نقاش:دليل النظام في علم الكلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تمهيد

مفهوم النظم

«النظم» هو مفهوم يشير إلى حالة الانسجام والتناسق بين عناصر متعدّدة أو أجزاء لشيء واحد، وهو مفهوم واضح يقابل في معناه الفوضى والهرج والمرج. ويختلف النظم عن مفاهيم أخرى كالحركة والإمكان، حيث يكفي في هذين الأخيرين افتراض وجود فرد واحد متحرّك أو ممكن، بينما يتطلّب النظم وجود عناصر متعدّدة منسجمة، تُحقّق غرضاً واحداً.

أقسام النظم

  1. النظم الصناعي: وهو النظم الذي نلاحظه في الأشياء المصنوعة من صنع الإنسان، مثل رفوف المكتبة، وأقسام المبنى، وأجزاء الساعة أو جهاز الراديو.
  2. النظم التكويني (غير الصناعي): وهو النظم الحاكم على علاقة أجزاء الأشياء الطبيعية فيما بينها، كالنظم الحاكم على علاقة أجزاء جسم الإنسان.

ويستند برهان النظم على النظم التكويني غير الصناعي، وإن كان يمكن الاستفادة من النظم الصناعي على سبيل التمثيل والتشبيه، كما في حالة اكتشاف وجود صانع للساعة من خلال ملاحظة النظم الحاكم على أجزائها.

كما يمكن تقسيم النظم بتقسيمات أخرى وفق أسس مختلفة، منها:

  1. النظم العلِّي: وهو النظم المشهود بين الفعل والفاعل، حيث تكون سلسلة الحوادث مترابطة ومتشابهة وتكشف عن وجود قوانين تحكم علاقة الأسباب بالمسبّبات أو الآثار بالمؤثّرات.
  2. النظم الغائي: وهو النظم والانسجام بين أجزاء مركّب تترتّب عليه غاية محدّدة.
  3. النظم الجمالي: وهو الانسجام الذي ينتج عنه جمال.

وتجدر الإشارة إلى أنّ حكماء المدارس الثلاث في الفلسفة الإسلامية (الإشراقية، والمشائية، والحكمة المتعالية) لم يستفيدوا من برهان النظم لإثبات وجود الله تعالى، وإنّما استخدموا مفهوم النظم في سياقات أخرى كالاستدلال على بعض الصفات الإلهية مثل الوحدة والحكمة. ويرجع ذلك لاعتقادهم بقصور هذا البرهان عن إثبات الذات الإلهية.

ولكن يمكن تفادي الانتقادات الموجّهة لبرهان النظم من خلال التحديد الدقيق لمفهوم النظم، وتوضيح حدود البرهان المستند إليه، والنتائج المراد الوصول إليها منه، وخاصّة فيما يتعلّق بالمبادئ والأصول التي يرتكز عليها، وكذلك الحد الأوسط فيه. فمع مراعاة هذه الأمور يمكن أن يكون برهان النظم منتجاً ومفيداً في إثبات وجود المنظّم الحكيم[١].

برهان النظم في مدار النظام الفاعلي والغائي

برهان النظم في الفلسفة الإسلامية، وهو برهان يهدف إلى إثبات وجود الله من خلال الانسجام والنظام الموجود في الكون. وفيما يلي نشرحه مبسطاً:

  • يوجد نوعان من النظم: النظم الفاعلي والنظم الغائي. النظم الفاعلي يشير إلى الانسجام بين الأفعال الصادرة عن فاعل واحد، بينما النظم الغائي يشير إلى وجود غاية محددة وراء هذه الأفعال.
  • على الرغم من وجود العلة المادية والعلة الصورية لبعض الكائنات، إلّا أنّ العلة الفاعلة والغائية ضروريّتان لكلّ فعل. وكما أنّ سلسلة العلل الفاعلية يجب أن تنتهي إلى علة أخيرة هي واجب الوجود (الله)، فإنّ العلل الغائية أيضاً يجب أن تنتهي إلى غاية أخيرة هي عين واجب الوجود.
  • أشار أرسطو[٢] وأبو علي (ابن سينا)[٣] إلى أنّ العلة الغائية هي التي تؤمن فاعلية الفاعل، وأنّ العلة الغائية ترجع إلى العلة الفاعلية، بل هي رأس سلسلة العلل الفاعلية.
  • بناءاً على ما سبق، وباستناد أصل المادة والصورة إلى العلّتين الفاعلية والغائية، فإنّ جميع العلل ترجع إلى علة واحدة هي الفاعل الحقيقي (الله)، وهذا الفاعل لا يحتاج في فعله إلى الغير، وهو بذاته غاية ولا غاية غيره تُعلّل بها أفعاله.
  • برهان النظم، إذا أُرجع إلى غاية موجودة في كلّ فعل بالضرورة، لابدّ أن تنتهي سلسلة الغايات والعلل الغائية إلى غاية هي بذاتها غاية وهي عين ذات الفاعل (الله). وبالتالي فإنّ برهان النظم يثبت وجود واجب (الله) هو الأوّل والآخر[٤].

باختصار، برهان النظم في الفلسفة الإسلامية يستدلّ على وجود الله من خلال النظام والانسجام الموجود في الكون، سواء على مستوى الأفعال (النظم الفاعلي) أو على مستوى الغايات (النظم الغائي). ويستنتج أنّ هذا النظام يشير إلى وجود علة أولى وغاية قصوى هي «الله»، الذي هو الفاعل الحقيقي لكلّ شيء ولا يحتاج إلى غيره.

برهان النظم في مدار التناسق والانسجام بين العناصر المختلفة

برهان النظم يستند إلى الانسجام والتناسق الملحوظ في الكون لإثبات وجود خالق أو مدبّر حكيم. ويمكن أن نشرح هذا الاستناد بشكل مبسط في نقاط التالية:

  • يلاحظ في برهان النظم، الانسجام بين الأفعال التي تصدر من أجزاء مركّبة لتحقيق غرض واحد، كما في آليّة عمل الساعة أو انسجام الألوان في لوحة فنّية. فهذا الانسجام يدلّ على وجود ناظم.
  • تكرار الأفعال المتشابهة من فواعل متشابهة يعتبر أيضاً من مظاهر النظم. لكنّ الانسجام العميق في الكون ينبع من العلاقة الضرورية بين العلة والمعلول وارتباط كلّ فعل بغاية.
  • برهان النظم في نظام محدود أو في الكون، ككلّ يختلف عن النظم الناتج عن المسانخة بين الفعل والفاعل في سلسلة العلل والغايات.
  • إثبات النظم في نظام محدود لا يقود بالضرورة إلى إثبات وجود الله كفاعل أوّل وواجب الوجود، بل يحتاج إلى تتميم البرهان باستخدام برهان الإمكان مثلاً.
  • استنتج الفلاسفة المشّاؤون من النظم الموجود في النباتات والحيوانات وجود النفس النباتية والحيوانية. واستند شيخ الإشراق السهروردي إلى النظم لإثبات أرباب الأنواع[٥].
  • اكتشاف النظم والغايات يقود إلى تطور العلوم التجريبية. والنظم يكشف عن العلم والمعرفة الكامنة وراء الأفعال المنسجمة.
  • يستند برهان النظم على مقدّمتين:
  1. مقدّمة تجريبية تعرض مظاهر النظم الملحوظة في الكون أو في جزء منه.
  2. مقدّمة عقلية تقول إنّ كلّ نظم يحتاج إلى ناظم، وهي مقدّمة تحتاج إلى استكمال بأدلّة أخرى كبرهان الحركة والحدوث والإمكان.
  • لذلك لا يمكن اعتبار برهان النظم برهاناً مستقلّاً كاملاً بذاته، بل هو بحاجة إلى أدلة أخرى لتتميمه.

وبرهانا الحركة والحدوث لا يحتاجان إلى التكميل بنفس الطريقة التي يحتاجها برهان النظم، وذلك للأسباب التالية:

  • في برهان الحركة، الكبرى هي: «كلّ متحرّك يحتاج إلى محرّك غير متحرّك». والدليل على ذلك هو أنّ الحركة هي خروج الشيء تدريجيّاً من القوّة إلى الفعل. وإذا انتقل الشيء من القوة|القوّة إلى الفعل دون وجود فاعل خارجي، فهذا يعني أنّه أعطى نفسه ما كان ينقصه، وهذا يؤدّي إلى جمع النقيضين (الوجود والعدم) في شيء واحد، وهو تناقض واضح.
  • في برهاني الحدوث والإمكان، الكبرى هي: «كلّ حادث يحتاج إلى محدث قديم»، أو «كلّ ممكن يحتاج إلى واجب». ومستند هاتين الكبريين هو فكرة احتياج الحادث والممكن إلى علة.

