الثواب عند أهل السنة
مفهوم الثواب
المعنى اللغوي
«الثواب» اسم للمصدر؛ لأنّ مصدر الثلاثي ثوبٌ وثوبانٌ، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدّة معانٍ أبرزها: العود والرجوع، والاجتماع، والجزاء[١]:
- العود والرجوع: قال ابن فارس: «الثاء والواو والباء قياسٌ صحيحٌ من أصلٍ واحد، وهو العود والرجوع. يقال: ثاب الرجل يثوب ثوباً وثوباناً، أي: رجع بعد ذهابه، ويقال: ثاب فلانٌ إلى الله، وتاب، بالثّاء والتّاء، أي: عاد ورجع إلى طاعته».
- الاجتماع واللجوء: يقال: ثاب الناس، أي: اجتمعوا وجاؤوا. وثاب ماله، أي: كثر واجتمع. وثاب القوم: أتوا متواترين -أي: مجتمعين-. وكذلك الماء إذا اجتمع في الحوض، يقال: ثاب الماء في الحوض، أي: اجتمع فيه.
- الثواب والمثوبة: يراد به أيضاً مطلق الجزاء في الخير والشّرّ لا جزاء الطاعة فقط، قال ابن الأثير: «الثواب، يكون في الخير والشر، إلّا أنّه بالخير أخصّ وأكثر استعمالاً».
المعنى الاصطلاحي
قيل: الثواب: هو إعطاء ما يلائم الطبع[٢].
أو الثواب: الجزاء كيف ما كان من الخير والشر، إلّا أنّ استعماله في الخير، أكثر[٣].
من خلال تلك التعريفات يتبيّن لنا أنّ الثواب هو النتيجة النهائية لعمل الإنسان وما تجنيه عليه نفسه، فإن أساء في عمله سيكون ثوابه وجزاؤه شرّاً، وإن أحسن في عمله سيكون ثوابه وجزاؤه خيراً.
الثواب في الاستعمال القرآني
وردت مادّة «ثوب» في القرآن الكريم (٢٨) مرّة، يخصّ موضوع البحث منها (١٩) مرّة[٤].
والصيغ التي وردت هي:
| الصيغة | عدد المرات | المثال |
|---|---|---|
| الفعل الماضي | ٤ | ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[٥] |
| المصدر | ١٥ | ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[٦] |
وجاء الثواب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله[٧] سواء كان فتحاً، أو وعداً، أو زيادة، أو منفعة[٨].
الألفاظ ذات الصلة
الأجر
الأجر لغة: يطلق الأجر في اللغة على عدّة معانٍ، منها: الجزاء على العمل، والثواب.
والأجر: الجزاء على العمل. والأجر الثواب، تقول: آجره الله يأجره ويأجره أجراً من باب ضرب ونصر إذا جزاه وأثابه وأعطاه الأجر. فالفعل، أجر يأجر أجراً، والمفعول، مأجورٌ. والأجير: المستأجر. والإجارة ما اُعطيت من أجرٍ في عملٍ[٩].
الأجر اصطلاحاً: الأجر والأجرة: ما يعود من ثواب العمل دنيوياً كان أو أخروياً، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾[١٠]، ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾[١١]، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[١٢].
وكلاهما -أي: الأجرة والأجر- يقال فيما كان من عقد وما يجرى مجرى العقد، ولا يقال إلّا في النفع دون الضرّ، نحو ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾[١٣]، ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾[١٤].[١٥]
الصلة بين الأجر والثواب: الثواب والأجر يوجد بينهما ترادف، فكلاهما جزاء للعمل الذي يعمله الإنسان، غير أنّ الأجر أخصّ من الثواب؛ لأنّ الأجر لا يكون إلّا في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير، والثواب يكون في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير، وكذلك العمل الذي فيه ضرر وشرّ. إلّا أنّ إطلاق الثواب -في مقابل العمل الذي فيه النفع والخير- أكثر، والأجر يقال غالباً فيما كان من عقد وما يجرى مجرى العقد[١٦].
العقاب
العقاب لغة: العقاب مأخوذ من «عقب»: العين والقاف والباء أصلان صحيحان: أحدهما يدلّ على تأخير شيء وإتيانه بعد غيره. والأصل الآخر يدلّ على ارتفاع وشدّة وصعوبة[١٧].
العقاب اصطلاحاً: العقاب: هو جزاء الشر، والنكال أخصّ منه[١٨]، أو هو ما يلحق الإنسان بعد الذنب من المحنة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً[١٩].
الصلة بين العقاب والثواب: إنّ العقاب يكون على فعل الشر، أمّا الثواب فيكون على فعل الشر والخير إلّا أنّه في الخير أكثر، وعلى هذا فالثواب أعمّ والعقاب أخصّ منه.
الجزاء
الجزاء لغة: المكافأة على الشيء[٢٠].
الجزاء اصطلاحاً: هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً﴾[٢١].[٢٢]
الصلة بين الثواب والجزاء: كلا اللفظين يكونان في الخير والشر، فالثواب يكون على عمل الخير والشر، وكذك الجزاء، إلّا أنّ الغالب استعمال الثواب في مقابلة الخير، واستعمال الجزاء في مقابلة الشر.
الثواب من الله
إنّ الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا، وهيّأ له من الأسباب والوسائل ما يعينه على أداء مهمّته في الحياة الدنيا من عبادة لله، وتعمير للأرض، وإصلاح للنفس وتهذيبها، كلّ ذلك طمعاً في تفضّل الحق سبحانه وتعالى وإكرامه بالمثوبة والمكافأة من عنده سبحانه، فهو الخالق الرازق، الذي يعطي كلّ ذي حق حقه، وهو بيده مقاليد السماوات والأرض، وهو على كلّ شيء قدير.
فالإنسان المؤمن الحقيقي يسعي في عبادته ومعاملاته وأخلاقه وكلّ شئونه في نيل الثواب من الله، ولكن شغف بعض الناس بالحياة الدنيا يجعله يلهث وراءها وما تجلبه من سعادة خادعة وفرح مكذوب، ويرجو أن يحصل على منافع الدنيا فقط، فيعمل العمل يرجو فقط المثوبة الدنيوية من أولاد أو مال أو جاه أو سلطان أو نحو ذلك.
فالحق سبحانه يهيّىء له ما يجعله يحصل على مثوبة الدنيا كما أراد -وإن كان سيحرم من الآخرة كما في حالة الكافر-؛ لأنّ الثواب والمكافأة من الله في كلّ الأحوال سواء طلب الإنسان ثواب الدنيا فقط أم طلب ثواب الدنيا والآخرة.
وهذا المعنى أشارت إليه غير آية من القرآن، فيقول جلّ جلاله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[٢٣].
فالحقّ يقول لنا: من يرد منكم أيّها المؤمنون بعمله جزاءاً من الحق جلّ جلاله يتمثل هذا الجزاء فقط في بعض أعراض الدنيا دون ما عند الله من الكرامة والنعيم في الآخرة.
﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: يعطه الحق من الدنيا ما قسّم له فيها من رزق أيام حياته، ثم لا نصيب له في كرامة الله التي أعدّها لمن أطاعه، وطلب ما عنده في الآخرة.
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: ومن يرد منكم بعمله جزاءاً من الحق جلّ جلاله يتمثّل في ثواب الآخرة، ممّا عند الله من نعيمه وكرامته التي أعدّها للعاملين له في الآخرة.
﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: يعطه من الآخرة، من كرامة الله التي خصّ بها أهل طاعته في الآخرة[٢٤].
فعند الله ثواب الدارين: الدنيا والآخرة، فمن قصد الدنيا فقط، أعطاه الله من الدنيا ما قدّر له، وكان له في الآخرة العذاب، كالمجاهد الذي يريد بجهاده الغنيمة فقط أو نصرة راية غير إسلامية، فيأخذ الغنيمة ويحقّق المطمع الدنيوي الرخيص، وليس له في عالم القيامة إلّا النار، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً﴾[٢٥] لكلّ قول، ﴿بَصِيراً﴾[٢٦] بكلّ قصد وعمل، فعلى الإنسان أن يخلص في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله عزّ وجلّ، ولا مانع أن يقصد بعمله وجهاده معاً ثواب الدنيا ومكافأتها، وثواب الآخرة ونعيمها الخالد في الجنة[٢٧].
وفي ذلك تعليم للمؤمنين أن لا يصدّهم الإيمان عن طلب ثواب الدنيا، إذ الكلّ من فضل الله، ويجوز أن تكون تذكيراً للمؤمنين بأن لا يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة؛ إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما من عند الله أو هي تعليم للمؤمنين أن لا يطلبوا خير الدنيا من طرق الحرام، فإنّ في الحلال سعة لهم ومندوحة، وليتطلّبوه من الحلال يسهّل لهم الله حصوله؛ إذ الخير كلّه بيد الله، فيوشك أن يحرم من يتطلّبه من وجه لا يرضيه أو لا يبارك له فيه[٢٨].
