فلسفة الإمامة
تمهيد
الإسلام دين كامل وخاتم للأديان، جاء به إلى الناس خاتم الأنبياء الإلهيين يدعي هذا الدين الكمال والشمولية في جميع مناحي الحياة الدنيوية والأخروية على مر العصور بوصفه ديناً خالداً. وقد تولى النبي الأكرم(ص) مهمة تفسير هذا الدين مدة حياته مستنداً إلى وحي السماء، فعمد المنطلق إلى وضع الأحكام وبيان التشريع والإجابة عن الشبهات والوقوف بوجه التحريفات والمحرفين. وبرحيل النبي الأكرم(ص) عن هذه الدنيا برزت هناك خشية من أن تذهب الجهود المضنية التي بذلها رسول الله على مدى ما يربو على العقدين من الزمن أدراج الرياح، وأن يحل التفسير بالرأي وما يقوم به أصحاب الأهواء والبدع محل التعاليم السماوية الخالصة والأصيلة عبر الدهور. وكانت هذه الخشية تعبّر عن احتمال عقلائي يقول إن الدين الذي يدعى الشمولية والخلود لا يمكن أن يترك نهباً لكل من هب ودب، من دون أن يُرصد له شخص على مستوى رسول الله في الصفات التي تؤهله لحراسة الدين والمحافظة عليه من هنا كان لا بد من وجود إمام معصوم على الدوام؛ ليذب عنه ويدفع عنه الآفات باستمرار.
من هنا قام الإسلام بحل هذه المشكلة من خلال التأصيل لمفهوم الإمامة. إن الإمام شخص يختلف عن النبي في الاتصال بالله من خلال الوحي الرسالي، ولكنه يتصل بعوالم الغيب من خلال الإلهام، وإلى ذلك فإنه يتصف بالعصمة ويتمتع بالعلم اللدني.
بالالتفات إلى ما تقدّم يمكن بيان الأدلة على ضرورة الإمامة بعد النبوة على النحو الآتي:
هداية البشر
بالالتفات إلى ما كان يتمتع به الأئمة المعصومون(ع)من مقام الولاية والإمامة عند الشيعة بعد رحيل رسول الله(ص)، فإن هداية الناس ومواصلة الرسلة وتبليغ الإسلام تقع على عاتقهم. ومع حضور شخص مثل الإمام علي(ع) بوصفه الإنسان و«الولي الكامل» بعد رسول الله(ص) لم تكن هناك من حاجة إلى تجديد النبوة، وفى الحقيقة فإن مقام الولاية للإمام علي(ع) كان يفوق مقام النبوة. وبعبارة أخرى: إن السؤال عن فلسفة عدم بعث الأنبياء أو تفسير الخاتمية بعقم الطبيعة عن أن تلد الإنسان الكامل الذي يُشبه رسول الله إنما ينشأ عن الغفلة والجهل بالمنازل والمقامات المعنوية التي كان يتمتع بها الأئمة الأطهار(ع) .
المرجعية الدينية
من بين مهام النبوة تبليغ الوحي السماوي إلى الناس وبيانه وتفسيره إلى المخاطبين بشكل صحيح. ومع وجود النبي الأكرم(ص) يكون احتمال الخطأ في التفسير صفراً، وأمّا بعد رحيل رسول الله فيرتفع احتمال ظهور القراءات المختلفة والخاطئة عن الدين، وبعد انتشار التفاسير والبدع والتحريفات ورسوخها في آخر الكتب السماوية، سوف تتعرض أصالة الدين الإسلامي الحنيف إلى التشويه والتشكيك وسقوطها عن الاعتبار، من هنا وجب تعيين مرجع علمي معتبر ومعصوم من الخطأ. وإن مقام الإمامة ومنزلتها في الإسلام تعمل على تلبية هذه الحاجة[١].