وبما أنّ سلسلة العلل الفاعلية ليست سلسلة متعاقبة زمنيّاً، بل مجتمعة في الوجود، فلا يمكن أن تكون لا متناهية. والنتيجة هي أنّ سلسلة الحوادث لابدّ أن تنتهي إلى مبدأ غير حادث، وسلسلة الممكنات لابدّ أن تنتهي إلى واجب الوجود. وقد ذكرنا أنّ برهان الإمكان يوصل إلى الواجب دون الحاجة للاستعانة بفكرة استحالة التسلسل.

وبما أنّ النظام أمر يعتمد على العلم لكونه ظاهرة عقلية، فإنّ برهان النظام يثبت الناظم وصفة العلم معاً.

لكن برهان النظام يعاني من نقص بالنظر إلى محدودية كبراه، فهو لا يستطيع إثبات الواجب دون الاستعانة ببراهين أخرى تكمله. ونتيجة القياس في برهان النظم تعتمد أيضاً على صحّة الصغرى، بمعنى وجود النظام والتناسق بين أجزاء العالم. فإذا كان النظام المدّعى جزئيّاً، فالبرهان يثبت ناظماً في حدود ذلك الجزء فقط. أمّا إذا كان النظام شاملاً للعالم كلّه، فالبرهان ينتج وجود ناظم للعالم بأسره، وعندها يمكن القول بأنّ هذا النظام هو النظام الأحسن.

وقد استند الغزالي في بعض كتبه إلى برهان اللمّ وأوصاف مثل: «المبدئية» و«العالمية» و«الجود» و«القدرة»، ليثبت أنّ النظام الصادر عن الناظم هو الأحسن. واستحسن شيخ الإشراق أيضاً سلوك هذا الطريق.

لكن من يستند إلى برهان اللم لإثبات النظام أو كونه أحسن نظام، يكون قد عرف وجود المبدأ الأوّل قبل معرفة النظام نفسه، فمعرفته بالنظام جاءت عن طريق معرفته بذات الواجب وصفاته. وبالتالي لا يمكنه وضع هذه المعرفة السابقة بالذات والصفات في قياس تكون صغراه إثبات النظام.

وبالنسبة لمن ينكر المنهج العقلي في الفكر ويحصر المعرفة العلمية بما يمكن إدراكه بالحواس والتجربة والاختبار، فلا يمكنه اليقين بوجود النظام؛ لأنّ عقله سيظلّ يقبل احتمال أن يكون النظام المشاهد نتيجةً للصدفة.

باختصار، فإنّ برهاني الحركة والحدوث لا يحتاجان إلى تكملة مثل برهان النظام؛ لأنّ كبراهما واضحة بذاتها. أمّا برهان النظام، فيحتاج إلى استكمال وتدعيم ببراهين أخرى ليكون مقنعاً، كما أنّه يواجه إشكالات تتعلّق بمدى شمول النظام المشاهد، وإمكانية تفسيره بالصدفة عند البعض.

برهان النظم وحساب الاحتمالات

لقد حاول بعض المفكّرين الاستناد إلى حساب الاحتمالات لإثبات وجود نظام في الكون، أو بمعنى آخر، لإثبات المقدّمة الصغرى في قياس برهان النظم. وبعد الإقرار بوجود النظام، سعوا لإثبات المقدّمة الكبرى وهي أنّ هذا النظام ليس صدفة أو مجرّد اتفاق عشوائي.

وتتلخّص حجّتهم في أنّ احتمال حدوث النظام عن طريق الصدفة يكاد يقترب من الصفر، وبالتالي لابدّ من افتراض وجود ناظم هو السبب الفاعل لهذا النظام[٦]. لكنّ هذا الاستدلال يواجه ثلاثة إشكالات رئيسية:

  1. على الرغم من أنّ حساب الاحتمالات يقلّل احتمال الصدفة إلى ما يقرب من الصفر، إلّا أنّه لا يصل أبداً إلى الصفر تماماً. وبالتالي، لا يمكن استبعاد هذا الاحتمال نهائيّاً. لذا، فإنّ هذا الحساب قد يفيد في الوصول إلى الاطمئنان أو اليقين العرفي، لكنّه لا يكفي لتوليد اليقين العلمي القاطع.
  2. إذا لم يتمّ إثبات وجود مدبّر حكيم بطريقة عقلية قطعية، ومع افتراض إمكانية تحقّق الهيئة الحالية للكون صدفةً، فلن يكون هناك فرق بين احتمال تحقّق النظام الحالي أو النظام الأمثل، وبين احتمال أيّ حالة ممكنة أخرى، بما فيها أقبح أشكال الاجتماع العشوائي للعناصر. وبناءاً على ذلك، عند مقارنة الاحتمالات المختلفة، لن يكون هناك مرجّح لأيّ احتمال على الآخر. والفرق يظهر فقط عندما نضع كلّ الاحتمالات جنباً إلى جنب ونقارن بينها. ففي هذه الحالة، كلّما اقترب احتمال النظام الأمثل من الصفر، ارتفعت بقية الاحتمالات. لكنّ المهمّ هنا هو أنّ الواقع الخارجي هو أحد هذه الاحتمالات، وما يجمع بعض الاحتمالات أو كلّها هو مجرّد اعتبار ذهني. بمعنى آخر، ما يتحقّق في الواقع هو أحد الاحتمالات، وهذا الاحتمال المتحقّق - أيّاً كان - يتساوى في الاحتمالية مع النظام الحالي أو النظام الأمثل.
  3. حساب الاحتمالات بهذا الشكل لا ينظر للخصائص الحقيقية والواقعية للظاهرة التي يُدَّعى وجود نظام فيها، حتّى لو كان ذلك في عيّنة محدودة من الكون. بل هو من الاعتبارات الذهنية والعملية للإنسان. وإذا كان له علاقة بالواقع، فهو يعبّر عن مقدار التوقّع عند الإنسان، ولا يكشف عن الواقع الخارجي الحقيقي.وإنّما مفيد لتنظيم العقل العملي والسلوك الفردي والاجتماعي. لذلك نجده يُستخدم كثيراً في العلوم والمجالات التي لا تهتمّ بالكشف عن الحقيقة بقدر اهتمامها بالنتائج العملية. أمّا في المسائل الفلسفية والدينية، حيث يكون هدف المفكّر والفيلسوف الوصول للحقيقة واليقين، فإنّ الاعتماد على هذه الأداة الرياضية لن يكون مجدياً، بل قد يكون مضلّلاً.

الخلاصة هي أنّه لا يمكن إثبات المقدّمة الصغرى لبرهان النظم بالاعتماد على المعطيات الحسية والاستقراء لإثبات وجود نظام في الكون ككلّ. وحتّى لو افترضنا أنّنا أثبتنا وجود نظام وانسجام بين عناصر الكون، فلا يمكن الاستدلال على وجود ناظم عن طريق حساب الاحتمالات؛ لأنّ احتمال الصدفة يبقى قائماً ولا ينعدم تماماً. نعم، بالاستناد لقانون العلية والمعلولية ونفي الصدفة، يمكن الوصول لناظم من حيث إنّ النظام، حركة أو حدوث أو إمكان[٧].

القيمة الجدلية لبرهان النظم ووروده في القرآن الكريم

على الرغم من أنّ نفي القيمة البرهانية لقياس النظام لا ينفي قيمته الجدلية، فإنّه يمكن الاستفادة منه في إقناع الخصم الذي يقرّ بوجود نظام في الكون ويؤمن بوجود الله الواحد وقدرته الخالقة، ويعتقد بالتوحيد في ذاته تعالى. ففي الحوار مع مثل هؤلاء، يمكن استخدام قياس النظم لإثبات التوحيد في الربوبية والعبادة.

ولهذا السبب، نجد أنّ القرآن الكريم استخدم برهان النظم في حواره مع المشركين من عبدة الأوثان في الجزيرة العربية، والذين كانوا يشكلون الأغلبية في البيئة التي ظهر فيها الإسلام في بداياته.

ففي صدر الإسلام، كان المشركون يشكّلون تحدّيّاً اجتماعيّاً أمام الدعوة الإسلامية، إذ كانوا على الرغم من كفرهم، يؤمنون بالله الواحد، لكنّهم كانوا يعبدون الأصنام باعتبارها أرباباً للأنواع أو شفعاء ووسائط بينهم وبين الله تعالى. وكانوا يعتقدون أنّ لهذه الأصنام دوراً في الربوبية وتدبير شؤون الكون، ولذلك كانوا يقدّمون لها القرابين طلباً لتحقيق آمالهم وأمانيّهم.