وفي الآية ملمح لحقيقة هذا الدين مفاده أنّ الدعوة للعمل لخيري الدنيا والآخرة دليل على أنّ الإسلام كفل لأتباعه وكلّ من سار على هديه سعادة الدنيا والآخرة، وهذا المنهاج المتوازن والخط المعتدل هو قوام الحياة الإسلامية القرآنية التي تعتمد الدنيا وسيلة ومزرعة، والآخرة مقصداً وغاية، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[٢٩] أعمالهم في دنياهم، وينشدون ثواب الله في آخرتهم[٣٠].
وهذه الآية وإن نزلت في الجهاد خاصّة لكنّها عامّة في جميع الأعمال؛ ذلك لأنّ الأصل في ذلك كلّه يرجع إلى نية العبد، فإن كان يريد بعمله الدنيا فليس له جزاء إلّا فيها، وكذلك من أراد بعمله الدار الآخرة فجزاؤه أيضاً فيها[٣١].
فالتعبير بقوله: ﴿يُرِد﴾[٣٢] دليل على أنّ الإرادة للشخص هي التي تكيّف العمل، فتارة يكون خيراً، وتارة يكون شرّاً؛ ولذلك روي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (ص): «إِنَّمَا اَلْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَ إِنَّمَا لِكُلِّ اِمْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اَللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ اِمْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[٣٣].
وعن أنس بن مالك أنّ النبي (ص) قال: «مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبُ الْآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَ جَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةُ، وَ مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبِ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَ شَتَّتُّ عَلَيْهِ أَمْرِهِ، وَ لَا يَأْتِيَهُ مِنْهَا إِلَّا ما كُتِبَ لَهُ»[٣٤].
فألحق يقول: إنّ لنيل ثواب الدنيا سنناً ولنيل ثواب الآخرة سنناً، فمن سار على سنن واحدة منهما وصل إليها، فإذا كان المشركون قد استظهروا على المسلمين -يعني: في غزوة أحد- في هذه المرّة فلأنّهم طلبوا بعملهم الدنيا وأخذوا له أهبته من حيث قد قصّر المسلمون في اتباع السنن في ذلك بمخالفة الرسول.
كما أنّه يقول لأولئك الذين ضعفوا وفشلوا وانقلبوا على أعقابهم: ما الذي تريدونه بعملكم هذا؟ إن كنتم تريدون ثواب الدنيا فالله لا يمنعكم ذلك، وما عليكم إلّا أن تسلكوا طريقه، ولكن ليس هذا هو الذي يدعوكم إليه محمد (ص)، وإنّما يدعوكم إلى خير ترون حظّاً منه في الدنيا، والمعوّل فيه على ما في الآخرة. فالمسألة معكم بين أمرين: إرادة الدنيا وإرادة الآخرة، كلّ يريد أمراً، ولكلّ أمر سنن تُتّبع، ولكلّ دار طريق تُسلك[٣٥].
وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[٣٦].
وفيها بيان أنّ من يطلب الدنيا وحدها ولا يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة من نصيب، وأنّ من هدي الإسلام أن يطلب المرء خير الدنيا وخير الآخرة ويقول: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً» فالإنسان يطلب ويريد بحسب سعة معرفته، وعلوّ همّته، ودرجة إيمانه، وله ما يريد كلّه أو بعضه، بحسب سنن الله وتدبيره لنظام هذه الحياة[٣٧].
وعلى الإنسان أن يعلم أنّ له طورين: طور عاجل قصير، وهو طور الحياة الدنيا، وطور آجل أبدي، وهو طور الحياة الآخرة، وسعادته في كلّ من الطورين مرتبطة بإرادته وما توجّه إليه من العمل، فالناس إنّما يتفاضلون بالإرادات والمقاصد: فقوم يحاربون حبّاً فى الربح والكسب، أو ضراوة بالفتك والقتل، فإذا غلبوا أفسدوا فى الأرض وأهلكوا الحرث والنسل، وقوم يحاربون دفاعاً عن الحق وإقامة لقوانين العدل، فإذا غلبوا عمّروا الأرض وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فهل يستوى الفريقان، وهما في المقصد مفترقان؟
كذلك يطلب الرجل الربح والكسب أحياناً بكلّ وسيلة مستطاعة طلباً للذّاته، والحصول على شهواته، فيغلو في الطمع، ويمعن في الحيل، ولا يبالي أ من الحرام أكل أم من الحلال؟ يأكل الربا أضعافاً مضاعفةً، فيجمع القناطير المقنطرة، وهو مع ذلك يمنع الماعون، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾[٣٨].
ولو سئل البذل في المصالح العامة كان أشدّ الناس بخلاً وأقبضهم كفّاً، بينا يطلب آخر الكسب طلباً للتجمّل وحبّاً للكرامة في قومه وعشيرته، فيقتصد فى الطلب، ويتحرّى الربح الحلال، ويلتزم الصدق والأمانة، ويبتعد عن الفسوق والخيانة، وهو مع هذا ينفق ممّا أفاء الله به عليه، فيواسي البائسين، ويساعد المعوّزين، وتكون له اليد الطولى في الأعمال النافعة لأمّته، فيشيد لها المدارس والمعابد، والملاجيء والمستشفيات، فهل ينظر الناس إلى هذين نظرة متساوية، وهل هما فى القرب عند الله بمنزلة واحدة، أو يفضّل أحدهما الآخر بحسن القصد والإرادة والميل إلى الخير وحبّ المصلحة العامة[٣٩].
وقصارى القول إنّ أقدار الرجال تتفاوت وتختلف باختلاف إرادتهم، فبينما تتّسع دائرة وجود الشخص بحسب كبر إرادته وسعة مقصده، فتحيط بالكرة الأرضية، بل فوق ذلك بما يكون له من الكرامة في العالم العلوي- إذا بآخر تضيق دائرة وجوده إذا هو أخلد إلى الشهوات، وركن إلى اللذّات، فيكون حظّه من عمله كحظّ الحشرات، يأكل ويشرب ويبغي على الضعيف ويخاف من القوي. والله قد جعل عطاءه للناس معلّقاً على إرادتهم، ولا يقدر مثل هذا إلّا القليل منهم[٤٠].
فشتّان بين حياة وحياة! وشتّان بين اهتمام واهتمام! -مع اتحاد النتيجة بالقياس إلى العمر والأجل- والذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها، إنّما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! ثمّ يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب. والذي يتطلّع إلى الأفق الآخر، إنّما يحيا حياة الإنسان الذي كرّمه الله واستخلفه وأفرده بهذا المكان، ثمّ يموت في موعده المضروب بأجله المكتوب، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً﴾[٤١].
﴿سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾[٤٢] الذين يدركون نعمة التكريم الإلهي للإنسان، فيرتفعون عن مدارج الحيوان ويشكرون الله على تلك النعمة، فينهضون بتبعات الإيمان.
وهكذا يقرّر القرآن حقيقة الموت والحياة، وحقيقة الغاية التي ينتهي إليها الأحياء، وفق ما يريدونه لأنفسهم، من اهتمام قريب كاهتمام الدود، أو اهتمام بعيد كاهتمام الإنسان! وبذلك ينقل النفس من الانشغال بالخوف من الموت والجزع من التكاليف -وهي لا تملك شيئاً في شأن الموت والحياة- إلى الانشغال بما هو أنفع للنفس، في الحقل الذي تملكه، وتملك فيه الاختيار. فتختار الدنيا أو تختار الآخرة. وتنال من جزاء الله ما تختار![٤٣].
ولقد جاء هذا المعنى نفسه في آية أخرى في سورة الشورى فقال سبحانه أيضاً: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾[٤٤].
فمن يزرع في النشأة الأولى بذور الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة ليحصد ما يترتّب عليها من المثوبات والكرامات في النشأة الأخرى ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ ونضاعف ثوابها لأجله ونعطه من اللذّات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضّلاً منّا عليه وتكريماً له، ﴿وَمَنْ كَانَ﴾ منهم ﴿يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ ونوى نماء بذوره فيها ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ كمال مبتغاه ومتمّناه فيها؛ إذ لكلّ امرئ ما نوى ولكن ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ من اللذّات الجسمانية والروحانية الباقية ﴿مِنْ نَصِيبٍ﴾ لاختياره لذّات الدنيا وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من اللذّات الروحانية الباقية؛ لذلك ليس له في الآخرة نصيب من خيراتها الباقية، ونعيمها الدائم.
ولم يذكر في عامل الآخرة أنّ رزقه المقسوم يصل إليه للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من زكاء عمله وفوزه في المآب[٤٥].
خلاصة القول: أنّ من أراد العمل لله بما يرضيه، أعانه الله على عبادته، ومن أراد الدنيا مؤثراً لها على الآخرة لأنّه غير مؤمن بالآخرة، يؤته منها، وهو الذي قسّم له، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ لأنه كافر بها لم يعمل لها[٤٦].
فعن أبي بن كعب قال قال: رسول الله (ص): «بَشِّرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالسَّنَا وَ الرِّفْعَةَ وَ التَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلِ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبُ»[٤٧].