ربما توهم شخص أنه مع وجود القرآن وسنة الرسول لا تكون هناك حاجة إلى الإمامة، كما صرح بذلك بعض الصحابة حيث قال: «حسبنا كتاب الله»؟
في الجواب عن هذا التوهّم يجب القول: إن المسائل المتقدمة والآتية كفيلة بالإجابة عن ذلك، فضلاً عن أن بعض الروايات المروية عن رسول الله قد تم تحريفها من قبل الوضاعين الذين رصد التاريخ حوالي سبعمئة وضاع ومختلق للأحاديث منهم[٢]، وهو أمر يؤكد على استحالة الاعتماد والتعويل على هذه الأحاديث إلا بعد تمحيصها وبيانها وفرز غنها من سمينها وإثبات اعتبارها وحجيّتها، وتشخيص ذلك إنما هو من شأن مقام العصمة والإمامة.
عدم البلوغ العقلي الكامل للمخاطبين
صلى الله إن من بين فلسفات خاتمية النبوة برسول الله(ص) هو التكامل والبلوغ العقلي لدى المسلمين في صدر الإسلام، وفي ضوء هذا البلوغ نجح المسلمون في حفظ الكتاب السماوي ونقله إلى الأجيال اللاحقة من دون أن يطاله الدس والتحريف. بيد أن الجدير بالانتباه في الوقت نفسه أن سكان شبه الجزيرة العربية لم يكونوا على درجة عالية في العلوم النظرية من قبيل الفلسفة والتفسير والكلام، ولذلك لم يكونوا قادرين على فهم الآيات المتشابهة وسبر غورها والغوص في أعماقها؛ من هنا مست الحاجة إلى إمام ومرجع ومفسر معصوم للقرآن الكريم.
إن انتشار مختلف الفرق المذهبية يمثل خير شاهد على تفشي القراءات المختلفة والغنّة للقرآن الكريم والتي أدّت إلى تشتت كلمة المسلمين بسبب تمسك بعضهم بظواهر الآيات وعدم أخذ بواطنها بنظر الاعتبار. وهنا يمكن لنا الإشارة إلى فرقة «المجسمة» التي كانت تذهب إلى الاعتقاد بأن الله جسم (والعياذ بالله)[٣]. كما كانت الأكثرية الغالبة من أهل السنة تؤمن برؤية الله القيامة[٤]. أما الشيعة من منطلق ارتباطهم الوثيق بالإمام المعصوم بالعين يوم فهم بعيدون كل البعد عن مثل هذه الأقوال المجافية للعقل والمنطق.
الأمر الآخر هو أنّ الدائرة المعرفية والتفسيرية بحاجة مستمرة إلى وجود المرجع والإمام المعصوم، وأنّ الآخرين حيث يفتقرون إلى الإمام المعصوم فهم في معرض الوقوع في الخطأ. وقد تمكن الأئمة المعصومون - من خلال التأسيس للمباني والأصول في المعرفة الدينية ومن خلال تربية المفسرين والمتكلمين البارزين من أمثال هشام بن الحكم - من خفض مستوى الحاجة إلى الإمام في عصر الغيبة. وقد قاموا بنقل هذه المباني والأصول إلى المجتمع،للحيلولة دون تعرّض الدين لأنواع الآفات والبدع أو الحد من تأثيرها.
وعليه فإن عدم بلوغ المجتمع في صدر الإسلام بشكل كامل، وتكامله التدريجي في ضوء هداية الإمام المعصوم، يشكل واحداً من الأدلة على ضرورة وجود الإمام المعصوم بعد ختم النبوة. وسوف نضيف مزيداً من التوضيحات بهذا الشأن في الفصل المخصص للإجابة عن شبهة التنافي بين الإمامة وأصل الخاتمية.
