نظرية الجبر في علم الكلام

من إمامةبيديا

أسس النظرية

في بحث التفكر الجبري الكلامي، فإننا نترك أهم مباني وأدلة الأشاعرة وتقييم أدلتها الفرعية إلى مجال آخر. سنُشير إلى بعض أهم مباني الأشاعرة التي جعلتها تقبل الجبر، وهي:

التوحيد في الخالقية

من أهم المباني هو ما يفهمه الأشاعرة من التوحيد في الخالقية، والذي على أساسه، يكون الله خالقاً لكل شيء، ولأن مفهوم الشيء يصدق حتى على أعمال الإنسان فإن عموم خالقية الله تشمل أعمال الإنسان أيضاً. فعلى هذا إن الله هو الوحيد الذي يخلق أعمال الإنسان ومعنى هذا الحصر أن الإنسان ليس له دور في إيجاد أعماله، فلا يبقى مكان لاختياره.

بالتوجه إلى ما قيل في حقيقة التوحيد الفعلي وفروعه المختلفة يتضح الجواب عن الاستدلال السابق، حيث إن حقيقة التوحيد في الخالقية هو أن الخالق الوحيد المستقل الذي يخلق بدون حاجة إلى إذن موجودات أخرى هو الله سبحانه، وهذا لا ينافي أن تكون الموجودات الأخرى هي منشأ الخلق والإيجاد بإذن الله وتحت سننه وقوانينه الموضوعة لهذا العالم، وكما مرَّ فإن آيات كثيرة تؤيد ذلك وتنسب الإيجاد لبعض المخلوقات، فالتوحيد في الخالقية (على أساس معناه الصحيح) لاينافي دور الإنسان في أعماله. نعم، مقتضى التوحيد في الخالقية أن لا يكون الإنسان أو أيّ مخلوق آخر مستقلاً في أفعاله بالكامل، بل إنّ فعله وإيجاده في طول فعل الله[١].

العلم الأزلي الإلهي

من المباني المهمة هي مسألة العلم المطلق والأزلي، وهذا البحث يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببحث القضاء والقدر وهو أحد مجاري الارتباط بين بحث القضاء والقدر وبحث الجبر والاختيار. خلاصة هذا الاستدلال يبتني على علم الله الأزلي وهو: إن الله عالم بوقوع أفعال الإنسان أو عدم وقوعها. من جهة أخرى استحالة عدم مطابقة العلم الإلهي والواقع الخارجي، وبعبارة أخرى: يمتنع تبدل علم الله جهلاً، فيمتنع صدور الفعل من الإنسان الذي يعلم الله بعدم وقوعه ويجب صدور الفعل الذي يعلم الله بوقوعه منه، ولأنه لا يوجد احتمال ثالث في البين! لذلك أفعال الإنسان لا تخرج من حالين إما ممتنعة أو ضرورية، ولأن القدرة تتعلق بالأمور الممكنة فقط، فأفعال الإنسان ليست في دائرة قدرته وفي النتيجة هي غير اختيارية.

أقوى جواب عن هذا الاستدلال هو ما أشرنا إليه في باب القضاء والقدر: حيث إن العلم الإلهي يتعلق بفعل الإنسان بكل خصوصياته فمعنى أن الله يعلم مسبقاً بصدور الفعل الاختياري (كالوقوف أو المشي أو...) من الإنسان، أن الله يعلم أن هناك شخصاً مُعيّناً في مكان وزمان خاص وباختياره سيصدر منه هذا الفعل، ومن البديهي أن وقوع هذا الفعل سوف يكون ضرورياً، ولكن هذه الضرورة لا تنافي اختيار الإنسان أبداً؛ لأن معنى هذه الضرورة هو وقوع الفعل في حال تحقق علته التامة والتي جزء من أجزائها اختيار الفاعل، حيث إن كل معلول يكون ضروري التحقق عند فرض وجود علته التامة[٢]. أجاب كثير من حكماء الإسلام دفعاً لهذه الشبهة بالتالي: مثلاً: يقول العلامة الطباطبائي: «علم الله الأزلي يتعلق بكل شيء بحفظ خصوصياته (على ما هو عليه) فمتعلق هذا العلم الأفعال الاختيارية للإنسان بوصف الاختيار (بما هي اختيارية) فمن المُحال أن تحدث بصورة غير اختيارية». بعبارة أخرى، متعلّق القضاء أن يصدر الفعل من فاعله الخاص بنحو الاختيار، فإذا كان الفعل المذكور غير اختياري لتعلقه بالقضاء الإلهي، يلزم نقض القضاء الإلهي لنفسه (و هو أمر محال)[٣].