إذن من يعمل العمل يبتغي به وجه الحق سبحانه وتعالى، يثيبه الله تعالى على عمله حسن الثواب والأجر؛ لأنّه الكريم المتفضّل على عباده، المجازي بما يليق بعظمته وكرمه وإحسانه؛ لذا فإنّ الحق سبحانه يبشّر المؤمنين الذين هجروا أوطانهم فارين بدينهم، وألجأهم المشركون إلى الخروج من الديار، وتحمّلوا الأذى من أجل دين الله، وقاتلوا أعداء الله، وقتلوا في سبيله، أنّه سيمحو ذنوبهم بمغفرته ورحمته وسيدخلهم جنات النعيم جزاءاً من عند الله على أعمالهم الصالحة فالله ﴿عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[٤٨] والجزاء، وهي الجنة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[٤٩].
فقد ختم سبحانه وتعالى النص الكريم بقوله تعالى: ﴿ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[٥٠] لبيان اختصاصه سبحانه بالثواب الحسن، كأنّ كلّ جزاء للأعمال في الدنيا لا يعدّ حسناً بجوار ما أعدّه الله تعالى للمحسنين من عباده، وما في الدنيا من ثمرات الأعمال لا يعدّ شيئاً[٥١].
فالحقّ جلّ جلاله يرزق العبد على قدر نيّته، ويمدّه على قدر همّته، فمن كانت همّته في الحظوظ العاجلة والشهوات الفانية، أمدّه الله فيها، ومتّعه بها ما شاء، على حسب القسمة، ثمّ أعقبه الندم والحسرة، ومن كانت همّته الآخرة، أمدّه سبحانه في الأعمال التي توصله إلى نعيمها، كصلاة وصيام وصدقة وتدريس علم، وأذاقه من حلاوتها ما يهون عليه مرارتها، ثمّ أعقبه النعيم الدائم من القصور والحور، وأنواع الطيبات، ممّا تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين.
ومن كانت همّته الله -أي: الوصول إلى حضرته دون شيء سواه- أمدّه الله في الأعمال التي توصله إليه، وهي أعمال القلوب من التخلية والتحلية، كالتخلية من الرذائل، والتحلية بالفضائل، وكقطع المقامات بأنواع المجاهدات....[٥٢].
ومن خلال ما سبق نستطيع أن نعلم أنّ على الإنسان أن يكون مخلصاً في عمله لله تعالى، ويكون قصده إرضاء الله عزّ وجلّ دون غيره، وأنّ من يطلب الدنيا وحدها ولا يعمل للآخرة عملها فليس له في الآخرة من نصيب ولاحظ. كما يتبيّن أنّ ثواب الآخرة كلّه في غاية الحسن.
كما أنّ الذي يعيش لهذه الأرض وحدها، ويريد ثواب الدنيا وحدها، إنّما يحيا حياة الديدان والدواب والأنعام! وهي حالة من لا يؤمن بالآخرة ولا يؤمن بالجناة والنار والحساب، وكذلك حياة المسلمين الذي استغرقتهم ملاذّ الدنيا ومنافعها الزائلة حياتهم، وغفلوا عن الآخرة وما أعدّه الله من الثواب والجزاء الكبير فيها لعباده المؤمنين، فلا ينبغي أن يلهيهم طلب خير الدنيا عن طلب الآخرة؛ إذ الجمع بينهما أفضل، وكلاهما من عند الله.
أنواع الثواب
قلنا عند الحديث عن المفهوم اللغوي للثواب والمثوبة أنّهما يدلّان على مطلق الجزاء في الخير والشر، وليس جزاء الطاعة والخير فقط، فالثواب يكون في الخير والشر، إلّا أنّه يستعمل في الخير أكثر من استعماله في الشر، والثواب دالّاً على الخير والشر قد ورد في القرآن الكريم، وهذا ما سنتاوله من خلال السطور القادمة:
ثواب الخير
ومنه قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾[٥٣].
تشير الآية السابقة إلى أبرز لونين وأزهاهما فى هذه الحياة الدنيا، التي يفتن الناس بها، وينشغلون بها عن الله، وعن الحياة الآخرة، وهما المال والبنون، وقدّم الحق سبحانه المال على البنين؛ لأنّه المطلب الأوّل للإنسان، فكلّ إنسان طالب للمال، وليس كلّ إنسان طالباً للولد، فكثير من الناس لا يطلبون الأولاد، بل يعيشون بغير سكن إلى زوجة، ولكنّهم جميعاً لا يستغنون عن طلب المال، ومع هذا فإنّه إذا حصل الإنسان على الولد، تعلّق قلبه به، وكان الولد عنده مقدّماً على المال! فالمال والبنون، هما أشدّ مظاهر الحياة فتنة للناس، وأكثرها داعية لهم، وأقواها سلطاناً عليهم، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[٥٤].[٥٥]
وفي التعبير بقوله سبحانه: «زينة»، بيان بديع، وتعبير دقيق لحقيقتهما، فهما زينة وليسا قيمة، فلا يصحّ أن توزن بهما أقدار الناس، وإنّما توزن أقدار الناس بالإيمان والعمل الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[٥٦].
وهذا ردٌّ على المشركين الذين كانوا يفتخرون بالأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أنّ ذلك ممّا يتزيّن به في الدنيا، لا ممّا ينفع في الآخرة، وإنّما كان المال والبنون زينة الحياة الدنيا؛ لأنّ في المال جمالاً ونفعاً، وفي البنين قوّة ودفعاً[٥٧].
ثم بيّن الحق الأعمال التي تُحقّق ثواب الخير في الدنيا والآخرة فقال: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾[٥٨].
فالأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خير عند ربّك من المال والبنين، في الجزاء والفائدة وخير ممّا يتعلّق بهما من الأمل، فإنّ ما ينال بهما من الآمال الدنيوية، أمرها إلى الزوال، وما ينال بالباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي، لا يزول ولا يحول[٥٩].
فالباقيات وصف لموصوف محذوف، أي: والأعمال التي تبقى، ولا تفنى سريعاً، وهي صالحة في ذاتها عامرة لما بين العبد وربّه أوّلاً، وبينه وبين الناس ويباركها الرب ثانياً، سواء أ كانت من شأنها أن تكون ذات أثر باق في الدنيا، من عمل طيّب يبقى أثره بعد الموت، أم كان يرجى خيره في الآخرة، وفي الجملة الأعمال التي تكون كثيرة النفع في ذاتها ويبقى أثرها بعدها، كما قال النبي (ص): «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةُ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدُ صَالِحُ يَدْعُو لَهُ»[٦٠]، هذا في الدنيا، أمّا في الآخرة فكلّ ما يحرثه العبد للآخرة يكون باقياً، يقول علي: «الْحَرْثُ حرثان حَرْثُ الدُّنْيَا الْمالُ وَ الْبَنُونَ، وَ حَرْثُ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَقَدْ يَجْمَعُهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ».
وقد حكم سبحانه بأنّ: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾[٦١]، أي: خير فائدة وعائدة وعاقبة، وتفتح باب الأمل لخير عميم، ونعيم مقيم، وجنة خالدين فيها. وكرّر كلمة «خَيْرٌ»، لاختلاف نوعهما، فالأوّل عاجل في الدنيا، والثاني أمل ورجاء في الآخرة[٦٢].
والظاهر أنّ ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ كلّ عمل خير، فلا وجه لقصرها على الصلاة كما قال بعض العلماء، ولا لقصرها على نوع من أنواع الذكر كما قاله بعض آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب؛ لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبهذا فإنّ تفسير الباقيات الصالحات في الأحاديث لا ينافي إطلاق هذا اللفظ على ما هو عمل صالح من غيرها[٦٣].
ومثلها قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَداً﴾[٦٤].
فالطاعات التي بها تنشرح الصدور، وتستنير القلوب، وتصل إلى القرب من الله، ونيل رضوان خير عند ربّك منفعة وعاقبة ممّا متّع به أولئك الكفرة من النعم الفانية التي يفخرون بها من مال وولد وجاه ومنافع تحصل منها، فإنّ عاقبة الأوّلين السعادة الأبدية، وعاقبة أولئك الحسرة الدائمة والعذاب المقيم.
وخلاصة هذا أنّ الطاعات التي يبقى ثوابها لأهلها خير عند ربّهم جزاءاً، وخير عاقبة من مقامات هؤلاء المشركين بالله وأنديتهم التي بها يفخرون على أهل الإيمان فى الدنيا[٦٥].
فإن قلت: كيف قيل: خير ثواباً كأنّ لمفاخراتهم ثواباً، حتّى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه؟ قلت: كأنّه قيل: ثوابهم النار، ثمّ بنى عليه خير ثواباً. وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدّد من أن يقال له: عقابك النار[٦٦].
فلا يجوز أن يقال: هذا خير إلّا والمراد أنّه خير من غيره، فالمراد إذاً: أنّه خير ممّا ظنّه الكفار بقولهم: ﴿خَيْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِياً﴾[٦٧].[٦٨]
وهكذا فإنّ الأعمال الصالحة التي يفعلها الإنسان من العبادات والمعاملات والأخلاق هي التي يكون عليها خير المثوبة والجزاء من الله تعالى، وليس التفاخر بالمال والبنين وغيرهما من الزينة التي قد تتحوّل إلى نقمة إذا كانت مبعثة للتفاخر والكبر والبطر، وأمثال ذلك ممّا لا يُرضي الله تبارك وتعالى، فمآل المال والجاه والثروة والسيادة إلى الحسرة والخسران وأنواع الخيبة والخذلان، ومآل العبادة إلى الجنة والغفران والرحمة والرضوان.
