نقاش:الإمامة في القرآن

الإمامة

قد كان إبراهيم (ع) بالتأكيد من قبل نبياً ورسولاً حيث أن الله رزقه الإمامة بعد أن ابتلاه الله، فأتم إبراهيم الكلمات.. وقد كان إبراهيم (ع) خلال هذه الابتلاءات نّبياً ومرسلاً من جانب الله.

وقد سأل إبراهيم (ع) الإمامة لذريته.. وقد رزقه الله الذرية بعد الأياس وفي سني الكهولة، فالسؤال إذن كان في مراحل الشيخوخة من عمر إبراهيم (ع)، وكان إبراهيم في تلك الفترة نبياً ومرسلاً من جانب الله.. ولا يعقل أن يكون سؤال إبراهيم الإمامة لذريته قبل أن يرزقه الله الذرية.

وكان من أعظم هذه الكلمات وأشدهن إقدامه على ذبح ابنه إسماعيل (ع) ولا شك أن إبراهيم (ع) كان حينئذ نبياً، فلا يصح إذن أن نفسّر الإمامة بالنبوة والرسالة.. فقد منّ الله إذن على إبراهيم (ع) وحباه بالإمامة فقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً[١] بعد أن كان نبياً ورسولاً.

روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي عن الصادق (ع) قال: «إِنَّ اَللَّهَ اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً وَ اِتَّخَذَهُ نَبِيّاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ رَسُولاً وَ اِتَّخَذَهُ رَسُولاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَلِيلاً وَ إِنَّ اَللَّهَ اِتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ إِمَاماً فَلَمَّا جَمَعَ لَهُ اَلْأَشْيَاءَ وَ قَبَضَ يَدَهُ قَالَ لَهُ يَا إِبْرَاهِيمُ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً[٢] فَمِنْ عِظَمِهَا فِي عَيْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ يَا رَبِّ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٣]»[٤].

فلابد أن تكون الإمامة مرحلة فوق النبوة والرسالة.. وليس معنى ذلك إنّ رتبة الأنبياء والرسل (ع) دون مستوى الإمامة.. فإن كثيراً من الأنبياء كانوا أئمة، فكانوا رسلاً وأئمة في وقت واحد.

يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[٥].

ويقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا[٦].

فإذا كانت الإمامة شيئاً آخر غير النبوة والرسالة فما هي إذن الإمامة‌؟[٧]

وما هو الفرق بين الإمامة والنبوة والرسالة‌؟

النبوة أن يتحمل النبيّ الوحي، وأنباء الغيب من الله، فإذا أوحى الله إلى أحد من عباده كان نبياً.

والرسالة هي أن يتحمل الرسول مسؤولية التبليغ من جانب الله، فيسعى في التبليغ والتبشير والإنذار.

والإمامة هي مسؤولية الحكم والقيمومة والسيادة والهداية والولاية في حياة الناس فينهض الإمام في الأمة بمسؤوليتين:

  1. مسؤولية الهداية والدعوة إلى الله.
  2. ومسؤولية الحكم والقيمومة والولاية.

والإمامة في هاتين النقطتين هي امتداد لحاكمية الله تعالى وهدايته لعباده.

ونلقي نظرة الآن على كل من هاتين النقطتين.

أما الحاكمية فهي شيء آخر غير الحاكمية التي يألفها الناس فيما بينهم.

إنّ هذه الحاكمية لا تنبع من التسلط بالقوة والفتك، كما هو الأمر في الحاكمية في الأنظمة الفردية والدكتاتورية، وليست هي نابعة من حاكمية الإنسان على نفسه، كما هو الأمر في الحاكمية في الأنظمة الديمقراطية النابعة من العقد الاجتماعي والتي تكتسب الهيئة الحاكمة فيها سلطانها من إرادة الامة واختيارها وانتخابها وتمارس صلاحياتها وسلطانها من خلال آراء الأكثرية من الأمة وممثليها.