عموم الإرادة الإلهية

واستدلال الأشاعرة هو أن عموم إرادة الله تشمل أعمال الإنسان أيضاً، فكل أعمال العباد تحصل بإرادة الله، وفي النتيجة لا تكون الأعمال اختيارية، لأن منشأ وقوعها هو إرادة الله وليس إرادة الإنسان. من المناسب الإشارة إلى أمرٍ ما - قبل الإجابة عن هذا الاستدلال – وهو أنه خلاف أصل علم الله المسبق بأعمال الإنسان (والذي لا يوجد اختلاف نظر أساسي فيه) فقد تم الاختلاف في تعلق إرادة الله في أفعال العباد. فالأشعرية تقول بشمول إرادة الله الأفعال العباد والمعتزلة دفاعاً عن اختيار الإنسان تخالف ذلك، فيجب في البحث الحاضر الإجابة عن سؤالين:

هل أن إرادة الله تشمل أفعال الإنسان كذلك؟

في صورة تعلق إرادة الله بأعمال الإنسان هل طريق الأشاعرة في الاستدلال يستلزم الجبر وسلب اختيار الإنسان؟

الحق أن الجواب عن السؤال الأول مثبت والجواب عن السؤال الثاني منفي، إرادة الله التكوينية تشمل أعمال الإنسان كذلك وأساساً في نظام الوجود لا توجد أيّ حادثة أو ظاهرة تقع خارج دائرة إرادته ومشيئته، ولكن خلاف تصور الأشاعرة هذه الحقيقة لا تستلزم الجبر لأنه هنا كما في بحث العلم، حيث إن إرادة الله لا تتعلق بوقوع الفعل بصورة مطلقة، بل إن متعلق الإرادة الإلهية أن يصدر كل فعل من علته المباشرة مع حفظ كل خصوصياتها، فكما تتعلق إرادة الله بصدور الحرارة من النار اضطراراً، فمتعلق إرادته في مورد أفعال الإنسان الاختيارية أن الفعل المذكور يقع بعلم وإرادة واختيار الفاعل وكل شروطه اللازمة.

كما تقيم الأشاعرة أدلة أخرى على مدعاها – بالإضافة إلى ما قيل- لكن يؤدي ذكرها إلى إطالة البحث.[٤]

أدلة القائلين بالجبر ومناقشتها

الدليل الأول

يرى القائلون بالجبر إنَّ إسناد الخالقية المطلقة لله تعالى تقتضي أنْ لايسند الخلق إلى غيره مطلقاً، فلو قلنا إنَّ الإنسان موجد لأفعاله فقد ارتضينا الخالقية له، وهذا يتنافى مع العقيدة الصحيحة وهي أنْ (لا مؤثر في الوجود إلا الله). إذاً فالموجد للأفعال هو الله والإنسان مجبر في جميع أفعاله.

ولعل هذا أهم أدلة المجبرة، وإنْ عَبَّروا عنه بصيغٍ مختلفةٍ، وربما أضافوا إلى هذا الاستدلال الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ[٥].

مناقشة:

النظرة الدقيقة تبين لنا إنَّ هؤلاء لم يقدموا دليلاً متقناً على مذهبهم، لأننا إذا نفينا وجود مؤثر في الكون مطلقاً غير الله، فكيف نفسر ارتباط المادة بالحركة وانبعاث الطاقة منها، والتي تشكل العلل والمعاليل المادية.. إننا إذا نفينا تأثير الموجودات في بعضها فلا طريق لنا غير ذلك لإثبات العلة والمعلول والصانع والمصنوع.

إنْ قيل: إنَّ جميع الظواهر والموجودات تنشأ من حركة المادة، والحركة إنما تستمد الفيض من الله في كل آنٍ، أي إنَّ الحركة لا تملك الاستمرارية من تلقاء نفسها، بل الله يمد المادة بالحركة في كل آنٍ.

نجيب: هذا صحيح.. ولكنا نعلم إنَّ الحركة بصورة عامة عبارة عن حقيقة واحدة هي الانتقال والتحول من حالة إلى أخرى، وهي لاتصلح لوحدها أنْ تكون علة للاختلافات العجيبة الظاهرة في المادة، إذاً نحتاج إلى مادة فيها الحركة - بإمداد من الله- لتلك الظواهر المتباينة.

والآن نسأل: هل للمادة في الحالة الأولى تأثير في ظواهر الحالة الثانية أم لا؟ وهل للمادة في الحالة الثانية تأثير في ظواهر الحالة الثالثة.. وهلم جراً.

إنْ لم تكن مؤثرة فمن أين ظهرت هذه الاختلافات في الموجودات؟ وإنْ كان لها تأثير في ذلك فيجب الاعتراف بأنَّ معنى (لا مؤثر في الوجود إلا الله) ليس إنَّ الله يوجد جميع الظواهر الكونية في العالم بصورة مباشرة كما توجِد العلة معلولها المادي، بل إنَّ جميع التأثيرات التي تملكها المواد والمحركات في تسيير الكون مستمدة من الله، وليس الله عين المادة والحركة حتى يكون له التأثير المادي في الأشياء.

وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ[٦] فهو غير تام، لأنَّ الآية أجنبية عن مسألة الجبر والاختيار في أفعال العباد، ذلك إنَّ الآية التي قبلها تتحدث عن شيخ الأنبياء إبراهيم(ع) أنه قال لعبدة الأصنام: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ[٧]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، أي خلقكم وخلق الحجارة والأخشاب التي تنحتون منها صورة أصنامكم.

