نقاش:الإمام المهدي عليه السلام

محتويات الصفحة غير مدعومة بلغات أخرى.
من إمامةبيديا

تمهيد

الأئمة المعصومون بعد النبي(ص) هم اثنا عشر إماماً أولهم علي بن أبي طالب(ع) وآخرهم المهدي(ع). وللإمام المهدي(ع) موقعية خاصّة في الفكر الشيعي الاثني عشري حيث إنهم يعتقدون أنه غائب عن الأنظار، وسيظهر عندما يشاء الله ذلك، وسيملأ العالم عدلاً بظهوره، بعبارة أخرى: إنّ شخصية الإمام المهدي(ع) لها علاقة وثيقة بفكر المنجي الإلهي في آخر الزمان (الفكر المهدوي).[١]

إشارة تاريخية

ولد الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكري في ۱۵ شعبان سنة ٢۵۵ ه ق في مدينة سامراء. اسمه وكنيته هما اسم وكنية الرسول الأكرم(ص) ومن ألقابه: الحجة، القائم، المهدي، الخلف الصالح، وصاحب الزمان(ع). كانت حكومة بني العباس تفتش عن أولاد الإمام الحسن العسكري لتقتلهم، من هنا اقتضت المشيئة الإلهية بأن يولد الإمام المهدي(ع) في الخفاء التام، بحيث لم يعلم بهذا الخبر قبل ولادته حتى المقربين من الإمام[٢]. بدأت مرحلة إمامته من سنة ٢۶٠ ه ق مع استشهاد أبيه(ع) ولم يكن يعرف مكانه إلا عدداً قليلاً جداً من الشيعة.

وتنقسم مرحلة إمامة الإمام المهدي(ع) إلى مرحلتين أساسيتين، تعرفان بالغيبة الصغرى والغيبة الكبرى. بدأت الغيبة الصغرى من أوّل إمامته إلى سنة ۳۲۹ ه.ق، أي: أنها استمرت ۶۹ سنة، ثمّ بدأت الغيبة الكبرى وستستمر إلى الظهور.

في مرحلة الغيبة الصغرى كان للإمام أربعة نواب من خواص الشيعة، عينهم الإمام(ع) وعرَّفهم للناس وكان الناس يتصلون بالإمام عن طريقهم. أوّل نائب للإمام(ع) هوعثمان بن سعيد من الأصحاب الثقات للإمامين الهادي والعسكري(ع). وبعده ابنه محمد بن عثمان الذي تولى مسؤولية النيابة وكان ثقة الإمام(ع) إلى أن توفي سنة ۳۰۴ ه. ق. بعده جاء حسين بن رَوح النوبختي وهو من كبار عصره وثقة الإمام(ع) وبعد وفاته في سنة ۳۲۶ ه ق تولى النيابة علي بن محمد السمري الذي كان من أصحاب الإمامين العاشر والحادي عشر(ع) وقد توفي سنة ۳۲۹، وقبل أن يتوفى بأيام حصل على رسالة من الإمام صاحب الزمان(ع) تتضمن الشكر والثناء على ما قدمه النواب الأربعة ويخبره بقرب وفاته وانتهاء الغيبة الصغرى بوفاته، وبدء الغيبة الكبرى.

في مرحلة الغيبة الكبرى التي لا تزال مستمرة لم ينصّب الإمام شخص مُعيّن لنيابته، بل أمر الناس بالرجوع إلى الفقهاء العدول[٣].[٤]

المهدوية تطلُّع عالمي

إنّ فكرة المهدوية والاعتقاد بظهور منجي عالمي في آخر الزمان ليست فكرة خاصّة بالمذهب الشيعي، بل إنّ كل الفِرق الإسلامية تتّفق عليها كما سيأتي.

حيث توجد روايات كثيرة في منابع أهل السنة تتعلق بهذه الفكرة، بل يُمكن أن نجد صور للاعتقاد بها في سائر الأديان، مثلاً نقرأ في كتاب المزامير من العهد العتيق[٥]، المنسوب إلى داوود(ع).

۹ سينقطع الأشرار وسيرث المتوكلون على الله الأرض...، ۱۱. سيرث المتواضعون الأرض وسيتلذذون من كثرة السلامة...، ۲۲. سيرث المتبركون بالله الأرض وسينقطع الملعونون عنده[٦].

وجاء في كتاب الزند الذي يُعدّ من الكتب الدينية لدى الزرداشتية:

جيش أهريمن في قتال دائم مع جيش أيزد على الأرض، سينتصر جيش أيزد، وبعد الانتصار سيخسر جيش أهريمن وسيصل العالم إلى سعادته الحقيقية، وسيتربع بني آدم على عرش السعادة[٧].

وجاء في إنجيل متّى في الفصل ۲۴: ۲۷... كالبرق الذي يخرج من المشرق متجهاً إلى المغرب، هكذا هومجيء ابن آدم... ۳۰. سنرى أنّ ابن آدم سيأتي في غيوم السماء بقدرة وجلال عظيمين...

فالاعتقاد بظهور المنجي والمصلح العالمي في آخر الزمان من الأصول المشتركة المقبولة عند كل الأديان السماوية وقد اتفق عليها كل الفِرق الإسلامية، نعم اختلفوا في تعيين ذلك المنجي.

إننا نعتقد أنّ المهدي الموعود والمنجي العظيم الذي بظهوره سيملأ الأرض عدلاً، وستقام الحكومة العالمية للإسلام هوابن الإمام الحسن العسكري(ع) دون سواه وهوالخليفة الثاني عشر للرسول الأكرم(ص) الذي ولد سنة ۲۵۵ ه.ق وهوغائب الآن.

قبل أن نذكر الروايات المرتبطة بالإمام المهدي(ع)، من المناسب الإشارة إلى بعض الآيات التي أشارت إلى مسألة المهدوية وحكومة الإسلام العالمية[٨]

حكومة المهدي العالمية في القرآن

نجد في القرآن إشارات إلى ظهور المهدي(ع) في آخر الزمان وسيطرة حكومة الصالحين في الأرض، فقد جاء في سورة الأنبياء ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ[٩]، تقول الآية أنّ الله قضى في الزبور - كتاب النبي داوود(ع) في الذكر (يظهر أن المقصود منه التوراة) أنّ الأرض سيرثها الصالحون وبالالتفات إلى أنّ لفظة (الأرض) - مع عدم وجود قرينة - يُراد بها كل الأرض، وبالتأمّل في معنى الوراثة يتضح أنّ الآية مورد البحث، تعدنا بالحكومة العالمية للصالحين، وبالنظر إلى وجود حكومات صالحة على مرِّ التاريخ (سواء قبل الإسلام أوبعده) مثل حكومة النبي سليمان(ع) أوالحكومة الإسلامية في زمن النبي(ص) وعلي(ع) إلا أنه لا يُمكن القول أنّ أيّاً منها كانت تمثل حاكميّة الصالحين العالمية. فهذا الوعد الإلهي لم يتحقّق بعد، ومن المُحال أن يتخلّف الوعد الإلهي، فالنتيجة أنّ حاكمية الصالحين العالمية ستحقّق في المستقبل وهذا المعنى إشارة إلى ظهور المهدي(ع) وتأسيس حكومة الإسلام العالمية على يديه، ويؤيّد هذه النتيجة روايات متعدّدة كالرواية المنقولة عن الإمام الباقر(ع): «هُمْ أَصْحَابُ الْمَهْدِيِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ»[١٠].