ثواب الشر
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَماً بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[٦٩].
لمّا شدّ المشركون على المسلمين بأُحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول (ص) يدعو الناس: «إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ». فذكر الله صعودهم على الجبل، ثمّ ذكر دعاء النبي (ص) إيّاهم فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ﴾[٧٠].
وكأنّه يقول للمسلمين: تستبقون إلى الهرب في مستوى الأرض، وفي بطون الأودية والشعاب، فـ «الإصعاد»: الذهاب في صعيد الأرض، أو الإبعاد فيه، و«الصعيد»: ما على وجه الأرض من تراب وحجر ونحوهما، وقيل: هو من الصعود، وأنّهم صعدوا هاربين في أُحد ﴿وَلَا تَلْوُونَ﴾ ولا تلتفتون والرّسول يناديكم وأنتم منهزمون: «إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ»، والمراد: أنّ الرسول (ص) كان يدعو المنهزمين إلى الثبات، وإلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى معاودة الهجوم عليهم، وهو ثابت لم يتزعزع ومعه نفر من أصحابه.
﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: جزاكم الحق سبحانه وتعالى غمّاً، أي: هزيمة، بغمٍّ أي: مقابل غمّكم للرسول -صلوات الله تعالى وسلامه عليه-، ومخالفتكم أمره. أو المعنى: غمّكم بالهزيمة في أُحد، مقابل غم الكافرين وهزيمتهم ببدر، وهو كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾[٧١].
وأصل «الإثابة» إعطاء الثواب، وهو شيء يكون جزاءاً على عطاء أو فعل، ولفظ الثواب لا يستعمل في الأعمّ الأغلب إلّا في الخير، والمراد به هنا: العقوبة التي نزلت بهم. وسمّيت العقوبة التي نزلت بهم ثواباً على سبيل الاستعارة التهكمية كما في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[٧٢].
فالبشرى لا تكون إلّا على الخير.
ويجوز أن يكون اللفظ مستعملاً في حقيقته؛ لأنّ لفظ الثواب في أصل اللغة معناه ما يعود على الفاعل من جزاء فعله، سواء أ كان خيراً أو شرّاً[٧٣]؛ لأنّ الثواب يدلّ على مطلق الجزاء كما سبق القول.
وعلى كلٍّ فالمقصود تذكير للمسلمين بما كان منهم فى هذه المعركة -معركة اُحد- وغمزة عتاب لهم على أن فرّوا صاعدين الجبل، لا يلوون على أحد، أي: غير ملتفتين إلى من وراءهم، وإنّ وراءهم إخواناً لهم صمدوا للمشركين، واستقبلوا الموت راضين، بل وراؤهم، نبيّهم يواجه العدوّ وحده في بضعة رجال من أصحابه فكيف يفرّون؟ ثمّ إذا كانت منهم فرّة أفلا كانت منهم لفتة إلى النبي وقد أحاط العدوّ به؟ ثم ألا كانت منهم كرّة إلى العدوّ، يدفعون يده الضاغطة على رسول الله ومن معه؟ وهل شيء أحبّ إلى المسلم وأعزّ عنده من النبي، ولو كانت نفسه التي بين جنبيه؟![٧٤].
قلت: ولا يفهم من ذلك أنّ هناك خيانة وقعت من الصحابة لرسول الله (ص)، فهذا توهّم غير صحيح، وإنّما هو اجتهاد من الصحابة لم يصبهم التوفيق فيه، كانت نتيجته عدم تحقيق النصر على المشركين، وهو أمر كان ممكن تحقيقه لولا مخالفة الرماة أمر النبي، وتركهم لأماكنهم في المعركة بحثاً عن الغنائم.
إذن فكانت نتيجة مخالفتهم لأمر الرسول وعدم الاستجابة لأمره ثواب الشر الذي جنته أيديهم وعملته جوارحهم، فثواب الشر يكون جزاء کلّ عمل لا يرضي الله ورسوله، ويخالف منهجه (ص).
المستحقون للثواب
تحدّث القرآن عن المستحقّين للثواب في الدنيا والآخرة، وسوف نبيّن ذلك فيما يأتي:
المستحقّون لثواب الدنيا
ثواب الخير
المؤمنون الصادقون الموفون بعهدهم
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٧٥].
يعني: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ يعني: بيعة أصحاب رسول الله (ص) ورسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفرّوا، ولا يولّوهم الدّبر تحت الشجرة، وكانت بيعتهم إيّاه هنالك فيما ذكر تحت شجرة.
وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إنّ رسول الله (ص) كان أرسل عثمان بن عفان برسالته إلى الملأ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظنّ أنّه قد قتل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعة التي تسمّى بيعة الرضوان[٧٦].
ثمّ يقول تعالى ذكره: فعلم ربّك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحقّ الذي هداهم الله له، حتّى بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفرّوا.
﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي: وعوّضهم ومنحهم -على الرّضى بقضائه- في العاجل ممّا رجوا الظفر به من غنائم أهل مكة بقتالهم أهلها فتحاً قريباً، وذلك فيما قيل: فتح خيبر[٧٧].
فالحقّ أعطاهم ومنحهم فتحاً قريباً، وهو فتح خيبر، الذي كان بعد صلح الحديبية بأقلّ من شهرين، وقيل: المراد به: فتح مكة، والأوّل أرجح؛ لأنّ فتح خيبر لم يكن فتح أقرب منه، ولأنّ المسلمين قد أصابوا من فتح خيبر غنائم كثيرة[٧٨].
وتوسّع ابن كثير في المراد بـ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ حيث قال: «إنّ المراد: ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدائهم، وما حصل بذلك من الخير العامّ المستمر المتّصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة»[٧٩].
قال الآلوسى: «والتعبير بالمضارع لاستحضار صورة هذه المبايعة»[٨٠]. وقوله سبحانه: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ متعلق ﴿يُبَايِعُونَكَ﴾... وفي التقييد بذلك إشارة إلى مزيد وقع تلك المبايعة في النفوس. ولذا استوجبت رضا الله تعالى الذي لا يعادله شيء، ويستتبع ما لا يكاد يخطر على البال.
ويكفي فيما ترتّب على ذلك ما رواه مسلم عن أم بشر، عنه، عن النبي (ص) أنّه قال: «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٍ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»[٨١].
وصحّ برواية الشيخين وغيرهما في أولئك المؤمنين من حديث جابر، أنّه (ص) قال لهم: «أَنْتُمْ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ»[٨٢].
وهكذا كان ثواب المؤمنين المخلصين الصادقين الموفين بعهودهم تجاه الله ورسوله، أنّ أعطاهم الله النصر على الأعداء والطمأنية والسكينة، إضافة إلى - رضى الله عنهم -، ورضا الله سبب كلّ الخير، وإثابة ونجاح وفلاح.
المجاهدون الصامدون الخاضعون لله
قال تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[٨٣]
يحكي لنا القرآن أنّ كثيراً من الأنبياء كانوا يقاتون من أجل إعلاء كلمة الله، وأنّ هؤلاء الأنبياء قاتل معهم علماء ربّانيون لم يضعفوا لما أصابهم من القتل والجراح في سبيل الله، ولم يذلّوا ويخضعوا لعدوّهم أثناء القتال، إلّا أنّهم طلبوا المغفرة من الله لخطايهم، وتثبيتهم في مواطن الحرب، ونصرهم على أعدائهم ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾.
فكانت الثمار التي ترتّبت على هذا الدعاء الخاشع والإيمان الصادق والعمل الخالص لوجهه سبحانه فقال: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾[٨٤]. والفاء في قوله: ﴿فَآتَاهُمُ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
فهؤلاء الذين آمنوا بالله حق الإيمان وجاهدوا في سبيله حق الجهاد لم يخيّب الله تعالى سعيهم، ولم يقفل بابه عن إجابة دعائهم، وإنّما أعطاهم الله تعالى ثواب الدنيا من النصر، والغنيمة، وقهر الأعداء، وصلاح الحال.
كما أعطاهم حسن ثواب الآخرة بأن منحهم رضوانه ورحمته ومثوبته وجنّته، وإنّما خصّ ثواب الآخرة بالحسن للتنبيه على عظمته وفضله ومزيّته، وأنّه هو المعتدّ به عنده تعالى؛ لأنّه غير زائل، وغير مشوب بتنغيص أو قلق.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ تذييل مقرر لمضمون ما قبله، فإنّ محبة الله تعالى للعبد مبدأ كلّ خير وسعادة[٨٥].
فأعطى الله الذين وصفهم بما وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل أنبيائهم، وعلى جهاد عدوّهم، والاستعانة بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم على ما أبلوا في سبيل الله ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ يعني: جزاءاً في الدنيا، وذلك: النصر على عدوّهم وعدوّ الله، والظفر، والفتح عليهم، والتمكين لهم في البلاد.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ يعني: وخير جزاء الآخرة على ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة، وذلك: الجنة ونعيمها[٨٦].
