الشيعة عند أهل السنة

التعريف

لغةً: القوم الذين يجتمعون على الأمر والفرقة من الناس وأتباع الرجل وأنصاره وهي من المشايعة، أي المطاوعة والمتابعة وجمع الشيعة: شيع، وجمع الجمع: أشياع.

واصطلاحاً: اشتهرت كلمة الشيعة - للدلالة على الفرقة: أو الفرق - الذين يتولون ويشايعون الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وآل بيته، حتى صار مصطلح الشيعة اسماً خاصاً بهم.

ولقد بدأت شيعة علي والتشيع له في صورة أولية، تمثلت في الميل إليه، وتمنى تقديمه في ترتيب تولي الخلافة بعد رسول الله(ص) وكان ذلك من قبل بعض بني هاشم، ونفر من الصحابة، يذكر فيهم المقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، وأبو ذر الغفاري. أما المعيار الفارق الذي يميز الشيعة- كفرقة من الفرق الإسلامية- فلقد تجاوز الميل إلى علي التفضيل له وتقديمه في الترتيب بين الخلفاء الراشدين وأصبح هذا المعيار في مذهب الشيعة- هو دعوى وعقيدة أن إمامة علي بن أبي طالب والأئمة من بنيه إنما هي "بالنص والوصية والتعيين " أي النص الإلهي والوصية الدينية، التي بلغها رسول الله(ص) للأمة، كما بلغ أصول الدين فهي عندهم، المرادة بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ[١].

فكل من عدا الشيعة - من الفرق الإسلامية- قد قالوا إن الإمامة والخلافة طريقها الشورى والاختيار والبيعة من الأمة أو نوابها بينما انفردت الشيعة - بفرقها المتعددة- بادعاء أن الإمامة سبيلها "النص والوصية والتعيين "، فهي شأن ديني سماوي، وهي من أمهات العقائد الدينية، ولا مدخل للأمة أو الشورى فيها.

والشيعة قد قاسوا " الإمامة" على " النبوة" فجعلوها كالنبوة- اصطفاء إلهيا، لا اختياراً بشرياً، وجعلوا للإمام العصمة التي للأنبياء، بل ورفعوا مكانتها على مكانة النبوة، لأن النبوة عندهم، "لطف خاص" أي انتهى دورها - بينما الإمامة " لطف إلهي عام " لأنها مستمرة بأداء رسالة النبوة، بعد انتهاء طور النبوات حتى ليقول الإمام آية الله الخميني - عن علو مقام الأئمة على الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين: "إن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاماً لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ".

ولقد انعكست هذه العقيدة، التي ميزت نظرية الإمامة عند الشيعة، والتي ميزت الشيعة عمن عداها من الفرق الإسلامية، انعكست على صفات الإمام عندهم، وعلى السلطات التي اختصوه بها.

وباستقراء المصادر الأصلية، التي كتبت في نظرية الإمامة- من قبل مختلف الفرق الإسلامية. وفي مقدمتها المصادر الشيعية. لا نجد ذكراً ولا مجرد إشارة لعقيدة "النص والوصية" قبل عصر إمامهم السادس - الصادق أبو عبد الله جعفر بن محمد وأقدم عناوين المؤلفات التي كتبت في الإمامة - والتي أحصاها ابن النديم في (الفهرست) - والتي أشارت إلى فكرة "الوصية" بالإمامة، منسوب إلى عالمهم هشام بن الحكم. فمن مؤلفاته (كتاب الوصية والرد على من أنكرها).

ويشهد لهذه الحقيقة - حقيقة الظهور المتأخر لعقيدة الشيعة في "النص والوصية والتعيين " - خلو تاريخ الصراع على الإمامة قبل ذلك التاريخ من أية إشارة للاحتجاج بهذه العقيدة في ذلك الصراع.