وقد ذُكرت إشارات بهذا المعنى أيضاً في سورة القصص ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[١١] مع أنّ هذه الآية ذكرت بين الآيات المرتبطة ببني إسرائيل إلا أنّ استعمال صيغة المضارع في فعل (نريد) يُبيّن نوع من الاستمرار. يُمكن القول أنّ الآية المذكورة تُشير إلى حكومة المستضعفين العالمية بقيادة المهدي(ع) في آخر الزمان، خاصّة أنه جاء في بعض الروايات أنّ المقصود من المستضعفين الذي سيرثون الأرض، هم أهل البيت(ع) حيث سيصلون إلى العزّة بقيام المهدي(ع)[١٢]. وجاء في بعض الآيات الأخرى ذكر للانتصار المطلق للإسلام على سائر الأديان، كما في سورة التوبة[١٣]: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[١٤]، حيث يُصرّح الله في الآية بوعده نصر الإسلام وغلبته على كل الأديان. وبالتأمّل في سائر الموارد التي استعمل فيها فعل (ظَهر) في القرآن[١٥]، يتبيّن أنّ المقصود من الغلبة والنصر العيني هنا هوأنّ المسلمين سيتغلبون على أتباع سائر الأديان[١٦]. وبما أنّ الإسلام - حتى اليوم - لم يغلب سائر الأديان - بشكل مطلق-، يُمكن أن يكون هذا الوعد إشارة إلى حكومة المهدي(ع) العالمية، وهذا ما يؤيّده بعض الروايات[١٧]. وبالإضافة إلى ما ذُكر، توجد آيات كثيرة أخرى تتضمّن إشارات إلى المهدي(ع) ونهضته العالمية، نكتفي بما ذكرناه احترازاً عن الإطالة.[١٨]

السنة الإسلامية وفكرة المهدوية

إذا تجاوزنا الإشارات القرآنية، نجد مجموعة كبيرة من الروايات الإسلامية ذكرت مسألة المهدوية وبيّنت أبعادها المختلفة. هذه الروايات لا تختص بمنابع الشيعة الروائية، بل هي موجودة بكثرة في منابع أهل السنة كذلك[١٩]. بالإضافة إلى أنّ بعض كبار أهل السنة بادروا بتأليف كتب مستقلة في مسألة الإمام المهدي(ع) مما يدلّ على أهمية فكرة المهدوية وانتشارها بين غير الشيعة[٢٠]. واتفق الشيعة وأهل السنة على أصل ظهور المهدي(ع) في آخر الزمان وأحواله وأوصافه، نعم الاختلاف الوحيد المهم بينهم يرتبط بولادته حيث يعتقد الشيعة أنه ولد سنة ٢۵۵ ه ق وهوغائب، أما أغلب أهل السنة يعتقدون بأنه لم يولد بعد.

هنا نذكر حديث من المنابع الروائية لأهل السنة عن علي(ع) عن النبي(ع) قال: «لولم يتبق من الدهر إلا يوم، يبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً».[٢١]

الإمام المهدي(ع) في روايات الشيعة

تضع الروايات الموجودة في منابع الشيعة الروائية الكثير من المعلومات بين أيدينا تشمل كيفية الولادة، الأوصاف البدنية والمعنوية، عوامل الغيبة، علامات الظهور وأحداث ستقع بعد الظهور، سنكتفي بذكر أهم تلك المسائل الكثيرة باختصار.[٢٢]

المهدي الموعود: ابن الإمام العسكري

قلنا أنّ عامة علماء أهل السنة، يشكّكون في أنّ ابن الإمام العسكري هونفسه المهدي الموعود الذي أخبر عنه القرآن والنبي(ص) ويعتقدون أنّ منجي العالم لم يولد بعد، على خلاف عقيدة الشيعة حيث يستندون إلى روايات النبي(ص) والأئمة(ع) التي تقول بأنّ الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت(ع) هوالمهدي الموعود. كالرواية المنقولة عن الرسول(ص): «الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ، أَوَّلُهُمْ أَنْتَ يَا عَلِيُّ، وَ آخِرُهُمُ الْقَائِمُ الَّذِي يَفْتَحُ اللَّهُ- تَعَالَى ذِكْرُهُ- عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبَهَا»[٢٣] . كما توجد أحاديث تذكر المهدي الموعود بعنوانه الرجل التاسع من نسل الإمام الحسين والرابع من نسل الإمام علي بن موسى الرضا والثالث من نسل الإمام محمد بن علي الجواد[٢٤]، فإذا أضفنا إلى هذه الروايات ما نقله التاريخ من أخبار قطعية على ولادة ابن للإمام الحسن العسكري من جهة، وما نقله التاريخ من تأكيد على أنّ هذا المولود هوالمهدي الموعود من جهة أخرى، لا يبقى مجال للشك في أنّ المهدي الموعود هوابن الإمام العسكري(ع).

لقد التقى به الكثير من الناس في المقاطع الثلاثة:

  1. قبل وفاة الإمام العسكرى(ع).
  2. في زمن الغيبة الصغرى.
  3. في زمن الغيبة الكبرى.

وقد أخبروا بذلك ونقلوا أحداث اللقاءات التي جرت بينهم وبين الإمام(ع)، وبالالتفات إلى شخصياتهم وأوصافهم، لا يبقى مجال للشك فيما نقلوه[٢٥]. كما يستنتج من مجموع الروايات أنّ المهدي الموعود(ع) هوشخص واحد، أي: أنه لن يكون هناك عدّة أشخاص باسم المهدي، لهم ظهورات متعدّدة في مراحل مختلفة، فكل من يدّعي المهدوية من غير أبناء الإمام العسكري(ع) فهوكاذب.[٢٦]

عوامل الغيبة

يُطرح سؤال على اعتقاد الشيعة بغيبة إمام الزمان(ع) هو: ما العوامل التي أدت إلى غيبته؟ في الإجابة عن السؤال المذكور، يجب أوّلاً: الالتفات إلى أنّ الإمامة -كالنبوّة - مقولة إلهية، فمن غير الصحيح أن نتوقع أن تكشف لنا كل أسرارها وأبعادها. وإنّ الله هدف هوهداية البشر لذا منذ بدء الخلقة بدأ بإرسال الأنبياء وأنزل الكتب السماوية واستمر إلى بعثة النبي الأكرم(ص) آخر الأنبياء، ثمّ اقتضت المشيئة الإلهية بأن تستمر وظائف النبي(ص) ومسؤولياته على يد اثني عشر إمام من أهل بيته آخرهم سيغيب لمدة غير معلومة. ونحن نعتقد بحكمة الله ونعتقد أنّ مسألة الإمامة بكل تفاصيلها هي مسألة إلهية ونعتقد أنّ غيبة الإمام الثاني عشر عمل حكيم وإن لم نطلع على كل أسراره. جاء في حديث عن عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق جعفر بن محمد(ص) يقول: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا الْأَمْرِ غَيْبَةً لَا بُدَّ مِنْهَا يَرْتَابُ فِيهَا كُلُّ مُبْطِلٍ فَقُلْتُ وَ لِمَ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ لِأَمْرٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي كَشْفِهِ لَكُمْ قُلْتُ فَمَا وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ قَالَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَتِهِ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي غَيْبَاتِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّ وَجْهَ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ لَا يَنْكَشِفُ إِلَّا بَعْدَ ظُهُورِهِ كَمَا لَمْ يَنْكَشِفْ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَاهُ الْخَضِرُ(ع) مِنْ خَرْقِ السَّفِينَةِ وَ قَتْلِ الْغُلَامِ وَ إِقَامَةِ الْجِدَارِ لِمُوسَى(ع) إِلَى وَقْتِ افْتِرَاقِهِمَا يَا ابْنَ الْفَضْلِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ سِرٌّ مِنْ سِرِّ اللَّهِ وَ غَيْبٌ مِنْ غَيْبِ اللَّهِ وَ مَتَى عَلِمْنَا أَنَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ حَكِيمٌ صَدَّقْنَا بِأَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا حِكْمَةٌ وَ إِنْ كَانَ وَجْهُهَا غَيْرَ مُنْكَشِفٍ لَنَا»[٢٧].

مع ذلك نجد أنّ بعض الروايات ذكرت بعض أسباب الغيبة وفوائدها –وإن كان السر الحقيقي لذلك غير معلوم لنا – وهي عبارة عن:

الصون من الاستشهاد سريع الوقوع

الحكومة العباسية كانت تترصد أبناء الإمام العسكري(ع) لقتلهم، فلوعاش الإمام المهدي(ع) بشكل علني كآبائه فسوف يُستشهَد مباشرة.