وإلى جانب المشركين، كانت هناك مجموعات من أهل الكتاب تعيش في ذلك المحيط، معظمهم من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، يليهم المسيحيون الذين كانوا منتشرين في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة خاصّة في جنوبها. كما يذكر القرآن الكريم مجموعة أخرى كانت تعتقد أنّ الدهر وحده هو المؤثّر في الوجود وفي حياتهم وموتهم.

وبعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، تغيّرت الأوضاع الاجتماعية والثقافية، وانتقل النقاش - كما يظهر من الحوارات التي خاضها أئمة أهل البيت (ع) - إلى البحث في أصل التوحيد، بعد ظهور جماعات تنكر ذات الله تعالى ولا تكتفي بإنكار ربوبيّته.

والقرآن الكريم بصفته كتاب هداية شاملة، يحتوي على مضامين تنفع الناس على اختلاف توجّهاتهم الفكرية. ففي بعض السور والآيات، كما في سورة الإخلاص (التوحيد) والآيات الأولى من سورة الحديد، نجده يشبع الحاجة الروحية والفكرية لأهل المعرفة. وفي آيات أخرى، يعرض شبهات المنكرين للمبدأ والمعاد ويردّ عليها. كما يعالج في آيات ثالثة الشبهات المتعلّقة بتوحيد الربوبية أو العبادة، وذلك كلّه وفق قاعدة: «الجدال بالتي هي أحسن».

وقد سلك الأنبياء عبر التاريخ هذا الأسلوب في خطابهم للناس، وطبّقوا قاعدة: «إنا نخاطب الناس على قدر عقولهم»[٨].، فخاطبوا كلّ الأقوام والأمم التي بُعثوا فيها وجادلوهم بالتي هي أحسن وبما يتناسب مع خلفيّاتهم الفكرية. ويخاطب الله تعالى نبيّه محمداً (ص) قائلاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[٩]. وقد أدّى النبي (ص) واجبه في هذا المجال على أكمل وجه ولم يدّخر جهداً في ذلك. وقد ورد في الروايات عن الأئمة (ع) أنّهم كانوا يستخدمون أساليب مختلفة في الجدال والحوار، منها البرهان والخطابة والموعظة، حسب ما يقتضيه الموقف. ومن الأمثلة على ذلك:

  • ما طرحه الديصاني على هشام ـ أحد أصحاب الإمام الصادق (ع) ـ حيث سأله عن إمكانية إدخال الأرض في بيضة مع بقاء حجم كلّ منهما كما هو. فأجابه الإمام (ع): «إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا يُصَغِّرُ الدُّنْيَا وَ لَا يُكَبِّرُ الْبَيْضَةَ»[١٠].
  • وفي موقف آخر، سُئل الإمام (ع) عن نفس السؤال، فأجاب (ع): «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُنْسَبُ إِلَى الْعَجْزِ، وَالَّذِي سَأَلْتَنِي لَا يَكُونُ»[١١]. فالجواب الأوّل كان جدليّاً لإسكات الخصم، بينما الثاني يمكن استنباط تحليل فلسفي منه، وهو أنّ المسألة المطروحة خارجة عن دائرة المقدورات الإلهية، وليست دليلاً على عجز الله.

كما استخدم القرآن الكريم برهان النظم في الاحتجاج على المشركين الذين يؤمنون بأنّ الله خالق السماوات والأرض حيث قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ[١٢]، وقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ[١٣]، فجادلهم القرآن بالتي هي أحسن، مستفيداً من فكرة خالقيّة الله تعالى.

وللتوحيد مراتب متدرّجة:

  1. التوحيد الذاتي (وجوب الوجود).
  2. التوحيد في الخالقية.
  3. التوحيد في الربوبية (التدبير والنظم).
  4. التوحيد في العبادة.

فالمرتبة الأعلى تقوّم وتبرّر المرتبة الأدنى. ويمكن إثبات الربوبية والنظم الإلهي عن طريق الخالقية بتقريرين:

  • التقرير الأوّل: أنّ النظم والانسجام في الكون مخلوق لله، وبالتالي فالله وحده هو الناظم، ولا دور للآلهة المزعومة في ذلك.
  • التقرير الثاني: أنّ هناك ملازمة بين الخالقية والنظم، فالخالق يعلم بما خلق، وغيره لا يعلم، ولو فرض أنّ غير الله أراد التدبير فهذا يكون بأمر الله، فيرجع النظم النهائي لله وحده، وهو المستحقّ للعبادة دون سواه.

والخلاصة أنّه يمكن إقامة البرهان على الربوبية والجدال حولها بالطريقة الحسنة، مع من يؤمن بوجود النظام والتدبير في الكون ويؤمن بالخالقية[١٤].

برهان النظم وإشكالية الشرور

برهان النظم هو من البراهين المهمّة في الفلسفة والتي تحاول إثبات وجود الله تعالى من خلال النظام والغاية الموجودة في الكون. وهذا البرهان يبقى صحيحاً ومتيناً حتّى لو واجه إشكالية وجود الشرور في العالم، وذلك للأسباب التالية:

  • جوهر برهان النظم يقوم على توفّر الفعل على غاية أو على العلاقة المنظمّة بين الأفعال، ولا يشترط أن تكون هذه الغاية أو العلاقة خيراً محضاً. فوجود الشر لا يتنافى مع وجود النظام والغاية.
  • الشر يمكن أن يكون جزءاً من النظام العامّ ووسيلة لتحقيق غاية مّا. فمثلاً، السمّ في جسم الحيوان يتكوّن عبر عملية منظمّة من تفاعلات كيميائية معقّدة، ولا يتشكّل بشكل عشوائي. فهو جزء من النظام البيولوجي رغم كونه شرّاً.
  • المشكلة في برهان النظم تكمن لو ثبت وجود خلل بين الفعل وغايته، أو لو تعذّر إسناد النظام لله تعالى. أمّا مجرّد وجود الشر فلا يخلّ بصحّة البرهان.
  • يبدو أنّ من يستشكلون على برهان النظم بوجود الشرور لم يفهموا حدود هذا البرهان ودوره بشكل واضح. فالبرهان لا يهدف لتبرير الشر أو نفيه، وإنّما لإثبات أنّ للكون غاية ونظاماً يدلّان على وجود منظّم حكيم.
  • مسألة وجود الشر وكيفية تبريره ضمن نظام الخلق تحتاج لأدلة وبراهين مستقلة، لا علاقة لها ببرهان النظم. ويجب طرح هذه الأجوبة والبراهين لتكتمل الصورة، دون أن تؤثر على متانة برهان النظم وسلامته.

وبهذا يتّضح أنّ برهان النظم يبقى صامداً أمام إشكالية وجود الشر في العالم، طالما أنّ غايته إثبات وجود الخالق من خلال النظام والغاية في الخلق. أمّا تبرير الشر فهو بحث آخر له أدلّته الخاصّة التي لا تتعارض مع قوّة برهان النظم وأهميّته[١٥].

تمهيد

معنى النظام: «النظام» هو الائتلاف بين الأشياء لأداء مهمّة معيّنة. ويقابل هذا المعنى «الفوضى».

مثال ذلك:[١٦].

  1. الكلمات: التي تشاهدها على هذه الصفحة رُتّبت لتفهم منها مقاصد معيّنة، فلهذا يقال حول هذه الكلمات: إنّها «منظّمة». ولو كانت هذه الكلمات منثورة نثراً عشوائياً، لما حصل منها المقصود المطلوب، ولقيل عنها: إنّها «غير منظّمة».
  2. مواد البناء: إذا رتّبها بانيها على هيئة دار للسكنى، فسيُقال عنها: إنّها «منظّمة». ولكن هذه المواد لو كُدّست دون ترتيب معيّن فإنّها ستفقد قابليتها للسكنى، وسيقال عنها في هذه الحالة: إنّها «غير منظّمة».
  3. رتّب مخترع جهاز المذياع أدوات هذا الجهاز. لسحب ذبذبات الأصوات التي ترسلها محطّات الإذاعة، فيقال لهذه الأدوات: إنّها «منظّمة». ولكن هذه الأدوات لو جُمعت وجعلت في صندوق من غير تنسيق فإنّها ستفقد القدرة على سحب ما يذاع من المحطّات، فسيُقال عنها في هذه الحالة: بأنّها «غير منظّمة»[١٧].

تقرير دليل النظام

عندما يتأمّل الإنسان في السماوات والأرض وما بينها... فإنّه يرى بأنّها مخلوقة بأحسن نظم وأتقن تدبير..

