أبو عبد الرحمن السلمي
نبذة
«أبو عبد الرحمن السلمي» و يسمى ب «عبد الله بن حبيب بن ربيعة» القارئ الضرير الشهير بكنيته، من كبار تلامذة الإمام في القراءة. ومن مشاهير «قرّاء» عاصمة الإمام، واستاذ «القراء» لجيله والأجيال التي تلته.
وُلد في المدينة في حياة النبي، ولما توفى رسول الله (ص) كان لا يزال السلمي يحبو، ولما أن بلغ مرحلة الصبي قرأ القرآن على أبيه[١]، ثم لما أشتد ساعده وختم القرآن الكريم ارتاد مدرسة الإمام فتلقى فيها دروس القرآن قراءة وأداءاً، ثم تفسيراً لمفاهيم القرآن الكريم وبالتالي العمل بما في تلك المفاهيم من تربية للشخصية الاسلامية، ولقد وجد السلمي في هذه المدرسة الفكرية ضالته المنشودة، فسعى سعيه وبذل طاقاته الفتية في الدراسة والاستمرار في التلمذ على الإمام، ولربما حدثت للامام بعض المعوقات، فكانت الدراسة تتعطل الأمر الذي كان الإمام يرشد تلامذته – ومنهم صاحبنا المؤرّخ له - إلى بعض الصحابة المتضلعين في العلوم القرآنية، ولكن التلميذ المخلص لدراسته لم يكن يستشعر الجو الفواح المؤرج الذي كان يستشعره في مدرسة الإمام وتحت ظل تعليمه وجرس كلماته وعمق بحوثه، ومن هذا المنطلق سعى السلمي أن يتم دراسته القرآنية في مدرسة الإمام وتحت رعايته الفكرية والعلمية، وفي نفس الوقت الأدائية حيث إن علم القراءات يتوفر على دراسة كيفية أداء الكلمة القرآنية، وبتعبير آخر إنّ علم القراءة يبحث في الصورة اللفظية للكلمة القرآنية[٢].
وهكذا فإن النفس المتعطشة إلى إتقان القرآن قراءة وتفسيراً، والانطلاق تحت ظلال ايحاتها التربوية وجدت في الإمام المنهل العذب السائغ، فاستمرت في الارتواء، وتطلعت الى الاستيعاب لكل القرآن أداءاً وتفسيرا.
ولما كان السلمي حاد الذكاء نابهاً قوي الذاكرة، ذا شخصية مرنه، فإنه استطاع أن يستوعب القراءة والتفسير من مدرسة الإمام في حين تخللت هذه الدراسة في مدرسة الإمام دراسات في مدارس أخرى، ولكن مدرسة الإمام وأسلوبها الدراسي المعمق هي التي سيطرت على دراسة السلمي وعلى تفكيره علماً ان السلمي درس على الإمام في المدينة تماماً كما تطلع الى التركيز في الاستفادة من الإمام في عاصمته (ع) حينما انقادت اليه الخلافة.
لقد كان السلمي ينظر إلى استاذه في القراءة والتفسير والايحات النفسية التربوية نظرة مفعمة بالاكبار والاجلال والتقدير والاهتمام بتعاليمه، ونستطيع أن نفهم الحب العميق الذي كان السلمي يكنه لاستاذه الإمام من كلمات السلمي نفسه التي كان ينثرها في حلقاته الدراسية، أو يبثها إلى أصدقاءه وأذكياء تلامذته.
وإليك كلماته المغيرة عن عظمة الإمام العلمية الأدائية:
«ما رأيت ابن انثى أقرأ لكتاب الله تعالى من علي (ع)»[٣].
وقال: «ما رأيت اقرأ من علي، عرض القرآن على النبي (ص)»[٤].
وقال: «أخذت القراءة عن علي (ع)»[٥].
وقال: «ما رأيت أحداً كان أقرأ من علي (ع)»[٦].
وقال عاصم عن استاذه السلمي إنه قال: «أخذت القراءة عن علي (ع)، ومنصور بن المعتمر».