من جهة أخرى اقتضت الحكمة الإلهية أن يبقى حياً ويحقق الحكومة الإسلامية بقيامه(ع)، فالحكمة تقتضي أن يختفي عن الأنظار وبذلك يبقى في مأمن من الأعداء، ذُكرت هذه المسألة في أحاديث مختلفة، منها: ما ينقله زرارة عن الإمام الصادق(ع): «إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ ظُهُورِهِ قُلْتُ وَ لِمَ قَالَ يَخَافُ وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ قَالَ زُرَارَةُ يَعْنِي الْقَتْلَ»[٢٨]. لا ينبغي الغفلة عن أنّ هذا الخوف ليس شخصياً فكل الأئمة المعصومين(ع) كانوا مستعدين للشهادة في سبيل الله. لكن المقصود هنا أنه لواستشهد الإمام لما تمّ إجراء البرنامج الإلهي - المبتني على إقامة العدل في كل أرجاء العالم - بشكل تام.

الامتحان الإلهي

من النقاط التي ذكرت في الروايات بعنوانها حكمة من حِكم الغيبة أنّ الله يمتحن الناس بغيبته، لتصفوصفوف المؤمنين حقاً من ضعيفي الإيمان. كما أنّ المصائب التي تقع في غيبته ستكون سبباً في تطهير الشيعة من الذنوب (المسمى بالتمحيص).

فقد روي «عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(ع) أَنَّهُ قَالَ: لَتُمْخَضُنَّ يَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ شِيعَةِ آلِ مُحَمَّدٍ كَمَخِيضِ الْكُحْلِ فِي الْعَيْنِ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكُحْلِ يَعْلَمُ مَتَى يَقَعُ فِي الْعَيْنِ وَ لَا يَعْلَمُ مَتَى يَذْهَبُ فَيُصْبِحُ أَحَدُكُمْ وَ هُوَ يَرَى أَنَّهُ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ أَمْرِنَا فَيُمْسِي وَ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا وَ يُمْسِي وَ هُوَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ أَمْرِنَا فَيُصْبِحُ وَ قَدْ خَرَجَ مِنْهَا»[٢٩].

عدم الخضوع إلى بيعة الحكومات الظالمة

أشارت بعض الروايات التي ذكرت علّة غيبة المهدي أنه عندما يقوم، ليس في ذمته بيعة لأحد، إنّ آباءه العظام كل منهم - بمقتضى الحكمة الإلهية - كانوا يعيشون في شروط أمرهم الله بها رعايةً لمصالح الإسلام بتحمل حكومة حكام الجور، والامتناع عن المبارزة العلنية معهم، إلا أنّ المشيئة الإلهية اقتضت أن لا يعيش الإمام المهدي(ع) ولوللحظه في حال التقية وسيظهر عندما تتهيأ كل الأسباب للمبارزة العلنية مع الطواغيت، فقد روي عن الإمام الرضا(ع) في جوابه عن سؤال أحد الأصحاب عن سبب غيبة الإمام(ع) قال: «لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ إِذَا قَامَ بِالسَّيْفِ»[٣٠].[٣١]

فوائد الإمام(ع) في زمن الغيبة

نعلم أنّ الهدف من غيبة الإمام(ع) هوهداية الناس وقيادة الأمة الإسلامية، فكيف يُمكن أن يغيب الإمام ويبتعد عن الناس ومع ذلك عليه القيام بمسؤوليات الإمامة؟ هل لوجود إمام غائب فائدة للناس؟ في الجواب عن أسئلة من هذا القبيل، يُمكن الإشارة إلى عدّة نقاط:

  1. غاب بعض الأنبياء الماضين عن قومهم مدّة قصيرة أوطويلة في حين استمر منصب نبوتهم[٣٢].
  2. غيبة إمام الزمان لا يعني عدم حضوره بين الناس مطلقاً، بل إنّ روايات كثيرة تدلّ على أنه يحضر بين الناس ويشارك في مجالس الشيعة، وأنه أيام الحج يقوم بأداء المناسك مع الحجاج، إلا أنّ غيابه بمعنى أنّ الناس لا تعرفه ولا تتعرّف على هويته. فالإمام(ع) يحضر بين الناس وهو منشأ آثار وبركات كثيرة وإن لم يشخّصه عموم الناس.
  3. بناءً على الروايات الموجودة، تشرّف جماعة من خواص الشيعة في زمن الغيبة الكبرى بلقاء إمام الزمان وتنعموا بنور هدايته، فمن البديهي أنّ هؤلاء يُمكنهم أن يكونوا واسطة تُثبت وجوده إلى سائر الناس.

وبالالتفات لما ذكر يتضح أنّ الإمام المهدي(ع) حتى في زمان الغيبة هوموظف بوظائف الإمامة، والأمة تتنعّم بفيض وجوده وإن كانت هذه الاستفادة محدودة مقارنة بعصر الظهور. كما تُشبّه الروايات وجود الإمام في عصر الغيبة بالشمس التي تخفيها السحب، في حديث لجابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله(ص) عندما سأله، هل ينتفع الناس من وجود القائم في زمن الغيبة؟ قال:(ص). «إِي وَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ إِنَّهُمْ لَيَنْتَفِعُونَ بِهِ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِ وَلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِالشَّمْسِ وَ إِنْ جَلَّلَهَا السَّحَابُ»[٣٣]. إنّ تاريخ الشيعة يشهد على أنّ كثير من العلماء كانوا عندما تستعصي عليهم بعض المسائل العلمية يلجؤون للإمام(ع) لحلها، كما أنه تمّ شفاء كثير من المرضى ونجاة كثير من المحتاجين بعنايته، كل هذا دليل على الدور الحياتي للإمام(ع) في عصر الغيبة.[٣٤]

علامات الظهور

لا يعلم زمن ظهور الإمام المهدي(ع) على وجه الدقة غير الله، وكل من يدعي العلم بذلك فهوكاذب[٣٥]، والالتفات إلى هذه العلامات يساعد الشيعة على كشف كل من يدعي المهدوية والظهور والقيام. إلا أنّ الروايات كثيرة لا يُمكن ذكرها هنا[٣٦].[٣٧]

طول عمر الإمام المهدي(ع)

إذا قبلنا أنّ ولادة إمام الزمان(ع) كانت سنة ٢۵۵ ه ق يعني أنّ عمره حالياً أكثر من ۱۱۶۰ سنة وكلما تأخر ظهوره كلما طال عمره. قد يصعب على البعض القبول بهذا العمر ويستبعده أوحتى يعدّه غير ممكن؟ هل يُمكن أن يكون للإنسان عمراً طويلاً هكذا؟ في الجواب عن السؤال المذكور يُمكن القول:

١. لا شك أنّ طول العمر أمر غير مُحال ذاتاً؛ بل يُمكن القول أنه مُحال وقوعه على الأكثر، يعني أنه أمر غير ممكن حسب مقتضى القوانين الطبيعية المعروفة، وإن كان هوفي حدّ ذاته ممكن. ذكرنا في بحث القدرة الإلهية، أنه من القدرة الإلهية أنّ معجزات الأنبياء هي من الحالات الوقوعية التي تتعلّق بها القدرة الإلهية، فيُمكن القول أنّ الله عزّوجلّ – بناءً على حكمته - قدّر أن يعيش الإمام قروناً متمادية بالرغم من جريان القوانين الطبيعية العادية.

بالرغم من وضوح هذه المسألة وعدم الحاجة إلى الاستدلال عليها إلا أنه يُمكن ذكر مؤيّدات من بعض آيات القرآن الكريم، يقول القرآن في النبي يونس(ع): ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[٣٨]. هذه الآية صريحة في إمكان استمرار حياة الإنسان إلى يوم القيامة. الخلاصة أنه بملاحظة القدرة المطلقة الإلهية والإمكان الذاتي لطول العمر، لا يبقى مجال للشك أوللإنكار بالنسبة لطول عمر الإمام المهدي(ع).