فيحكم العقل بأنّه:

لابدّ لهذا النظام من منظّم حكيم، ولابدّ لهذا التدبير من مدبّر عليم. فيثبت بذلك وجود منظّم حكيم ومدبّر عليم لهذا العالم.

قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام): «وَالْعَجَبُ مِنْ مَخْلُوقٍ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَخْفَى عَلَى عِبَادِهِ وَ هُوَ يَرَى أَثَرَ الصُّنْعِ فِي نَفْسِهِ بِتَرْكِيبٍ يَبْهَرُ عَقْلَهُ وَ تَأْلِيفٍ يُبْطِلُ حُجَّتَه»[١٨].

تنبيه: غاية ما يثبته «دليل النظام» ضرورة وجود «منظّم» و«مدبّر» للعالم فقط، أعم من كونه هو الله تعالى أو غيره.

وتوجد في هذا الصعيد أدلة أخرى ـ سنبيّنها لاحقاً ـ تثبت وجود ووحدانية الله تعالى[١٩].

مناقشة رأي الماديين حول منشأ النظام[٢٠]

ذهب بعض الماديين إلى أنّ العالم وُجد نتيجة سلسلة من العلل المتتالية. ولكلّ شيء في هذا العالم علّة، ولهذه العلّة علّة إلى ما لا يتناهى من العلل. وهذا في نفسه يوجد النظام بصورة لا إرادية، ويشكّل في هذا العالم سلسلة مترابطة ومنظّمة.

بعبارة أخرى:

إنّ الناظم في العالم عبارة عن العلل المكوّنة لهذا العالم. وليس النظام شيئاً آخر وراء العلل الموجودة في العالم. بل النظام عبارة عن الترابط الموجود فيما بين هذه العلل الحاكمة على هذا العالم.

يرد عليه:

  1. التسلسل ـ كما سنبيّن ـ باطل، وإذا كان لكلّ علّة في العالم علّة أخرى، فلابدّ أن يصل الأمر إلى علّة قائمة بذاتها تشكّل الانطلاقة لهذه السلسلة.
  2. «العلل» التي لا تمتلك «الشعور» و«الإدراك»، تعمل بصورة عشوائية وغير متّجهة نحو هدف معيّن. ولهذا لابدّ من توجيه مركزي لهذه العلل، ولابدّ من وجود قوّة عُليا ذات شعور وإدراك تدبّر وتدير نظام الأسباب والمسبّبات، وتغرس في كلّ علّة ما يهديها إلى أهدافها المطلوبة.

مثال ذلك:

القوّة المحرّكة ليد الكاتب قادرة فقط على تحقّق الكتابة. ولكن الكتابة لا تكون مفهومة وذا هدف إلاّ أن يكون الكاتب صاحب شعور وإدراك بحيث يتمكّن من إيصال مقصوده إلى المخاطب عن طريق اختيار أفضل الكلمات[٢١].

الصدفة وحدوث العالم

معنى الصدفة: الصدفة تعني تحقّق أحداث منظّمة في العالم من دون أن يكون وراءها تخطيط أو محاسبة أو تنظيم.

تنبيه:

ليس المقصود من «الصدفة»: أن يوجد حدث بنفسه ومن دون علّة لوجوده. أو تتحقّق ظاهرة بذاتها ومن دون سبب خارجي لها. لأنّ هذا الأمر لم يقل به أحد، كما أنّه يتنافى مع «قانون العلّية».

وإنّما المقصود من «الصدفة»:

أن يوجد حدث منظّم من دون أن يكون وراءه جهة ذات شعور وإدراك تدير وتنظّم شؤونه[٢٢].

مناقشة رأي الماديين القائلين بالصدفة في نشوء العالم

أنكر بعض الماديين وجود التخطيط والتنظيم في نشوء العالم من قبل جهة ذات شعور وإدراك تدير وتنظّم شؤون هذا العالم. وقالوا بأنّ العالم لم يخلق على أساس من التنظيم المتقن والمسبق. وإنّما خُلِق نتيجة سلسلة من التفاعلات الطويلة والحركات المتتالية من دون أن يكون وراء هذه العلل أي تخطيط أو تنظيم.

يرد عليه:

  1. البحوث العلمية التي أجراها العلماء في مختلف مجالات العلوم أثبتت بأنّ الأشياء الموجودة في العالم خُلقت وفق نظام تهيمن عليه حسابات دقيقة مدهشة بحيث يكون من المستحيل للمادّة الصمّاء والعلل التي لا تمتلك الشعور والإدراك أن تكون سبباً لخلق هذا النظام.
  2. لا ينكر أحد وجود «الصدفة» في العالم; لأنّها موجودة بمفهوم نسبي لا مطلق، ولكن لا يخفى بأنّ «الصدفة» عمياء وغير مدركة وغير منظّمة ولا تخضع لأيّ حساب وقانون، ولهذا كلّما ازداد الشيء تعقيداً في نظامه ضعف احتمال الصدفة في حصول أثره. مثال: إذا مسك أحد الأطفال قلماً، وكتب حرفين على ورقة، فإنّنا يسعنا احتمال وقوع الصدفة في كتابة هذا الطفل لهذين الحرفين. ولكن إذا كتب هذا الطفل رسالة ذات معاني رائعة وجميلة، فإنّنا نجزم بأنّ الأمر لم يحدث صدفة، بل يثبت عندنا بأنّ هذا الطفل عارف بالقراءة والكتابة.
  3. لو سلّمنا بأنّ «الصدفة» لعبت دوراً هامّاً في خلق هذا العالم، فإنّنا لا نسلّم بأنّ الصدفة قادرة على خلق شيء من لا شيء، بل غاية ما تقوم به الصدفة عبارة عن إيجاد مخلوق جديد متكوّن من أشياء كانت موجودة قبله، ولهذا تعجز نظرية «الصدفة» عن بيان منشأ الذّرات الأوّلية المكوّنة للعالم.
  4. غاية ما تقوم به الصدفة عبارة عن «تأثير الأشياء بصورة لا شعورية على الأشياء الأخرى»، ولكنّنا عندما نتأمّل ونتدبّر في هذا العالم نرى وجود انسجام بين أحداثه وظواهره.

وهذا ما يثبت وجود مدبّر ومنظّم وراء مجموع العلل والمعاليل الموجودة في هذا العالم[٢٣].

برهان النظام من كتاب تبيين البراهين على إثبات وجود الله لـ عبد الله الجوادي الآملي

مفهوم النظم وأقسامه

لم يستفد حكماء المدارس الثلاث في الفلسفة الإسلاميّة (الإشراقيّة، والمشّائيّة، والحكمة المتعالية) من برهان النظم لإثبات وجود اللّه تعالى. وما ورد في عباراتهم من إشارة إلى مفهوم النظم ورد غالباً في سياق آخر غير سياق الاستدلال على أصل الوجود، وإنّما للاستدلال على بعض الصفات مثل: الوحدة، والحكمة. وعلى الرغم من الاعتقاد بالوحدة بين الذات والصفات، فإنّ التغاير المفهوميّ بين الطرفين يمنع من كون الاستدلال على أحد الأمرين ببرهان النظم استدلالاً على الطرف الآخر.

ويرجع عدم استدلال الحكماء المسلمين بالنظم على وجود اللّه إلى اعتقادهم بقصور هذا البرهان عن إثبات الذات. ونحن نعتقد أنّنا لو عرّفنا النظم وأوضحنا حدود البرهان المستند إليه، والنتائج التي يُراد الوصول إليها عن طريقه، وخاصّة في ما يرتبط بالمبادئ والأصول الموضوعة التي يرتكز إليها البرهان، وكذلك الحدّ الأوسط فيه، إذا راعينا هذا كلّه فسوف يكون البرهان منتجاً، وسوف يسلم من الانتقادات والإشكالات التي يمكن أن تُوجّه إليه.

النظم مفهومٌ ناظرٌ إلى حالة الانسجام والتناسق بين عناصر متعدّدة أو أجزاء لشيءٍ واحد.

ومفهوم النظم واضحُ المعنى يقابل في معناه الفوضى والهرج والمرج. والتناسق بين أمرين يكون دائماً بالقياس إلى غاية وهدف يترتّب عليهما، ومن هنا، يختلف برهان النظم عن برهاني الحركة والإمكان، من جهة أنّ هذين البرهانين يكفي فيها افتراض فردٍ ووجودٍ متحرِّك واحدٍ أو ممكن واحدٍ، أمّا برهان النظم فيتوقّف إنتاجه على وجود عناصر منسجمة يترتّب عليها غرضٌ واحد.