إنّ حاكمية الأمام - بالتأكيد - نوع جديد من الحاكمية لم تألفها البشرية في أنظمتها الوضعية.

إنّ معنى الحاكمية هنا إنّ الإمام (الحاكم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فيكون سلطان الإمام على المؤمنين قبل سلطان المؤمنين على أنفسهم وحاكماً على سلطان المؤمنين على أنفسهم.، ولبس نابعا منها كما في المذهب الديمقراطي.

فإن لكل إنسان سلطان على نفسه في حدود الشريعة، وله في حدود هذا السلطان فيما لا يتنافى مع حدود الله أن يتحرك ويتصرف باختياره ورغبته، إلاّ أن هذا السلطان محكوم بسلطان الولاية الإلهية[٨]. وهذا شيء آخر غير الجبر الذي يقول به الاشاعرة، وللكلام تفصيل ليس موضعه هنا.. وهذا هو السلطان التكويني لإرادة الله تعالى على إرادة العبد وبأزاء ذلك لإرادة الله تعالى سلطان تشريعي على إرادة العبد وهو المقصود في آية الأحزاب/ ٦.</ref> المتمثلة في ولاية الإمام وحاكميته على المؤمنين، فيكون حكم الإمام وأمره مقدماً على رغبة الإنسان وإرادته وولايته على نفسه وتتقدم على ولاية المؤمنين وسلطانهم على أنفسهم.

وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[٩].

وهذه (الولاية) فوق ولاية الإنسان على نفسه وسابقة عليها. وهي شيء آخر غير التكاليف الشرعية المحددة من قبل الله تعالى (الولاية التشريعية)، فإن تلك الولاية تخص رب العالمين فقط، وليس لها امتداد في الأنبياء وأوصيائهم.

ولا ولاية للإنسان المؤمن ولا سلطة له على نفسه في دائرة أحكام الله وحلاله وحرامه وحدود الله وأحكامه.. وهذه الأحكام إلزامية تشريعية تجري على عامة الناس، ولا يملك أحد تجاه حدود الله وأحكامه حرية أو اختياراً في التعامل مع نفسه.

وهذه هي الولاية التشريعية الأولى لرب العالمين على الإنسان في التشريع بعد ولايته وسلطانه التكويني على أرادة الإنسان ونفسه وقد تحدثنا عنها.

ولكن يبقى للإنسان حرية التصرف والتحرك والولاية على نفسه داخل دائرة (حدود الله) إذا لم يتجاوز حداً من حدود الله وفي دائرة الإباحة الشرعية.

إلاّ أنه في هذه الدائرة أيضا يخضع لقوامة الإمام وحاكميته فيما أمر به وينهى عنه تبعاً لما تتطلبه المصالح الإسلامية.

وهذه الولاية تأتي امتداداً لولاية الله تعالى على الإنسان، وهي الولاية التشريعية الثانية لله تعالى على عباده بعد الولاية التكوينية. وهذه الولاية تنتقل بحكم الله تعالى إلى الأنبياء وأوصيائهم وهي المقصودة في الآية (٦) من سورة الأحزاب.

وعليه فإن حكم الإمام نافذ على المؤمنين، كما أن أحكام الله تعالى تنفذ عليهم وولاية الإمام نافذة على المؤمنين، كما أن ولاية الله نافذة عليهم، وتأتي هذه الولاية الثانية في امتداد ولاية الله تعالى على الإنسان.

والعنصر الثاني لولاية الإمام هو الهداية.

يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[١٠].

ويقول تعالى عن ذرية إبراهيم (ع): ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [١١]

وبالتأمّل في هاتين الآيتين الكريمتين نرى أنّ الله تعالى يصف هؤلاء الأئمة بأنهم يهدون بأمر الله.. وتشعرنا هاتان الآيتان أنّ الهداية بأمر الله جزء مقوّم وركن أساسي من عمل الإمام.

فإذا كان الله تعالى قد أعطى الأئمة هذه الولاية والحاكمية والقيمومة على الناس فلكي يهدون الناس بأمر الله إلى الله تعالى.