وهناك آية أخرى ربما يستدلون بها للجبر بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[٨]، هذه الآية تصرح أنَّ الله تعالى (خالق كل شيء) ومن الأشياء أفعال الإنسان فينتج إنَّ الله خالق لأفعال الإنسان ولا اختيار له في ذلك. ولكن دلالة الآية على المدعى قاصرة وذلك من وجوهٍ عدة:

  1. إنَّ هذه الآيات بصدد الحديث عن عظمة الله وقدرته في خلق الموجودات، فلو كانت تدل على أنَّ الله خالق لأفعال الإنسان الاختيارية كان معنى ذلك صدور المفاسد والانحرافات والمعاصي والشرك من الله، فأي عظمة في ذلك؟
  2. إنَّ الآيات السابقة تدل على إنَّ الناس كانوا يتصورون لله شركاء وبنين وبنات، فجاءت هذه الآية منددة بهذا القول ومنكرة له، لأنَّ جميع ما يتصور شركته لله في الخالقية هو مخلوق له.
  3. هناك عشرات الآيات تسند الأفعال الاختيارية للإنسان إليه، أفلا تصلح هذه الكثرة من الآيات لتخصيص آيةٍ واحدة؟

و كمثالٍ للآيات التي تنسب مسؤولية أفعال الإنسان الاختيارية إليه وتنزه الله عن الظلم نذكر ما يأتي:

  1. قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ[٩]، وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا[١٠]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا[١١]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا[١٢]، ولقد ذكرت مادة (العمل) ومشتقاتها في القرآن في ما يقارب (۳۰۰) موضعاً، وقد نسبت في جميعها إلى الإنسان نفسه. فطائفة منها بصدد الحديث عن العذاب الأخروي وأنه نتيجة أعماله قال تعالى: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[١٣]، وطائفة منها تلقي مسؤولية نتائج أفعال الناس على عاتقهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[١٤]، ومن الآيات النافية للظلم عن الله تبارك وتعالى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[١٥]، وأي ظلم أعظم من إجبار الناس على المعصية ثم معاقبتهم على ذلك؟
  2. إنَّ هناك ما يقرب من ثمانين آية في القرآن تنسب الظلم إلى الإنسان نفسه، كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ[١٦]، وهناك آيات واضحة في أنَّ الإنسان يستطيع سلوك طريق الاعتدال كما يمكنه سلوك طريق الانحراف، وإنَّ الباب مفتوح أمامه لكلا الطريقين كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا[١٧]، ونخلص مما تقدم بأنَّ نسبة الأفعال إلى الله من جميع الجهات غير مقبولة في منطق القرآن الكريم.[١٨]

الدليل الثاني

والدليل الآخر الذي يتمسك به المجبرة لإثبات دعواهم هو إرادة الله، فيقولون: إنَّ الله إما أنْ تتعلق إرادته بحركات الإنسان وسكناته وإما أنْ لا تتعلق.

فإنْ كان قد أرادها وجب انْ تقع على طبق إرادته، إذ يستحيل وقوع شيء في العالم على خلاف إرادته تعالى. وإنْ لم يرد فينبغي أنْ لا يقع شيء من ذلك، إذ يستحيل وقوع شيء في العالم بدون إرادته تعالى.

إذن فالإنسان لا يملك حرية في أفعاله.

مناقشة:

إنَّ الإرادة الإلهية لا تتعلق بأفعالنا الاختيارية وإنْ كانت جميع أفعالنا خاضعة لإرادته التشريعية من حيث ترتب المسؤولية عليها.

ولتوضيح ذلك ينبغي أنْ نقول: إنَّ الله تعالى إرادتين:

  1. الإرادة التكوينية: وهي تلك المشيئة التي اذا تعلقت بواقعة، كان من المستحيل تخلفها عنها، وعلى سبيل المثال فإنَّ الله أراد إيجاد هذا العالم من أصغر ذراته حتى أعظم مجراته، وإذا كانت هذه الإرادة تكوينية فيستحيل أنْ لايوجد أو تتخلف عنه.
  2. الإرادة التشريعية: وهذه تصلنا عن طريق الأنبياء(ع) الذين هم سفراء الله إلينا.، حيث أنهم يوصلون إرادة الله التشريعية إلينا بصورة الأوامر والنواهي التي تضمنتها أحكام الشريعة المقدسة التي فيها سعادتنا وكمالنا.

والإرادة التشريعية لاتوجِد إجباراً في متعلقها مطلقاً، بل مؤداها إنَّ الإنسان مخيرٌ في اكتسابه الفضيلة الدنيوية والكمال الأخروي إذا اختار طريق الرشاد، إذ لو كان أقل إجبارٍ في إرادة الله التشريعية لم يكن هناك معنى للسعادة والشقاء، لأنَّ ما صدر بالإجبار لا معنى للحسن والقبح فيه. على أنَّ إنكار الحسن والقبح العقليين إعادة السفسطة من جديد.

ولنرجع إلى القرآن الكريم لنجد أنَّ الآيات التي تسند الإرادة إلى الله تعالى تبلغ (١۴) آية لاتوجد بينها آية واحدة تعيد تعلق الإرادة الإلهية بأفعال الإنسان الاختيارية.

ولسهولة الوصول إلى هذه النتيجة نقسم الآيات التي تتحدث عن إرادة الله إلى طوائف خمس:

الطائفة الأولى: الآيات التي تتحدث عن القطع في إرادة الله تعالى في مسألة الخلق. أي إنَّ الله إذا أراد إيجاد شيء فإنَّ إرادته تعمل عملها بصورة حتمية، ولايستطيع أي شيء أنْ يقف مانعاً أمام تأثير إرادته. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[١٩]، ففي هذه الطائفة لم يذكر ماذا أراد الله وماذا لم يرد.

الطائفة الثانية: الآيات التي تشير إلى بعض مصاديق إرادته، كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا[٢٠]، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا[٢١]، فهذا النوع من الآيات يختص ببيان سيطرة الله وقدرته، ولا دلالة فيها على خضوع جميع حركات الإنسان حتى أفعاله الاختيارية لإرادة الله .