فخصّ تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيهاً على جلالة ثوابهم؛ وذلك لأنّ ثواب الآخرة كلّه في غاية الحسن، فما خصّه الله بأنّه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه!؟ ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلّتها، وامتزاجها بالمضار، وكونها منقطعة زائلة[٨٧].
وبمفهوم آخر: خصّ ثواب الآخرة بالحسن دلالة على فضله وتقدّمه، وأنّه هو المعتدّ به عنده ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[٨٨].[٨٩]
وهذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين ما يفعلون ويقولون عند لقاء العدوّ من الالتجاء والخضوع والتذلل لله[٩٠].
وبالجملة فإنّ الحق سبحانه تعالى يبيّن لنا أنّه كلّما كان العبد قريباً من ربّه متمسّكاً بمنهجه، سائراً على منهج نبيّه (ص) كان له الثواب والمكافأة من الله في العاجل والآجل، في الحياة وبعد الممات.
ثواب الشر
اليهود
قال سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾[٩١].
يقول القرطبي في سبب نزول الآية: «قال ابن عباس : جاء نفر من اليهود -فيهم أبو ياسر بن أخطب و رافع بن أبي رافع - إلى النبي (ص) فسألوه عمّن يؤمن به من الرسل (ع)، فقال: نؤمن ﴿بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾[٩٢].
إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، فلمّا ذكر عيسى (ع) جحدوا نبوّته وقالوا: والله ما نعلم أهل دين أقلّ حظّاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شرّاً من دينكم، فنزلت هذه الآية وما بعدها»[٩٣].
والمشار إليه بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ يعود إلى ما نقمه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله وبالكتب السماوية. وقيل: يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب المعبّر عنها بقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾[٩٤]. وتوحيد اسم الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره، أو لتأويله بالمذكور ونحوه. والخطاب لأهل الكتاب المتقدّم ذكرهم. وقيل: للكفّار مطلقاً. وقيل: للمؤمنين.
والمثوبة: مصدر ميمى بمعنى الثواب الثابت على العمل، وأكثر استعمالها في الخير. وقد استعملت هنا بمعنى: العقوبة على طريقة التهكم بهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[٩٥] وهي منصوبة على أنّها تمييز لقوله: ﴿بَشِّرِ﴾. وقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾[٩٦].
خبر لمبتدأ محذوف أي: هو من لعنه الله، والمراد اليهود؛ لأنّ الصفات التي ذكرت في الآية لا تنطبق إلّا عليهم[٩٧].
و«شرّ» اسم تفضيل، أصله أشرّ، وهو للزيادة في الصفة، حذفت همزته تخفيفاً لكثرة الاستعمال، والزيادة تقتضي المشاركة في أصل الوصف، فتقتضي أنّ المسلمين لهم حظّ من الشر، وإنّما جرى هذا تهكّماً باليهود؛ لأنّهم قالوا للمسلمين: لا دين شر من دينكم، وهو ممّا عبّر عنه بفعل (تنقمون). وهذا من مقابلة الغلظة بالغلظة كما يقال: «قلت فأوجبت»[٩٨].
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء اليهود الذين عابوا على المؤمنين إيمانهم بالله وبما أنزله من كتب سماوية والذين قالوا لكم: ما نعلم أهل دين أقلّ حظاً في الدنيا والآخرة منكم، ولا ديناً شرّاً من دينكم، قل لهم على سبيل التبكيت والتنبيه على ضلالهم: هل أخبركم بشر من أهل ذلك الدين عقوبة عند الله يوم القيامة؟ هو ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ بأن منع عنه رضاه ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ بأن مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير، وجعل منهم من عبد الطاغوت، أي: من عبد كلّ معبود باطل من دون الله كالأصنام والأوثان، وغير ذلك من المعبودات الباطلة التي اتبعوها بسبب طغيانهم وفساد نفوسهم[٩٩].
فإن قيل: إنّ قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾[١٠٠] يفيد أنّ ما عابه اليهود على المؤمنين من إيمانهم بالله فيه شر، إلّا أنّ ما عليه اليهود أشدّ شرّاً، مع أنّ إيمان المؤمنين لا شرّ فيه ألبتة، بل هو عين الخير فكيف ذلك؟.
فالجواب: أنّ الكلام مسوق على سبيل المشاكلة، والمجاراة لتفكير اليهود الفاسد، وزعمهم الباطل، فكأنّه سبحانه يقول لنبيّه (ص): إنّ هؤلاء اليهود -يا محمد- ينكرون عليكم إيمانكم بالله وبالكتب السماوية، ويعتبرون ذلك شرّاً -مع أنّه عين الخير-، قل لهم على سبيل التبكيت وإلزامهم الحجة: لئن كنتم تعيبون علينا إيماننا وتعتبرونه شرّاً لا خير فيه في زعمكم، فشرّ منه عاقبة ومآلاً ما أنتم عليه من لعن وطرد من رحمة الله، وما أصاب أسلافكم من مسخ بعضهم قردة، وبعضهم خنازير، وما عرف عنكم من عبادة لغير الله، وشبيه بهذه الآية في مجاراة الخصم في زعمه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[١٠١].[١٠٢]
﴿أُولَئِكَ﴾ الممسوخون الملعونون ﴿شَرٌّ مَكَاناً﴾ جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله مبالغة ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ عن قصد الطريق الموصل إلى الجنة[١٠٣].
فأثبت سبحانه الشرية لمكانهم؛ ليكون أبلغ في الدلالة على كثرة شرورهم؛ إذ إنّ إثبات الشرية لمكان الشيء كناية عن إثباتها للشيء نفسه. فكأنّ شرّهم قد أثّر في مكانهم، أو عظم وضخم حتّى صار متجسّماً[١٠٤]. ولذا قال في حقّهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾[١٠٥].
المستحقّون لثواب الآخرة
الخير
المجاهدون والمهاجرون
قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[١٠٦].
يبيّن الحق سبحانه وتعالى الثواب العظيم والأجر الكبير للذين هاجروا وتركوا أوطانهم من أجل إعلاء كلمة الله، واُخرجوا من ديارهم، فراراً بدينهم من ظلم الظالمين، واعتداء المعتدين، ﴿وَأُوذُواْ﴾ وتحمّلوا الأذى والاضطهاد في سبيل الحق الذي آمنوا به ﴿فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾ أعداء الله ﴿وَقُتِلُواْ﴾ وهم يجاهدون من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل. فهؤلاء تكفّل لهم الله تعالى بالثواب والنعيم في الآخرة فضلاً عن الدنيا.
ففي هذا النص تعداد للأعمال الصالحات التي قام بها هؤلاء واستحقّوا بها نعيم الجنة، واتقوا بها عذاب النار، وهي أمور ثلاثة، آخذ بعضها بحجز بعض، ومتلاقية في معناها ومغزاها[١٠٧].
- أنّهم هاجروا واُخرجوا من ديارهم فهم هجروا مغانيهم التي تربّوا فيها غير راغبين ولا محبّين للخروج، بل ملجئين مضطرّين، ولذلك روي أنّ النبي (ص) قال مخاطباً مكة عندما خرج منها: ﴿إِنَّكَ أَحَبَّ أَرْضِ اللَّهُ إِلَيَّ، وَ لَولَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ﴾[١٠٨]، ويروى أنّ ورقة بن نوفل قال للنبي (ص): «لَيْتَنِي أَكُونُ جَذَعاً إِذْ يُخْرِجَكَ قَوْمِكَ». فقال له عليه الصلاة والسلام: «أَوْ مَخْرَجِي هُمْ»؟! قال: «مَا أُوتِىَ أَحَدُ بِمِثْلِ مَا أُوتِيتَ إِلَّا عُودَيِ»[١٠٩]. والله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾[١١٠]، فكان الإخراج سبب الهجرة.
- الذي استحقّوا به الجزاء الأوفى هو أنّهم تحمّلوا الأذى في سبيل الله تعالى، فهم أُوذوا في مكة قبل الهجرة، واستمرّ الإيذاء بعدها، وكلّ ذلك في سبيل الله، وفي سببل الحق وإعلائه، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الباطل هي السفلى، وإنّ هذا يزكّي الخير فيهم، فإنّهم ما أُخرجوا من ديارهم، وهجروا أحبّاءهم وذويهم إلّا في سبيل الله تعالى.
- أنّهم قاتلوا في سبيل الله تعالى فجاهدوا الأعداء واستشهدوا في هذا القتال، فلهم فضلان: فضل القتال والتقدّم، وفضل الاستمرار فيه والشهادة في سبيل الحق[١١١]، وإليه الإشارة ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾[١١٢].
وقد ذكر الله صفات المؤمنين هكذا، لينبّهنا إلى أن نروّض أنفسنا ونختبرها، فإن رأيناها تحتمل الأذى فى سبيل الله حتّى القتل فلها الرضوان من ربّها، وإلّا فلنروّضها حتّى تصل إلى هذه المنزلة، والسرّ فى هذا التكليف الشاقّ أنّ الحق لا يقوى إلّا إذا وجد من ينصره ويؤيّده، ويقاوم الباطل وأعوانه؛ حتّى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى، فيجب على أنصار الحق ألّا يفشلوا ولا ينهزموا، بل يثبتوا مهما لاقوا من المحن والأرزاء، فقد كتب الله النصر لعباده المؤمنين[١١٣].