والهداية هنا ليست من قبيل الدلالة وإرائة الطريق[١٢]، وإنما هو من قبيل الإيصال إلى الغاية وتحقيق الغاية ذلك أن إبراهيم (ع) كان نبياً ورسولاً قبل أن يجعله الله إماماً، وكان ينهض بمهمة هداية الناس من قبل أن يكون إماماً، ولذلك كسر الأصنام، وتحدى قومه وطاغية عصره.

إذن فلابد أن تكون الهداية التي نهض بها إبراهيم (ع) بعد أن اتخذه الله إماماً هي أن يحقق ما يريده الله تعالى من الهداية في حياة الناس على وجه الأرض وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[١٣]. وهي ما قلنا عنها أنها بمعنى الإيصال إلى الحق من قبيل الدلالة والتوجيه... ويتم ذلك بإنشاء أمة مؤمنة على وجه الأرض بالدعوة والتوجيه والتثقيف.

فالإمام مسؤول عن إيصال الناس إلى مرضاة الله وإقامة التوحيد والقسط في حياة الناس وإنشاء أمة مؤمنة موحدة على وجه الأرض.

وذلك لأن الإمام ينهض بتنفيذ المنهج الإلهي بشكل كامل في الحياة، من الحكم، والإدارة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، وغيرها.. وهذا المنهج الرباني الحق الشامل لشؤون الحياة كفيل بتحقيق مرضاة الله في حياة الإنسان، وإيصال الإنسان إلى هذه الغاية وطرد الباطل من حياة الناس.

فليست مهمة الإمام كحاكم يتولى شؤون المسلمين تقتصر فقط على الترغيب والترهيب والإرشاد والتوجيه والتذكير، وان كان ذلك منها بالتأكيد، ولكن مسؤولياته الإلهية تتجاوز هذه الدائرة إلى العمل على تنفيذ حدود الله وأحكامه وتطبيق المنهاج الإلهي الشامل في حياة الناس.. وبذلك تتحقق مرضاة الله في حياة الناس.. ذلك أن أكثر أسباب ابتعاد الناس عن الله العقبات التي يضعها الطغاة في طريق الإنسان إلى الله وعدم التنفيذ الصحيح لمنهاج الله في حياة الإنسان.

فإذا أزيحت هذه العقبات وتهدمت الحواجز بين الإنسان وربه واستقر منهاج الله على وجه الأرض دخل الناس في دين الله أفواجاً.

وليس معنى ذلك ألاّ يتخلف أحد من الأمة عن الهداية فان التطبيق الشامل للمنهج الإسلامي في الحياة لا يسلب الناس إرادتهم واختيارهم، وإنما يقودهم الأمام من خلال اختيارهم وأرادتهم إلى الله تعالى، وطبيعي أيضا أن يتخلف كثير من الناس عن هذه الحركة.

كما أن جهاز (المدرسة) جهاز متكامل لتثقيف الناشئة وتعليمهم، وليس فقط مهمة هذا الجهاز الدعوة والتوجيه إلى العلم، وإنما تحقيق العلم والثقافة في حياة الإنسان، إلاّ أن ذلك لا يعني ألاّ يرسب في كل سنة عدد كبير من الطلبة ويتخلفوا عن هذه الحركة العلمية، ولكن مهمة المدرسة تحقيق العلم والثقافة في حياة الناس، وليس الدعوة إلى العلم والمعرفة فقط[١٤]

نصب الإمام

والآية الكريمة تدل على أن الإمامة عهد من الله تعالى، ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[١٥].

والعهد هو الميثاق، وطرفا هذا الميثاق هو الله سبحانه وتعالى والذين يوكل إليهم الله أمر الإمامة.

والله تعالى يختار لعهده من يشاء من عباده. وليس للناس ان يختاروا من يحبون ويرتضون لعهد الله.

والآية الكريمة واضحة في هذا المعنى. فإن الله تعالى يقول: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً[١٦].