وفي ذات مرة كان التلامذة يتدارسون القرآن في حماس، ثم ساد صفوف التلامذة كلام ولغط، وهنا اقترح واحد منهم على التلامذة أن يقرأ «السلميّ»، ثم يصغون هم اليه لكي ينتبهوا الى اخطاءه ان كانت لديه اخطاء أدائية، فصوّت التلامذة على هذا الاقتراح معبرين عن مشاعرهم تجاه التلميذ الذي سيكون له مستقبلاً زاهراً، مستقبلاً يبث علوم استاذه في القرآة القرآنية.
بدأ السلميّ في القراءة وساد الصمت في صفوف التلامذة، وكان الاستاذ الكبير غائباً عن الصف، وكان التلامذة يتتبعون قراءة السلميّ في مصاحفهم علهم يجدوا عند هذا التلميذ الذكي الذي فاقهم في المدرسة خطأ، ولكن التلامذة دهشوا حينما شعروا أن السلمي مستمر في قراءته من دون أن يقع في خطأ وهنا خرج الاستاذ الإمام عليهم، والسلمي يرتل مصحفه ترتيلاً، قال السلميّ في هذا الصدد مقتضباً: «خرج علينا علي (ع) وأنا أقرأ»[٧] قال ابن أبي الحديد: وإذا رجعت إلى كتب القراءات وجدت أئمة القراء كلهم يرجعون إليه - أي إلى الإمام أمير المؤمنين (ع) كأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود لأنهم يرجعون إلى عبد الرحمن السلمي القارئ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه - أي تلميذ أمير المؤمنين (ع) –و عنه أخذ القرآن، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضاً[٨].
ثم ان السلمي حينما شعر بعد دراسة القرآن سنوات طويلة ان بأمكانه أن يعلم القرآن الكريم ويتخذ «التعليم» مهنة له عزم على ذلك، ولكنه في نفس الوقت أحس انّ المدينة ليست موطناً لنشاطه التعليمي مع تواجد كبار صحابة رسول الله، وتوفر المدارس التعليمية.
انّ عليه أن يرتاد بلداً يجد فيه مجالاً لنشاطه التعليمي ويتلمس فيه تلامذة متحمسين لدراسة القرآن الكريم أداءً وتفسيراً، فكّر السلميّ طويلاً وعجم في تصوراته الذهنية البلدان الاسلامية بلداً، بلداً، فهناك مناطق شاسعة ومسلمة، وهي في أشد الحاجة إلى من يدرسهم العلوم القرآنية الأدائية، فهناك دمشق وحمص، وهناك مصر والفسطاط، وهناك البصرة والكوفة، وهناك حُلوان والمدائن، وهناك البحرين وهناك صنعاء واليمامة، هناك مُدن شتى دخلت في الاسلام وتطلعت شعوبها إلى «معلم» يعلمها كتاب الله تعالى، خاصة وإن كان هذا المعلم خريج معهد الإمام أمير المؤمنين.
عجم السلمي وهو في مطلع الأربعين من سنى حياته، عجم هاتيك البلدان والولاة الذين تولوا عليها، ودرس ظروف حياة شعوبها واهتماماتها الفكرية والعقائدية واتجاهاتها السياسية والعلمية، فرأى بعد الدراسة المعمقة أنّ الكوفة هي أقرب البلدان إلى تعاليمه، وأكثر البلدان إهتماماً في مجال دراسته القرآنية، خاصةً وانّ عمار بن ياسر صديق استاذه قد أشاد بمكارم الإمام وخصائصه العملاقة في صفوف أهل هذه البلدة أيام تواجده فيها متقلداً احدى مناصب الدولة.
نعم إن السلمي اختار هذه البلدة على بقية البلدان، ولربما انّ القدر أيضاً تدخل في هذا المصير حيث إن هذه المدينة ستصبح عن قريب عاصمة الخلافة العلوية استاذه ومدريّه، شدّ السلمي الرحال الى هذه المدينة وبدأ نشاطه التعليمي في بداية الثلاثينات، وشهدت مدرسته القرآنية اقبالاً من قبل الشعب، وعقد أول ما عقد حلقته الدراسية في المسجد الأعظم، واستمرت هذه الحلقة الدراسية النشطة أربعين عاماً[٩].
