بحسب الظاهر من نبات ما زال في معدنه أي تربته لم يقطع ولم يُقلَع.

أمّا لم خصّ أُحُداً بهذه الكرامة؟! أليس الجبل الثاني المقابل له والمحيط بمدينة رسول الله(ص) يُسبّح وأنّ فيه تمييزاً فهو مثل أُحُد في المحبّة؟ فليس هذا من شأننا إنّما علم ذلك عند الله تعالى، ورسوله(ص). ولكن لنا أن نقول: إِنّ أُحُداً صار جنّةَ الشهداءِ في وقعة أُحد وما بعدها، والمدينة مدينة الأنصار وحاضرة الإسلام ومثوى سيّد الرُّسل صلّى الله عليه وعليهم وعلى آله الطاهرين، فلأجل ذلك حرّم رسول الله(ص) المدينة حرمةً مغلّظةً ولعن مَن أراد بأهلها سوءاً أو أحدث بها حدَثاً يؤدّي إلى هنكِ حرمتها؛ ولأجله خرج سيّد الشهداء سبط رسول الله(ص) وريحانته وسيّد شباب أهل الجنّة من المدينة وودّع جدّه(ص) باكياً على مفارقته لأنّه عارف أنّ القوم لن يتركوه، فإمّا أن يبايع بيعة ضَلال وإمّا أن يُقتل؛ والأُمّة في خَدَرٍ وسُبات من سيرة يزيد الخمور والكلاب والقرود والزنا...، فاختار طريق الشهادة التي مضى إليها وهو على بصيرةٍ من أمره أخبره بذلك الصادق الأمين جدُّه رسول الله(ص)، وبكاه وقبّله في منحره وأراء التُربة التي ستُروى من دمه ودماء أهل بيته والبدور من صحابته من أُسد العراق يقتلهم اثنا عشر ألفاً وفي قول عشرون ألفاً من أهل الشام ومعهم أربعة آلاف من خوارج وعثمانيّة الكوفة والحمراء من أبناء خراسان جلبهم ابن سُميّة، وهم من أبناء ملوك الأكاسرة، فكان يصول بهم ويسلّطهم على مشايخ ورؤساء قبائل الكوفة فيقتلون ويحبسون فلمّا كان ابن مَرجانة عبيد الله ساقهم مع أولئك الخوارج والعثمانيّة بقيادة ابن عمّ يزيد: عمر بن سَعْد العُذريّ!

المهمّ في هذه الملاحظة السريعة أنّ الإمام المفدّى الحسين(ع) لم يكن سبباً في هَتْك حُرمة الحرمين الشريفين.[٩٥]

لعنة مَن أحدث في المدينة

عن عاصم قال قلتُ لـ أنس بن مالك: حرّم رسول الله المدينةَ؟ قال: نعم؛ ما بين كذا إلى كذا، فمَن أحدث بها حَدَثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعينَ لا يقبل الله منه يومَ القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً[٩٦].

و بسندٍ عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي(ص) قال: «المدينة حَرَمٌ فمَن أحدَث فيها حَدَثاً أو آوى مُحْدِثاً فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين؛ لا يُقبل منه يومَ القيامة عَدْلٌ ولا صَرْفٌ»[٩٧].

و بنفس الإسناد عن سفيان عن الأعمش مثلَه ولم يقل: يومَ القيامة؛ وزاد فيه: «وذمّةُ المسلمين واحدةٌ يسعى بها أدناهم، فمَن أَخْفَرَ مسلماً فعليهِ لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين. لا يُقبلُ منه عَدْلٌ ولا صَرْفٌ»[٩٨].

فهذا النكير على من أحدث أمراً يقلق به أمن أهل المدينة ويسيء إلى قدسيّتها التي أراد لها رسول الله(ص)؛ أو أوى المُحْدِثَ وضمّه إليه فجعله في كنفه وحمايته، فعلى المُحْدِث ومَن حماه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، زيادةً في التنكير، وهو وعيد شديد لمن ارتكب ذلك واستدلّوا على ذلك من الكبائر لأنّ اللعنة لا تكون إلّا في كبيرة، ومعناه أنّ الله تعالى يلعنه وكذا الملائكة والناس أجمعون، مبالغةً في إبعاده عن رحمة الله تعالى فإنّ اللعن في اللغة هو الطرد والإبعاد؛ فالمراد هنا العذاب الذي يستحقّه على ذنبه.

«ولا يُقبل منه عَدْل ولا صَرْف»: العدل أي الفدية، والصرف التوبة. قال القاضي عياض: قد يكون معنى الفدية هنا أنّه لا توجد أو لا يجد في القيامة فداء يفتدي به بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضّل الله عزّ وجلّ على من يشاء منهم بأن يفديه من النار بيهوديّ أو نصرانيّ كما ثبت في الصحيح[٩٩].

هذه هي المدينة وعظيم حُرمتها، فمَن أحدث بها حدَثاً لا شفاعة له، ولا توبة له مقبولة وفديته مردودة إذ لا قيمة لها ما زال قد حدثه في المدينة!

و أمّا قوله(ص): «و ذمّة المسلمين واحدة فمَن أَخْفَرَ مسلماً فعليهِ لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعينَ لا يُقْبَلُ منه عَدْلٌ ولا صَرْفٌ». فالذمّة هنا الأمان، فأمانُ المسلمين للكافر صحيح؛ فإذا أمنه أحد من المسلمين حرم على غيره التعرّض له مادام في أمان المسلم وللأمان شروط معروفة. ويسعى به أدناهم، أي أنّ أمان المرأة وهي غير محاربة مثل الرجل فأمانها صحيح محفوظ محترم، وكذلك أمان العبد.

و قوله: «فمن أَخْفَرَ ذمّة مسلم» معناه: مَن نقض أمان مسلم وفي اللغة: أخفرت الرجل إذا نقضت عهده وخفرته إذا أمنته.

هذه مبادئ الإسلام وقد نقض صرحها بنو أُميّة عبد عبد شَمْس، وذوو العاهات المنتسبون إليه أو المدّعون إليهم أو قادتهم وكلٌّ له عاهته في النسب أو الخَلْقَة والتكوين والانتماء القبليّ.