الطائفة الثالثة: الآيات التي تشير إلى أنَّ نتائج إرادة البشر هي مراد الله كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَ مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَشْكُورًا كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ومَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ محظورًا [٢٢]

نجد في هذه الآيات الثلاث موضوعين مهمين.

  1. ليس الإنسان مجبراً في إرادته، لكن نتيجة إرادته (و هي الوصول إلى اللذائذ والشهوات الدنيوية أو السعادة الأخروية) مرادة الله. وبعبارة أوضح فإنَّ من يسلك طريقاً باختياره فإنَّ النتيجة الطبيعة لذلك السلوك تقع في حيز الإرادة الإلهية لا نفس اختياره.
  2. كلا النموذجين من أبناء البشر يستفيدون من العطاء الإلهي ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ [٢٣]، وعلى هذا فليست الآية بعيدة عن إثبات الجبر في أفعال الإنسان فحسب، بل تشير بوضوح إلى حرية الإنسان واختياره.

الطائفة الرابعة: الآيات التي مفادها مطابقة إرادة الله تعالى في التكاليف لمقدار القابليات والقدرات كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولَا يُرِيدُ بِكُمُ الْمُسْرَ [٢٤]

الطائفة الخامسة: الآيات التي تنفي إرادة الله للظلم كقوله تعالى: ﴿وَ مَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمينَ [٢٥]

فإننا بمراجعة هذا الطوائف الخمس من الآيات نجد أنها خالية عن أيَّةِ دلالةٍ على خضوع أفعالنا الاختيارية -بنفسها لا بنتائجها- إلى إرادة الله التكوينية.

وبهذا ينهار الدليل الثاني للقائلين بالجبر.

تعقيب:

هناك آيتان فقط ربما يكتنفهما الغموض حول هذا المفهوم، ولكننا نجد إنَّ عدم فهم المعنى الصحيح للآيتين أدى إلى استنتاجات خاطئة عنهما.

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَ لَايَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [٢٦]، فما معنى إرادة الله إغواء الناس؟

فالذي يبدو لأول وهلة هو إنَّ سبب عدم تأثير نصائح نوح النبي (ع) في قومه هو إرادة الله (الغواية) لهم، ولذلك فإنهم كانوا مُجبرين على أنْ يسلكوا على طبق إرادة الله. ولكن هذا الاستنتاج يتوقف على تفسير كلمة (الغي) بالضلال والانحراف، بينما أنَّ من معاني هذه الكلمة في اللغة العربية الخيبة والعقاب أيضاً. قال ابن منظور: (أغويتُ الناسَ: أي خيبتهم)[٢٧]، فإنْ كان الإغواء في الآية بهذا المعنى، كان مفاد الآية -على لسان نوح- إنه إذا كان الله يريد الخيبة لكم، فلا أثر لنصائحي فيكم. ومن الواضح أنْ لامانع من وقوعها في حيز الإرادة الإلهية، أما الأفعال نفسها فلا.

لقد ورد في آية أخرى مايصلح لقبول هذا المعنى، حيث قال تعالى: ﴿وَ قَدْ خَابَ مَن دَسَّهَا [٢٨]، أي خاب من أفسد نفسه، فمجيء اليأس عقيب الإفساد الاختياري في النظام الكوني على طبق إرادة الله تعالى لايدل مطلقاً على إرادة الله تعالى لنفس الفعل الاختياري للخيبة. وإنْ كان الإغواء في الآية بمعنى العقاب كما في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [٢٩]، فالمسألة واضحة، لأنَّ الله كما أراد الثواب وقرره للأفعال الصالحة، أراد العقاب وقرره للأفعال السيئة... ولكن إرادة النتيجة غير إرادة الفعل.

الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَعَدُ فِي السَّمَاءِ كَذَالِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ [٣٠]

فقد يتمسك بقوله تعالى: ﴿وَ مَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ لإثبات أنَّ الإضلال يكون من الله تعالى، لكن الاستدلال بقطعة من الآية دون بعضها الآخر غير صحيح، حيث إنَّ الآية تقول في نهايتها: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ [٣١]، أي هذا شأن الذين لايؤمنون، فيجعل الله صدورهم ضيقة حرجة وهذا ما يبعدهم عن طريق الخير والهداية ويلوِّثهم بالمفاسد والانحرافات.

فضلال هؤلاء منوطٌ باختيارهم، وكذلك المؤمنون فإنهم لَمّا سلكوا طريق الخير والهداية وعملوا به أمدهم الله بالتوفيق والتأييد، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [٣٢]، ولو استقرأنا القرآن الكريم لوجدناه خالياً عن أيَّةِ دلالةٍ لكونِ الأفعال الاختيارية للبشر مشمولة بأنفسها للإرادة الإلهية، بحيث لايكون لاختيار الإنسان وإرادته أي أثرٍ فيها، بل كان في كثيرٍ منها نسبة السعي والعمل والإرادة إلى الإنسان نفسه، وإنَّ الله تعالى يريد نتيجة عمله.

وأما إرادة الله الإغواء والإضلال في الآيتين المتقدمتين فمعناها إنَّ الإنسان إذا سلك طريق الفساد والضلال والانحراف بعد أنْ كان مخيراً ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ [٣٣]، فإنَّ الله لايريد له العاقبة السيئة والخيبة والعقاب، وتكون المسؤولية على عاتق الإنسان فقط.[٣٤]

الدليل الثالث

يستدل بعض الجبريين بعموم علم الله لكل شيء، فيقول: لو كان الله عالماً بحركاتنا وسكناتنا فإما يلزم كوننا مجبورين، أو يتبدل علم الله إلى الجهل.