٢. من الممكن تقوية مدّعانا بالقول: أنّ طول العمر منسجم حتى مع القوانين الطبيعية، فلا تحتاج إلى إعمال قدرة إلهية خاصّة، بل إنّ طبيعة الإنسان إذا ابتعد عن تأثير العوامل التي تعجل في الموت (مثل سوء التغذية، استنشاق هواء غير مناسب، الضيق الروحي، عدم الرعاية الصحية و...) فسيكون له عمر طويل جداً مقارنة بالناس العاديين. يؤيّد هذا المدّعى شواهد كثيره اليوم، وأيدها كثير من العلماء والأطباء الذين يرون أنّ كبر السن والموت هونوع من المرض الذي يُمكن مواجهته من خلال اكتساب الطرق المناسبة لذلك، وبالتالي يضمن سر العيش لآلاف السنوات، من هنا في المدن المتطورة التي تتميّز بالرعاية الصحية لعامة الناس نجد أنّ متوسط عمر الناس فيها أرفع منه بالقياس إلى الدول المتخلّفة. فوجود المعمّرين طوال التاريخ هوشاهد آخر على المدّعي، فالقرآن يصرّح أنّ عمر نوح(ع) يقارب ألف سنة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا[٣٩]. فطول العمر لا يستبعده العقل ولا العلوم التجربية.[٤٠]

خصوصيات عصر الظهور

بعض الروايات وصفت الأحداث التي ستقع بعد ظهور الإمام المهدي(ع) وطريقته في إدارة الحكومة والأوضاع العامة للأمة الإسلامية. بناء على هذه الروايات فإنّ الإمام المهدي(ع) سوف يسير بسيرة جده رسول الله[٤١] وسيقضي بين الناس -كما كان النبي داوود - بدون الحاجة إلى دليل وشاهد[٤٢]، وسيوسّع حكومة الإسلام في كل أرجاء الأرض وستظهر بركات السماء والأرض للناس في زمانه وسينتشر الأمن وتنتهي الآفات والأمراض. وستفتح كل الاستعدادات العملية والمعرفية للمؤمنين وستظهر علوم الأنبياء والأوصياء للناس. وأنه سيمحوكل مظاهر البدعة وسيظهر الوجه الحقيقي للإسلام الذي تعرض لتغيرات طوال التاريخ، وسيملأ الأرض عدلاً وسيقتلع جذور الظلم حتى لا يبقى كافر إلا ويؤمن ولا فاسق إلا ويتبع مسلك الصلاح.[٤٣]

فضيلة الانتظار

روايات كثيرة تؤكّد على فضيلة الإيمان بقائم آل محمد(ص) في زمن غيبته وانتظار ظهوره؛ مثلاً عن الإمام الصادق(ع): «مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَ هُوَ مُنْتَظِرٌ لِهَذَا الْأَمْرِ كَمَنْ هُوَ مَعَ الْقَائِمِ فِي فُسْطَاطِهِ قَالَ ثُمَّ مَكَثَ هُنَيْئَةً ثُمَّ قَالَ لَا بَلْ كَمَنْ قَارَعَ مَعَهُ بِسَيْفِهِ ثُمَّ قَالَ لَا وَ اللَّهِ إِلَّا كَمَنِ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ(ص)»، كما جاء في الروايات «أن أفضل العبادات انتظار الفرج».[٤٤]

الأئمة الاثنا عشر

تمهيد

خطة العباسيين وسياستهم تجاه أئمة أهل البيت(ع)، بصهر الإمام في جهازهم الحاكم تمهيداً لتمييع أطروحتهم وعزلهم عن قواعدهم الشعبية، وكان الواحد منهم يعاني القهر والخوف والفقر والعذاب، من سياستهم الغاشمة.

وقد أجبرتهم سياسة البطش والإضطهاد إلى النشاط السري المحاط بالكتمان والرمزية قولاً وعملاً، والإنتقال من مرحلة المد والتوسع الأفقي إلى مرحلة الحفاظ على البقاء، ومحاولة الإتصال المباشر بأصحابهم الخلص، بعد أن يختبروا فيهم قوة الإرادة والصمود أمام ضغط الأحداث الصعبة، وهي مرحلة كانت تستهدف إذ كاء روح الجذوة والأمل الثوريين - من خلال فكرة المهدي المنتظر - في نفوس الشيعة ومتابعة دور المعارضة الصامدة أمام هجمات الإنحراف ضد الخط الرسالي، بالشكل الذي لا يتنافى ومرونتهم في العمل السياسي والتحريضي تجاه الدولة.

هذا الدور الفاعل والإيجابي، هو الذي دفع السلطات إلى الحذر الدائم والتوجس المستمر، من كل قول أو فعل يصدر عن الإمام(ع) أو عن أحد أصحابه، فكانت السجون ووسائل القهر الإرهابية، وسيلة من وسائلهم لتشتيت القواعد الموالية للإمام(ع) ومنعها من الإتصال بقيادتها المتمثلة في الإمام(ع).

وكثيراً ما كان الأمر ينتهي بهم إلى السجون، وإلقاء القبض على الإمام نفسه، ليبقى في غياهب السجون مدة، ثم يخرج ليسجن ثانية.

ومع هذا فقد استطاع الإمامان الهادي والعسكري(ع) بالرغم من سياسة المضايقة والمراقبة الدائمة، أن يخفيا نشاطهما، ويسترا الأموال والتعاليم التي تبلغ من قبلهما.

وفي هذا الجو المشحون بالحقد والضغينة على حركة أئمة أهل البيت(ع) كانت الدولة العباسية، تدرك واجبها تجاه الأفكار التي كانت تملأ ذهنيات المسلمين عامة والموالين خاصة بالاعتقاد بوجود - المهدي(ع) - لتواتر أخباره منذ زمن النبي(ص) إلى زمان الإمام العسكري(ع).

والسلطات كانت تعلم على وجه الإجمال، أن زمان المهدي قد أوشك على الوجود، ولكنهم يجهلون تاريخ ميلاده لمدى السرية التامة التي أحيطت بولادته(ع).

ومن هنا جاء اهتمام الجهاز الحاكم بإصدار أوامره لمراقبة الحوامل عند وفاة الإمام العسكري ظناً منهم بوجود المهدي(ع) جنيناً في رحم إحدى نسائه.

في ظروف ولادة الامام المهدي(ع)

تزوج الإمام العسكري - أمة مملوكة - جلبت بواسطة الفتح الإسلامي وكانت تسمى بأسماء مختلفة من قبل الإمام(ع)[٤٥]. وقد عاشت تخطيطاً خاصاً في تبديل اسمها بين آونة وأخرى! وذلك لمعرفة العسكري(ع) بأنها ستصبح أما للمهدي(ع) وسترى المطاردة والإضطهاد من قبل السلطات وستعيش في السجن مدة من الزمن.

ومن هنا جاء تخطيط الإمام(ع) تجاهها إمعاناً في الحذر وزيادة في التوقي عليها وعلى ابنها، ولأجل أن يلتبس أمرها في ذهن السلطات، إن صاحبة أيّ من هذه الأسماء هي المسجونة، وأي منها هي الحامل وأي منها هي الوالدة، حيث يكون المفهوم لدى السلطات كون الأسماء لنساء كثيرات ويغفلون عن احتمال تعددها في شخص امرأة واحدة..

ولادته

ولد الإمام المهدي(ع) من يوم النصف من شعبان عام ٢٥٥ ه‍[٤٦] وعاصر من حياة أبيه خمس سنوات، وانصب نشاط أبيه(ع) الرئيسي خلال ذلك على أمرين مهمين:

  1. الحذر التام من السلطات الحاكمة.
  2. التعرّف إلى خواص أبيه(ع).

وتولى الإمام المهدي(ع) مسؤولية الإمامة بعد وفاة أبيه(ع) وهو ابن خمس سنين سنة ٢٦٠ ه‍، وصغر سن الإمام ليس ظاهرة غريبة فالإمامة هبة يمنحها الله تعالى من يشاء من عباده، فمن تتوفر فيه عناصر الإمامة وشروطها شأنها في ذلك شأن النبوة، فقد أوتي النبي يحيى(ع) الحكم صبياً» آية ١٢ من سورة مريم.