فالإمامة للناس لا تتم إلاّ بجعل وتعيين من الله، ولما طلب إبراهيم الإمامة لذريته قال له تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ.

فالأمر كلّه، في الإمامة بيد الله تعالى جعلاً وتعييناً.

ومن نافلة القول أن نقول أن الإمامة هنا غير النبوة والرسالة فقد سبق أن شرحنا ذلك فلا نعود.

وبهذا المعنى وردت آيتان أخريان ذكرناهما من قبل: أحداهما بخصوص الأنبياء من ذرية إبراهيم (ع) الذين جعلهم الله أئمة، والثانية بخصوص أنبياء بني إسرائيل من الذين جعلهم الله أئمة وقادة، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[١٧]. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا[١٨].

وهذا المعنى ينسجم انسجاماً كاملاً مع تصور القرآن عن توحيد الولاية والحاكمية والطاعة لله تعالى، ومن يأمر الله تعالى بولايته وحاكميته وطاعته في حياة الناس ويسلب القرآن أي حاكمية وطاعة في حياة الناس من بعضهم لبعض، إلاّ بإذن الله وأمره.

وذلك أن الولاية التشريعية والحاكمية والسيادة في حياة الناس لا تنفك عقلاً عن الملك والخلق والسلطان التكويني والهيمنة التكوينية على الكون.. ولما كان الخلق والملك والسلطان والهيمنة على الكون لله تعالى فقط، كان الحكم والولاية والسيادة في حياة الإنسان لله تعالى، وهو وحده يملك شرعية الولاية والسيادة في حياة الناس بأمر ونهي.

والقرآن الكريم يقرر توحيد السيادة والحاكمية لله تعالى بوضوح في آيات عديدة من كتابه. يقول تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ[١٩].

والحكم هنا مطلق يشمل كل أنواع الحكم، الحكم القضائي والحكم بمعنى السلطان والسيادة، كما يقول الرازي في تفسير هذه الآية من تفسيره (وهذا مطلق يتناول الكل).

ويقول تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[٢٠].

والآية الكريمة تدل على الحصر بالضرورة لمكان (إن، إلاً) وهما إذا اجتمعا كانا من أدوات الحصر. والحصر هنا في حصر الحق في الحكم الإلزامي في الله تعالى، فلا يحق لأحد أن يلزم آخر بشيء من دون الله.. إلاّ أن يكون بإذن الله وأمره، وهذا أو ذاك واضحان في الآية الكريمة البتّة.

يقول الرازي في تفسير هذه الآية: (فليس لغير الله حكم واجب القبول، ولا أمر واجب الالتزام.. بل الحكم والأمر والتكليف ليس إلاّ له).

ويقول الخازن في تفسير الآية: (يعني أن الحكم والقضاء والأمر والنهي لله تعالى لا شريك له في ذلك).

ويقول ابن كثير: (ثم اخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله).

والأمر أوضح من أن يحتاج إلى الاستشهاد بكلمات المفسرين، فإن الآية الكريمة صريحة في انحصار الحاكمية والأمر والنهي في الله تعالى على عباده، وليس لأحد على أحد سيادة أو ولاية أو أمر ونهي من دون الله، إلاّ أن يأمر ويأذن به الله تعالى.

ثم يقول تعالى بعد ذلك مباشرة: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ[٢١]، أي هذا هو الدين، وليس غيره، وأي منهج في حياة الناس يعطي حق الأمر والنهي لغير الله من دون إذن لله، فهو ليس من الدين القيم في شيء.

ويقول تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ[٢٢].

وفي الآية الكريمة أربعة أمور يختص بها الله تعالى دون سائر خلقه على الإطلاق، ومن دون استثناء:

  1. الإلوهية ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
  2. الحمد ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، في الدنيا والآخرة، ولا يستحق أحد أو شيء الحمد من دون الله، إلاّ أن يكون في امتداد حمد الله.
  3. الرجوع ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي كل الخلق جميعاً برهم وفاجرهم إلى الله من غير استثناء.
  4. الحكم والولاية والسيادة في حياة الناس لله تعالى دون سائر خلقه ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ ألا ان يكون بأذنه وأمره.