و لذا بعد القتل الذريع العام الذي تلا وقعة الحرّة واستباحة المدينة ثلاثة أيّام يقطعون الرؤوس عوضَ عِضاها! ويبقرون البطون الحوامل ويفجرون بالبواكر. بعد الأيّام السوداء الثلاث تلك أعطى قائد جيش الأبدال، والقيادة ألوان! الأمانَ؛ فكان يجيء أحدهم فيسأله ويسخر منه ويأمر بضرب عُنقه صَبْراً! أو يمنّ عليه: فيطلب منه أن يبايع ليزيد أنّه عبدٌ منٌّ له يتصرّف به كيف شاء! فإذا أبى ذلك ضرب عنقه. ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ[١٠٠].

و إذا كان ابن هند شقّ عليه أن يُصاح خمس مرّات، أشهد أنّ محمّداً رسولُ الله، ثمّ يُعقّب: إِلَّا دَفْناً دَفْناً، أي بدفن معالم رسالة الإسلام وتشويه معالمه الناصعه، وتصدّيه وخروجه على أميرالمؤمنين علي(ع) ومتابعة ذلك بما ذكرناه من غارات على الحاجّ، على نهج الخوارج المارقة، وبعثه البعوث للإرجاف بأهل الحرمين...، ناقضاً بذلك العهد والميثاق مع سيّد الوصيّين(ع)؛ ومن قبل ولمجرّد أنّ حصب أهل العراق واليهم، وإن لم يوضّح لنا الراوي السبب، وإلّا فأهل العراق قد حصبوا ولاةً طغاةً عدّة لمخالفتهم السُّنّة وإتيانهم البِدعة؛ ففي تلك التي كانت على عهد عمر دعا عليهم بالهلاك وأن يُسلّط عليهم غُلام ثَقيف - لما كان يسمعه من رسول الله(ص) بخروج ثقفيّ مُبِير كذّاب - فكان الحجّاج، وكما دعا عمر: أن يتسلّط أهل الشام على أهل العراق! وأن يقعوا تحت طائلة السيف الثقفيّ؛ فكان ذلك إشارة إلى معاوية وهو غنيٌّ عنها، فصار يسلّط على العراق جبّاراً بعد آخر، وينتقيهم من ذوي العاهات كما انتقاه الشيطان للشأم وهو هو في الدين! وفي النَّسب فقد ذكرنا قصّته اشتراك أربعة رجال في هند والنسّابة يقولون: إنّه وعُتبة أخاه لأمّه وفي القصّة تفصيل لمحاولة تخلّص هند من عتبة إذ أمرت جاريتها أن تضعه على قارعة الطريق... .

ولا نعيد كلّ ما ذكرناه في هذا الأمر، إلّا أنّ الكلام يجرّ إلى الكلام وكما يقولون الحديث ذو شجون والتذكير لازم؛ ويومَ الفَتْح وجاءت النساء يبايعن النبي(ص)، وكان من أحد ما شرط عليهنّ: أن لا يزنين؛ فلم تعترضه إلّا هند أمّ معاوية، قالت: وهل تزني الحُرّة؟! فنظر رسول الله(ص) إلى عمر بن الخطاب وابتسم.

ولا نريد الإضافة في نسبهم وبُعدهم. الإسلام فقد نزل بهم بياناً في القرآن، ولعنهم رسول الله(ص) وسمّاهم قبائل وأفراداً، وذكر الحرّةَ وكربلاء، ولم يسلم بيت الله الحرام من فسّاق عجّل عمر بالاستعداد للعدوان على العراق، وكان من ضحايا غُلام ثَقيف: ابنُه القاعد عن بيعة أميرالمؤمنين علي(ع)، وكان موادعاً لا يُخشى جانبه ولذا لمّا أوصى ابنُ هند يزيداً حذّره الإمام الحسين(ع)، وحذّره تربّص ابن الزبير وطمأنه جانب عبد الله بن عمر الذي راح ضحيّة حسد الطاغية ابن أُمّ الحجاج.

و ليس هنا مقام العرض للأبناء والمستلحقين ممّا تزكم منه الأُنوف، ويبقى اسم صَهّاك مجهولاً لكثير ولا يعلم أنّها من ذوات الرايات! ولكن يثور أمامنا من جديد: أفعال خالد المخزوميّ وخزاياه إذ يقتل المؤمنين ويجعل من رؤوسهم أثفيةً، أي وقوداً، يطبخ عليها عشاءه ويدخل بزوجة الرجل الشهيد الصالح «مالك بن نُوَيرة» ليلة قتله زوجها!! وإعراسه وهو في طريقه لتوسيع ملك سلطان أبي بكر؛ واستبدال عمر القيادة بقيادة جديدة وتسليط بني أميّة مع ما سمعه من النبي(ص) بلعنهم ووجوب قَتل معاوية إذ اعتلى المنبر، فهل عقمت أرحام النساء أن يلدن مَن هو أفضل من معاوية مولداً وديناً.

قال ابن عساكر: لمّا ولّى عمر بن الخطّاب يزيد بن أبي سفيان ما ولّاه من أمر الشأم، خرج إليه معاوية، فقال أبو سفيان لهند: كيف رأيتِ ابنكِ صار تابعاً لابني. فقالت: إن اضطرب حَبْلُ العرب فستعلم أين يقع ابنُك ممّا يكون فيه ابني.

وقد خالف معاوية هذا الحكم في استلحاقه ابن سُميّة زياداً ونصب لذلك شهوداً اشتُهروا بالقيادة - الجمع بين الرجل والمرأة في حرام - وفسّاق فُجّار شهدوا له أمام أهل الشام أنّ زياداً أخاه، وكان في كلام أبي مريم السَّلوليّ أنّ أبا سفيان وهو في سفر طلب أن يأتيه بامرأةٍ، فقال: لا أعرف الآن إلّا سُميّة وكانت من ذوات الرايات، فقال ائتني بها، فجاء بها سوداء، فلمّا أصبح سأله أبو مريم وكان خمّاراً فأجابه كنتُ فيها في راحةٍ على ذَفَرٍ في إبطَيها. ثمّ وقع عليها مرّة أخرى مع رجال سنذكرهم فحملت فاختصموا فيه فقالت: إنّه من أبي سفيان، فلمّا قيل لها إنّه شحيح أي بخيل، قالت ولكنّه سيّد قومه. وبعد الاستلحاق صار زياد وولده يُسمّون بنو أبي سفيان! ولم يسأله أهل الشأم: أين كان قبل إذ كان يُدعى ابن عُبيد، وابن عبد علاج، وابن أبيه؛ والآن فهو أخوك؛ فإن لم نكن مسلمين فنحن عرب أحرار فأبى أن يحكمنا مطعون في نسبه ويستلحق ولد الزنا فنكون سُبّةً للآخرين؟!