مسؤولية الامام العسكري(ع) تجاه ولده

بعد ولادة الإمام المهدي(ع) واجه الإمام الأب وظيفتين مزدوجتين تجاه ولده(ع):

  1. إثبات وجود المهدي(ع) تجاه التاريخ وتجاه الأمة الإسلامية وتجاه قواعده ومواليه، مع الحذر من السلطة، دون أن يبلغ به الحذر والكتمان إلى إخفائه الكامل، بحيث يؤدي إلى انطماس اسمه وإنكار وجوده، وإقامة الحجة في وجوده على الموالين خاصة، والمسلمين عامة، داحضا بها المزاعم التي تزعم بعدم وجوده أو أنه ليس للإمام العسكري من ولد.
  2. التخطيط لحماية المهدي(ع) من محاولات قتله ومطاردته من قبل السلطات، التي أبدت اهتمامها الشديد والمركز، ومحاولاتها المستميتة للقضاء عليه وتجنيد كل قواها وعيونها من أجله لأن ولادته(ع) تعني الحكم على نظامهم بالموت المحتم وفضح مخططاتهم وانحرافهم عن أوامر الإسلام.

ومما زاد في دقة وحرج موقف الإمام العسكري في تحقيقه لهذين الهدفين أو الوظيفتين المزدوجتين تجاه ولده(ع) تعرضه لأضواء السلطة ومراقبتهم الدائمة له، وباعتباره القائد الإسلامي لقواعد شعبية واسعة من المسلمين، وتمثيله لجبهة الرفض المعارضة والمناوئة للسلطة الحاكمة آنذاك.

ومن هنا كان تخطيط الإمام(ع) في اجتياز هذا المأزق بسلام هو ترك الإعلان أو الكشف عن ولادة ابنه(ع) وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق «حتى أن الخادم في بيت الإمام العسكري لم ينتبه إلى شيء ولم يفهم شيئاً»[٤٧].

ومما ساعد الإمام العسكري وأعانه على نجاح خطة اخفاء الولادة احتجابه عن أصحابه ومواليه إلا بواسطة المراسلات، وتعود قواعده ومواليه على فكرة الإحتجاب والإتصال بقيادة الإمام عن طريق نظام الوكلاء وتسلسله الهرمي، وانشغال الدولة وأجهزتها بحركة صاحب الزنج عام ٢٥٥ ه‍.

وإلى هنا استطاع العسكري(ع) أن يضمن حماية ولده(ع) من بطش السلطة وكل من يدور في فلكهم.

وكان الإمام(ع) يلزم كل من يطلع على أمر ولادة ولده المهدي(ع) بوجوب الكتمان. وقد كتب الإمام العسكري(ع) لـ أحمد بن إسحاق: «وُلِدَ لَنا مَوْلُودٌ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَسْتوراً، وَعَنْ جَميعِ النّاسِ مَكْتوماً»[٤٨]، والتأكيد على حرمة إطلاع أحد على اسمه(ع) وكان عثمان بن سعيد العمري يقول لمن يسأل عن اسم الإمام(ع) «إياك أن تبحث عن هذا»[٤٩].

وكان الإمام(ع) يحتاط كثيراً من التصريح باسمه لأحد ويكتفي بالقول لهم: «هذا صاحبكم» ويقتصر في التصريح باسمه على أقل القليل من أصحابه.

وكان يكفي - في علم الإمام - هذا القدر من الإطلاع وإن كان الإسم مجهولاً، بل يكفيهم الإيمان بوجود إمام يرجعون إليه في الأحكام والمشاكل، ولا يتوقف ذلك على معرفة اسمه بعد معرفة شخصه وإمكان الإتصال به عن طريق سفرائه.

ولعل أوسع إعلان قام به العسكري(ع) بين أصحابه عن ولادة ابنه من بعده، وذلك قبيل وفاته بأيام، وقد كان مجلسه غاصاً بأربعين من أصحابه ومخلصيه منهم محمد بن عثمان و معاوية بن حكيم و محمد بن أيوب ... يعرض عليهم ابنه(ع) ويقول لهم « هَذَا صَاحِبُكُمْ بَعْدِي وَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ وَ هُوَ اَلْقَائِمُ اَلَّذِي تَمْتَدُّ إِلَيْهِ اَلْأَعْنَاقُ بِالاِنْتِظَارِ فَإِذَا اِمْتَلَأَتِ اَلْأَرْضُ جَوْراً وَ ظُلْماً خَرَجَ فَمَلَأَهَا قِسْطاً وَ عَدْلاً »[٥٠].

جعفر بن علي يخبر الدولة

جعفر هو ابن الإمام علي الهادي(ع) تترجم لنا كتب التاريخ حياته بالشكل الآتي «ترعرع وشب على الإنحراف على تعاليم الإسلام، واتخذ طريق اللهو وشرب الخمر والمجون، وكان والده(ع) يأمر أصحابه بالإبتعاد عن جعفر وعدم مخالطته، ويقول فيه «انه مني بمنزلة نمرود من نوح الذي قال الله عز وجل فيه: قال نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي[٥١]. ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ[٥٢]»[٥٣].

ويستفاد من الأخبار أن لجعفر ثلاث نشاطات منحرفة مضادة وقف معارضا بها الإمام المهدي(ع) وهي:

  1. ادعاؤه بالإمامة بعد أخيه الإمام العسكري(ع).
  2. انكاره لوجود أي وريث شرعي للإمام العسكري(ع). وادعاؤه باستحقاقه التركة.
  3. وعندما احتج الإمام المهدي، أو عز إلى السلطات بإحتمال وجوده، مما جعلها تشن حملة اعتقالات ومطاردات وتفتيش واسعة النطاق، انتهت باضطهاد الموجودين من عائلة الإمام(ع) ولكن بالتالي خاب أملهم بالعثور على الإمام المهدي(ع).

ومن هنا نرى أن الخليفة - المعتمد - عندما أخبره جعفر بوجود المهدي واختفائه، أرسل على الفور رجاله وخيله إلى دار الإمام الحسن العسكري(ع) لتفتيشه، وبعد التفتيش الدقيق لكل مرافق البيت. لم يجدوا شيئا، وعند رجوعهم حاولوا نهب وسلب كل ما وقعت عليه أعينهم من متاع الدار، وبينما هم منشغلون بالنهب والسلب، تحين المهدي(ع) الفرصة ليخرج من الباب وهو ابن ست سنين، فلم يره أحد منهم حتى اختفى»[٥٤].

«و كانوا لا يعرفون بالتحديد عمن يبحثون وأي شخص سوف يجدون، ففكرتهم عن الإمام غامضة، فلم يكن مستبعدا أنهم لم يلتفتوا وهم في نشوة السلب والنهب إلى وجود صبي يخرج من بين أيديهم بكل بساطة وهدوء ودون أن يثير أي اهتمام.

وبعد الإنتهاء، ألقوا القبض على الجارية - صقيل - أم المهدي(ع) وأخذوها للتحقيق إلى الجهات المسؤولة للإستفسار عن الصبي وجمع المعلومات منها، فأنكرته وادعت أنها لم تلد، وأصرت أن لا تبوح بالسر، وأبقت ولدها محجوباً مصوناً من الاعتداء.

وقد تحملت أم المهدي(ع) وسائل القهر والتعذيب بكل اخلاص وصمود وحاولت أن توهم سلطات التحقيق، فتدعي «أن بها حملاً» ويقع كلامها في ذهن الحكام موقعاً محتملاً، ولربما ظنوا في أنفسهم بأن هذا الحمل الذي تدعيه هو المهدي المطلوب، وخصوصاً أن الدولة كانت تنتظر ولادة المهدي من أيام الإمام العسكري، وها قد انتهت حياته ولم تر له ولدا، وحيث أن الدولة لم تتأكد من ولادته فحسبهم الآن أن يراقبوا هذه الجارية إلى حين ولادتها ويتدبروا بعد ذلك أمر وليدها ويتخلصوا منه.

وقد أسرعت السلطات إلى وضع الجارية تحت المراقبة الشديدة والمستمرة، وجعلوها بين نساء المعتمد والموفق ونساء القاضي ابن أبي الشوارب، ولا زالوا يتعاهدون أمرها.. حتى طالت المدة ولم يحصلوا على شيء وبقيت الجارية محتجزة على هذه الحالة أكثر من عامين، حتى انشغلت الدولة بمشاكل وحروب في عدة جبهات أنستهم أمر هذه الجارية وتمكنت بذلك من الخروج منهم بسلام»[٥٥].