وينقسم النظم إلى صناعيّ وتكوينيّ، فالنظم الصناعيّ هو النظم الذي نلاحظه في رفوف مكتبة، أو أقسام مبنى، أو أجزاء ساعة أو جهاز راديو. والنظم غير الصناعيّ أو التكوينيّ هو النظم الحاكم على علاقة أجزاء بدن الإنسان فيما بينها.

ومحلّ البحث والاستناد في برهان النظم هو النظم غير الصناعيّ، وإن كان يُستفاد من النظم الصناعيّ على شاكلة قياس التمثيل، مثلاً عندما يشاهد الإنسان ساعة في جزيرة يكتشف وجود ناظم من النظم الحاكم على المشاهَد في الساعة. وبتشبيه النظم التكوينيّ بالنظم الصناعيّ يفيد النظم التكوينيّ وجود المنظّم المكوِّن.

والنظم تارة يُلحظ فيه النظم الداخليّ بين أجزاء قسمٍ من عالم التكوين، وطوراً يُلحظ فيه النظم الحاكم على عناصر العالم وأجزائه التي يتشكّل منها، وفي الحالتين تفيد نتيجة البرهان وجود منظّم، إمّا للكون وإمّا للقسم الذي لوحظ فيه النظم. ويمكن تقسيم النظم أيضاً بتقسيمات أخرى وفق أسس مختلفة، كما في حالة النظم المشهود بين الفعل والفاعل، وذلك أنّ سلسلة الحوادث مترابطة ومتشابهة بحيث تكشف عن وجود قوانين تحكم علاقة الأسباب بالمسبّبات أو الآثار بالمؤثّرات، فالنار مثلاً تولّد الحرارة على الدوام، وهذا النوع من النظم يُسمّى بالنظم العلِّيّ، وثمة حالات أخرى يُلحظ فيها النظم والانسجام بين أجزاء مركّب تترتّب عليه غاية محدّدة، ويُسمّى هذا النوع بالنظم الغائيّ، وفي حالات أخرى قد يلاحظ الانسجام من جهة ما ينتج عنه ويترتّب عليه من جمال. ولا يخفى أنّ هذه التقسيمات لا تستند إلى حصر عقليّ، وبالتالي يمكن العثور على غيرها بالتأمّل، كما لا مانع يمنع من التداخل بينها[٢٤].

برهان النظم في مدار النظام الفاعليّ والغائيّ

الانسجام بين الأفعال التي تصدر عن فاعل واحد، إذا رجعت إلى المسانخة بين الفعل والفاعل، فهي من الأحكام العامة للعلّيّة، وإذا اكتُشفت أو لوحظت، بشيء من التعمّق في التحليل، غاية محدّدة، سمّي النظم نظماً غائيّاً.

على الرغم من وجود العلّة المادّيّة والعلّة الصوريّة لقسم من الكائنات في هذا الوجود، فإنّ العلّة الفاعلة والغائيّة لا اختصاص لها بقطاع من الكائنات دون غيره، وهاتان العلّتان ضروريّتان لكلّ فعلٍ، وكما إنّ سلسلة العلل الفاعلّيّة يجب أن تنتهي إلى علّة أخيرة هي واجب الوجود، وذلك بالاستعانة باستحالة الدور والتسلسل، وبالاستعانة بالإمكان الفقريّ الذي تقدّم الكلام عليه. كذلك يجب أن تنتهي العلل الغائيّة إلى غاية أخيرة هي عين الواجب الذي يتّصف بالضرورة الأزليّة، وقد فصّل أرسطو في الألف الصغرى[٢٥]، وأبو علي فعل مثله[٢٦]، وفي ذينك الموضعين بيّن هذان الفيلسوفان أنّ العلّة الغائيّة هي التي تؤمّن فاعلّيّة الفاعل، وترجع العلّة الغائيّة إلى العلّة الفاعلّيّة؛ بل تكون رأس سلسلة العلل الفاعلّيّة.

وعلى ضوء ما تقدّم، وباستناد أصل المادّة والصورة إلى العلّتين الفاعلّيّة والغائيّة، ترجع جميع العلل إلى علّة واحدة هي الفاعل الحقيقيّ، وهذا الفاعل، على خلاف العلل المتوسطة التي ترجع إلى ذات الفاعل، لا يحتاج في فعله إلى الغير، وهو بذاته غايةٌ ولا غاية غيره تُعلّل بها أفعاله.

وبرهان النظم وفق البيان المتقدّم، إذا أُرجع إلى غاية موجودة في كلّ فعلٍ بالضرورة، لا بدّ أن تنتهي سلسلة الغايات والعلل الغائيّة إلى غاية هي بذاتها غايةٌ وهي عين ذات الفاعل. وعلى ضوء هذا، فإنّ برهان النظم يثبت وجود واجبٍ هو الأول والآخر، وهذا البرهان يحتاج تفصيله إلى شرح لا يتّسع له هذا الكتاب، والمتمسّكون ببرهان النظم ليسوا ناظرين إلى هذه الصورة من صور هذا البرهان[٢٧].

برهان النظم في مدار التناسق والانسجام بين العناصر المختلفة

أكثر ما يُلحظ في برهان النظم هو الانسجام المشهود بين الأفعال التي تصدر عن أجزاء مركّب لتحصيل غرضٍ واحدٍ مشهودٍ. وهذا الغرض لا يترتّب على فعل كلّ جزءٍ من الأجزاء على حدة، كما في مثال الساعة والنظم الصناعيّ الحاكم على أجزائها للوصول إلى غرض هو ضبط الوقت، وكما في تناسق الألوان والأشكال في لوحة بهدف تحقيق اللذّة والانشراح عند الناظرين إليها.

وقد يُعدّ تكرار فعلٍ من الأفعال المتشابهة من فواعل متشابهة صغرى من صغريات النظم التي يُستند إليها في هذا البرهان. بينما لا يرى أصحاب هذه النظرة أنّ انسجام الفعل مع الفاعل في النظام العليّ للعالم من الخواصّ الذاتيّة للعلّة أو كونه ناشئاً عن ضرورة الغاية في كلّ فعلٍ، والحال أنّ الجذر الأساس لهذا الانسجام والنظم هو الضرورة العلّيّة والمعلوليّة التي بيّنّاها.

والنظم الناظر إلى الانسجام الداخليّ بين عناصر نظام محدود، أو الانسجام بين عناصر الوجود في مجموع الوجود كلّه، يختلف عن النظم الذي ينتج عن المسانخة بين الفعل والفاعل في سلسلة العلل الفاعلّيّة، أو العلاقة الضروريّة لكلّ فعل بغاية، خاصّة بذلك الفعل في سلسلة العلل الغائيّة.

والبرهان الذي يُستفاد فيه من الانسجام والنظم بين أجزاء مركّب بعينه، على فرض تماميّته لا يثبت ولا يوصل إلى غاية بالذات هي الفاعل الأوّل، وما يثبته هو فقط وجود علّة تقف وراء هذا النظم الخاصّ وتثبت وعيه بهذا النظم وعلمه به، وقد يكون هذا الفاعل الناظم أمراً ممكناً، أو حادثاً، أو متحرّكاً، بل حتّى لو اعتُمد على النظام الموجود في العالم بأسره، فقد يكون فاعله موجوداً مجرداً عالماً قادراً، من خارج هذا المجموع الذي شوهد النظم فيه، وليس بالضرورة أن يكون واجباً. ولتتميم البرهان واستنتاج وجود الواجب منه لا بدّ من الاستعانة ببرهان الإمكان.

وقد استنتج حكماء المدرسة المشّائيّة من مشاهدة الأفعال المتكثّرة والمنسجمة في النباتات والحيوانات، ومن عدم استناد هذا الانسجام إلى العناصر المادّيّة للنبات أو الحيوان، وجودَ النفس النباتيّة والحيوانيّة. واستند شيخ الإشراق إلى الانسجام الكاشف عن العلم والتدبير لإثبات ما أسماه بأرباب الأنواع[٢٨].

وإذا كان اكتشاف الغرض والغاية المترتّبة على تصرّفات مختلفة أمرٌ يتوقّف أو يؤدّي إلى ولادة علوم تجريبيّة متنوعة، فإنّ النظم نفسه يكشف عن وجود العلم والمعرفة في صلب هذه التصرّفات المتنوّعة. وعلى هذا، يتبيّن أنّ النظم يكشف عن صفة العلم والمعرفة عند المبدأ أو المبادئ التي كان لها دور في ظهور الأشياء المنسجمة والهادفة.