ثمّ إنّ قول صخر بن حرب لهند: «كيف رأيتِ ابنَكِ صار تابعاً لابني؟!» وثيقة صادقة صادرة من داخل البيت، وأهل البيت أدرى بما فيه! ففيها نفي لأُبوّة صخر - أبي سفيان - لمعاوية، وإثبات لأبوّة صخر ليزيد بن أبي سفيان، وأُمُّه غير أُمّ معاوية.

ونذكّر أنّ عمر لمّا مات يزيد بن أبي سفيان، استخلف معاوية بن هند مكانه وبسط سلطانه، فجاء هذا إلى المدينة فبدأ بعمر فسأله عمر: هل بدأتَ بأحد؟ فقال بك بدأت؛ قال: ابدأ بهند.[١٠١]

حُكمُ معاوية في ولد الفراش

ولمّا كان معاوية تعتمل في نفسه عُقدة النقص وتصرعه مشاعر وضاعة النَّسب، وكانت أُمُّه التي يفاخر بها ويسبق الآخرين بقوله: أنا ابن هند، ولكثرة ما خُوطب بذلك، وما قاله هو عن نفسه؛ لا أستحضر الآن أنّه قال: أنا ابن أبي سُفيان. فكان إذا تقدّم إليه مختصمان في قضيّة نسَب واستلحاق، ألحق المُخْتَصَم فيه بالعاهر «الزاني» مخالفاً بذلك سنّةَ النبي(ص) القاضية «الولد للفراشِ وللعاهرِ الحجَر».

والغريب في الأمر، ما نُقل عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: هذا الأمر في أهل بَدْر ما بقي منهم أحَد، وفي أهل أحُد ما بقي منهم أحَد، وفي كذا وفي كذا، وليس فيها الطليق ولا لولد الطليق ولا لمُسْلِمةِ الفَتْح شيء[١٠٢].

أما لِمَ خرج عمر عن رأيه هذا وهو العبقريّ فسلّط الطُّلقاء، واختار من بينهم مَن لعنه رسول الله(ص)؛ وسعى هو جاهداً لدثر اسم رسول الله «إلّا دفْناً دفْنا - في جوابه للمغيرة، مضى»؛ فإنّه هنا أفصح لأهل العراق - وهم يعلمون نيّته، إلّا أنّه أراد أن يتشفّى، لِمَ حاربهم؟ فهم لا يندرجون تحت عنوان للخروج، وهم أهل دين يصلّون ويحجّون ويُؤدّوا الفرائض الأخرى؛ فهذه أمور ليس لها معيار في ميزان ابن هند، وهذه لو لم يأتِ بها أهلُ الشأم لا يحاسبهم عليها، وكيف يصنع وهو في كنفهم وهم يده الضاربة؟! ثمّ مالَه وللفرائض وهو أوّل مَن خالف السُّنّة فعمد أوّلاً إلى المنع من حديث رسول الله(ص) اقتداءً بعمر كما ذكرنا في موضعه، وأوّل مَن صلّى جالساً؛ وأُحدوثات معاوية كثيرة ذكرناها.

و ذكرنا أنّ عمر بن الخطّاب كان مفتتناً بمعاوية، يسمّيه كِسرى العرب! وعمر كان تاجراً ولذا تأخّر إسلامه إلى ما بعد (٤٥) نفر أو يزيد ممّن دخلوا الإسلام، وكان لإسلامه قصّة ملخّصها أنّه سمع أنّ أخته وزوجها قد أسلما، فاستشاط غيظاً وذهب في سورة غضبه فوجدهم يقرؤون قرآناً فصفع خدَّ أُخته فأدماه وكاد أن يفتك بصهره لولا أن حالت أُخته بينه وبين زوجها، وقذف الله الرحمة في قلبه فهداه.

أقول: وكان أبو سفيان تاجراً وتجارته إلى أرض الشام ومصر، فلعلّ عمر عرف لهذا البيت ما لم يعرفه غيره إلّا أنّ العقبة هي في موقف هذا البيت من الإسلام والمسلمين؛ وإنّ من شروط الحاكم أن يكون صريح النسب، وقول عمر: إنّ هذا الأمر لا يكون في طليق أو ابن طليق ولا مُسْلِمة فَتْح! فهذه أمور غريبة نعرض عنها ونرجع لنفرغ من شأن «طَيْبة مدينة الرسول المنوّرة».[١٠٣]

دعاء النبي(ص) للمدينة بركتين

عن أبي سعيد الخُدْريّ أنّ رسول الله(ص) قال: «اللهم بارك لنا في صاعنا ومُدِّنا واجعل مع البَرَكة بَرَكَتَيْن»[١٠٤].

و بسندٍ عن أبي هُريرة قال: كان الناس إذا رَأَوا أَوَّلَ الثَّمَرِ جاؤوا به إلى رسول الله(ص)، فإذا أخذه رسولُ الله قال: «اللهم بارك لنا في ثَمَرِنا وبارك لنا في مدينتنا وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مُدَّنا، اللهمّ إنّ إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونَبيُّك، وإنّه دعاك لمكة وإنّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه، ثم يدعو أصغر ولد لَهُ فيُعطيه ذلكَ الثمر»[١٠٥].

و بسندٍ آخر وبلفظ مغاير قليلاً عن السابق، عن أبي هريرة أيضاً: أنّ رسولَ الله(ص) كان يُؤتى بأوّلِ الثمَرِ، فيقول: «اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي ثمارنا وفي مدنا وفي صاعنا بركة مع بركة»، ثمّ يُعطيهِ أصغرَ مَن يَحْضُرُه من الوِلدان[١٠٦].