تشريع الأحكام الفرعية
لقد تعرض النبي الأكرم(ص) في فترة نبوته القصيرة نسبياً (ثلاثة وعشرون سنة) إلى كثير من العقبات والضغوط، من قبيل قلة أعداد المؤمنين طوال الفترة المكية من البعثة، والتي استغرقت ثلاثة عشر عاماً، وما رافق هجرته وإقامته في المدينة المنوّرة من الحروب المفروضة عليه من قبل المشركين وبعض القبائل اليهودية، وهو أمر لم يترك له مجالاً إلى بيان جميع أحكام الإسلام الجزئية والفرعية، أو أن الذي ييّنه منها لم يُضبط أو ينقل عنه بشكل واضح ودقيق، يضاف إلى ذلك ما يستجد من الأسئلة والتحديات عبر العصور والأزمنة اللاحقة، مما لا يمكن الحصول على الإجابة عنه أو تقديم الحلول له من خلال العودة إلى القرآن والسنة النبوية، ولا يمكن توجيه هذا الخلل القانوني والتشريعي بالنسبة إلى الدين الذي يدعي الخاتمية والخلود والشمولية. وقد عالج الإسلام هذا الخلل من خلال التأصيل لمفهوم الإمامة، وبالالتفات إلى المقام العلمي والإلهي للإمام، يقدم الإسلام الإجابة الشافية عن جميع المعضلات القانونية والتشريعية المستحدثة [٥].
والمسألة المثيرة للنقاش تكمن في إسناد تشريع الأحكام إلى الأئمة(ع)، حيث توجد هناك رؤيتان بين الإمامية في هذا الشأن[٦].
إقامة الحكومة الدينية
إن الدين الذي يدعى الخلود والشمولية والخاتمية في مختلف المجالات الفردية والاجتماعية والسياسية، لا يسعه عدم الاهتمام بمسألة الحكم والسلطة؛ لما تلعبه الدولة من دور في توجيه مسار المجتمع وهدايته، فضلاً عن إعداد المفكرين وعلماء الدين، وتحديد توجهاتهم وتطلعاتهم الفكرية.
وعلى هذا الأساس سيكون للإسلام اهتمام خاص بمسألة الحكم وشخص الحاكم بوصفه المكمّل لحياة الإسلام وصيانة الدين من آفات الانحراف والتحريف. ومع القول بضرورة اهتمام الدين بمسألة الحكم والدولة، سيجرنا البحث التالي إلى تعيين الحاكم.
لمّا كان الإسلام يجمع بين الدين والدولة، بحيث لا يوجد للنظرية العلمانية القائلة بالفصل بين الدين والسياسة أي موقع من الإعراب. فإن الشخصية التي تتمتع بالمرجعية العلمية والدينية وتتحلى بمقام الولاية المعنوية، سوف يتولى إدارة الحكم والدولة أيضاً؛ إذ مع وجود المرجع الديني والعلمي المطلق مع ما يتصف به من الولاية المطلقة، لا يصل الدور إلى فرد آخر؛ إذ يلزم من تقديم الآخر عليه تقديماً للمفضول على الفاضل، والمرجوح على الراجح. كما يلزم من توزيع السلطات والفصل بينها بتخويل فرد لتولي إدارة الأمة وقيادتها على المستوى السياسي والاجتماعي بعيداً عن التدخل في الشؤون الدينية، يحتمل فيه أن عدم عصمة مثل هذا الزعيم السياسي والاجتماعي قد يحمله على العدوان على حوزة اختصاص المرجع العلمي والديني، فيعمد إلى عزله وتنصيب شخص على وفق هواه، وفي هذه الحالة يلزم من ذلك نقض الغرض، فلا يتمكن الدين الخاتم والخالد من تحقيق أهدافه وغاياته.
ومن خلال إطلالة عابرة على تاريخ صدر الإسلام يثبت صدق ما ذكرناه آنفاً، فعلى الرغم من حضور الإمام علي(ع) بوصفه خليفة النبي الأكرم في جميع الشؤون - الأعم من المرجعية العلمية والدينية، والولاية العامة - لم يتسن له ممارسة حقه في الحكم طوال ربع قرن من الزمن لحكم الخلفاء الثلاثة، وهو أمر فرض على الإمام علي(ع) عزلة عن المجتمع، استغلها الإمام بكتابة تفسير جامع للقرآن، إلى جانب حفر الآبار واستثمار التربة واستصلاحها. وفي ظرف هذه الفترة تعرّض الإسلام لأنواع الانحراف والزيغ عن جادة الصواب، وقد مهدت هذه الانحرافات لظهور نظرية فصل الدين (الإمامة) عن السياسة والحكم.