فإذا كان في علم الله أنَّ فلاناً سيشرب الخمر في اليوم الفلاني، وكان هذا مختاراً في الفعل والترك واختار الترك، يلزم أنْ ينقلب علم الله إلى الجهل، وفراراً من هذا المحذور يجب القول بأنَّ الإنسان ليس مختاراً بل يفعل ما قدر الله له أنْ يفعل دون تخلف، وحينذاك يعلم الله بكل صغيرة وكبيرة على ما هي عليه من ثبات وضرورة.

مناقشة:

و يمكن مناقشة الدليل المذكور بأوجه ثلاثة:

  1. لو كان تعلق علم الله بأفعالنا مستلزماً لوقوع أفعالنا بصورة جبرية، لكان تعلق علم الله بأفعاله -جلت أسماؤه وصفاته- مستلزماً لوقوعها بصورةٍ جبريةٍ، أي كونها لا بدية الصدور منه تعالى، وإلا انقلب علمه جهلاً وهذا ما لم يقله أحد.
  2. إِنَّ الله مطلعٌ على أفعالنا بجميع مقدماتها، ومحيط بها من أول نقطة نشرع فيها ونعد للفعل بواسطتها حتى الحصول على النتيجة، ومن هذه المقدمات إرادتنا واختيارنا. فإذا كان الله عالماً بأفعالنا فهو عالم بكونها مسببة لإرادتنا واختيارنا، وهو الذي منحنا حرية الإرادة حيث قال تعالى: قالب:متن قرآ [٣٥]، ﴿إنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وإِمَّا كَفُورًا [٣٦] وإذا كان في علم الله وقوع الفعل مِنّا مسبباً لإرادتنا بطل الجبر وثبت الاختيار.
  3. لا يصح اعتبار الموجودات معلولة لعلم الله تعالى، لأنَّ الثابت كونها معلولة لإرادته ومشيئته، ومن الواضح أنه لو كان علم الله علة للإيجاد لم تكن فائدة لعلة ثانية هي الإرادة أو المشية.

وهل أقوى في الاحتجاج من القرآن نفسه؟ حيث يدل بصراحة على كون العلم والإرادة صفتين متغايرتين، وإنَّ الخلق والإيجاد مستند إلى الإرادة دون العلم.

مثال من واقعنا:

لقد سبق أنْ قلنا بأنه لا مجال لقياس صفات الله تعالى بصفاتنا، والتشبيه بين أفعال الله وأفعالنا، فأين التراب ورب الأرباب؟!

ولكن حيث أَنَّ الأذهانَ تألَفُ المثالَ الذي يقرب المسألة من واقعنا نقول: لنفرض معلماً يدخل الصف ويبدأ تدريس الرياضيات بأسلوبٍ ماهرٍ، وطرقٍ تربويةٍ ممتازةٍ، يعطي التمرينات المتعددة على المعادلة الواحدة، ويختبر الطلاب ويمتحنهم، ويبلغ ذكاء المعلم درجة يميز معها بين الطالب المجد والطالب الكسول من الأسابيع الأولى، وعلى ضوء ذلك يقدر نسبة النجاح بين طلابه.

فإنه يعلم إنَّ الطالب الفلاني سيكون الأول على صفه، وإنَّ الطالب الفلاني سيكون نصيبه الفشل والرسوب في نهاية العام والآن نسأل: إذا استمر الطالب المجد في تحضير دروسه وحل تمريناته حتى نجح في الامتحان النهائي، واستمر الطالب الكسول يهمل في الواجبات المعطاة له، لا يحل شيئاً من التمرينات ولا يصغي إلى المدرس في أثناء الدرس، هل يكون نجاح الأول ورسوب الثاني معلولاً لجهودهما وأعمالهما أم لعلم المدرس؟!

من الواضح أنَّ الجواب هو استناد فشل الطالب الكسول إلى إهماله، وإنْ علم المدرس بذلك من خلال سلوكه في الصف. فالعقلاء جميعاً يلقون اللوم والتبعة على هذا الطالب الكسول لأنه أهمل، لا على المدرس لأنه علم أنَّ هذا التلميذ سيرسب.

تعقيب:

لقد فرغنا من مناقشة أدلة الجبريين، حيث ابتدأنا بمسألة الخالقية المطلقة، ثم بمسألة الإرادة والمشيئة، وانتهينا بمسألة العلم، ولا بأس بإضافةِ معيارٍ آخرٍ يلقي الضوء على مسألة الجبر و الاختيار، ذلك هو (الندم).

لماذا يندم الإنسان على خطأ صدرٍ منه؟

لماذا يتمنى في بعض الأحيان أنه لو كان عاملاً غير الذي عمل؟ لماذا يقول الكافر يوم القيامة: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلّي أَعْمَلُ صَلِحَا فِيمَا تَرَكْتُ [٣٧]، ويجيب الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا [٣٨].

أَلَيس كل ذلك لكون الإنسان مختاراً في ما يفعل ويترك؟

أَلَيس ذلك دليلاً على حرية الارادة؟

إنَّ الإنسان السليم يندم أحياناً على الصفعة التي أهواها على رأس مظلوم، بينما المصاب بالشلل لا يندم مطلقاً على الضربة التي تمت منه، وهذا (الندم) دليل واضح على استناد التصرفات إلى الشخص السليم، وأما المصاب بالشلل فإنَّ يده ترتعش من دونِ إرادةٍ واختيارٍ ولذلك فإنه لا يحس بالمسؤولية تجاه ما يصدر منه.