و هكذا تجد المبعوث رحمةً للعالمين إذا دعا الثَمرٍ، جمع في دعائه، ودعاؤه مجاب عند الله تعالى، بين الدعاء لثمر المدينة والمدينة، وأضاف المدينة إلى نفسه «مدينتنا»؛ فالمدينة هي مدينة الرسول(ص)، كما أنّ علياً هو نفسُ رسول الله في آية المُباهلة؛ وابنتُه سيّدةُ نساء العالمين وزوجُ سيّد العرب علي فاطمة الزهراء نساؤه في الآية أيضاً، وابناها سيّدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين ابناء النبي في الآية أيضاً؛ ولذا هي مدينة هذه الوجوه المقدّسة التي نذكرها في التشهد في الصلاة ولو ذكرنا وأشركنا غيرهم لبطلت صلاتنا مثل أيّ مبطل للصلاة. ومن ثَمَّ فهي مدينة السابقين من المهاجرين والأنصار. والمدينة عزيزة على قلب رسول الله(ص) فيدعو لها بالخير والبركة والسلامة، ويدعو لأهلها بكلّ خير، ولثمرهم بالنَّماء وأن يجعل الله تعالى فيه ضعفي البركة في ثمر مكّة بيت الله! ويدعو الله تعالى بمعاجلة من أراد بها سوءاً.[١٠٧]

حِمى المدينة

وتستبين عِظَمُ حُرمة المدينة من توسيع رسول الله(ص) حِمَاها فليس لآثمٍ مهما تدرّج في الوَضاعة! أن يحيف ويجتاز حِمى رسول الله فيقلق الآمنين بذلك الحِمى.

عبد الرزّاق حدّثنا مَعْمَر عن الزُّهريّ عن سعيد بن المُسَيِّب عن أبي هريرة قال: حرّم رسول الله(ص) ما بينَ لابَتَيِ المدينة. قال أبو هريرة: فَلَوْ وجدتُ، وفي لفظ: رأيتُ الظِّباء تَرْتَعُ[١٠٨] بالمدينة، وفي لفظ: ما بين لابَتَيها، ما ذَعَرْتُها[١٠٩] وجعل اثني عشر ميلاً حولَ المدينة حمىً[١١٠].

و أبو سعيد الخُدريّ قال: سمعتُ رسول الله(ص) يقول: «إنِّي حَرَّمتُ ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة»؛ قال أبو سعيد: ثم كان أحدُنا يأخذُ الطَّير فيَفُكُّهُ من يده ثمّ يُرسِلُهُ[١١١].

الظِّباء تَرْتَع، فترعى، وتسرح وتنبسط وتسعى، فلا تَوْجَل إذ لا مُسْرِف يقظّ مضجعها؛ ولا حسود حقود الجوج أخفش العينين ممسوح الجاعرتين يتقرّب بها طاغية الشأم، والحِمى اثني عشر ميلاً خارج المدينة، والبركة مرّتين ممّا هي بمكّة، والقبائل هي آوت ونصرت وليست التي قاتلت الإسلام حتّى كان النصر والفتح المبين وتهاوت آلهتهم تحت ضربات المحاجن والفؤوس... دعنا من مُسْرِف، والحجّاج وأهل الشأم الذين ندبهم عمر ليستعدّوا لأهلِ العراق، ولنذكر شيئاً من صنيع ابن هند بأهل المدينة الحرام وإن كنّا قد ذكرنا شيئاً في مبحث الغارات، وشيئاً نظيراً لما نذكره هنا، فإنّما هي الجراحات التي حلّت بأطهر بيوت الله «أهل البيت(ع)» والذي جرى لهم ولشيعتهم شيعة النبي والقرآن! وحتّى عصرنا الحاضر فهم هدف لكلَّ غائر العينين أخفشهما ناتئ الوجنتين قذفته نَجْد من رحمها ليكون مفتي مكّة وشغله الشاغل تكفير الشيعة ووجوب قتلهم وتفجير مساجدهم فباع أتباعهم أنفسهم للشيطان بلا ثمن إلّا الجحيم الخالد إذ يفجّرون أنفسهم وسط الأبرياء من المصلّين وفي الأسواق...؛ وتجرّأ أعراب نَجْد بشتيمة سادة أهل الجنّة فالويل لهم إذ خصمهم الله ورسوله وخير البريّة، جمع الله بينهم وبين مَن يُحبّون: يزيد، وقد كتبوا عن أمجاده وإمارته وحقّه في قتل الحسين(ع)، ومسرف والحجّاج ومعاوية ومَن مهّد لذلك.

قال الشعبّي: لما قدم معاويةُ المدينةَ عامَ الجماعة تلقّته رجالٌ من قريش فقالوا: الحمد لله الذي أعزّ نصرك وأعلى أمرك. فما ردّ عليهم جواباً! حتّى دخل المدينة، فقصد المسجد وعلا المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد فإنّي والله ما وليت أمركم حين وليته إلّا وأنا أعلمُ أنكم لا تُسَرُّونَ بولايتي ولا تحبُّونها، وإنّي لعالمٌ بما في نفوسكم، ولكنّي خالستكم بسيفي هذا مُخالَسةً، ولقد رُمْتُ نفسي على عمل ابن أبي قُحافة فلم أجدها تقوم بذلك، وأردتها على عمل ابن الخطّاب فكانت عنه أشدّ نُفوراً، وأردتها على سُنيَّات عثمان فأبتْ عليَّ، وأين مثلُ هؤلاء؟ هيهاتَ أن يُدرِك فضلَهم أحدٌ ممّن بعدهم، غير أنّي قد سلكتُ بها طريقاً لي فيه منفعة ولكم فيه مثل ذلك. ولكلّ فيه مؤاكلة حسنة ومشاربة جميلة، ما استقامت السيرة وحسُنت الطاعة، فإن لم تجدوني خيركم، فأنا خيركم لكم؛ والله لا أحمل السيف على مَن لا سيف معه، ومهما تقدّم ممّا قد علمتموه فقد جعلتُه دَبْرَ أُذُني، وإن لم تجدوني أقوم بحقّكم كلّه فارضوا منّي ببعضه، فإنّها ليست بقائبةٍ قُوبَها[١١٢]، وإنّ السيل إذا جاء يَتْرى وإن قلّ أغثى... وإيّاكم والفتنة! فلا تهمّوا بها فإنّها تفسد المعيشة وتكدّرُ النعمة، وتورث الاستئصال![١١٣]

فلا عتب على الحجّاج ولا على يزيد ومُسْرف؛ فهذا ابن هند وقد تلقّته وجوه قريش مهنِّئةً له وداعية، فلم يُقيم لها وزناً ولم يردّ جواباً، وقصد المسجد الذي استمدّ قدسيّته لقربه من حضرة رسول الله(ص)، ولدعاء النبي لمن صلّى فيه مزيداً من الخير والبركة. ثمّ اعتلى المنبر الذي كان مدرسةً للمسلمين، يجلس عليه رسول الله(ص) يعلّمهم صلاتهم كيف يؤدّونها وأحكام دينهم...، وكان الصحابة يتبرّكون بهذا المنبر يُقبّلون جوانبه ويمسحون أيديهم برمّانته ثمّ يمسحون بها وجوههم. وهو ليس من عَرض المنابر، فهو في روضة من رياض الجنّة - سنأتي على الروايات في ذلك -، فصار منبراً لمن يكذب على رسول الله ومن كذب عليه(ص)، فقد تبوّأ مقعده من النار! واصدار أوامر الغصب والظُلم، ويأكل عليه الولاة الفجرة ويهزؤون برسول الله ويعلون عليه شأن الزنادقة ويطرحون النوى في وجوه أشراف أهل المدينة وينحرونهم صبراً....