وعليه فإن من بين أسباب الإمامة وضروراتها، قيام دولة دينية خالصة ليتم في ضوئها تطوير الدين والمحافظة على صفائه ونقائه في مختلف الأبعاد الفردية والاجتماعية.
الأئمة وسائط الفيض الإلهي
كما يمكن لنا أن نرسم صورة أخرى لفلسفة الإمامة من زاوية العرفان والحكمة المتعالية، وهي صورة يمكن الحصول عليها من خلال التأمل في مضمون بعض الروايات الشريفة.
لقد ثبت في الفلسفة أن لكل وجود مادي وجوداً مثالياً وبرزخياً، ويكون له وجود عقلي أيضاً. وفي الحقيقة فإن الوجود المادي لكل شيء مسبوق بوجود له في عالم المثال، وقبله في عالم التجرّد أيضاً (بقيد البساطة طبعاً)، وبعد توفّر الظروف المادية اللازمة ينزل الوجود من عالمه الأعلى. وتطلق الفلسفة على الوجود الأول تسمية (العقل الأول)، وهو مخلوق الله مباشرة، ليتم بعد ذلك خلق سائر الموجدات التالية من خلاله. ويمكن قراءة هذا الموضوع في الفلسفة تحت عنوان «قاعدة الواحد».
إن تحليل هذا الرأي وإثباته (الأئمة وسائط الفيض الإلهي) من زاوية الروايات، لا يترك مجالاً لإنكار المخالف. وفيما يأتي نستعرض بعض هذه الروايات، ونترك بعضها الآخر إلى الفصل الذي نتعرض فيه لنقد الشبهة بشأن أفضلية الأئمة المعصومين على الأنبياء.
ورد في الروايات التأكيد على أن المخلوق الإلهى الأول هو الوجود النوراني للنبي الأكرم(ص) مع الوجود النوراني لأهل البيت (المعصومون الأربعة عشر)، وقد امتزجت وتحققت الأنوار النورية لأئمة الشيعة والسيدة الزهراء(ع) مع الوجود النوراني للنبي الأعظم(ص). وإن استمرار الفيض الإلهي ينتقل إلى الآخرين عبر الوجود النوراني لهذه الأنوار الإلهية. ومن هنا جاء التعبير عن النبي الأكرم(ص) في بعض الروايات من خلال وصف نفسه بالنبي الأول الذي كان مخلوقاً قبل نفخ الروح في جسد سيدنا آدم(ع):
- «كُنْتُ نَبِيّاً وَ آدَمُ بَيْنَ اَلْمَاءِ وَ اَلطِّينِ أَوْ بَيْنَ اَلرُّوحِ وَ اَلْجَسَدِ»[٧].
- «كُنْتُ أَنَا وَ عَلِيٌّ نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اَللهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ»[٨]
وروي عن النبي الأكرم (ص) أنه قال لعلي(ع) : «أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ أَنْتَ مِنِّي كَرُوحِي مِنْ جَسَدِي،أَنْتَ مِنِّي كَالضَّوْءِ مِنَ اَلضَّوْءِ»[٩].
وروي عن النبي الأكرم(ص) أنه قال: «بَعَثَ عَلَيَّ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ سِرّاً، وَ مَعِي جَهْراً»[١٠].
وفي رواية صحيحة من طرق أهل السنة، قال النبي الأكرم(ص) : «كُنْتُ أَنَا وَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ نُوراً بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ عَامٍ، فَلَمَّا خَلَقَ آدَمَ، قَسَمَ ذَلِكَ النُّورِ قِسْمَيْنِ: فجزء أَنَا، وَ جُزْءُ عَلَيَّ»[١١].
وفي رواية عن النبي الأكرم(ص) في جوابه عن سؤال جابر بن عبد الله الأنصاري حول ولادة الإمام علي(ع) قال: «إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ عَلِيّاً مِنْ نُورِي، وَ خَلَقَنِي مِنْ نُورِهِ، وكلانا مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ»[١٢].