وقد بيّن سبحانه وتعالى الجزاء والثواب بقوله تعالت كلماته: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾[١١٤].
قلنا: الثواب والمثوبة يراد به الجزاء، وقد جعله الدين أثراً طبيعياً للعمل، فللأعمال تأثير في نفس العامل بتزكيّتها فتكون منعمة في الآخرة، أو تدسيّتها فتكون معذّبة فيها.
وقد وعد الله تعالى من فعل ذلك بأمور: هي بمثابة الإثابة على أعمالهم: فأثابهم بمحو السيئات وغفران الذنوب، ودلّ على ذلك بقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾، ووعدهم كذلك بإعطائهم الثواب العظيم المتمثّل في الجنة، وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وهذا الثواب مقرون بالتعظيم والإجلال، وهو قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ والمعنى لأكفرنّ عنهم سيّئاتهم، ولأدخلنّهم الجنات، ولأثيبنّهم بذلك ثواباً من الله لا يقدر عليه غيره.
﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[١١٥] أي: هو ثواب من عنده مختصّ به، بحيث لا يقدر عليه غيره، وهذه الجملة تأكيد لشرف ذلك الثواب؛ لأنّه تعالى قادر على كلّ شيء، غني عن كلّ أحد، فهو لا محالة فى غاية الجود والكرم والإحسان[١١٦].
ففي قوله تعالى: ﴿ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾[١١٧] إشارة إلى أنّ هذا الجزاء والثواب الذي يجزونه، هو فضل عليهم من الله سبحانه وتعالى، إذ هداهم إلى الإيمان، ووفّقهم للعمل الصالح من الجهاد وتحمّل الأذى في سبيل الله، الذي أنزلهم منازل الرضا والقبول عند الله.
روي عن جعفر الصادق أنّه قال: «من حزنه أمر فقال خمس مرات: ربّنا، أنجاه الله ممّا يخاف، وأعطاه ما أراد، وقرأ هذه الآية، قال: لأنّ الله حكى عنهم أنّهم قالوا خمس مرات: ربّنا، ثمّ أخبر أنّه استجاب لهم.
ثمّ قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾[١١٨] وهو تأكيد؛ ليكون ذلك الثواب في غاية الشرف؛ لأنّه تعالى لمّا كان قادراً على كلّ المقدورات، عالماً بكلّ المعلومات، غنيّاً عن الحاجات، كان لا محالة في غاية الكرم والجود والإحسان، فكان عنده حسن الثواب»[١١٩].
الذين آمنوا وعملوا الصالحات
قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ﴾[١٢٠].
يبيّن الحق سبحانه أنّ الإيمان بالله والصبر عن طلب زينة الحياة الدنيا خير من طلب الزينة والتكبر والغرور على الخلق.
إنّ الناس لمّا رأوا قارون على تلك الزينة قال من كان منهم يرغب في الدنيا: يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون من هذه الأمور والأموال، والراغبون يحتمل أن يكونوا من الكفار وأن يكونوا من المسلمين الذين يحبّون الدنيا، وأمّا العلماء وأهل الدين فقالوا للذين تمنّوا هذا: ويلكم ثواب الله خير من هذه النعم؛ لأنّ للثواب منافع عظيمة وخالصة عن شوائب المضار ودائمة، وهذه النعم العاجلة على الضد من هذه الصفات الثلاث، قال صاحب الكشّاف: «ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثمّ استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى»[١٢١].
فقال: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بالله، حين رأوا قارون خارجاً عليهم في زينته، - للذين قالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾[١٢٢]: ويلكم اتقوا الله وأطيعوه، فثواب الله وجزاؤه لمن آمن به وبرسله، وعمل بما جاءت به رسله من صالحات الأعمال في الآخرة، خير ممّا أوتي قارون من زينته وماله.
وقوله: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾[١٢٣] يقول: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾[١٢٤]، أي: ولا يوفّق لقيل هذه الكلمة، وهي قوله: ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾[١٢٥] والهاء والألف كناية عن الكلمة. وقال: ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾[١٢٦] يعني بذلك: الذين صبروا عن طلب زينة الحياة الدنيا، وآثروا ما عند الله من جزيل ثوابه على صالحات الأعمال على لذّات الدنيا وشهواتها، فجدّوا في طاعة الله، ورفضوا الحياة الدنيا.
أو ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾[١٢٧] أي: لا يؤتى الجنة، ولا يدخلها، أو لا يوفّق للأعمال الصالحة ﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾[١٢٨] على الطاعات، وعن المعاصي[١٢٩].
وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾[١٣٠].
لقد جعل الله تعالى سبب ما يستقبلهم من النعيم والثواب أمرين:
- إيمان صادق وإخلاص يعمر القلوب، فإنّه لا ثواب من غير قلب منيب.
- عمل صالح نافع بأداء ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه في استقامة قلب، وكمال قصد واتجاه إلى النفع[١٣١].
﴿أُولَئِكَ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾ ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ اعتراض، ولك أن تجعل ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ و ﴿أُولَئِكَ﴾ خبرين معاً. أو تجعل ﴿أُولَئِكَ﴾ كلاماً مستأنفاً بياناً للأجر المبهم. فإن قلت: إذا جعلت ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ﴾ خبراً، فأين الضمير الراجع منه إلى المبتدأ؟ قلت: ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾[١٣٢] و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[١٣٣] ينتظمهما معنى واحد، فقام ﴿مَنْ أَحْسَنُ﴾ مقام الضمير. أو أردت: ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ منهم، فكان كقولك: السمن منوان بدرهم. من الأولى للابتداء، والثانية للتبيين[١٣٤].
وتنكير ﴿أَسَاوِرَ﴾ لإبهام أمرها في الحسن. وجمع بين السندس: وهو ما رقّ من الديباج، وبين الاستبرق: وهو الغليظ منه؛ جمعاً بين النوعين. وخصّ الاتكاء؛ لأنّه هيئة المنعمين والملوك على أسرتهم[١٣٥].
وإحسان العمل: أن يريد العبد العمل لوجه الله، متّبعاً في ذلك شرع الله. فهذا العمل لا يضيعه الله، ولا شيئاً منه، بل يحفظه للعاملين، ويوفّيهم من الأجر، بحسب عملهم وفضله وإحسانه، وافتتاح الجملة باسم الإشارة لما فيه من التنبيه على أنّ المشار إليهم جديرون لما بعد اسم الإشارة لأجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة، وهي كونهم آمنوا وعملوا الصالحات[١٣٦].
فبيّن الحق جزاء وثواب السعداء، الذين آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين فيما جاؤوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فيقول في شأن الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح: أنّ لهم الجنات العاليات التي قد كثرت أشجارها، فأجنت من فيها، وكثرت أنهارها، فصارت تجري من تحت تلك الأشجار الأنيقة، والمنازل الرفيعة، وحليتهم فيها الذهب، ولباسهم فيها الحرير الأخضر من السندس، وهو الغليظ من الديباج، والاستبرق، وهو ما رقّ منه.
وفي الصحيحين عن أبى هريرة أن رسول (ص) قال: «تَبْلُغَ الْحِلْيَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءِ».[١٣٧]
وقد قالوا: ثلاثة مذهبة للحزن: الماء والخضرة والوجه الحسن.
ولفظ: ﴿عَدْنٍ﴾ بمعنى: إقامة لا رحيل بعدها ولا تحوّل. وأصله من عدن فلان بالمكان. إذ أقام به واستقرّ فيه.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾[١٣٨]، وهي السرر المزينة، المجملة بالثياب الفاخرة، فإنّها لا تسمّى أريكة حتّى تكون كذلك، وفي اتكائهم على الأرائك، ما يدلّ على كمال الراحة، وزوال النصب والتعب، وكون الخدم يسعون عليهم بما يشتهون، وتمام ذلك الخلود الدائم والإقامة الأبدية، فهذه الدار الجليلة ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ للعاملين أي: نعمت الجنة ثواباً لهم على أعمالهم ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ أي: حسنت منزلاً ومقيلاً ومقاماً يرتفقون بها، ويتمتّعون بما فيها، ممّا تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين، من الحبرة والسرور، والفرح الدائم، واللذات المتواترة، والنعم المتوافرة، وأيّ مرتفق أحسن من دار، أدنى أهلها، يسير في ملكه ونعيمه وقصوره وبساتينه ألفي سنة، ولا يرى فوق ما هو فيه من النعيم، قد أعطى جميع أمانيه ومطالبه، وزيد من المطالب، ما قصرت عنه الأماني، ومع ذلك، فنعيمهم على الدوام متزايد في أوصافه وحسنه، فنسأل الله الكريم أن لا يحرمنا خير ما عنده من الإحسان، بشر ما عندنا من التقصير والعصيان.