الغيبة الصغرى

تبدأ من عام ٢٦٠ه‍ إلى عام ٣٢٩ ه‍. إن غيبة الإمام(ع) لا يمكن أن نفسرها «بابتعاد الإمام المهدي(ع) عن المجتمع ومشكلاته المعقدة، بل كان المهدي(ع) قائداً فذا يعيش بشعوره المرهف آلام وآمال أمته وقواعده الشعبية ويتجاوب معهم بالفكر والعمل، وذلك حسب مقتضيات الظروف والمصلحة الإسلامية.

وكان الإمام المهدي(ع) يتصل مباشرة ببعض الخاصة من أصحابه، ويوصيهم بتبليغ ما شاهدوه إلى الناس، مع إبصائهم بكتمان المكان وغير ذلك من الخصوصيات التي قد تدل عليه وتيسر للسلطات طريق الوصول إليه، وكان(ع) يجيب على أغلب المسائل التي تصله وذلك عن طريق وكلائه وسفرائه المعتمدين لهذا العمل، وكان من المتعذر على غير السفراء الوصول إليه، إلا من أحرز فيه الإخلاص وعدم افشاء السر، وكان يوصيهم بحرمة التصريح باسمه بل يتم التصريح باسمه بأسماء مستعارة تشير إليه دون أن تعينه، كالقائم، والغريم، والحجة، و صاحب الزمان ونحو ذلك، فإن السلطات «إن وقفوا على الإسم أذاعوه وإن وقفوا على المكان دلوا عليه».

وكان الإمام(ع) يغير مكانه بين آونة وأخرى دون أن يلفت إلى ذلك الأنظار.

مطاردة السلطات للإمام(ع)

كان القبض على الإمام(ع) أحد أهداف الدولة الكبرى، لأنها تعلم أن وجود الإمام(ع) معناه تهديد لسلامة حكمهم، ومن هنا جاءت محاولاتهم المستميتة لتحصين دولتهم ضد خطره، وتجريد الحملات للقبض عليه، وقد جردت السلطات ثلاث حملات إرهابية للقبض عليه والأمر بكبس داره وتفتيشها تفتيشاً دقيقاً.

وكان التجسس المستمر والحذر البالغ من قبل السلطات سياسية متبعة من قبل كل الحكام لكشف مكان اختفاء الإمام(ع) والقبض عليه.

ولكن الأعوام التسعة عشر من نشاط السفراء، ومحاولات التجسس الدائبة أسفرت عن شيء جديد وهو ثبوت فكرة السفارة لديها ونشاطاتها المريبة في قبض المال بالوكالة لصالح الإمام(ع) ليس هذا فقط بل هناك قيادة ترعى وتشرف على القواعد الشعبية وتستلم الأموال منها.

وعلى ضوء هذا الاكتشاف الخطير رأى المعتضد عند توليه الخلافة أن أهم واجباته في الحكم، أن يبادر فوراً إلى تجديد الحملات لمحاولة القبض على الإمام(ع).

وقد وضع عملاء الدولة وجواسيسها مخططاً كاملاً تعلم المعتضد بدار الإمام(ع) واحتمال اختفائه هناك، وقد بعث المعتضد على ثلاثة نفر، وأمرهم بالخروج إلى سامراء مخففين لا يكون معهم قليل ولا كثير، إلا أن يركب كل واحد فرساً ويجنب معه آخر، ووصف لهم محلة ودارا وقال: إذا أتيتموها تجدون على الباب خادماً أسوداً فاكبسوا الدار، ومن رأيتم فيها فأتوني برأسه»[٥٦].

ولم يكشف المعتضد لهؤلاء الثلاثة مهمتهم الحقيقية ودون أن يعرفهم بأنهم مكلفون بإلقاء القبض على الإمام المهدي حفاظاً على سمعته الدولة، وخوفاً من تسرب الخبر إلى الناس فيكون مالا يحمد للمعتضد عقباه، فإن الأمر أدق وأهم من أن يعرفه الناس.

وبدأت الحملة كما أمر المعتضد، وتوجهوا إلى سامراء وبحثوا عن الدار فكبسوها وجاسوا خلالها، وكان الإمام(ع) فيها ولكنهم لم يلتفتوا إليه، ونجا منهم - بمعجزة - يرويها لنا التاريخ بشيء من التفصيل[٥٧].

وظن المعتضد أن هذه الحملة فشلت لقلة عددها وسرية تنفيذها ومن هنا نراه يجرد حملة أخرى أكبر.

يروي صاحب البحار نص الرواية «ثم بعثوا عسكراً أكثر، فلما دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن، فاجتمعوا على بابه وحفظوه حتى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتى يصل العسكر كله، فخرج من السكة التي على باب السرداب ومرّ عليك، فلما غاب، قال الأمير انزلوا عليه، فقال: أليس هو مرّ عليك، فقال ما رأيت، ولم تركتموه، قالوا: إنا حسبنا أنك تراه».

ومن طريف حال هؤلاء الجلاوزة، أنهم لم يبادروا للقبض عليه بل وقفوا على باب السرداب يحافظون عليه، فهم يخافون مواجهته(ع) ويحتاجون إلى مدد أكبر وعدد أكثر فهم منتظرون لوصول المدد من بغداد إلى سامراء، وفي هذه الأثناء من الترقب، استغل الإمام(ع) أروع لحظة من لحظات ذلك الحصار، لحظة اقترنت بالدقة والتوقيت والضبط في التدبير والعناية الإلهية، انها لحظة غفلة قائد الحملة عن الترصد والإنتباه، لحظة لم يأت فيه المدد، ولم تصدر الأوامر بعد لإقتحام المكان.

ولو كان الإمام(ع) قد تأخر لحظات أخرى لقبضوا عليه لا محالة.

الامام(ع) والتنظيم الهرمي

يتبين من مجموع الروايات والنصوص التأريخية أن الإمام(ع) اعتمد تنظيماً هرمياً في ارتباطاته واتصالاته بقواعده ومواليه، فكان (ع) في قمة الهرم قائداً يمارس عمله بسرية وخفاء، يصدر الأوامر والتعليمات إلى سفرائه مباشرة وهم بمثابة أعضاء الإرتباط بينه وبين الوكلاء الذين انتشروا في المناطق البعيدة، ليكونوا همزة الوصل بين السفراء والقواعد الشعبية الواسعة.

وكان الإمام(ع) يعمد إلى إحاطة اتصاله بالوكلاء بالغموض المطلق وكان ذلك الاتصال مجهولاً تماماً لدى كل إنسان مهما كان خاصاً ومقرباً ما عدا السفير نفسه الذي يضطلع بمهمة الإتصال المباشر، ومن الممكن القول بأن السفير كان منهياً عن التصريح به أساساً لكل أحد.

وكان اختيار الإمام(ع) لأشخاص السفارة وإيكال الوكالة الخاصة لهم، تقوم على عمق إخلاصهم، وقوة تحملهم للتعذيب فيما إذا وقعوا تحت أيدي السلطة، ولم يشترط الإمام(ع) أن يكون السفير هو الأعمق فقها أو الأوسع ثقافة، لأن السفارة لا تعني إلا التوسط في التبليغ، ومن هنا جاز إسنادها إلى المفضول مع وجود الأفضل، حرصاً على الإخلاص العميق وقوة الإرادة.

ومن هنا جاء البعض يعترض على - أبي سهل النوبختي - فقيل له: كيف صار هذا الأمر - أي السفارة - إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك‌؟ فقال: هم أعلم وما اختاروا، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتي الحجة، لعلي كنت أدل على مكانه، وأبو القاسم فلو كان الحجة تحت ذيله وقرض ذيله بالمقاريض ما كشف الذيل عنه»[٥٨].