نفي التفويض:

إزاء التفريط الشديد بحق إرادة الإنسان واختياره من قبل الأشاعرة، جاء المعتزلة وأطلقوا يد الإنسان وأثبتوا له الحرية المطلقة في الأفعال حيث أفرطوا في هذا الجانب ولكنهم حقيقة فَرَّطوا بحق الإرادة الإلهية.

فالقول بالتفويض وحرية الإنسان في أفعاله وعدم خضوعها لإرادة الله لم يكن إلا رد فعل لعقيدة الجبر الخاطئة، ولذلك فقد جاء بعيداً عن الدقة العلمية التي تقتضيها المسائل الاعتقادية.

وإذا كانت إرادة الإنسان هي العلة التامة لإيجاد الفعل فلماذا تصطدم كثيراً بحواجز يعجز عن رفعها؟ ولماذا لايستطيع دفع القضاء الحتمي عنه؟![٣٩]

الأمر بين الأمرين:

ونجد الحل الصحيح لمسألة حرية الإرادة عند الائمة من أهل البيت(ع) فقد سأل رجل الإمام الصادق(ع): أجبرَ اللهُ العبادَ على المعاصي؟

قال: لا

قال: ففوض الأمر اليهم؟

قال: لا

قال: فماذا؟

قال(ع): لطفٌ من ربك بين ذلك[٤٠]

وورد في رواية أخرى: «لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين أمرين».

لما كان مذهب الجبر ينفي أي تأثير لإرادة الإنسان في أفعاله، ومذهب التفويض ينفي أي دخالة لإرادة الله في أفعال الإنسان، جاء الأئمة(ع) ليبطلوا كلا المذهبين، فالحقيقة إنَّ للإنسان الحرية في الأفعال ولكن في ضمن إرادة الله وبتعبيرٍ آخرٍ: إنَّ القدرة وجميع العوامل المؤدية إلى الفعل من الله، ولكن استغلال تلك القدرة في طريق الخير أو الشر منوط بإرادة الإنسان.

ولتوضيح ذلك نقول: يقسم الفلاسفة العلة الفاعلية إلى قسمين:

الفاعل ما منه الوجود.

و الفاعل ما به الوجود.

أما الفاعل ما منه الوجود فهو منحصرٌ في الله تعالى.

ولكن الفاعل ما به الوجود يمكن أنْ يكون أشعة الشمس، والتربة الصالحة، والماء العذب.

كذلك ينقسم الفاعل إلى ما منه الحركة، والفاعل ما به الحركة.

فتحريك اليد للمفتاح وفتح المفتاح للقفل مثال بسيط للقسمين، فاليد هي فاعلة الحركة والحركة صادرة منها، والمفتاح فاعل للحركة أيضاً لكن الحركة قائمة به.

وهكذا أفعال الإنسان فهي قائمة بقدرته، لكن الله تعالى هو خالق القدرة فيه.

فالله تعالى فاعل منه القدرة، والإنسان فاعل به تقوم القدرة... فإنِ استغلَّ قدرته في طريق الخير والأفعال الصالحة كان الفضل لله تعالى (حيث وهبه القدرة على الفعل)، وله أيضاً (لأنَّ القدرة على الفعل قامت به)، وإنِ استغلها في طريق الشر والأفعال الصالحة كان الذم متوجهاً إليه فقط، لأنَّ سوء اختياره هو الذي أدى إلى ذلك ولم يكن الله ليجبره على ذلك حين وهبه القدرة.

وفي ذلك يذكر سيدنا الأستاذ آية الله العظمى السيد الخوئي حيث يقول: (لنفرض إنساناً كانت يده شلاء لا يستطيع تحريكها بنفسه، وقد استطاع الطبيب بأنْ يوجِدَ فيها حركة إرادية وقتية بواسطة قوة الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوة لم يمكنه تحريكها أصلاً، فإنْ وَصَّلَ الطبيبُ هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلاً، وابتدأ ذلك الرجل المريض بتحريك يده ومباشرة الأعمال بها -و الطبيب يمده بالقوة في كل آن- فلا شبهة في أنَّ تحريك الرجل ليده في هذه الحال من الأمر بين الأمرين، فلا يستند إلى الرجل مستقلاً لأنه موقوفٌ على إيصال القوة إلى يده، وقد فرضنا أنها بفعل الطبيب، ولا يستند إلى الطبيب مستقلاً لأنَّ التحريك قد أصدره الرجل بإرادته. فالفاعل لم يجبر على فعله لأنه مريد، ولم يفوَّض إليه الفعل بجميع مبادئه لأنَّ المدد من غيره.