و ليتَ ابن هند إذ لم يردّ على وجوه قريش وقد استقبلوه، أن يتأدّب بحضرة رسول الله فيقول خيراً؛ فإنّه راح يكيل التُّهَم للمجتمعين وينعتهم بالنفاق! وإنّه تسلّط عليهم بالسيف وهم كارهون، ويتوعّدهم أشدّ الوعيد إن ثارت فيهم فتنة، فمصيرهم الاستئصال، وهي لغة غاية البعد في التهديد أي لا يبقى منهم أثراً! والحال لم يقع منهم بعد شيء ولا دخلوا في خلاف. ويرتفع العجب إذا تذكّرنا دائماً غاراته التي بعثها من قبل وأمر قادته أن يرجفوا بأهل الحرمين خصوصاً أهل المدينة حتّى يشعروا أنّه مُوقعٌ بهم، وأن يبسط لسانه عليهم ويغلظ في القول لهم. هذا ورسولُ الله(ص) قد أنزل المدينة منزلة مكّة المكرّمة ودعا لها بالبركة ضعفَ ما دعا لمكّة ولعن من أحدَثَ بها حدَثاً أو آوى مُحدِثاً ولقد دعا إبراهيم الخليل(ع) ربّه من أجل مكّة: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ[١١٤].

عن سَهل بن حُنيف قال: أهْوَى رسولٌ الله(ص) بيده إلى المدينة فقال: «إنّها حَرَم آمن»[١١٥].

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله(ص): «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة»[١١٦].[١١٧]

دعاؤه(ص) بنقائها

عن عائشة قالت: قال رسول الله(ص): «اللهم حبب إلينا المدينة كما حَبَّبت مكة أو عن أشدّ، وصححها وبارك لنا في صاعها ومُدها وحَوِّل مُحمَّاها إلى الجُحْفَة»[١١٨].

فتراه(ص) تارةً يدعو الله تعالى أن يجعل بركته على المدينة ضِعفَي بركته على مكّة؛ وأُخرى يسأل الله تعالى أن يُحبّب المدينة إليه وإلى المؤمنين أشدَّ من حبّهم مكّة، وهذا لا يكون إلّا بوفرة الغذاء وهذا ما حصل إذا صارت المدينة حاضرة الدولة الإسلاميّة وإليها تُجبى الأموال والأرزاق من مختلف البلدان؛ وبنقاء هوائها والبركة في الرزق.

أمّا قولُه(ص) «و حوِّل حُمّاها إلى الجُحفة» قال الخطابي وغيره: كان ساكنوا الجحفة في ذلك الوقت يهوداً، ففيه دليل للدعاء على الكفّار والأعداء بالأمراض والأسقام والهلاك وفيه الدعاء للمسلمين بالصحّة وطيب بلادهم... وفي هذا الحديث علم من أعلام نبوّة نبيّنا(ص)، فإنّ الجُحفة من يومئذ مُجتنبة ولا يشرب أحدٌ من مائها إلّا حُمَّ[١١٩].[١٢٠]

تسمية المدينة المباركة

في خبر طويل فيه قولُه(ص): «إنّها المدينةُ كالكِير تَنفي خَبَثَها ويَنْصَعُ طَيِّبها»[١٢١].

و زيد بن ثابت عن النبي(ص) قال: «إنّها طَيْبةُ، يعني المدينة وإنها تنفي الخبيث كما تنفي النارُ خَبَثَ الفِضَّة»[١٢٢].

و عن جابر بن سَمُرَةَ قال: سمعتُ رسول الله(ص) يقول: «إنّ الله تعالى سمّى المدينة طابة»[١٢٣].

اسمُها في القرآن الكريم: «المدينة». وقد سمّاها الله تعالى كما قال النبي(ص) «طابَةَ». وهي عند رسول الله «طَيِّبة» و«طَيْبة» والمدينة. وهي حَرام آمن يأمن فيها الطَّيْر؛ والظِّباء، ولا تُخبط شجرتها. وهي عند بني أُميّة «نَتِنَة وأخبثُ بَلَد».

وأهلها: رسول الله(ص)، وأهل بيت العصمة(ع) والسابقون من المهاجرين والأنصار، وأمّهات المؤمنين. وهم عند بني أُميّة عظامُ ورمة - أي بالية، ويهود أبناء يهود...، ومن أفضل الأعمال وأزكاها قتلُ أهل المدينة.[١٢٤]

فضل الصلاة بمسجد المدينة

ولمسجد المدينة فضل ومنزلة متسبّبة من تشريف النبي(ص) في ذلك المسجد، وانتساب المسجد إلى النبي(ص)، فكما أنّ المدينة بلد حَرام لتحريم رسول الله(ص) لها، ومكّة حرام حرّمها الله تعالى يومَ خلق السماوات والأرض، وكان الذي بنى الكعبة هو نبيُّ الله، أبو البشر آدم(ع)، ثمّ اندرست معالمها؛ حتّى بناها النبي إبراهيم خليل الرحمن(ع) ودعا الله تعالى لها بالحرمة والبركة فاستجاب الله تعالى دعاءه، فصارت حُرمتها تُنسب إلى النبي إبراهيم، فإضافةً إلى رفعه لقواعدها المندرسة، صار معها مقام لم يكن هو مقام إبراهيم، وأُضيفت مناسك ظاهراً لم تكن موجودة في حجّ آدم(ع)؛ ولأجله قرن النبي(ص) تحريمه للمدينة وتبريكه عليها بحُرمة مكّة، تعظيماً لها وسدّاً لباب الذريعة لأيّ عدوان عليها؛ وردّ تحريم مكّة إلى دعاء إبراهيم(ع) إذ لم يسبق إبراهيم في الدعاء في ذلك أحدٌ؛ فمكّة بقعةٌ مباركة ملعون مَن هتَكَ حُرمتها، وكذلك المدينة وإلّا فإنّا نجدُ مساجدَ محترمة مقدّسة جاء فيها ما يدلّ على منزلتها ولم تسلم من يد العدوان!