وكانت مسؤولية السفراء في هذا التنظيم عامة وشاملة، على حين نرى مسؤولية الوكلاء خاصة، تشمل منطقتهم فقط، ومهمة الوكيل في التنظيم، تسهيل عمل السفير وتوسيعه، خصوصاً أن ظروف العمل السري تمنع حرية الحركة والإتصال المباشر بالقواعد الشعبية المنتشرة في مختلف البلدان الإسلامية، فيكون لعمل الوكلاء ونشاطهم أكبر الأثر في إيصال التعاليم والتوجيهات إلى أوسع مقدار ممكن من القواعد الشعبية الموالية.

فضلاً على ذلك أن فكرة اعتماد نظام الوكلاء في التنظيم الهرمي، تساهم في إضفاء طابع التكتم والسرية على اسم وشخص السفير فالفرد المنتمي للقواعد الشعبية العارف بفكرة - السفارة - غاية ما يستطيعه هو الإتصال بأحد الوكلاء من دون معرفة اسم السفير أو عمله أو مكانه»[٥٩].

وكانت الأموال والحقوق الشرعية تصل الإمام(ع) ليعاد توزيعها بواسطة السفراء ثم الوكلاء لتصرف في مواضعها.

وهذه الأموال منها ما يصل الإمام(ع) مباشرة، ومنها ما يصرفه الوكيل وفقا للقواعد والأحكام الإسلامية في صرف الحقوق.

ومن مهمة السفراء أيضاً أخذ الأسئلة وإيصالها من والي الإمام(ع)، تندرج في ذلك الأسئلة الفقهية والعقائدية وغيرها التي كانت توجه للإمام(ع).

كل شيء عن السفراء الاربعة

السفراء الأربعة هم الذين تولوا الوكالة الخاصة عن الإمام(ع) خلال غيبته الصغرى وهم على التوالي وحسب تسلسلهم التاريخي:

  1. عثمان بن سعيد العمري.
  2. محمد بن عثمان العمري.
  3. الحسين بن روح النوبختي.
  4. علي بن محمد السمري[٦٠].

وبانتهائهم ينتهى عهد الغيبة الصغرى عام ٣٢٩ ه‍. ويبدأ بعدها عهد الغيبة الكبرى.

وقد اضطلعوا بمهمة قيادة قواعد الإمام(ع) من الناحية الفكرية والسلوكية، طبقاً لتعليمات الإمام(ع) والتوسط بينه وبينها في إيصال التبليغات وإخراج التوقيعات، وحل مشاكلها وتذليل العقبات التي تصادفها.

وقد اعتمدت تحركاتهم ونشاطاتهم السرية التامة دون أن يثيروا السلطات عليهم، ولكي تنفسح لهم أكبر الفرص وأوسع المجالات للعمل تحت قيادة الإمام(ع) دون أن يقعوا تحت طائلة المطاردة والتنكيل.

ولعل الدوافع التي دفعت السفراء إلى هذا الأسلوب من العمل هي الأسباب التالية:

  1. خوف السلطة من العلويين، ومحاولة مطاردة واضطهاد عدد كبير من قادتهم وكبرائهم، ويكفينا ذلك العدد الضخم من العلويين الذين صرعوا على يد السلطات، وقد ضبط لنا أسماءهم أبو الفرج في المقاتل»[٦١]. ويقول الطوسي في غيبته «إن سيف المعتضد كان يقطر دماً[٦٢]، وكانت تلك الفترة «مليئة بالظلم والجور وسفك الدماء»[٦٣].
  2. الجو القلق والمضطرب الذي عاشته قواعد الإمام الشعبية، والسفراء الأربعة بنحو خاص، إلى درجة أن عثمان بن سعيد السفير الأول للإمام(ع) كان ينقل المال في جراب من الدهن، لشعوره بضغط السلطات ومطاردتهم له، ولما ينتظره من العقاب الصارم لو عرفت به الدولة أو حصلت تجاه على مستمسك خطير.
  3. المطاردة الجادة والدائبة للإمام المهدي(ع) ومحاولة إلقاء القبض عليه، وحملات التفتيش المنظمة لداره، فإذا كانت الدولة تقف من الإمام(ع) هذا الموقف فكيف تقف تجاه قواعده ومواليه‌؟!.

وكان السفراء هم حلقة الوصل في قبض وتوزيع الأموال التي كان الموالون يحملونها إلى الإمام(ع) من أطراف البلاد الإسلامية وكانت الوفود تفد للسفير تحمل معها الأموال والأسئلة، تسلم السفير الأموال وتستقي منه أجوبة المسائل وحل المشكلات.

وظاهر بعض الروايات، أن الأموال كانت تحمل في السنوات الأولى من الغيبة الصغرى إلى سامراء حيث يكون من يقبضها هناك ويسلمها للإمام المهدي(ع) وذلك بدلالة السفير نفسه، كما فعل أبو جعفر العمري مع الدينور[٦٤].

ثم انقطع ذلك، واستمر السفير على قبض المال بنفسه مع إعطاء الوصل به[٦٥].

وقبض الأموال وتوزيعها كان يقع سراً بعيداً عن أعين الدولة ورقابتها ولا يصرح به إلا نادراً، وكان التوزيع - في الأعم الأغلب - يأخذ الأسلوب التجاري أي يعطي للفرد بصفته دائماً مثلاً، دون أن يثير هذا السلوك شك السلطات.

وكثيراً ما كانوا يواجهون الوشايات بتخطيط رائع ومضاد، ومن ذلك وصول أخبار إلى مسامع عبد الله بن سليمان الوزير بوجود وكلاء للمهدي(ع) في بغداد وغيرها من المناطق يعملون لمصالح الإمام(ع) وجاء من ينصح الوزير بأن يرسل لكل وكيل شخصاً ويدعي بأن له مالا يريد أن يدفعه للإمام(ع) فمن قبض من الوكلاء شيئاً قامت الحجة عليه، ويؤخذ عند ذلك بالجرم المشهود، وفعلا قام الوزير بهذه المحاولة لكشف وكلاء الإمام(ع) إلا أن تعاليم الإمام كانت قد سبقته إلى الوكلاء، فما كان منهم إلا التنصل من الوكالة وتجاهل أمرها أمام عملاء الدولة وبذلك أحبطت مؤامرة الوزير ونجا الوكلاء من براثن السلطات»[٦٦].

ومن النشاطات الأخرى التي مارسها السفراء، تصديهم لحل المشاكل العلمية والدخول في المناقشات العقائدية إما توجيها لقواعدهم الشعبية أو من أجل الاحتجاج ضد الشبهات والدفاع عن الإسلام[٦٧].

اهداف السفارة

هناك هدفان ترمي إليها السفارة عن الإمام(ع) هي:

  1. تهيئة أذهان الأمة وتوعيتها لمفهوم - الغيبة الكبرى - وتعويد الناس تدريجياً على الإحتجاب، وعدم مفاجأتهم بالغيبة دون سابق مقدمات، ولربما أدى الإحتجاب المفاجىء إلى الإنكار المطلق لوجود المهدي(ع). ومن هنا جاء تخطيط الإمامين الهادي والعسكري(ع) بالاختفاء التدريجي عن وسط الأمة، وضاعفه الإمام العسكري على نفسه، كما أن الإمام المهدي نفسه تدرج في عمق الإحتجاب كما بينا، وكانت فترة السفارة أيضاً إحدى الفترات المرحلية لتهيئة الأذهان بشكلها المتدرج.
  2. قيام السفارة برعاية شؤون القواعد الشعبية الموالية للإمام(ع) والتوسط بينها، لتمضية شؤونها ومصالحها بعد اختفاء الإمام عن مسرح الحياة - بغيبته الكبرى -.

وقد قام السفراء بمسؤوليتهم في هذا الجانب خير قيام حيث اضطلعوا بحفظ مصالح القواعد الشعبية، ومن خلال ظروف اجتماعية وسياسية بالغة التعقيد.