وهناك كثير من الروايات الشبيهة بهذه الروايات والمروية بأجمعها عن النبي الأكرم(ص) في كتب الفريقين[١٣].
وفي رواية أخرى وصف النبي الأكرم(ص) نفسه وأهل بيته بأنهم أفضل من الملائكة، وبيّن سبب ذلك في الأسبقية الوجودية، المستلزمة لأسبقيتهم في المعرفة الربوبية: «مَا خَلَقَ اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلْقاً أَفْضَلَ مِنِّي وَ لاَ أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنِّي ... لَوْ لاَ نَحْنُ مَا خَلَقَ آدَمَ وَ لاَ حَوَّاءَ وَ لاَ اَلْجَنَّةَ وَ لاَ اَلنَّارَ وَ لاَ اَلسَّمَاءَ وَ لاَ اَلْأَرْضَ فَكَيْفَ لاَ نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ اَلْمَلاَئِكَةِ وَ قَدْ سَبَقْنَاهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَ تَسْبِيحِهِ وَ تَهْلِيلِهِ وَ تَقْدِيسِهِ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ أَرْوَاحَنَا فَأَنْطَقَنَا بِتَوْحِيدِهِ وَ تَحْمِيدِهِ»[١٤].
وقد أشار الإمام علي(ع) إلى مقامه بوصفه وصياً لخاتم الأنبياء، وإلى ولايته وإمامته مبيناً أنه سابق على النبي آدم(ع) ؛ إذ يقول: «كُنْتُ وَصِيّاً وَ آدَمُ بَيْنَ اَلْمَاءِ وَ اَلطِّينِ»[١٥].
وقد وصف الإمام جعفر الصادق(ع) في رواية أن النبي محمداً(ص) والإمام علياً(ع) كانا متحدين في النور الأول، وكانا موجودين حيث لا موجود قبلهما [باستثناء الله طبعاً]، وكانا متحدين في الأصلاب، حتى افترقا في صلب عبد الله (والد النبي الأكرم(ص) )- وفي صلب أبي طالب (والد الإمام علي(ع) ): «إِنَّ الله كَانَ إِذْ لَا كَانَ؛ فَخَلَقَ الْكَانَ وَالْمَكَانَ، وَخَلَقَ نُورَ الْأَنْوَارِ الَّذِي نُوِّرَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ، وَأَجْرَى فِيهِ مِنْ نُورِهِ الَّذِي نُورَتْ مِنْهُ الْأَنْوَارُ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً، فَلَمْ يَزَالا نُورَيْنِ أَوَّلَيْنِ إِذْ لَا شَيْءَ كُوِّنَ قَبْلَهُما، فَلَمْ يَزَالَا يَجْرِيَانِ طَاهِرَيْنِ مُطَهَّرَيْنِ فِي الْأَصْلَابِ الطَّاهِرَةِ، حَتَّى افْتَرَقَا فِي أَطْهَرِ طَاهِرِينَ، فِي عَبْدِ اللهِ وَأَبِي طَالِبٍ»[١٦].
كما وصف الإمام الصادق(ع) وجود الأئمة بأنه الوجود الأول والآخر في الخلق الإلهي، قائلاً: «نَحْنُ جَنْبُ اَللهِ وَ نَحْنُ صَفْوَةُ اَللهِ وَ نَحْنُ خِيَرَةُ اَللهِ وَ نَحْنُ مُسْتَوْدَعُ مَوَارِيثِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَ نَحْنُ أُمَنَاءُ اَللهِ وَ نَحْنُ وَجْهُ اَللهِ وَ نَحْنُ آيَةُ اَلْهُدَى وَ نَحْنُ اَلْعُرْوَةُ اَلْوُثْقَى وَ بِنَا فَتَحَ اَللهُ وَ بِنَا خَتَمَ اَللهُ وَ نَحْنُ اَلْأَوَّلُونَ وَ نَحْنُ اَلْآخِرُونَ وَ نَحْنُ أَخْيَارُ اَلدَّهْرِ وَ نَوَامِيسُ اَلْعَصْرِ وَ نَحْنُ سَادَةُ اَلْعِبَادِ وَ سَاسَةُ اَلْبِلاَدِ وَ نَحْنُ اَلنَّهْجُ اَلْقَوِيمُ وَ اَلصِّرَاطُ اَلْمُسْتَقِيمُ وَ نَحْنُ عِلَّةُ اَلْوُجُودِ وَ حُجَّةُ اَلْمَعْبُودِ»[١٧].