وقبل الإشارة إلى هذه المساجد، نذكر بعضَ ما أورده ابن عساكر في «تاريخ دمشق» وهو يتحدّث عن فضائل دمشق والشأم وأهلها، وقد أطنب في الإطراء في ذلك؛ بيدَ أنّ الواقع أملى نفسه في هذا الفصل الطويل: فقد ذكر أنّ معاوية سأل عبد الله بن الكوّاء عن أهل الشام؟ قال: أَطوعُ الناس لمخلوقٍ وأعصاهم لخالق، ولا يحسبون للسماءِ ساكناً[١٢٥].

و قد سبق ابن النابغة في تشخيص هذا الحال لأهل الشام في شعره لابن هند. قال: وفي حديث آخر: أطوع الناس لمخلوق في معصيّة الخالق، وأجرؤهم على الموت لا يُدرى ما بعده دمشقيُّهم يشتمل ولا يدري، وحِمصيّهم يسمع ولا يعي[١٢٦].

قال: والمرادُ في هذه الحكايات ما كان عليه أهل الشأم من طاعة أئمّتهم وأمرائهم، واقتدائهم في الفِتَن والحروب بآرائهم، من غير نظر في عواقب الفِتَن كما فعلوا في سالف الزمن من قتالهم علي بن أبي طالب، وهو الإمام المرتضى، وفعلهم يومَ الحرّة، وحصار ابن الزبير[١٢٧].

أسفاً عليك يا ابن عساكر! وأين فعلتهم الشنيعة وجريمتهم العظمى في قتلهم ابن رسول الله(ص)، الحسين سيّد شباب أهل الجنّة(ع) وآل بيته وصحبه الكرام؟ أم أنّك عن قصد كما رأينا في موسوعتك «تاريخ دمشق» إذ تَرفعُ من أهل الشأم كثيراً، لابدّ وأن تقرن بهم أهل الكوفة ولكن تنقيصاً وتنزيلاً؛ ولا أدري ينتابك السهو كما انتاب المغيرة بن شُعبة، وابن النابغة، وابن هند، إذ صدحوا بفضل ومَجد أميرالمؤمنين علي(ع)؛ فأنت كذلك تصدح في مؤلّفك هذا بفضل الكوفة وأهلها وتذكر نقائص أهل الشأم؟!

يا ابن عساكر: إنّ الناقص الذي أمر بقتل الحسين(ع) لم يكن مقرّه الكوفة وإنّما دمشق التي أرّختَ لها؛ ومن مُدن الشأم خرج اثنا عشر ألف، وبعضهم يقول أكثر من ذلك، وضمّ إليهم كما ذكرنا سابقاً الحمراء من أبناء خراسان وخوارج وعثمانيّة الكوفة لقتال الحسين(ع). فالذين قتلوا الحسين(ع) حقيقةً هم أهل الطاعة العمياء! وخرج الحسين بن علي إلى الكوفة ساخطاً لولاية يزيد، فكتب يزيد إلى عُبيد الله بن زياد، وهو واليه على العراق: إنّه قد بلغني أنّ حُسيناً سار إلى الكوفة، وقد ابتُلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدُك من بين البلدان، وابتُليت من بين العمّال، وعندها تَعْتِق أو تعود عبداً. فعندها قتله عبيد الله وبعث برأسه إلى يزيد...»[١٢٨].

ويزيد الذي أوقع بأهل المدينة، بعثَ إليهم مسلم بن عُقبة المُرِّيّ «طبعاً في أهل الشأم!» فأصابهم بالحرّة[١٢٩].

وهنا لم تذكر فعلتهم الثالثة «حصار ابن الزبير»! وفي قتل الحسين(ع) اكتفيتَ بقولك: قتله عبيد الله.

قال: وعن النعمان بن المنذر الغساني قال: كنتُ مع مكحول - الشاميّ - قال: فأتاه فِتيان من أهل العراق فجعلوا يسألونه؛ فجعل يُخبرهم؛ قال: فقالوا له: عمّن ومن حدّثك؟ قال: فنشط لهم مكحول، فجعل يُسند لهم، فلمّا تهيّاً قيامه ضحك، ثمّ قال: هكذا ينبغي لكم يا أهل العراق، لا يصلحكم إلّا هذا، وأمّا أصحابنا هؤلاء أهل الشأم فيأخذون كما تَيسَّر. قال: ثمّ قام[١٣٠].

قال الأعمش: كنّا إذا جاءنا الحديث وأنكرناه قلنا: شاميّ![١٣١]

ممّا تقدّم يدخل في صفة مجتمع هو تربية ابن هند الذي علّمهم الطاعة من غير نظر في عواقب فِتَنهِ، وأمّا أهل العراق فإنّهم أهل عِلم، فكثير منهم يحجزه علمه عن الحركة ويسأل أن لماذا هذه الحرب مع علمهم أنّهم مع إمام مفترض الطاعة. ومع غيره فلا تخدعهم الأسماء فلا يأخذوا الحديث والرواية حتّى يسألوا عن السند فينظروا فيه، ولذلك مدحهم مكحول الشاميّ وقوله: «هكذا ينبغي لكم يا أهل العراق» إنّما يعني أنّكم أهل علم لا يُقاس بكم مَن يأخذ الشيء جاهزاً كما وصل إليهم. وقوىّ هذا المعنى الأعمش الذي ذهب بعيداً فجعل منبع الأحاديث المنكرة «شآميّة»، ويعني بذلك المدرسة الأمويّة.

و أخرج ابن عساكر، عن سليمان بن يَسار قال: كتب عمر بن الخطّاب إلى كَعب الأحبار أنِ اختر لي المنازل فكتب إليه: إنّه بَلَغنا أنّ الأشياء اجتمعت فقال السخاء: أريد اليَمن، فقال حسن الخُلُق: أنا معك. وقال الجفاء: أريد الحجاز، فقال الفقر: وأنا معك، وقال البأس: أريد الشأم، فقال السيف: وأنا معك. وقال العلم: أريد، العراق، فقال العقل: وأنا معك. فاختر لنفسك يا أميرالمؤمنين. فلمّا ورد الكتاب على عمر بن الخطاب قال: فالعراق إذاً، فالعراق إذاً[١٣٢].