فلقد اختلف المسلمون حول من يتولى الخلافة- عقب وفاة رسول الله(ص) في سقيفة بني ساعدة ولم يذكر أحد من الفرقاء الذين اختلفوا أن هناك نصاً وتعييناً لمن يليها. وتأخرت بيعة علي بن أبي طالب لأبى بكر الصديق عدة أشهر. ثم بايع، ولم يؤثر عنه- في ذلك التاريخ- تعليل لتأخر بيعته بأن هناك نصاً يعينه هو للخلافة بدلاً من الصديق ثم شارك علي في شورى البيعة لكل من عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان، دون أن يشير إلى أن هناك نصا إلهيا ووصية نبوية باختصاصه هو دون غيره، بالإمامة والخلافة وبعد مقتل عثمان، عقدت البيعة بالخلافة لعلي بن أبي طالب، وتلقاها وتولاها هو بالبيعة، ولم يؤثر عنه أنه قال لمبايعيه: لست في حاجة إلى بيعتكم، لأن هناك نصاً على إمامتي، يخرجها عن الشورى والاختيار والبيعة بل إن كتاب "نهج البلاغة"، والذي جمعه الشيعة- بواسطة إمامهم الشريف الرضى - باعتباره خطب ومراسلات وأحاديث وحكم الإمام على بن أبى طالب، لا أثر فيه لإشارة- مجرد إشارة- إلى عقيدة "النص والتعيين ". الأمر الذي يجعل استقراء التاريخ، واستقراء الفكر من صدر الإسلام إلى عصر جعفر الصادق، شاهداً على أن هذه العقيدة- التي ميزت الشيعة كفرقة، بالمعنى الاصطلاحي للتشيع- لم تظهر قبل تأليف هشام بن الحكم فيها، وتبنى الشيعة للاعتقاد بها منذ ذلك التاريخ.

وإذا كانت الشيعة- على اختلاف فرقهم- معتدلين كانوا أم غلاة- قد اتفقوا على نظرية "النص والوصية والتعيين " الإلهي لإمامة علي بن أبي طالب، خليفة ووصياً وإماماً بعد رسول الله(ص)، فإنهم قد اختلفوا إلى فرق متعددة، بعد هذه العقيدة التي جعلوها أهم عقائد الإيمان الديني، يَكْفُر- في نظرهم- من جحدها.

فالشيعة الأثنى عشرية- وهم أغلبية الشيعة المعاصرين- يقولون إن علياً قد أوصى بالإمامة لابنه الحسن، الذي أوصى بها إلى أخيه الحسين وهكذا استمرت في أبناء علي من فاطمة الزهراء حتى إمامهم الثاني عشر ولقد سموا بالاثنى عشرية لقولهم بإمامة هؤلاء الأئمة الاثنى عشر:

  1. أبو الحسن علي بن أبي طالب " المرتضى" .
  2. أبو محمد الحسن بن علي "الزكي"
  3. أبو عبد الله الحسين بن علي "سيد الشهداء"
  4. أبو محمد علي بن الحسين زين العابدين
  5. أبو جعفر محمد بن علي "الباقر"
  6. أبو عبد الله جعفر بن محمد "الصادق "
  7. أبو إبراهيم موسى بن جعفر "الكاظم "
  8. أبو الحسن علي بن موسى "الرضا"
  9. أبو جعفر محمد بن علي"الجواد"
  10. أبو الحسن علي بن محمد "الهادي"
  11. أبو محمد الحسن بن علي"العسكري"
  12. أبو القاسم محمد بن الحسن " المهدي" الذي اختفى في سرداب بمدينة "سامراء"- من أرض العراق ولا يزال في " الغيبة"- فهو " المهدي"، والذي ينتظرون ظهوره، ويدعون الله أن يعجل فرجه، ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً- وعنه ينوب، في عصور غيبته العلماء المجتهدون.

أما الشيعة "الكيسانية"، فإنهم لم يحصروا الإمامة في أبناء فاطمة الزهراء، وإنما قالوا إنها انتقلت من الإمام على إلى ابنه محمد بن الحنفية.

أما الإسماعيلية- وهم من الباطنية الغلاة حتى في نظر الاثنى عشرية- ويوجد منهم في عصرنا: البهرة، والنصيريون، والدروز - فلقد اتفقوا مع الاثنى عشرية على تسلسل الإمامة من علي حتى جعفر الصادق، ثم جعلوها- بعد الصادق- لابنه إسماعيل. وليس لابنه موسى الكاظم، كما قالت الاثنى عشرية، ثم انفرد الإسماعيلية- منذ إسماعيل- بسلسلة خاصة بهم في الإمامة.

أما الشيعة الزيدية- أتباع زيد بن على بن الحسين فلقد تميزوا بالاعتدال الذي اقترب بهم من فكر أهل السنة، فقالوا في عقيدة " النص ": إن النص لم يكن على "ذات، الإمام، وإنما كان على صفاته "، وأن هذا "النص " لم يتعد ثلاثة من هؤلاء الأئمة، هم: على والحسن والحسين والإمامة بعدهم لمن يجتمع فيه شروط الإمام من أبناء فاطمة- وهي شروط لا أثر فيها لغلو الفرق الشيعية الأخرى ولأن الشيعة- فيما عدا الزيدية- قد قاسوا " الإمامة " على " النبوة"، وليس على " الإمارة والولاية، كما صنع أهل السنة، فلقد أضفوا على الإمام صفات فاقت حتى صفات الأنبياء فهو عندهم معصوم في كل شيء. بينما الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله. وروح القدس "الذي حمل النبي به النبوة، قد انتقل بعد النبي إلى الإمام وهو يعلم بالعلم اللدني كل ما يريد علمه "بالقوة القدسية الإلهامية، بلا توقف، ولا ترتيب مقدمات ولا تلقين معلم، تنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية" حتى ليستطيع علم كل العلوم والحديث بجميع اللغات، والكتابة بكل الحروف، دون معلم ولا مدرسة ولا كتاب ولا كُتّاب (فالأئمة- كما يقولون- لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة. ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ في شيء من الأشياء، مع مالهم من منزلة علمية لا تجاري، وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة لا أدرى، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمل، أو نحو ذلك!.