وقد ورد في الأحاديث النبوية المروية في كتب الفريقين أن النبي آدم بعد خلقه رأى خمسة أنوار في العرش الإلهي تشبهه؛ فسأل الله عنها، فقال له: «لَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكِ ... يَا آدَمُ هَؤُلَاءِ صَفْوَتِي مِنْ خَلْقِي، أنجيهم، وَبِهِمْ أَهْلَكَهُمْ، فَإِذَا كَانَ لَكَ إِلَيَّ حَاجَةً فبهؤلاء تَوَسَّلَ»[١٨].
تم التأكيد في كتب الفريقين على أن أهل البيت ليسوا واسطة الفيض الإلهي فحسب، بل هم وسطاء في بقاء وحفظ أصل وجود عالم الإمكان أيضاً. وبعبارة أخرى: إن عالم الوجود للسبب المذكور (الإمام واسطة الفيض حدوثاً وبقاءاً) لا يخلو أبداً من وجود الإمام المعصوم.
وهذا ما يؤيده ويؤكد عليه العرفان والعرفاء، ويعبّرون عنه بقطب العالم ومقام الولاية.
كما تم التأكيد على ذلك في كتب الفرقين، ومن ذلك ما روي عن الإمام علي(ع) أنه قال: «اللهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً؛ لِئَلاً تَبْطلَ حُجَجُ الله وَبَيِّنَاتُهُ»[١٩].
«عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَ تَبْقَى اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ فَقَالَ لاَ قُلْتُ فَإِنَّا نُرَوَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَنَّهَا لاَ تَبْقَى بِغَيْرِ إِمَامٍ إِلاَّ أَنْ يَسْخَطَ اَللهُ عَلَى أَهْلِ اَلْأَرْضِ أَوْ عَلَى اَلْعِبَادِ فَقَالَ لاَ تَبْقَى إِذاً لَسَاخَتْ»[٢٠].
وروي عن الإمام زين العابدين(ع) أنه قال في حديث طويل: «نَحْنُ أَمَانُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ كَمَا أَنَّ اَلنُّجُومَ أَمَانٌ لِأَهْلِ اَلسَّمَاءِ وَ نَحْنُ اَلَّذِينَ بِنَا ﴿يُمْسِكُ﴾[٢١] اَللهُ ﴿السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾[٢٢] وَ بِنَا يُمْسِكُ اَلْأَرْضَ أَنْ تَمِيدَ بِأَهْلِهَا وَ بِنَا ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾[٢٣] وَ بِنَا يَنْشُرُ اَلرَّحْمَةَ وَ تَخْرُجُ بَرَكَاتُ أَهْلِ اَلْأَرْضِ وَ لَوْ لاَ مَا فِي اَلْأَرْضِ مِنَّا لَسَاخَتْ بِأَهْلِهَا... وَ لَمْ تخلو [تَخْلُ] اَلْأَرْضُ مُنْذُ خَلَقَ اَللهُ آدَمَ مِنْ حُجَّةِ اَللهِ فِيهَا ظَاهِرٌ مَشْهُورٌ أَوْ غَائِبٌ مَسْتُورٌ»[٢٤].
هذا وقد وردت فقرات الزيارة الجامعة بهذا المضمون.
وروي عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: «إِنَّ اَلْأَرْضَ لاَ تَخْلُو إِلاَّ وَ فِيهَا إِمَامٌ»[٢٥].
وقد تم تأييد هذه المسألة من قبل الفلاسفة المسلمين أيضاً[٢٦].