إنّ اختيار عمر بن الخطّاب العراقَ بعد الذي سمعه من وصف كعب الأحبار، ربّما كان قبل حصب أهل الكوفة واليهم ودعوة عمر أهل الشأم ليستعدّوا لأهل العراق ودعائه بتعجيل تسلّط كذّاب ثقيف ومبيرها الحجّاج بن أُمّ الحكم على العراق، ولعلّه جاء بعد حين من الزمن هدأت فيه ثائرة عمر وحَنَقه على العراق، وسمع كلام كعب الأحبار الذي هو موضع ثقة لدى عمر، ومعاوية؛ إذ عنده كثير من أخبار اليهود وقصصهم.

وعن أنس بن مالك، في خبر طويل هذا بعضه: «و قال ملَك السيف: أنا أسكنُ الشأم، فقال له ملك البأس: أنا أسكن معك. وقال ملَك الغنى: أنا أُقيم هاهنا - العراق - فقال له ملك المروءة أنا معك. فقال ملَك الشرَف: وأنا معكما، فاجتمع ملك الغنى والمروءة والشرَف بالعراق[١٣٣].

وذكر الخطيب البغدادي، قال: «إنّ النبي(ص) ذكر أهل العراق وقال: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم(ع): إنّي جعلتُ خزائن علمي فيهم وأسكنتُ الرحمةَ قلوبَهم»[١٣٤].[١٣٥]

المراجع والمصادر

  1. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج۱
  2. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي ج٢
  3. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام

الهوامش

  1. راجع: الجزء السادس من تأريخ العرب قبل الإسلام، لجواد علي.
  2. بالفارسيّة، تمدن إسلام وعرب: ٩٤.
  3. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٨٨.
  4. سورة الأنعام، الآية ١٥١ـ١٥٢.
  5. إعلام الورى: ٥٥ - ٥٨ وليس في التفسير.
  6. سيرة ابن هشام ٢: ٧٨.
  7. سورة فصلت، الآية ١-٢.
  8. إعلام الورى: ٥٨، ٥٩. وقد مرّ الخبر ضمن أخبار حصار الشعب، ولكنّي كررته هنا ابرازا لدور أسعد بن زرارة الخزرجي وسعد بن معاذ الأوسي في انتشار الإسلام في المدينة. والخبر في سيرة ابن هشام ٢: ٧٧ - ٨٠ باختلاف في بعض الألفاظ.
  9. مجمع البيان ١٠: ٤٣٢.
  10. سيرة ابن هشام ٢: ٧٧.
  11. سيرة ابن هشام ٢: ٨١.
  12. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧٠١.
  13. سيرة ابن هشام ٢: ٧٦، ٧٧.
  14. سيرة ابن هشام ٢: ٨١، ٨٢.
  15. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧٠٨.
  16. سيرة ابن هشام ٢: ٨٤.
  17. سيرة ابن هشام ٢: ٨٨، ٨٩.
  18. سيرة ابن هشام ٢: ٨٩.
  19. سيرة ابن هشام ٢: ١١١.
  20. مقدمة سيرة ابن هشام ١: ط، ي. وزاد عليه اليعقوبي - مولى بني العباس - فقال: قال العباس للنبيّ: دعني فداك أبي وأمي آخذ العهد عليهم، فجعل ذلك إليه، فأخذ عليهم العهود والمواثيق. اليعقوبي ٢: ٣١.
  21. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧١٠.
  22. سيرة ابن هشام ٢: ٩٥، ٩٦.
  23. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧١٣.
  24. مناقب آل أبي طالب ١: ١٨٢.
  25. سيرة ابن هشام ٢: ١١٠، ١١١. ومن المقارنة بين عبارة ابن شهرآشوب وابن إسحاق يبدو أن كلام ابن شهرآشوب انما هو مختصر ما ذكره ابن إسحاق، من دون اسناد.
  26. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧١٧.
  27. سيرة ابن هشام ٢: ١١٢، ١١٣ بتصرف يسير في الألفاظ.
  28. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧١٨.
  29. سيرة ابن هشام ٢: ١١٢ - ١١٦.
  30. سيرة ابن هشام ٢: ١١٨ - ١٢٣.
  31. مجمع البيان ٣: ١٥٠.
  32. سورة النساء، الآية ٩٧-٩٩.
  33. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج١، ص ٧٢٠.
  34. تاريخ المدينة ١: ١٥٩.
  35. تاريخ المدينة ١: ١٦١ وهامشه.
  36. تاريخ المدينة ١: ١٦٠.
  37. تاريخ المدينة ١: ١٥٦، ١٥٧ ومراصد الاطلاع ١: ١٤٠.
  38. تاريخ المدينة ١: ١٦٩.
  39. تاريخ المدينة ١: ١٦٠.
  40. تاريخ المدينة ١: ١٥٧، ١٥٨.
  41. تاريخ المدينة ١: ١٦٩.
  42. تاريخ المدينة ١: ١٥٣، ١٥٤.
  43. تاريخ المدينة ١: ١٦١.
  44. تاريخ المدينة ١: ١٥٨، ١٥٩ وهامشها وفي تحديد محلّ السُقيا انظر كتاب: المساجد والاماكن الأثرية المجهولة في المدينة لعبدالرحمان خويلد الحجازي، وعنه في مجلة ميقات الحج ٣: ٢٧٦.
  45. تاريخ المدينة ١: ١٦٠.
  46. تاريخ المدينة ١: ١٦٢.
  47. تاريخ المدينة ١: ١٦٩.
  48. تاريخ المدينة ١: ١٦١.
  49. تاريخ المدينة ١: ١٦٩ والحرّة اسم لارض ذات أحجار سود كأنها محترقة بالنار.
  50. تاريخ المدينة ١: ١٦٧، ١٦٨.
  51. تاريخ المدينة ١: ١٦٨.
  52. تاريخ المدينة ١: ١٦٥-١٦٧.
  53. تاريخ المدينة ١: ١٦٩-١٧٣.
  54. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٣٠-٣٥.
  55. تاريخ المدينة ١: ٣٠٦.
  56. تاريخ المدينة ١: ٣٠٤-٣٠٦ وبهامشها.
  57. محمد هادي اليوسفي الغروي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج٢، ص ٣٥.
  58. سورة الأحزاب، الآية ١٢ -١٣.
  59. المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، ٨٥.
  60. الاشتقاق، لابن دُريد، ص٣٥.
  61. سورة يوسف، الآية ٩٢.
  62. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٤-١٣٥، باب فضل المدينة ودعاء النبي فيها بالبركة وبيان تحريمها.
  63. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٥. واللابة: الحرّة وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء. وللمدينة لابتان شرقيّة وغربيّة وهي بينهما.
  64. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٥. وانظر الحقد الأمويّ المروانيّ! على رسول الله(ص) وأهل المدينة فمروان بعد الاحتجاج عليه يقول: قد سمعت بعضَ ذلك؟!
  65. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٦.
  66. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٦.
  67. هامش صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٦-١٣٧.
  68. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٨.
  69. سورة البروج: ١٢.
  70. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٠٥-١٠٩.
  71. خُلُوف: أي ليس عندهم رجال ولا من يحميهم.
  72. تُرحَل: أي يُشدّ عليها رَحْلها.
  73. «لا أحُلُّ لها عُقدةً...» معناه: أو أصل المسير ولا أحل عن راحلتي عقدةً من عُقَد حملها ورحلها حتّى أصل المدينة لمبالغتي في الإسراع إلى المدينة.
  74. المأزِم: هو الجبل، وقيل المضيق بين الجبلين ونحوه، والأوّل هو الصواب هنا، ومعناه ما بين جبليها كما في حديث أنس وغيره.
  75. العَلْف اسم للحشيش والتِبن والشعير ونحوهما، وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف، بخلاف خبط الأغصان وقطعها فإنّه حرام.
  76. صحيح مسلم، ج٩، ص١٤٦-١٤٧.
  77. صحيح مسلم، ج٩، ص١٤١.
  78. سورة التكوير، الآية ٨-٩.
  79. سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
  80. سورة الزمر، الآية ٢٢.
  81. سورة المؤمنون، الآية ٥-٦.
  82. سورة النور، الآية ٣٠.
  83. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١١٠-١١٤.
  84. صحيح مسلم، ج٩، ص١٣٩.
  85. سورة البقرة: ٧٤.
  86. في تفسير ابن زَمنين، ج١، ص٣٤؛ وتفسير الطبريّ، ج١، ص٤٠٨، ح١٣٢١؛ قال مجاهد: كلّ حجر انفجر منه ماء أو تردّى من رأس جبل فهو من خشية الله.
  87. عن ابن عباس: كان رسول الله(ص) يخطب إلى خشبة كانت في المسجد، فلمّا صُنع المنبر فصعده رسول الله، حنّت الخشبة، فنزل رسول الله فاحتضنها فسكنت. طبقات ابن سعد، ج١، ص١٨٨.
  88. ن أبي سلمة قال: كان رسول الله(ص)، لا يأكل الصدقة ويأكل الهدية، فأهدت إليه يهودية شاةً مصليّة (مطبوخة» فأكل رسول الله(ص) منها هو وأصحابه، فقالت: إنّي مسمومة، فقال لأصحابه: ارفعوا أيديَكم فإنّها قد أخبرت أنّها مسمومة، قال: فرفعوا ايديهم، قال: فمات بِشر بن البَراء، فأرسل إليها رسول الله(ص)، فقال: ما حَمَلَكِ على ما صَنعتِ؟ قالت: أردتُ أن أعلَمَ إن كنتَ نبيّاً لم يضررك. وإن كنت ملكاً أرحتُ الناسَ منك، قال: فأمر بها فقُتلت. (طبقات ابن سعد، ج١، ص١٧٢).
  89. سورة الإسراء: ٤٤.
  90. هامش صحيح مسلم، ج٥، ص١٣٩.
  91. صحيح مسلم، ج٥، ص١٦٢.
  92. صحيح مسلم، ج٥، ص١٦٢-١٦٣.
  93. سورة الإسراء، الآية ٤٤.
  94. تفسير مقاتل بن سليمان، ج٢، ص٢٥٨-٢٥٩.
  95. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١١٤.
  96. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٠-١٤١.
  97. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٥.
  98. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٥.
  99. حاشية صحيح مسلم، ج٥، ص١٤١.
  100. سورة الرعد، الآية ٢٥.
  101. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١١٧.
  102. مختصر تاريخ دمشق، ج٢٥، ص٤٢.
  103. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٢٢.
  104. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٨-١٤٩.
  105. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٦.
  106. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٦.
  107. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٢٤.
  108. ترتع: ترعى، وتسعى وتبسط.
  109. ذعرتها: أفزعتها.
  110. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٥.
  111. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٩-١٥٠.
  112. لغة تهديد! ومعناه أنّ الطير إذا فارق بيضته لم يعد إليها.
  113. مختصر تاريخ دمشق، ج٢٥، ص٤٥. (ما هذه اللهجة الجافية الحادّة لغة الوعيد بالاستئصال الذي يعني الإبادة العامّة؟!)
  114. سورة البقرة، الآية ١٢٦.
  115. صحيح مسلم، ج٥، ص١٥٠.
  116. صحيح مسلم، ج٥، ص١٤٣.
  117. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٢٤.
  118. صحيح مسلم، ج٥، ص١٥٠.
  119. هامش صحيح مسلم، ج٥، ص١٥٠ من تفسير النووي.
  120. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٢٩.
  121. صحيح مسلم، ج٥، ص١٥٥.
  122. صحيح مسلم، ج٥، ص١٥٦.
  123. صحيح مسلم، ج٥، ص١٥٦.
  124. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٢٩.
  125. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٥.
  126. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٦.
  127. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٦.
  128. مختصر تاريخ دمشق، ج٢٨، ص١٩.
  129. مختصر تاريخ دمشق، ج٢٨، ص١٩.
  130. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٧.
  131. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٧.
  132. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٣. وذكره الخطيب البغداديّ مثلما في تاريخ دمشق، وزاد عليه بسنده عن عمر أنه قال: «أهلُ العراق كنزُ الإيمان، وجُمجمةُ العرب وهم رمحُ الله يحرزون ثغورهم ويُمدّون أمصارهم». تاريخ بغداد، ج١، ص٢٥.
  133. مختصر تاريخ دمشق، ج١، ص١٣٤.
  134. تاريخ بغداد، ج١، ص٢٥.
  135. حبيب طاهر الشمري، شهداء الإسلام، ص ١٣٠.