مدربة ومربية تلامذةً أصبحوا فيما بعد استاذةً في علم القراءات يشار اليهم بالبنان كما سيأتي، وكان السلميّ يحرص كل الحرص على أن يقرأ «القرآن» أداءاً وتلفظاً تماماً كما قرأ الإمام أي انّ السلمي بذل جهداً كبيراً في مجال التعليم على صيانة مدرسة الإمام الأدائية، فلم يتعد عن أسلوب قراءة الإمام إلى الأساليب الأخرى التي كانت ذائعة عند القراء والمثقفين آنئذ، وفي هذا الصدد يقول السلمي: «لم أخالف علياً (ع) في شيء من قراءته الا في (التابوت)، كان زيد يقرءها بالهاء، وعلي (ع) بالتاء»[١٠] (و يقصد بزيد: زيد بن ثابت).
وقال ابن مجاهد: «أول من اقرأ الناس بالكوفة بالقراءة المجمع عليها أبو عبد الرحمن السلمي»[١١].
ثم انّ الذي حدى ب «السلمي» أن يتحمس للدراسة القرآنية الأدائية، وان ينشط ذلك النشاط الملحوظ في الحركة التعليمية طوال أربعين عاماً بدون كلل أو ملل، رغم ما يصطم به «المعلم» في مراحل التعليم من عقبات ومن مجابهات، سواءاً من التلامذة أو من الولاة والامراء، أو من المهنة نفسها الأمر الذي تسود نفسه انزعاج وأسف على اتخاذ «التعليم» مهنة لنفسه، علما انّ الطابع السياسي الذي يسود البلد سوف يصبغ التعليم بصبغته ويطبعه بطابعه، فإذا كان الطابع السياسي السائد مخالفاً لمبدأ من المبادئ أو لشخصية من الشخصيات الفكرية والسياسية، فإنّ المعلم الذي يتابع ذلك المبدأ، أو يوالي تلك الشخصية فإنه حتما سوف يقع تحت طائلة الاضطهاد والتعسف، فهناك خياران لهذا «المعلم»: إما أن يترك التعليم وينصرف إلى مهنة بعيدة عن معترك السياسة، وإما أن يقاوم الاضطهاد بشتى السبل ويتابع تعليمه ولو تحت ستار التجاوب مع السلطة القامعة إلى أن تنجلي الغمة، والعمه السائد. و لنا في هذين المضمارين:
- مضمار النشاط التعليمي الذي ابداء السلميّ، والأسباب التي حدت به أن يتخذ التعليم مهنة له وحرفة يمارسها.
- مضمار السياسة القمعية التي كانت سائدة في عهد السلميّ، وكيف ان السلميّ قاوم تيار الاضطهاد والقمع تحت ستار التجاوب مع السلطة، حيث إنّ السلميّ كان من تلامذة الإمام، والسلطة كانت تضطهد كل من يمت إلى الإمام ومبادئه بصلة.
أما المضمار الأول فإنّ السلميّ يوضحه بالحديث الشريف الذي رواه معلمه الأكبر الإمام أمير المؤمنين (ع) عن رسول الله (ص): «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ اَلْقُرْآنَ وَ عَلَّمَهُ»[١٢].
وكان لهذا الحديث الكريم وقعه الكبير في نفس السلمي وفي مشاعره مما دعاه أن يسير في خط الكلام النبوي الكريم وخاصة وان الحديث سمعه من نبرات الإمام، ولهذه النبرات أثرها العميق في السامع والمصغي اليها، ولو كان المصغي اليها تلميذ صاحب النبرات، فإنّ الأثر أعمق وأشمل، وفي هذا الصدد قال السلميّ: «فذاك الذي أقعدني مقعدي، أو أجلسني هذا المجلس».
وأما المضمار الثاني فإن السلميّ سار فيه تارة سير الزهاد المبتعدين عن السياسة واجواءها، وتارة أخرى تجاوب من بعيد مع هذه السلطة، وثالثة سار مناضلاً السلطة ومدعماً آراءه وعقيدته الصلبة.[١٣]
السلمي زاهد متعبد
كان شعار السلميّ الزهد في الدنيا، سيراً وراء خطى الإمام واتباعاً لمنهجه القيم، فنحن نرى السلميّ لا يقبل هدية على تعليم القرآن، فهذا عمرو بن حريث يرسل ابنه الى مدرسة السلمي، فيدرس فيها، وإذا اكمل الابن دراسته القرانية يفرح الأب ويحاول أن يعبر عن مشاعر فرحه تجاه المعلم الذي علّم ابنه القرآن، فيهدي إلى «السلمي المعلم» هدايا مثل عدد من الأغنام، وعدد من «الجلال» ويرسلها الى دار السلميّ، يأتي السلميّ الى منزلهّ فيرى هذه الهدايا، فيسأل أهل الدار: من أرسل هذه ويشير الى الأغنام والجلال، فيقولون له: عمرو بن حريث، فينتابه نوبة غضب ويقول في نبرة غاضبة ساخرة: «ردّوا.. ردوا... أنّا لا نأخذ على كتاب الله أجراً»[١٤] علماً ان عمرو بن حريث كان رجلاً منافقاً...