والأفعال الصادرة من الظالمين المختارين كلها من هذا النوع. فالفعل صادر بمشيئة العبد، ولا يشاء العبد شيئاً إلا بمشيئة الله، والآيات القرآنية كلها تشير إلى هذا...). [٤١]

لفتة تأريخية

لا يخفى أن ذهاب جمهور العامة إلى الجبر لم يكن موضوعاً علمياً خالصاً، وإنما وجهته السياسة الزمنية، ذلك إنَّ الذين اغتصبوا الخلافة من الأمويين والعباسيين كانوا على درجةٍ كبيرةٍ من الفساد والضلال والانحراف، ولم يكن تبرير لسلوكهم هذا إلا القول بكونهم مجبرين على تلك الأفعال وفاقدين للاختيار.[٤٢]

نفي الجبر

إنَّ أبسط الناس إدراكاً وفهماً يعلم الفرق بين ما هو واقع تحت اختياره من الأفعال وما هو خارج عن نطاق اختياره، ولو كان مجبراً على أفعاله ولم تكن له إرادة يعملها لم يكن معنى لهذه التفرقة.

ولنضرب لذلك مثلاً بعملية الأكل، فإنَّ الإنسان يمد يده إلى اللقمة، ويضعها في فمه، ثم يمضغها بأسنانه ويديرها بلسانه، ثم يدفعها إلى البلعوم، فننزل إلى المريء، كل هذه الحركات اختيارية له، إنْ شاء فعلها وإنْ شاء تركها. أما إذا نزلت اللقمة إلى المعدة، فإنَّ الغدد تفرز اللعاب المساعد على الهضم سواء أراد الإنسان أم لم يرد، والمعدة تدور فتسحق الطعام شاء الإنسان أم أبى، واندفاع الغذاء إلى الأمعاء يحصل من دون تأثيرٍ لإرادةِ الشخص في ذلك. وهكذا التصفية في الكبد، وامتصاص الدم لخلاصة الطعام، كل ذلك خارج عن إرادة الإنسان.

وأما الأفعال الاختيارية للإنسان فهي من قبيل الذهاب إلى المعمل أو المكتب أو السوق، والجلوس وراء المنضدة أو الوقوف، والمطالعة والكتابة... فكل ذلك يصدره الإنسان بإرادته واختياره.

و كلنا ندرك جلياً الفرق بين النزول من السطح بواسطة السلالم وبين السقوط من الأعلى إلى الأسفل، فالأول اختياري يستطيع الإنسان الاستمرار عليه ويمكنه التوقف، غير إنَّ الثاني خارج عن اختياره، فإذا زلت قدمه فإنه يسقط ولا يستطيع الامتناع عن السقوط وهو في الأثناء.

فبهذا المقدار تكون المسألة جلية لدينا حول الجبر والاختيار وكيفية التعامل مع الأمور التي تواجه الإنسان.

وفي ذلك هناك كلام لأبي الهذيل العلاف يندد فيه بالجبريين الذين يَدَّعون أنَّ أفعالهم غير مقدورة لهم وخارجة عن اختيارهم: (حِمارُ بِشْرٍ أَعْقَلُ مِنْ بِشْرٍ، لأنَّ حِمارَ بِشْرٍ لو أتيتَ بهِ إلى جدولٍ كبيرٍ وضربتهُ فإنه لا يطفرهُ ويروغُ عنه، لأنه فَرَّقَ بين ما يقدرُ على طفرِهِ وبينَ ما لا يقدرُ عليه، وبِشْرُ لا يُفَرِّقُ بينَ المقدورِ له وغير المقدور)[٤٣].[٤٤]

الفرق بين المحسن والمسيء

يشعر الإنسان باستجابة طيبة نحو مَنْ أحسنَ إليه، ولذلك فإنه يشكره إنْ لم يستطع مقابلته بالمثل. ومن هنا قال علماء الكلام بوجوب شكر النعم عقلاً، أما المسيء فإنَّ النفس تنفر منه بشكلٍ لا شعوري، ولا يبدي الإنسان استجابة طيبة نحوه.. وللتدليل على أصالة التفرقة بين المحسن والمسيء نجد الطفل يحس بالفرق بين مَنْ يعطيه الحلوى ومَنْ يصفعه، فيرتاح للأول ويبتسم له، في حين أنه يغضب على الثاني ويقطب وجهه تجاهه.

فلو كانت أفعال الإنسان غير اختيارية وإنما تسيره إرادة الله فقط، لزم أنْ لا يكون هناك فرق بين المحسن والمسيء، لأنَّ المحسن لا يأتي بالإحسان وهو مختارٌ له بل إنه مجبرٌ عليه فينبغي أنْ لا يستحق أيَّ مدحٍ أو ثناءٍ، والمسيء حين يقوم بالإساءة فهو غيرُ مختارٍ بل إرادة الله هي التي تفرض عليه ذلك، فينبغي أنْ لا يستحق أيَّ لومٍ أو عتابٍ.[٤٥]

وما ربك بظلام للعبيد

إنَّ القول بالجبر يستلزم نسبة الظلم إلى الله تعالى، لأنَّ الثابت إنَّ الله كلف البشر بتكاليف وألزمهم بأحكام وأفعال، ونهاهم عن مخالفتها والانحراف عنها.

ولكي يضمن الله تعالى تنفيذ والتزام الناس لهذه الأوامر والنواهي التي تضمنتها الشريعة المقدسة، فقد وعد المطيعين بالثواب والعاصين فقد توعدهم بالعقاب، أما لو كان الله قد أجبر الناس على المعاصي وكانت أفعالهم معلولة لإرادته فقط ولم يكن لهم مجال في دفع المصير الحتمي عن أنفسهم، كان عقابهم على تلك الأفعال ظلماً لهم.