ودلت الآية الكريمة وما أشبهها على أنّ الحلية عامّة للذكور والإناث، كما ورد في الأحاديث الصحيحة؛ لأنّه أطلقها في قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ وكذلك الحرير ونحوه[١٣٩].
ونحو الآية قوله: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَراً وَمُقَاماً﴾[١٤٠].
وبذلك نرى الآية الكريمة قد اشتملت على ألوان متعدّدة من التكريم والثواب لأولئك المؤمنين الذين عمروا دنياهم بالعمل الصالح. فقد بشّرهم سبحانه بجنات عدن، ثمّ بشّرهم ثانياً بأنّ ﴿الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾[١٤١]، ثم بشّرهم ثالثاً بأنّهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾[١٤٢]، ثم بشّرهم رابعاً بأنّهم ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾[١٤٣]، ثم بشّرهم خامساً، بأنّهم يتكؤون في تلك الجنات ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾[١٤٤].
وفي هذه البشارات ما فيها من الحض على المسارعة إلى العمل الصالح، الذي يرفع درجات المؤمن إلى أعلى عليين، وذلك ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾[١٤٥].
نسأل الله تعالى أن يرزقنا هذا الفضل، فهو أكرم مسؤول، وأعظم مأمول.
ويقول تعالى -في شأن بعض أهل النصارى الذين آمنوا- على لسانهم: ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾[١٤٦]
قال الطبري: «هذا خبرٌ من الله تعالى ذكره عن هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم في هذه الآيات»[١٤٧]، أنّهم إذا سمعوا ما أنزل إلى رسوله محمد (ص) من كتابه، آمنوا به وصدّقوا كتاب الله، وقالوا: ﴿وَمَا لَنَا لاَ﴾ نقرّ بوحدانية الله ﴿وَمَا جَاءَنَا﴾ من عند الله من كتابه وآي تنزيله، ونحن ﴿وَنَطْمَعُ﴾ بإيماننا بذلك ﴿أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾.
فالمقصود بـ﴿الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾: المؤمنون بالله، المطيعون له، الذين استحقّوا من الله الجنة بطاعتهم إيّاه. وإنّما معنى ذلك: ونحن نطمع أن يدخلنا ربّنا مع أهل طاعته مداخلهم من جنّته يوم القيامة، ويلحق منازلنا بمنازلهم، ودرجاتنا بدرجاتهم في جنّاته[١٤٨].
فجزاهم الله بقولهم: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾[١٤٩].
يعني: بساتين تجري من تحت أشجارها الأنهار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يقول: دائماً فيها مكثهم، لا يخرجون منها ولا يحوّلون عنها ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾، فيقول الحق: فهذا الذي جزيت هؤلاء القائلين بما وصفت عنهم من قيلهم على ما قالوا، من الجنات التي هم فيها خالدون، جزاء كلّ محسنٍ في قيله وفعله.
فقد بيّنت هذه الآية الكريمة أنّه سبحانه قد أجابهم إلى ما طلبوا، بل أكبر ممّا طلبوا، فقد كانوا يطمعون في أن يكونوا ﴿مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾[١٥٠]، وأن يكتبهم مع الشاهدين، فأعطاهم سبحانه جنات تجرى من تحتها الأنهار، وسمّاهم محسنين، والإحسان أعلى درجات الإيمان، وأكرم أوصاف المتقين.
هذا جزاء الذين ﴿سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ﴾[١٥١] (ص) فآمنوا به، وقالوا ما قالوا ممّا يشهد بصفاء نفوسهم[١٥٢].
و(إحسان المحسن) في ذلك، أن يوحّد الله توحيداً خالصاً محضاً لا شرك فيه، ويقرّ بأنبياء الله وما جاءت به من عند الله من الكتب، ويؤدّي فرائضه، ويجتنب معاصيه. فذلك كمال إحسان المحسنين «الذين قال الله تعالى ذكره أنّه أثابهم بما قالوا جنات...»[١٥٣].
ثواب الشر
الكفار
قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[١٥٤].
تأتي تلك الآيات من سورة المطففين في إطار حديث القرآن عن المقارنة بين أعمال الكفار وأعمال المؤمنين، وما يستحقّه المؤمنون من الثواب العظيم والسعادة في الدنيا والأخرة والجنة التي عرضها السماوات والأرض، وما أعدّه الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة من نعيم دائم؛ حيث يتمتّعون في الجنة بكلّ ما يشتهون.
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): قال الله تعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنُ رَأَتْ، وَ لَا أُذُنُ سَمِعَتْ، وَ لَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[١٥٥].
وقال رسول الله (ص): «إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَى جِنَانِهِ وَ أَزْواجُهُ ونعيمه وَ خَدَمِهِ وسرره مَسِيرَةِ أَلْفِ سَنَةٍ، وَ أَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَ عَشِيَّةً»[١٥٦].
وبعد أن بيّن الحق سبحانه ثواب المؤمنين المتمثّل في الجنة ونعيمها، أردف ذلك ببيان ما يستحقّه الكفار من ثواب الشر الذي جنته أيديهم وعملته جوارحهم من الإنكار والمكابرة، وعدم الإيمان، والاستهزاء بالرسول والرسالة، وأتباع النبي من المؤمنين، فهؤلاء الكفار كانوا يسخرون من المؤمنين ويحتقرون من شأنهم، ويتّهمونهم بالضلال لإيمانهم بسيدنا محمد، وتركهم شهوات الدنيا وملاذتها.
وبعد بيان حالة هؤلاء الكفار الذين كانوا يضحكون على المؤمنين في الدنيا، يقول لهم الحق سبحانه وتعالى: ﴿فَالْيَوْمَ ﴾ يعني: ففي هذا اليوم يوم الجزاء والعدل والحساب وهو يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ أي: يضحك المؤمنون على الكفار في مقابلة ما ضحك بهم أولئك في الدنيا[١٥٧].
وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾[١٥٨] حال، أي: يضحكون منهم، ناظرون إليهم وإلى ما هم فيه من الهوان والصغار بعد العزة والاستكبار، وهم على الأرائك -أي: على الأسرّة فى حجالها آمنون-، وقيل: يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم: هلمّوا إلى الجنة، فإذا وصلوا إليها أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم[١٥٩].
فهذا بيان للحال التي عليها المؤمنون، وهم يضحكون من الكفار، إنّهم يضحكون وهم جالسون، مستريحون على الأرائك، على حين يتقلّب المجرمون على جمر جهنم[١٦٠].
فالمقصود من الآية الكريمة تسلية المؤمنين، وتبشيرهم بأنّهم سيأخذون بثأرهم من المشركين عمّا قريب، وأنّهم -أي: المؤمنون- سيكونون يوم القيامة على سرر قد فرشت بأجمل الفراش، وأنّهم لا ينظرون إلا إلى ما يسرّهم ويبهج نفوسهم[١٦١].
وقوله: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[١٦٢] أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمّه وأكمله[١٦٣].
فالاستفهام للتقرير كأنّه خطاب للمؤمنين؛ تعظيماً لهم وتكريماً وزيادة في مسرّتهم. أي: هل رأيتم كيف جازى الله الكافرين بأعمالهم، أي: أنّه فعل. و ﴿مَا﴾ مصدرية أو موصولة.
وثوّبه وأثابه بمعنى جازاه، وهو من (ثاب) بمعنى: رجع. فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله. ويستعمل في الخير والشر، وهو هنا مستعمل في الشر؛ لأنّنا في سياق الحديث عن أحوال الكافرين وما يستحقّونه من الجزاء[١٦٤].
فهم قد جوزوا يومئذٍ بأسوء الجزاء بسبب ﴿مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ من الاستهانة والاستهزاء بالمؤمنين، ومن ضحكهم بأعمالهم، وتغامزهم فيما بينهم بعيونهم تهكّماً عليهم.
وجاء الجزاء بأسلوب الاستفهام لتأكيد هذا الجزاء، حتّى لكان المخاطب هو الذي نطق بهذا الجزاء العادل الذي استحقّه الكافرون، ولبيان أنّ عدالة الله تعالى تقتص من المعتدين مهما طالت بهم الحياة.
والتعبير بـ ﴿ثُوِّبَ﴾ - مع أنّه أكثر ما يستعمل في الخير - إنّما هو من باب التهكم بهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[١٦٥].[١٦٦].
وهكذا تشير تلك الآيات إلى مجموعة من الومضات والإشارات الربّانية، فتشير إلى أنّ المؤمنين المخلصين الذين تمسّكوا بكتاب الله وسنة نبيّه يرزقهم الله النعيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة. وتوميء إلى خبث الكافرين، وسوء أخلاقهم، وتعمّدهم الاستهزاء بالمؤمنين، والتنكيل بهم، والنيل منهم بكلّ الوسائل والطرق. كما تشير إلى عدل الحق سبحانه وتعالى في الجزاء والعقاب، فمن يحسن يكون نصيبه الخير والفلاح، ومن يكون غير ذلك يكون نصيبه الخزي والندامة في الدنيا والآخرة، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾[١٦٧].
فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾[١٦٨].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١: ٣٩٣، مختار الصحاح، الرازي: ٩٠، لسان العرب، ابن منظور ١: ٢٤٣، القاموس المحيط، الفيروزآبادي: ٦٤، تاج العروس، الزبيدي ٢: ١٠٣.
- ↑ التعريفات، الجرجاني: ٧٢، القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب: ٧٢.
- ↑ الكليات، الكفوي: ٣٢٨.
- ↑ انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي: ١٦٢.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢: ٣٣٧.
- ↑ انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني: ١٤٧-١٤٨.
- ↑ انظر: الصحاح، الجوهري ٢: ٥٧٦، مقاييس اللغة، ابن فارس ١: ٦٣، المصباح المنير، الفيومي ١: ١٣، تاج العروس، الزبيدي ١٠: ٢٤.
- ↑ سورة يونس، الآية ٧٢.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٢٧.
- ↑ سورة يوسف، الآية ٥٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٦٢.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٤٠.
- ↑ المفردات، الراغب الأصفهاني ١: ٦٤، بصائر ذوي التمييز، الفيوزآبادي ١: ١٣١، الكليات، الكفوي: ٤٨.
- ↑ وبمعنى آخر أنّ الثواب يكون جزاءاً لمطلق العمل إن خيراً فيكون الثواب خيراً، وإن شرّاً فيكون الثواب شرّاً، إلّا أنّ الثواب قد شهر في الجزاء على العمل الذي فيه الخير والنفع، أمّا الأجر فلا يقال إلّا جزاءاً للعمل النافع الذي فيه خير.
- ↑ انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤: ٧٧.
- ↑ الكليات، الكفوي: ٦٥٤.
- ↑ انظر: كشاف اصطلاحات الفنون، التهاوني ٢: ١١٩٢.
- ↑ انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٤: ١٤٣، الكليات، الكفوي: ٣٥٦، تاج العروس، الزبيدي ٣٧: ٣٥١.
- ↑ سورة لقمان، الآية ٣٣.
- ↑ انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني: ١٩٥، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٢: ٣٨٠.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٥.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٦: ١٠٨.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٣٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ٥٨.
- ↑ التفسير الوسيط، الزحيلي ١: ٣٩٢.
- ↑ التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥: ٢٢٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٣٤.
- ↑ التفسير الوسيط، الزحيلي ١: ٣٩٣.
- ↑ انظر: لباب التأويل، الخازن ١: ٣٠٥، التفسير الواضح، حجازي ١: ٢٩١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٨٥.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ١، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قول النبي (ص): «إنّما الأعمال بالنيّة» رقم ١٩٠٧.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، أبواب القيامة، باب رقم ١٤، ٧: ١٦٥. وفيه يزيد الرقاشي: «وهو ضعيف»، وله شاهد عند ابن ماجه من حديث زيد بن ثابت في الزهد، باب الهم في الدنيا، رقم ٤١٠٥، ٢/١٣٧٥. قال البوصيري في الزوائد: «إسناده صحيح ورجاله ثقات».
- ↑ المنار، محمد رشيد رضا، ٤/١٣٨.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٠٠-٢٠٢.
- ↑ المنار، محمد رشيد رضا ٤: ١٣٨.
- ↑ سورة الماعون، الآية ٣.
- ↑ تفسير المراغي ٤: ٩١.
- ↑ تفسير المراغي ٤/٩٢.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٥.
- ↑ في ظلال القرآن، سيد قطب ١: ٤٨٧.
- ↑ سورة الشورى، لآية ٢٠.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي ٣: ٢٥١.
- ↑ زاد المسير، ابن الجوزي ٤: ٦٣.
- ↑ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣٥: ١٤٥، رقم ٢١٢٣٠، والحاكم في المستدرك ٤: ٣١١. وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين، ولم يتعقّبه الذهبي. وصحّحه الألباني في صحيح الجامع ١: ٥٤٥، رقم ٢٨٢٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣: ١٥٥٧.
- ↑ البحر المديد، ابن عجيبة ٣: ٣٥٨.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٦.
- ↑ سورة التغابن، الآية ١٥.
- ↑ التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٨: ٦٢٧.
- ↑ سورة الحجرات، الآية ١٣.
- ↑ انظر: زاد المسير ٣: ٨٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠: /٤١٣، الوسيط، طنطاوي ٨: ٥٢٧.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٦.
- ↑ محاسن التأويل، القاسمي ٧: ٣٩.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثّواب بعد وفاته، رقم١٦٣١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٦.
- ↑ زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩: ٤٥٣٩.
- ↑ قال الإمام ابن جرير: «وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: هنّ جميع أعمال الخير؛ لأنّ ذلك كلّه من الصالحات التي تبقى لصاحبها في الآخرة، وعليها يجازى ويثاب. وإنّ الله عزّ وجلّ لم يخصّص من قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ﴾ بعضاً دون بعض في كتاب، ولا بخبر عن رسول الله (ص)». جامع البيان ١٥: ١٦٧.
- ↑ سورة مريم، الآية ٧٦.
- ↑ تفسير المراغي ١٦: ٧٩.
- ↑ الكشّاف، الزمخشري ٣: ٣٨.
- ↑ سورة مريم، الآية ٧٣.
- ↑ اللباب في علوم الكتاب، لابن عادل ١٣: ١٣١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٥٣.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٤: ١٢٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢: ١٣٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٠.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٢١.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٢: ٣٠٠.
- ↑ التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٢: ٦١٥.
- ↑ سورة الفتح، الآية ١٨.
- ↑ جامع البيان، الطبري ٢٢: ٢٢٤.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢: ٢٢٨.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ١٣: ٢٧٦.
- ↑ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧: ٣٤٠.
- ↑ روح المعاني، الآلوسي ٢٦: ١٠٨.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل أصحاب الشّجرة أهل بيعة الرّضوان م رقم، ٢٤٩٦.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال، وبيان بيعة الرضوان تحت الشجرة رقم، ١٨٥٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٤٨.
- ↑ التفسير الوسيط، طنطاوي ٢: ٢٨٩.
- ↑ جامع البيان ٧: ٢٧٥.
- ↑ مفاتيح الغيب، الرازي ٩: ٣٨٢.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٦٧.
- ↑ الكشّاف، الزمخشري ١: ٤٢٥.
- ↑ انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١: ٣٣٢.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٣٦.
- ↑ الجامع لأحكام القرآن ٦: ٢٣٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٨.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٢١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٠.
- ↑ انظر: إرشاد العقل السلبم، أبو السعود ٣: ٥٥، الوسيط، طنطاوي ٤: ٢٠٨.
- ↑ التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦: ٢٤٥.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٤: ٢٠٨.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦٠.
- ↑ سورة سبأ، الآية ٢٤.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٤: ٢٠٨.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي ١: ٤٥٨.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٣: ٣٩١.
- ↑ سورة البقرة، الآية ١٠٣.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣: ١٥٥٥.
- ↑ أخرجه أحمد في مسنده ٣١: ١٣، رقم ١٨٧١٧، والترمذي في سننه، أبواب المناقب، باب فضل مكة، رقم ٣٨٦٠.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الايمان، باب بدء الوحي، رقم ٢٣١، عن أم المؤمنين عائشة.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٠.
- ↑ زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣: ١٥٥٦.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ تفسير المراغي ٤: ١٦٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٩: ٤٧١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٩٥.
- ↑ انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ٢: ٦٧٤.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧٩-٨٠.
- ↑ الكشّاف ٣: ٤٣٢.
- ↑ سورة القصص، الآية ٧٩.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٠.
- ↑ سورة القصص، الآية ٨٠.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ١٩: ٦٢٩.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ زهرة الفاسير، أبو زهرة ٩: ٤٥٢٥.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥.
- ↑ الكشّاف ٢: ٧٢٠.
- ↑ الكشّاف ٢: ٧٢٠.
- ↑ التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥: ٣١١.
- ↑ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، رقم، ٢٥٠.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥: ١٥٦، تفسير المراغي ١٥: ١٤٥.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٧٥-٧٦.
- ↑ سورة الأنعام، الآية ٦.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٣١.
- ↑ سورة الحديد، الآية ٢١.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٤-٨٥.
- ↑ جامع البيان ١٠: ٥١١.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٨: ٥١٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٣-٨٥.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٤.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٨٣.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ٤: ٢٥٩.
- ↑ انظر: جامع البيان، الطبري ١٠: ٥١٢.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٣٤-٣٦.
- ↑ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنة وأنّها مخلوقة، رقم ٣٢٤٤، ومسلم في صحيحه، أوائل كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم ٢٨٢٤.
- ↑ أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة الجنة، رقم ٢٥٥٣.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي ٣: ٦١٨.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٢٣.
- ↑ انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨: ٣٥٤.
- ↑ التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٦: ١٤٩٩.
- ↑ الوسيط، طنطاوي ١٥: ٣٢٩.
- ↑ سورة المطففين، الآية ٣٦.
- ↑ مدارك التنزيل، النسفي ٣: ٦١٨.
- ↑ انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٥: ٤٣٧.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٢١.
- ↑ التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب ١٦: ١٤٩٩.
- ↑ سورة الكهف، الآية ٤٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ٤٠.