وبذلك فإن الآية تدل على انحصار الحكم والولاية والسلطان في حياة الناس في الله تعالى.

كما وردت آيات عديدة في حصر (الولاية) لله تعالى في حياة الإنسان، ونفي أي ولاية أخرى في حياة الناس إلا أن يكون بأمر الله وإذنه. يقول تعالى:

  1. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ[٢٣].
  2. ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ[٢٤].
  3. ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ[٢٥].
  4. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ[٢٦].
  5. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ[٢٧].
  6. ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ[٢٨].

والآيات بهذا المعنى كثيرة. والأمر واضح لمن يأنس بالمنهج القرآني في بيان الحقائق، ولسنا نحتاج إلى التوقف في هذه البديهية القرآنية أكثر من هذا الحد.

فالإمامة إذن وفق هذا التصور القرآني لابد أن يكون امتداداً لولاية الله على عباده، وبجعل وتعيين وتخويل من قبل الله تعالى ومن دون ذلك لا تكتسب الإمامة صفة شرعية.

وهذا أصل هام في ثقافة القرآن.

ولا أعتقد أن أحداً قرأ القرآن بإمعان يختلف عن هذا التصوّر الذي قدمته آنفاً للإمامة والولاية في القرآن[٢٩]

التخويل العام

النصوص المتقدمة التي نقلتها عن القرآن، وهي قليل من كثير، صريحة في إلغاء الأصل الذي يتبناه المذهب الديمقراطي الحديث، انطلاقاً من حق الإنسان في تقرير مصيره وولايته المطلقة على نفسه، وحقه في انتخاب الهيئة الحاكمة، من خلال نظرية العقد الاجتماعي الذي يقرره المفكر الفرنسي المعروف (روسو) في كتاب (العقد الاجتماعي) وحقّه في التقنين والتشريع والسيادة على نفسه من خلال الممثلين الذين يمثلونها في الهيئة التشريعية بالبرلمان.

أقول: نظرية الحق الذاتي للإنسان في الولاية على نفسه ومن التشريع ساقط قطعاً بما تلوناه عليك من كتاب الله، ولا نعرف فقيهاً من فقهاء المسلمين، يعتدّ برأيه من أي مذهب فقهي، يقول إن للإنسان الحق في تقرير مصيره والولاية على نفسه، من دون إذن الله.

فلا نتوقف عند المذهب الديمقراطي الحديث الذي يتبنى حق الإنسان الذاتي في تقرير مصيره، من دون إذن الله.

ولكن، إذا كان القرآن قد ألغى نهائياً وبدون أي ترديد هذه الفرضية بقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ[٣٠].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ[٣١].

وغيرها من آيات الكتاب المبين.

فلم يلغ القرآن إمكانية التخويل الإلهي للمسلمين - في انتخاب من يرتضونه لأنفسهم إماما فيخوّل الله عباده أن يختاروا لأنفسهم إماما ويبايعوه على الطاعة اذا فقدوا إمامهم، أقول وهذا أمر ممكن وليس لأحد أن ينفي هذا الإمكان بالتأكيد... ولكن بين الإمكان وبين الوقوع والإثبات فاصلة شاسعة.

فليس كل ما يمكن أن يحصل بحاصل... فان أمر الإمكان يسير، ولكن أثبات الوقوع والحصول يحتاج إلى دليل قطعي ومن دونه لا يمكن القول به.

وإمكانية أن يخوّل الله عباده أمر انتخاب الأمام وولي الأمر ليس بمعنى أن هذا التخويل قد حصل فعلا من جانب الله للمسلمين. وإثبات ذلك يحتاج إلى دليل واضح وقطعي من الكتاب والسنة.

وإنما أقول يحتاج إلى دليل واضح وقطعي لان أمرّا مهمّاً بالغ الأهمية في حياة المسلمين السياسية وفي الطاعة السياسية، وعليه يتوقف استقرار الحياة السياسية للمسلمين يجب أن يكون واضحا قطعياً.