فإذا سرق شخص فإنَّ الله هو المسؤول عن السرقة على مذهب الجبريين، وكذلك فإذا فعل أي فاحشة فإنَّ المسؤولية في هذه الجريمة تلقى على عاتق الله.. ومع ذلك يلتزمون بأنَّ الله سيعاقب المجرمين على جرائمهم؟

أليسَ ذلكَ ظلمٌ وتعدِّ صريحٍ على الله تعالى؟

حاشاه الله عن أنْ يكون ظالماً أو متهرباً من المسؤولية..

وفي ذلك روي أنه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم، فقال له: يا أبا حنيفة إنَّ هاهنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد(ص) فاذهب بنا إليه نقتبس منه علماً، فلما أتيا إذا هما بجماعة ممن شيعته ينتظرون خروجه أو دخوله عليهم.. فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث، فقام الناس هيبة له. فالتفت أبو حنيفة فقال: يا ابن مسلم مَنْ هذا؟

- قال: هذا موسى ابنه.

- قال: والله لأجبهنه (أي لأُخجلنَّه) بين يدي شيعته.

- قال: مَهْ، لن تقدر على ذلك.

- قال: والله لأفعلنه ثم التفت إلى موسى(ع) فقال: يا غلام أين يضع الغريب حاجته في بلدتكم هذه؟ (يريد مكان التغوط والبول استهزاء).

- قال: يتوارى خلف الجدار، ويتوقى أعين الجار وشطوط الأنهار ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حاجته حيث شاء.

- ثم قال: يا غلام ممن المعصية؟

- قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث، إما أنْ تكون من الله وليس من العبد شيء، فليس للحكيم أنْ يأخذ عبده بما لم يفعله.

وإما أنْ تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين، فليس للشريك الأكبر أنْ يأخذ الشريك الأصغر بذنبه. وإما أنْ يكون من العبد وليس من الله شيء، فإنْ شاء عفى وإنْ شاء عاقب.

- قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنما ألقم فوه الحجر.

- قال: فقلت له: ألم أقل لك لا تتعرض لأولاد رسول الله (ص)؟[٤٦].[٤٧]

المراجع والمصادر

  1. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية

الهوامش

  1. يذكر الأشاعرة أدلة أخرى أيضاً في منابعهم المبسوطة، وللاطلاع عليها يُمكن الرجوع إلى: فخر الرازي، المطالب العالية، ج۹، ص۷- ۲۴۴.
  2. وذكر جواب آخر على هذه المسألة وهو: أن العلم يتبع المعلوم دائماً ولا يُمكن أن يؤثر عليه، فلا يُمكن أن يوجب العلم الإلهي عدم اختيارية فعل الإنسان لأنه يلزم منه تأثير العلم على المعلوم (فعل الإنسان) والحال أن كل علم يتبع معلومه، ولكن هذا الجواب غير صحيح لأن علم الله خلاف علم الإنسان، لا يتبع المعلوم، بل هو يقع في سلسلة علله، للتوضيح أكثر يُمكن الرجوع إلى: العلم المسبق الإلهي واختيار الإنسان، ص١۵-۴۴.
  3. صدر المتألهين الشيرازي، الأسفار الأربعة، ج۶، ص۳۱۸، التعليقة رقم ٢. والعلامة الطباطبائي، نهاية الحكمة، مرحلة ١٢، فصل ١۴؛ مصباح اليزدي، محمد تقي، تعليقة على نهاية الحكمة، ص۲۳۸؛ الإلهيات على...، ج۱، ص۶۳۱.
  4. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٣٤٥-٣٤٨.
  5. سورة الصافات: ۹۶.
  6. سورة الصافات: ۹۶.
  7. سورة الصافات: ۹۵.
  8. سورة الأنعام: ۱۰۰-۱۰۱.
  9. سورة المدثر: ۳۸.
  10. سورة الشمس: ۸.
  11. سورة الشمس: ٩.
  12. سورة الشمس: ١٠.
  13. سورة العنكبوت: ۵۵.
  14. سورة الرعد: ۱۱.
  15. سورة النساء: ٤٠.
  16. سورة التوبة: ٧٠.
  17. سورة الإنسان: ٣.
  18. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٢٤-١٢٧.
  19. سورة يس: ٨٢.
  20. سورة المائدة: ١٧.
  21. سورة الفتح: ۱۱.
  22. الإسراء ۱۸-۲۰
  23. الإسراء: ۲۰
  24. البقرة: ١٨۵.
  25. آل عمران: ۱۰۸.
  26. هود: ٣٤
  27. لسان العرب، ج۱۵، ص۱۴۰ مادة (غوي).
  28. الشمس: ۱۰
  29. مريم: ٥٩
  30. الأنعام: ١٢٥
  31. الأنعام: ١٢٥
  32. العنكبوت: ٦٩
  33. البلد: ١٠
  34. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٢٧-١٣٢.
  35. البلد: ۱۰
  36. الإنسان: ٣
  37. المؤمنون: ٩٩-١٠٠
  38. المؤمنون: ۱۰۰
  39. سيجيء توضيح (القضاء والقدر) بعد هذا المبحث إن شاء الله.
  40. البحار، ج۵، ص٣.
  41. البيان في تفسير القرآن، ص۶۵.
  42. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٣٨-١٤٣.
  43. استقصاء النظر في الجبر والقدر.
  44. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٢١-١٢٢.
  45. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٢٢.
  46. بحار الأنوار، الطبعة الحديثة، ج۵، ص۲۷.
  47. السيد فاضل الميلاني، العقائد الإسلامية، ص ١٢٣-١٢٤.