وبرهان النظم بأيّ صورة وأيّ صياغة قدِّم، ومهما كانت النتيجة المترتّبة عليه، لا بدّ من أن يستند إلى مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: مطلبٌ تجريبيّ تعرض فيه الأفعال التي يلاحظ فيها النظم، سواء أكان هذا النظم في العالم ككلّ أو في قطاع أو منظومة جزئيّة منه.

وفي كيفيّة استنتاج النظم واكتشافه بواسطة الملاحظة والتجربة، وخاصّة مع الالتفات إلى الغاية المترتّبة على تناسق الأجزاء والكشف عن كيفيّة إيصالها إلى الغاية والهدف المرجوّ منها، هذه التفاصيل ينبغي أن تُعالج في موضعها الخاصّ بها.

المقدمة الثانية: هي قضيّة «كلّ نظم يحتاج إلى ناظم»، وهذه القضيّة وهي كبرى القياس في برهان النظم، ولا تنتج ولا توصل إلى النتيجة دون الاستناد إلى قياس الحركة أو الحدوث أو الإمكان. كأن يُقال إنّ النظم حادث أو واقعة ممكنة وكلّ حادث أو ممكنٍ يحتاج إلى محدِثٍ أو مبدأ واجبٍ، وهذا ينتج أنّ النظم يحتاج إلى مبدأ واجب أو محدِثٍ. ولمّا كان النظم صادراً عن المبدأ أو المحدِث فإنّ اسم الناظم يصدق عليهما. وعلى ضوء هذا العرض يتبيّن أنّ برهان النظم في أيّ دائرة أريد الاستفادة منه، لا يمكن عدّه برهاناً مستقلّاً؛ لأنّه لا يستغني عن التتميم والتكميل.

وبرهانا الحركة والحدوث لا يحتاجان إلى التكميل بالصورة التي يحتاج إليها برهان النظم؛ وذلك لأنّ الكبرى في برهان الحركة، هي: كلّ متحرِّكٍ يحتاج إلى محرِّكٍ غير متحرّك، وهذه الكبرى دليلها أنّ الحركة هي خروج الشيء تدريجاً من القوة إلى الفعل، والشيء الذي بالقوّة إذا انتقل إلى حالة الفعليّة دون فاعلٍ خارجيّ، فهذا يعني أنّه أكسب نفسه ما كان يفقده، وهذا جمع بين الوجدان والفقدان في شيء واحد، وهو التناقض بعينه. وكبرى القياس في برهاني الحدوث والإمكان هي: كلّ حادث محتاج إلى محدِثٍ قديم، أو كلّ ممكن محتاجٌ إلى واجبٍ ومستند هاتين الكبريين عند من يستند إليهما هي فكرة حاجة الحادث والممكن إلى العلّة.

ولمّا كانت سلسلة العلل الفاعليّة ليست سلسلة تعاقبيّة، بل تجتمع أجزاؤها في الوجود، فإنّها لا يمكن أن تكون غير متناهية، والنتيجة هي أنّ سلسلة الحوادث يجب أن تنتهي إلى مبدأ غير حادث، وسلسلة الممكنات لا بدّ من أن تنتهي وتختم بمبدأ واجبٍ. هذا وقد ذكرنا أنّ برهان الإمكان ينتج ويوصل إلى الواجب دون الاستعانة بفكرة استحالة التسلسل.

ولمّا كان النظم أمراً يتوقّف على العلم لأنّه ظاهرة عقلانيّة، فإنّ برهان النظم يثبت الناظم ويثبت صفة العلم في آنٍ معاً.

ومهما يكن من أمرٍ فإنّ برهان النظم يعاني قصوراً بالنظر إلى محدوديّة كبراه، فهو عاجزٌ عن إثبات الواجب دون الاستعانة ببراهين أخرى تجبر نقصه. وإنتاج القياس في برهان النظم، في الدائرة المذكورة له، يتوقّف على سلامة الصغرى أيضاً من الإشكال، بمعنى أن يكون وجود النظم بين أجزاء تعمل بتناسقٍ وانسجام أمراً مقبولاً ومذعناً به. وإذا كانت «العيّنة» المدّعى وجود ظاهرة النظم فيها جزئيّة مأخوذة، فإنّ البرهان يثبت وجود الناظم في حدود تلك العيّنة، وإذا كان ميدان النظم المدعى وجوده بين أجزاء العالم بأسره، أنتج البرهان وجود ناظمٍ للعالم بأسره، وفي هذه الحالة الأخيرة يمكن دعوى أنّ النظم هو النظم الأحسن.

وقد استند الغزاليّ في بعض كتبه إلى برهان اللمّ وعن طريق أوصاف مثل: المبدئيّة، والعالميّة، والجود، والقدرة لإثبات أنّ النظام الصادر عن الناظم هو النظام الأحسن. وقد استحسن شيخ الإشراق سلوك هذا الطريق لإثبات أنّ النظام الفعليّ هو النظام الأحسن.

هذا وإنّ من يستند إلى برهان اللم لإثبات النظم والانسجام، أو إثبات أنّ النظام الفعليّ هو الأحسن، يكون قد اكتشف وجود المبدأ قبل اكتشاف أصل النظام، ويكون علمه بالنظم قد حصل وتحقّق عن طريق العلم بذات الواجب وصفاته؛ وعليه فإنّ مثل هذا الشخص لا يمكنه جعل المعرفة بالذات أو الصفات التي هي دخيلة في معرفة النظم، لا يمكنه وضعها في قياس ا صغراه يُراد منها إثبات النظام.

ومن ينكر المنهج العقليّ في التفكير، ويحصر المعرفة العلميّة بالواقع بطريق الحواس والتجربة، ويرى أنّ القضيّة العلميّة هي القضيّة التي يمكن إخضاعها للاختبار والتجريب، مثل هذا الشخص لا يمكنه تحصيل اليقين بالنظام؛ وذلك لأنّ ذهنه يقبل على الدوام احتمال أن يكون هذا النظم المشهود نتيجة صدفة أفضت إليه[٢٩].

برهان النظم وحساب الاحتمالات

استند بعض الأشخاص إلى حساب الاحتمالات لإثبات النظم في العالم، أي لتحصيل صغرى قياس البرهان، أو بعد الإقرار بوجود النظم عمد لإثبات الكبرى وأنّ النظم ليس نظماً تصادفيّاً واتفاقيّاً.

وصورة استدلاله هو أنّ احتمال وقوع النظام عن طريق الصدفة يصل إلى درجةٍ قريبة من الصفر، وبالتالي لابدّ من افتراض وجود ناظمٍ هو العلّة الفاعلة له [٣٠]؛ لكنّ هذا التمسّك مخدوش بالأدلّة الثلاث الآتية:

أوّلاً: إنّ حساب الاحتمالات على الرغم من أنّه يقلّل من احتمال الصدفة إلى درجة قريبة من الصفر؛ ولكنّه لا يوصلها أبداً إلى درجة الصفر، وبالتالي لا يمكن إلغاء هذا الاحتمال. ومن هنا، فإنّ هذا الحساب مفيد للوصول إلى الاطمئنان أو اليقين العرفيّ، ولا ينفع في توليد اليقين العلميّ.
ثانياً: إذا لم يثبت بطريقة عقليّة قطعيّة وجود مدبِّر حكيم، ومع احتمال تحقّق الهيئة الموجودة صدفةً، فإنّه لا يبقى فرق بين احتمال تحقّق النظام الموجود أو النظام الأحسن، واحتمال أيّ من الحالات الممكنة أو المتصوّرة، ومنها حالة تحقّق أقبح أشكال الاجتماع بين الأجزاء والعناصر المدروسة. وبناء على هذا، عند المقارنة بين الصور المحتملة ومقارنة بعضها ببعضها الآخر لن يبقى أي مرجّحٍ لصورة أو شكل منها على الآخر.
و التمايز يقع عندما تجتمع احتمالات وقوع صور إلى جانب بعضها، أو احتمال وقوع وتحقق النظام الموجود أو النظام الأحسن، وتوضع جميع الاحتمالات في صف واحدٍ، ويُقاس بعضها ويقارن ببعضها الآخر. وفي مثل هذه الحالة كلّما مال احتمال النظام الأحسن إلى الصفر، ارتفعت بقيّة الاحتمالات إلى درجةِ واحدٍ؛ لكن النقطة المهمّة هنا هي أنّ الواقع الخارجيّ هو واحد من الحالات المحتملة، والجامع بين بعض الحالات أو بين جميع الحالات المفترضة التي هي غير النظام الأحسن هو جامع ذهنيٌّ. وبعبارة أخرى: ما يتحقّق في الواقع هو أحد الأشكال المتصوّرة، وهذا الشكل المتحقّق كائناً ما كان يتساوى في الاحتمال مع النظام الموجود أو النظام الأحسن.
ثالثاً: إنّ حساب الاحتمالات بالشرح المتقدّم ليس ناظراً إلى الأوصاف الحقيقيّة والواقعيّة للظاهرة التي يُدّعى النظام فيها، حتى عندما يكون ذلك في عيّنة محدّدة من العالم؛ بل هو من الاعتبارات الذهنيّة والعمليّة للإنسان، وإذا كانت له حكاية ما عن الواقع، فإنّه يحكي عن مقدار التوقبع الموجود عند الإنسان، ولا يكشف عن الواقع الحقيقيّ الخارجيّ.