وهي صورة تعلو على صورة الرسل أولي العزم، الذي كان خاتمهم(ص)، يسأل فينتظر- أحياناً- وحي السماء والذي قال لصحابته: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بأَمْرِ دُنْيَاكُمْ»

ولعصمة الإمام عند الشيعة ولأن كل الأمة- برأيهم- يمكن أن تجتمع على ضلال، كان الإمام وحده مصدر الشريعة، والحجة والقيم حتى على الدين والقرآن.

أما سلطات الإمام عندهم فهي كل سلطات الرسول، التي هي كل سلطات الله المفوضة إلى الرسول، ولذلك، فإن الراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله وللإمام كل الدنيا- وبعبارتهم "فإن الدنيا كلها للإمام، على وجه الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم ".

وغير عقيدة الإمامة- بما فيها من "النص والوصية والتعيين " وصفات الإمام وسلطاته- انفردت الشيعة بعقائد منها:

  1. التقية: أى إظهار الإنسان غير ما يبطن، اتقاء لضرر محقق الوقوع وهي عندهم دين، يروون فيه عن جعفر الصادق: التقية دينى ودين آبائى ومن لا تقية له لا دين له "!
  2. والرجعة: وتعنى - عندهم- أن الله سيعيد إلى الحياة، قبل قيام الساعة- وعند قيام المهدي- قوماً قد توفاهم، في صورهم التي كانوا عليها قبل موتهم، وفي مقدمتهم أكثر المظلومين من آل البيت، وأكثر الظالمين لهم وبعد أن يعز المظلومين ويذل الظالمين يتوفاهم ثانية.

ثم، إن الشيعة، بعد ذلك باستثناء الباطنية الغلاة- يتفقون مع العديد من الفرق الإسلامية الأخرى في ثوابت العقائد الإسلامية وشعائر وعبادات الإسلام فهم جزء من الأمة الإسلامية. ولو أنهم جعلوا الإمامة- كما فعل أهل السنة- من الفروع، وليس من أصول وأمهات العقائد، لكان الخلاف بينهم وبين أهل السنة مجرد تنوع في المذهب الفقهي- المذهب الجعفري- الذي لا تزيد الاختلافات بينه وبين مذاهب الفقه السنيّة عن الاختلافات التي بين المذاهب السنية ذاتها.

ولأن عقيدة الشيعة، في الإمامة والإمام، هي " حلم مثالي"، أفرزته معاناة الاضطهاد من قبل السلطة البشرية- في الدولة الأموية فلقد ظل هذا "الحلم " مستعصياً على التطبيق حتى عندما حكم الشيعة في إيران عقب إسقاط النظام الشاهنشاهي سنة ٩٧٩ام فلقد استمر الحكم بالمؤسسات الشورية، والنظام النيابي، الدستوري وسلطة الأمة والرأي العام ولم يطرأ على هذا النظام الديمقراطي- مع المرجعية الإسلامية - إلا منصب "ولاية الفقيه " الذي هو محل خلاف بين مراجع الشيعة والذي تنبئ المساجلات الدائرة حوله عن أنه في طريقه إلى الزوال.

أما التوزيع الجغرافي للشيعة الإمامية، فهو في إيران والعراق ولبنان وأذربيجان وأفغانستان، والإسماعيلية في الهند وباكستان وتركيا وسوريا ولبنان. أما شيعة اليمن فهم من الزيدية.

وإذا كان تعداد الأمة الإسلامية يبلغ الأن ملياراً وثلث المليار-٠ ١،٣٨٤،٨٠٠،٠٠ - فإن نسبة أهل السنة تبلغ ٩٠% من هذا التعداد، والباقي شيعة - بفرقها المختلفة- وخوارج وإباضيون؟.[٢]

المراجع والمصادر

  1.   محمد عمارة، مقالة «الشیعة»، موسوعة المفاهيم الإسلامية العامة

الهوامش