وقد دامت السفارة عن الإمام المهدي تسعاً وستين عاما وستة أشهر وخمسة عشر يوماً - وهي نفس فترة الغيبة الصغرى - شغل منها السفير الأول عثمان بن سعيد حوالى خمس سنوات، والسفير الثاني محمد بن عثمان حوالى الأربعين عاماً، والثالث وهو الحسين بن روح إحدى وعشرين عاماً، وخلفه السفير الرابع علي بن محمد السمري، حيث بقي في السفارة ثلاث سنين. وقد انتهت الغيبة الصغرى عام ٣٢٩ وعمر الإمام(ع) أربع وسبعون عاماً، قضى أربع سنين ونصف منها في حياة أبيه(ع) وتسعة وستين عاماً ونصف وخمسة عشر يوماً في الغيبة الصغرى، ثم بدأت الغيبة الكبرى حيث يأذن الله تعالى له بالخروج لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا.[٦٨]

المراجع والمصادر

  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي
  2. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر
  1. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٢٣.
  2. لمطالعة الروايات المرتبطة بولادة الإمام المهدي(ع)، راجع: كامل سليمان، يوم الخلاص، ص۸۵- ۸۸ والعلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵۱، ص٢و٣.
  3. جاء في التوقيع الشريف للإمام المهدي(ع): «وَ أَمَّا الْحَوَادِثُ الْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ وَ أَنَا حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ» .
  4. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٢٣-٥٢٤.
  5. العهد العتيق هومجموعة كتب اليهود المقدسة (۳۹ كتاب).
  6. هذه العبارة شبيهة بالآية ۱۰۵ من سورة الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، لمطالعة البشارات المذكورة في العهدين القديم والجديد، راجع: بشارات العهدين، البشارات ۳۲ - ۵۰.
  7. نقلاً عن السيد هادي خسروشاهي، مصلح جهاني ومهدي موعود از ديدگاه اهل سنت، ص۵۹.
  8. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٢٤-٥٢٦.
  9. سورة الأنبياء: ۱۰۵.
  10. الكافي، ج۸، ۳۱۳.
  11. سورة القصص: ۵.
  12. نُقل عن الإمام علي(ع): «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ يَبْعَثُ اللَّهُ مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ فَيُعِزُّهُمْ وَ يُذِلُّ عَدُوَّهُمْ...»؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵۱، ص۵۴.
  13. ذُكر في سورة الفتح آية ٢٨ وسورة الصف آية ۹، تعبيراً مشابها لهذا التعبير.
  14. سورة التوبة: ۳۳.
  15. كالآية: ۳۰ من سورة الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ.
  16. بالتالي فالمقصود من الغلبة في الآية ليست هي الغلبة المنطقية والنظرية للمعارف الإسلامية على عقائد الأديان الأخرى، خصوصاً بلحاظ الآية السابقة التي كانت تتضمن الكلام عن الكفُار ومساعيهم من أجل اطفاء نور الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ سورة التوبة: ۳۲.
  17. أبوبصير ينقل عن الإمام الصادق(ع) قال: «والله ما يجيء تأويلها حتى يخرج (القائم) المهدي، فإذا خرج القائم لم يبق مشرك إلا كره خروجه...»؛ العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵۱، ص۶۰.
  18. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٢٦-٥٢٨.
  19. تم تصنيف الروايات الواردة، محاورها الكلية، راجع: السبحاني، الإلهيات، ج۴، ص۱۳۳ و۱۳۴.
  20. من الكتب: حافظ أبونعيم الأصفهاني، صفة المهدي؛ محم بن سويف الكنجي الشافعي، البيان في أخبار صاحب الزمان؛ ملا علي متقي، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان؛ عباد بن يعقوب الرواجني، أخبار المهدي؛ السيوطي، العرف الوردي في أخبار المهدي؛ ابن حجر المكي، القول المختصر في علامات المهدي المنتظر؛ شيخ جمال الدين الدمشقي، عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر؛ ملا علي القاري، المشرب الوردي في مذهب المهدي؛ مرعي بن يوسف الحنبلي، فوائد الفكر في ظهور المهدي المنتظر.
  21. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٢٨-٥٢٩.
  22. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٢٩-٥٣٠.
  23. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۳۶، ص٢٢۶، ح۱.
  24. راجع: الطبرسي، أعلام الورى، ج۲، ص٢٢۵ - ٢۵٣.
  25. الشاهرودي، الإمام المهدي وظهوره، ص۱۳۲ – ١۵٢.
  26. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣٠-٥٣١.
  27. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵٢، ص۹۱.
  28. الشيخ الصدوق، إكمال الدين، باب علّة الغيبة (باب ۴۴)، ص۴۸۱، ح۷- ۱۰.
  29. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵۲، ص۱۰۱.
  30. الشيخ الصدوق، كمال الدين، باب علّة الغيبة، ح۴.
  31. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣١-٥٣٣.
  32. كالنبي موسى(ع) الذي غاب أربعين يوماً عن قومه، الأعراف: ١۴٢، والنبي يونس الذي غاب في بطن الحوت. الأنبياء: ۸۷ -۸۸.
  33. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵۱، ص۹۳؛ كما جاء في توقيع للإمام المهدي(ع): «وَ أَمَّا وَجْهُ الِانْتِفَاعِ بِي فِي غَيْبَتِي فَكَالانْتِفَاعِ بِالشَّمْسِ إِذَا غَيَّبَتْهَا عَنِ الْأَبْصَارِ السَّحَابُ»؛ الشيخ الصدوق، كمال الدين، باب ۴۵، ص۴۸۵، ح۴.
  34. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣٤-٥٣٥.
  35. جاء في أحد التوقيعات الشريفة للإمام المهدي: «أَمَّا ظُهُورُ الْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ»؛ الشيخ الصدوق، المصدر السابق، ص۴۸۴.
  36. يُمكن مطالعة الروايات الواردة في كتاب: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵٢، ص۱۸۱ – ۲۷۸.
  37. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣٥.
  38. سورة الصافات: ۱۴۳-۱۴۴.
  39. سورة العنكبوت: ۱۴.
  40. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣٥-٥٣٧.
  41. العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج۵۲، ص۳۴۷، ح۹۷.
  42. المصدر السابق، ص۲۸۶، ح۱۹؛ وص۳۳۶، ح۷۴؛ وص۳۲۵، ح۳۹.
  43. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣٧-٥٣٨.
  44. محمد سعيدي مهر، دروس في علم الكلام الاسلامي، ص ٥٣٨.
  45. راجع أسماءها في كتاب تاريخ الغيبة للصدر وغيرها من المعلومات المنفصلة فقد اعتمدنا في هذا البحث على كثير من آرائه.
  46. الإرشاد: ٣٢٦ وأعلام الورى: ٢٩٣.
  47. تاريخ الغيبة للصدر نقلا عن كتاب ص٢٧٣ إكمال الدين مخطوط.
  48. تاريخ الغيبة للصدر نقلاً عن إكمال الدين مخطوط ص٢٧٦.
  49. تاريخ الغيبة للصدر نقلا عن إكمال الدين مخطوط ص٢٧٨.
  50. تاريخ الغيبة للصدر ص٢٨٣ نقلا عن إكمال الدين.
  51. سورة هود، الآية 45.
  52. سورة هود، الآية 46.
  53. تاريخ سامراء ج٢ ص٢٥١ نقلا عن كتاب مدينة المعاجز.
  54. الخرايج والجرايح ص١٦٤.
  55. أنظر الكامل ج٦ ص١٥ وكذلك تاريخ الطبري.
  56. الغيبة للطوسي ١٤٩ البحار ج١٢ ص٨.
  57. الخرايج والجرايح ص٦٧.
  58. غيبة الطوسي ٢٤٠ والبحار ج١٣ ص٩٨.
  59. منتهى المقال ج١ ص٢٤١.
  60. راجع تراجم حياتهم في كتاب الغيبة للطوسي.
  61. المقاتل للأصفهاني.
  62. الغيبة للطوسي ص١٧٩.
  63. عقيدة الشيعة ص٢٥٧ لرونلدسن.
  64. البحار، ج١٣ ص٧٩.
  65. الإرشاد: ٣٣٥.
  66. أعلام الورى: ٤٢١.
  67. غيبة الشيخ الطوسي: ٢٣٩ والإحتجاج: ٢٨٨.
  68. عادل الأديب، الأئمة الاثنا عشر، ص 247-262.