حساب الاحتمالات مفيد لتنظيم العقل العمليّ وتنظيم السلوك الفرديّ والاجتماعيّ. ومن هنا، نجده يُستخدم بكثرة في العلوم والمجالات التي لا تهتمّ كثيراً بكشف الحقيقة والواقع، والاستفادة من حساب الاحتمالات في مثل هذه العلوم رائج ومطلوب ولازم؛ أمّا في المسائل الفلسفيّة والإلهيّة حيث يكون هدف المفكّر والفيلسوف كشف الحقيقة، وحيث لا يرضى بما هو أقلّ من اليقين، فسوف تكون الاستفادة من هذه الوسيلة الرياضية غير مجدية، بل خاطئة.

والحاصل أنّه لا يمكن إث صغرى برهان النظم بالاعتماد على المعطيات الحسّيّة والاستقراء، لإثبات وجود النظم في العالم ككلّ، وإذا افترضنا أنّنا استطعنا إثبات وجود النظام والانسجام بين عناصر العالم، فإنّه لا يمكن استنتاج وجود الناظم بواسطة حساب الاحتمالات؛ وذلك لأنّ احتمال الصدفة يبقى وارداً ولا يصل إلى درجة الصفر. نعم، بالاستناد إلى قانون العلّيّة والمعلوليّة ونفي الصدفة يمكن الوصول إلى الناظم من حيث إنّ النظام حركة أو حدوث أو إمكان[٣١].

القيمة الجدليّة لبرهان النظم ووروده في القرآن الكريم

إنّ نفي القيمة البرهانيّة لقياس النظام لا يعني نفي القيمة الجدليّة التي يمكن أن تترتّب عليه. ومن هنا يمكن الاستفادة من هذا البرهان لإقناع الخصم الذي يقرّ بوجود النظام في العالم، ويؤمن بذات الواجب وخالقيّته ويعتقد بالتوحيد الذاتيّ؛ ففي الحوار مع مثل هؤلاء يمكن الاستفادة من قياس النظم لإثبات التوحيد الربوبيّ وبناء التوحيد في العبادة عليه. وعلى هذا الأساس نلاحظ ورود برهان النظم في القرآن الكريم في الحجاج مع المشركين من وثنيّي الحجاز، حيث كانوا يشكّلون السواد الأعظم من أهل البيئة التي ظهر فيها الإسلام.

ففي صدر الإسلام كان المشركون يشكّلون جبهة اجتماعيّة في مقابل الإسلام، حيث كانوا على الرغم من كفرهم، يؤمنون بالله الواحد، ويعبدون الأصنام بوصفها أرباب الأنواع أو بوصفها شفيعة وواسطة بينهم وبين اللّه تعالى. ويعتقدون بأن لها دوراً في الربوبيّة والتدبير وإدارة شؤون العالم، ولأجل هذا كانوا يقدّمون لها القرابين، للوصول إلى آمالهم وتحقيق أمنياتهم.

وإلى جانب المشركين كانت تعيش في تلك البيئة جماعات من أهل الكتاب، أكثر هم من اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، ويأتي بعدهم في الدرجة الثانية المسيحيّون الذي كانوا يقطنون في نواحي عدّة من شبه الجزيرة، وخاصّة في جنوبها. وإلى جانب هؤلاء يذكر القرآن الكريم جماعة أخرى ينسب إليهم الاعتقاد بأنّ المؤثر في الوجود وفي حياتهم وموتهم هو الدهر.

هذا، وقد تغيرت الأوضاع الاجتماعيّة والثقافيّة بعد انتشار الإسلام في شبه الجزيرة، وتحوّل النقاش حسب ما يظهر من الحوارات التي خاضها أئمّة أهل البيت (ع) إلى النقاش في أصل التوحيد إثر ظهور جماعات تنكر ذات الواجب ولا تكتفي بإنكار ربوبيّته.

والقرآن الكريم بوصفه كتاب هداية شاملة يحتوي على مضامين تنفع الناس على اختلاف توجّهاتهم الفكريّة، ففي بعض السور أو الآيات، كما في سورة التوحيد والآيات الأولى من سورة الحديد، نلاحظ إشباع الحاجة الروحية والفكرية لأهل المعرفة. وفي بعض الآيات تُعرض شبهات المنكرين للمبدأ والمعاد، ويُردّ عليها، وفي آيات أخرى تعالج الشبهات التي تدور حول التوحيد الربوبيّ أو العباديّ، وذلك كلّ وفق قاعدة الجدال بالتي هي أحسن.

وقد اعتمد الأنبياء أيضاً عبر التاريخ هذا الأسلوب في تواصلهم مع الناس، وطبّقوا قاعدة « إنّا نخاطب الناس على قدر عقولهم»[٣٢]، وتكلّموا مع كلّ الأقوام والأمم التي بعثوا فيها وجادلوهم بالتي هي أحسن وبما يتناسب مع الخلفيّة الفكريّة التي ينطلقون منها. ويخاطب اللّه نبيّه (ص)، فيقول له: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[٣٣][٣٤] وقد أدّى النبي واجبه في هذا المجال على النحو الأكمل ولم يأل جهداً في هذا المجال.

وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في جدال النبي (ص) أنّ الله هو من أمره بالاحتجاج والجدال بالتي هي أحسن، ولا يمكن أن يخالف صلى الله عليه وآله وسلم أمر اللّه لا في ترك الجدال، ولا في الجدال بغير التي هي أحسن . وقد اعتمد الأئمة (ع) البرهان في بعض الحالات والموعظة والجدال بالتي هي أحسن في حالات أخرى حسب ما يقتضي الحال. ونجد في التراث المنقول عنهم (ع) أنّهم في القضية الواحدة كانوا يجادلون مرّةً بالبرهان، وأخرى بالخطابة.

ومن ذلك ما طرحه الديصانيّ على هشام وهو أحد الإمام الصادق (ع) حيث سأله: عن إدخال اللّه الأرض في بيضة على أن تبقى البيضة على حجمها والأرض على حجمها؟ فقصد هشام الإمام الصادق (ع) واستفتاه في إشكال الديصانيّ فأمره الإمام بأن ينظر إلى ما حوله، ثمّ سأله ماذا رأى؟ فعدّ له جبالاً وبيوتاً... فقال له الإمام (ع): «إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا يُصَغِّرُ الدُّنْيَا وَ لَا يُكَبِّرُ الْبَيْضَةَ»[٣٥].

هذا ولكنّه في مورد آخر يقول السائل آخر: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَا يُنْسَبُ إِلَى الْعَجْزِ وَ الَّذِي سَأَلْتَنِي لَا يَكُونُ»[٣٦]. والجواب الأوّل جدليّ يُراد منه إسكات الخصم، بينما الجواب الثاني يمكن استنباط تحليل فلسفيّ منه، وحاصل هذا التحليل أنّ المورد المذكور خارجٌ تخصصاً من دائرة المقدورات، وليس خروجه دليلاً ولا ناتجاً عن العجز الإلهيّ.

وفي القرآن موارد من الاحتجاج ببرهان النظم في مقابل المشركين الذين أخبر اللّه تعالى عن عقيدتهم بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[٣٧]، وقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ[٣٨]، وقد احتجّ القرآن الكريم على هؤلاء الذي يؤمنون بتوحيد الخالق، ويؤمنون بوقوع أصل التدبير في المخلوقات؛ ولكنّهم يولُون شيئاً من دور التدبير لأرباب الأنواع على نحو الوساطة بين اللّه والمخلوقات، وجادلهم بالتي هي أحسن، واستفيد في هذا الجدال من فكرة خالقيّة اللّه تعالى شأنه.