ويمكن بيان خلاصة الكلام عبر المسألتين الآتيتين:
- إن وجود الأئمة في العالم لم يكن أمراً حادثاً وجديداً، بل كان وجودهم الشريف والنوراني متحداً بنور النبي الأعظم(ص) قبل خلق عالم المادة وقبل أي وجود، على شكل وجودات شريفة متسامية وحاضرة في مقام القرب الإلهى، وإنما تجلّت ظهوراتهم في العالم المادي ضمن الجسد الإنساني. وبعبارة أخرى: كان وجودهم لازماً ذاتياً لأصل خلق العالم الممكن، وكما قيل: «الذاتي لا يُعلل».
- حيث يتصف وجود الأئمة بالشرف والمنزلة الوجودية، فإن أصل وجود عالم الإمكان متقوم بوجودهم، وإن وجودهم عنصر حدوث وبقاء سائر الوجودات الأخرى، ومع عدم وجودهم يتحول العالم إلى عدم. وعليه يكون وجودهم ضرورياً ولازماً للحفاظ على وجود أصل الممكنات.[٢٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مرتضى مطهري، خاتميت (الخاتمية)، ص ٥٣؛ جعفر سبحاني، الإلهيات، ج ٣،ص ٥٠٧.
- ↑ انظر: العلامة الأميني، الغدير، ج ٥، ص ٢٠٨.
- ↑ انظر: أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج ١، ص ٢٨١؛ الشهرستاني، الملل والنحل، ج ١، ص ٩٦ .
- ↑ انظر: إمام الحرمين الجويني، كتاب الإرشاد، ص ١٦٤؛ عبد القاهر البغدادي، كتاب أصول الدين، ص ٥٥ .
- ↑ انظر: العلامة محمد حسين الطباطبائي، شيعه در إسلام، ص ٨٠؛ محمد تقي مصباح اليزدي، آموزش عقاید، ج ١ و٢، ص ٣٥٢ - ٣٥٣.
- ↑ انظر: سعيد ضيائي فر، جایگاه مبانی کلامی در اجتهاد، ص ٦٨١ فما بعد.
- ↑ الحنفي القندوزي، ينابيع المودة، ج ١، ص ٤٥، ب ١، ح ١، ٣، ٥ .
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٩، ص ١٧١.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٨، ص ٢٩٦.
- ↑ ابن أبي جمهور الأحسائي، المجلي، ص ٣٠٩ و٣٦٨.
- ↑ تذكرة الخواص، ص ٤٦
- ↑ كفاية الطالب، ص ٤٠٥ ؛ ابن طاووس، اليقين، ص ٤٨٥،ب١٩٤، نقلاً عن: موسوعة الإمامة في نصوص أهل السنة، ج ٣، ص ٥٧ .
- ↑ انظر: موسوعة الإمامة في نصوص أهل السنة، ج ٣، الباب: ٣ و٤، وج ٤، ص ٤١٥ .
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٦، ص ٣٣٥.
- ↑ ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلي، ج ٤، ص ١٢٣.
- ↑ محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ٤٤١، كتاب الحجة، باب مولد النبي، ح ٩؛ الإمام الخميني، مصباح الهداية، ص ٦١.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٦، ص ٢٥٩.
- ↑ فرائد السمطين، ج ١، ص ٣٦؛ القطب الراوندي، قصص الأنبياء.
- ↑ نهج البلاغة، الحكمة رقم: ١٤٧ .
- ↑ محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ١٧٩.
- ↑ سورة الحج، الآية ٦٥.
- ↑ سورة الحج، الآية ٦٥.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٤.
- ↑ فرائد السمطين، ج ١، ص ٤٥؛ موسوعة الإمامة، ج ٥، ص ٢٨٦ .
- ↑ محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج ١، ص ٢٥١.
- ↑ انظر: ابن سينا، الإلهيات من الشفاء، ص ٤٥٥ ؛ مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، ج ٢، ص ١١ - ١٢؛ الميرداماد، القبسات، ص ٣٩٧؛ محمد رضا الحكيمي، خورشيد مغرب، الفصل التاسع.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٢٧-٤٠.