ومن دون ذلك لا يجوز إسناد الأمر إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ[٣٢] فلا يجوز إسناد أمر كالتخويل إلى الله تعالى من غير دليل قطعي من الكتاب والسنة ومن دون ذلك يكون الإسناد من الافتراء على الله الذي تستنكره الاية ٥٩ من سورة يونس[٣٣]

  1. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  2. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  3. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  4. الكافي: ١٧٥/١.
  5. سورة الأنبياء، الآية ٧٢-٧٣.
  6. سورة السجدة، الآية ٢٤.
  7. تستعمل كلمة الإمام والإمامة في القرآن والحديث على نحوين، فقد تستعمل بمعناها اللغوي، نحو قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (سورة الفرقان، الآية ٧٤). وقد تستعمل بمعناها الاصطلاحي (الحقيقة الشرعية) مثل قوله تعالى في سورة البقرة ١٢٤: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ونحو قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ(سورة الأنبياء، الآية ٧٢ - ٧٣.). وله نظائر كثيرة في القرآن مثل كلمة الصلاة فقد تستعمل في القرآن بمعناها اللغوي نحو قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (سورة التوبة، الآية ١٠٣). وقد تستعمل بمعناها المصطلح (الحقيقة الشرعية) كالآية التي تلوتها عليك الآن من سورة الأنبياء ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ.
  8. سلطان الله على عبده أعظم من سلطان الإنسان على نفسه، فإن الله قد يحول بين إرادة الإنسان وما يريده لنفسه وهذا يتفق كثيراً. وقد يحول الله تعالى بين الإنسان وإرادته، فيحب ما كان يكره من قبل، ويغضب لما كان يرضى به من قبل، ويريد ما كان يرفضه من قبل، وهو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ (سورة الأنفال، الآية ٢٤)، بمعنى ان الله يتصرف في قلب العبد وإرادته من دون إرادة منه فيحب ما يريد الله ويبغض ما يريد الله ويريد ما يريد الله. يقول تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ(سورة التوبة، الآية ٤٦)، ويقول تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ( سورة الحجرات، الآية ٧).
  9. سورة الأحزاب، الآية ٦.
  10. سورة السجدة، الآية ٢٤.
  11. سورة الأنبياء، الآية ٧٢ - ٧٣.
  12. للهداية قسمان. ولكل منهما ذكر في كتاب الله:
    1. الهداية بمعنى الدلالة والتوجيه كقول مؤمن آل فرعون: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (سورة غافر، الآية ٣٨). وقوله تعالى لنبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(سورة الشورى، الآية ٥٢).
    2. الهداية بمعنى الإيصال إلى الغاية كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ(سورة القصص، الآية ٥٦)، فإن الهداية هنا بمعنى الإيصال إلى الغاية.
  13. سورة السجدة، الآية ٢٤.
  14. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن، ص ٧-١٧.
  15. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  16. سورة البقرة، الآية ١٢٤.
  17. سورة الأنبياء، الآية ٧٢-٧٣.
  18. سورة السجدة، الآية ٢٤.
  19. سورة الأنعام، الآية ٥٧.
  20. سورة يوسف، الآية ٤٠.
  21. سورة التوبة، الآية ٣٦.
  22. سورة القصص، الآية ٧٠.
  23. سورة البقرة، الآية ١٠٧.
  24. سورة الأنعام، الآية ٥١.
  25. سورة التوبة، الآية ٧٤.
  26. سورة البقرة، الآية ١٠٧.
  27. سورة السجدة، الآية ٤.
  28. سورة الشورى، الآية ٩.
  29. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن، ص ١٧-٢٤ .
  30. سورة الأنعام، الآية ٥٧.
  31. سورة هود، الآية ٢٠.
  32. سورة يونس، الآية ٥٩.
  33. محمد مهدي الآصفي، الإمامة في القرآن، ص ٢٤- ٢٧.
عُد إلى صفحة "الإمامة في القرآن".