للتوحيد في السير النزوليّ مراتب عدّة، المرتبة الأعلى منها قيّمة على المرتبة الأدنى؛ أي إنّ توحيد الذات مقوّم للتوحيد في الخالقية، والتوحيد في الخالقيّة مفيد في توحيد الربوبيّة، وهذه المرتبة الأخيرة مبنىً وأساس للتوحيد العبادي. وإذا عكسنا المسار صعوداً يتحوّل التوحيد العبادي بحيث يبرره التوحيد في الربوبيّة، وتوضيحه أنّ الربّ هو المدبر للعالم بجميع ما فيه من كائنات، وهذا يبرّر ويقتضي حصر العبادة به تعالى وحده، والدليل على الربوبية وكونه تعالى هو الناظم لأمور العالم الخالقية، والخالقية تفضي إلى التوحيد الذاتيّ ووجوب الوجود؛ لأنّه وحده الغنيّ وجميع المخلوقات محتاجة إليه.

وإثبات الربوبية وإسناد النظم إليه تعالى عن طريق الخالقيّة يمكن أن يُصاغ ويُقرر بطريقتين:

التقرير الأوّل: النظم هو الانسجام والتناسق بين الموجودات، وهو حاصل من ربطها وارتباطها بغرض واحد، وهذا الربط حاله حال سائر الموجودات الإمكانيّة مخلوق، واللّه هو الخالق لجميع المخلوقات؛ إذاً الله تعالى هو خالق الربط وموجد النظم في المخلوقات، وهذا يعني أنّ اللّه وحده هو الناظم، والأرباب المتفرّقون والشفعاء الذين كان المشركون يدّعونهم، لا يمكن نسبة النظم إليهم بأي شكل ولا أيّ صورة؛ لأنّه لا نصيب لهم في الخلق، ولا قدرة لهم على الضرّ والنفع، ولا دور لهم في الربوبيّة، وبالتالي ينبغي أن لا يُعبدوا ليكونوا شركاء في إيصال العباد إلى مقاصدهم.
التقرير الثاني: يستند التقرير الثاني إلى الملازمة بين الخالقيّة والناظميّة والتدبير. وتوضيح ذلك أنّ الخالق مطّلع وخبير بما خلق: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ)، وغير الخالق لا علم له ولا معرفة بالمخلوقات، ولا يمكنه تحقيق النظم فيها. ولو فرض أنّ غير الخالق أراد التعرّف إلى المخلوقات، فإنّ معرفته هي نتيجة من نتائج خلقة الخالق الواحد. وفي هذه الحالة، هذا الواسط أو الوسيط المخلوق للّه في ذاته ومعرفته، لو أوكل إليه التدبير فإنّ ذلك سوف يكون بأمر اللّه تعالى، وبالتالي سوف يرجع التدبير والنظم النهائي إلى اللّه وحده، وعلى ضوء هذا اللّه وحده هو الجدير بالعبادة.

والحاصل أنّه كما يمكن إقامة البرهان اللمّيّ على كون اللّه هو الناظم وعلى كون النظام الموجود هو النظام الأحسن، بواسطة الأسماء والصفات الإلهيّة، كذلك يمكن إقامة البرهان على الربوبية والجدال حولها بالتي هي أحسن مع من يعتقد بوجود النظام والتدبير ويؤمن بالخالقيّة[٣٩].

برهان النظم وإشكاليّة الشرور

برهان النظم مصونٌ من إشكاليّة الشرور بجميع صيغه وتقريراته؛ وذلك لأنّ قوام النظم هو بتوفّر الفعل على غاية أو بالعلاقة التي تربط الأفعال في ما بينها. ولا تلازم بين الغاية الواحدة وتناسب الأفعال وبين الخير أو الشرّ.

فإذا كان النظم موجوداً، فلا مانع من أن يكون الشرّ على تقدير وجوده جزءاً من النظام، أو غاية يُراد من النظام الوصول إليها. فالسمّ في جوف الحيوان لا يتكوّن من أيّ طعام، ولا يمكن لأيّ غذاء أن يتحوّل إلى سمٍّ؛ بل يتوقّف هذا الأمر على حلقات ومراحل منظّمة، ويتحوّل الطعام إلى سمٍّ نتيجة تفاعلات كثيرة إذا اختلّ شيء منها فسد السمّ وفقد سمِّيَّته.

وبرهان النظم يختلّ لو تبيّن خلل في العلاقة بين الفعل أو الأفعال وغايتها، أو لو لم يمكن إسناد النظام إلى غاية بالذات هي الواجب تعالى. والغرض من هذه الإشارة هي أنّ الشرور على فرض وجودها ومهما كان حجمها وعددها، فإنّها لا تخلّ بالنظام ولا تؤدّي إلى الإخلال بالبرهان.

ويبدو لنا أنّ الذي يستشكلون على برهان النظام بالشرور، لم يتعرّفوا بوضوح إلى حدود البرهان، ولم يدركوا ما هو المتوقّع منه عند من يستدلّ به[٤٠].

وجود الشر وعدم وجوده في العالم، وكيفيّة تبريره في إطار النظام الأحسن، من المسائل التي تستدعي وتتطلب براهين وأدلّة خاصّة، وينبغي لهذه البراهين والأجوبة أن تطرح كي يبقى برهان النظم حيّاً إلى جانبها[٤١].

المراجع والمصادر

  1. علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)
  2. عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله

الهوامش

  1. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ١٨٥ و١٨٦.
  2. انظر: أرسطو، الألف الصغرى: ۶٠.
  3. انظر: ابن سينا، الإلهيّات (الشفاء): ۲۸۳.
  4. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 187.
  5. انظر: الشيخ السهروردي، مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق ۱: ۴۵۵؛ الشيرازي، الأسفار ۲: ۵٣.
  6. انظر: ابن سينا، الإلهيّات (الشفاء): ۲۸۳.
  7. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 191 - 193.
  8. العلّامة المجلسي، بحار الأنوار ۲: ۶٩.
  9. سورة النحل، الآية 125.
  10. محمد بن علي، ابن بابويه (الصدوق)، التوحيد: ١٢٣.
  11. محمد بن علي، ابن بابويه (الصدوق)، التوحيد: ١٣٠.
  12. سورة لقمان، الآية 25.
  13. سورة يونس، الآية 18.
  14. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ١٩٣ ـ ١٩٦.
  15. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ١٩٧.
  16. انظر: محاضرات في العقيدة الإسلامية، أحمد البهادلي: 239 و240 (بتصرّف).
  17. انظر: علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام): 15.
  18. العلّامة المجلسي، بحار الأنوار 3: 152.
  19. انظر: علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (كتاب)|التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام): 16.
  20. انظر: التوحيد، مرتضى مطهري: 64 ـ 87 .
  21. انظر: علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ص16 - 17.
  22. انظر: علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (كتاب)|التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام): 17 و 18.
  23. انظر: علاء الحسون، التوحيد عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام): 18 و 19.
  24. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 185 - 186.
  25. انظر: أرسطو، الألف الصغرى: ۶٠.
  26. انظر: ابن سينا، الإلهيات (الشفاء): ۲۸۳.
  27. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 187.
  28. انظر: الشيخ السهروردي، مجموعه مصنّفات شيخ إشراق ۱: ۴۵۵؛ الشيرازي، الأسفار ۲: ۵٣.
  29. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 188 - 191.
  30. انظر: ابن سينا، الإلهيّات (الشفاء): ۵١.
  31. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 191 - 193.
  32. انظر: العلّامة المجلسي، بحار الأنوار ۲: ۶٩.
  33. سورة النحل، الآية 125.
  34. لم تتوفّر لنا النسخة التي أحيل إليها في المتن؛ ولكن توفّر لنا النصّ الآتي: وقال أبو محمد الحسن العسكري (ع): فقام إليه رجل آخر وقال: يا بن رسول اللّه، أفجَادَل رسول الله؟ فقال الصادق (ع): مهما ظننتَ برسول اللّه من شيء فلا تظنّن به مخالفة اللّه، أليس اللّه قد قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة النحل، الآية 125. و﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ سورة يس، الآية 79. لمن ضرب اللّه مثلاً، أفتظنّ أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خالف ما أمر اللّه به فلم يجادل بما أمره اللّه به ولم يخبر عن أمر اللّه بما أمره أن يخبر به. وهو الأقرب إلى المعنى المنقول في المتن الأصليّ. (انظر: الطبرسي، الاحتجاج، ج ۱، ص ٢۵).
  35. محمد بن علي، ابن بابويه (الصدوق)، التوحيد: ۱۲۲.
  36. محمد بن علي، ابن بابويه (الصدوق)، التوحيد: ۱۳۰.
  37. سورة لقمان، الآية 25.
  38. سورة يونس، الآية 18.
  39. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 193 - 196.
  40. انظر: ادواردز، براهين إثبات وجود الله في فلسفة الغرب: بحث مستدل من دايرة المعارف الفلسفية التابعة لـ ادواردز: ۸۷.
  41. انظر: عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: 197.