ورجل آخر درس لدى السلميّ القرآن، فأعجب الرجل بعلم السلميّ، فاهداه فرساً فرد السلميّ الفرس وقال ساخراً: «الا كان هذا قبل القراءة»[١٥].
أي انّ الرجل لو اهداني الفرس قبل أن يقرأ عليّ ويدرس في مدرستي لقبلت هديته، ولكن الهدية طالما انّه اهداها بعد الدراسة، وكان الرجل يحاول عن طريق هذه الهدية أن يكافئني على تعليمي أياه القرآن، فإنّني في غنى عن راتب مالي ترسل كهدايا.
واهدى له رجل آخر كان يقرأ عليه، ويتلمذ لديه قوساً، فردها وكرر مقالته تلك الساخرة: «الا كان هذا قبل القراءة»[١٦].[١٧]
التعبد
كان السلمي من المتهجدين المصلين في الأسحار، وتهجده هذا ساعات من الليل، وفي ذات التقى السلمي بصديق له، فدار الحديث بينهما عن العبادة والنوافل والتهجد بالليل، فاستعرض صديقه نشاطه العبادي وهنا قال السلميّ: كنت أنا مثلك أصلي العشاء، ثم أقوم أصلي ماشاء الله حتى إذا أقبل الصبح أصلي صلاة الفجر، تراني أنشط مني أول ما بدأت.
قال سعد بن عبيدة: رأيت أبا عبد الرحمن السلمي صلى في قميص ليس عليه رداء ولا إزار، وكان السلميّ إماماً لمسجد من مساجد العاصمة، ومستمراً في الإمامة في هذا المسجد في أوقات الفرائض، حتى إذا انهكته الشيخوخة كان لا يترك الإمامة في المسجد حتى ولو كان هناك وابل المطر، وما يحدثه من أو حال وتدفق المياه، فإنّه كان يصر على الذهاب إلى المسجد، فيعاونه على الذهاب أهلوه وتلامذته، وكان السلمي يعظ تلامذته ويحضهم على عمل الخير في أول النهار وفي آخره، فإذا اجترح العملين الطيبين سيئةً، فعسى أن يغفر له، قال السلميّ في هذا الصدد: «إنّ الملك يجيء إلى أحدكم غدوةً بصحيفة، فليمل فيها خيراً»، فإذا أملى في أول الصحيفة خيراً، وفي آخرها خيراً، فإنه عسى أن يكفر ما بينهما.
وكان السلميّ إذا قيل له كيف حالك، كيف أصبحت قال في نبرات مؤمنة: «بخير أحمد الله».
وربما تأخر السلميّ في المسجد لأسباب خاصة فإن أهله كانوا يحملون اليه الطعام «ضحى»، ولكن ربما أتى السلميّ إلى منزله وفي الطريق يلتقي بأهله يحملون له الطعام، فكان لا يأمر برد الطعام إلى الدار بل يطعمه المساكين المتناثرين على أبواب المسجد أو في ثنايا الطريق، وهنا يستهل المساكين دعاء: «بارك الله فيك». فيأتي جوابه: «و بارك الله فيكم».[١٨]
من رواية السلمي
أبو نعيم بسنده عن عبد الأعلى بن عامر قال: قال أبو عبد الرحمن السلميّ: دخلت المسجد وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب على المنبر وهو يقول: قال رسول الله (ص) أوحى الله إلى نبي: قل لأهل طاعتي من أمتك أن لا يتكلوا على أعمالهم، فإنّي لا أقاص الحسنات يوم القيامة أشاء أن أعذبه الا عذبته، وقل لأهل معصيتي من أمتك لا يلقوا بأيديهم، فإنّي أغفر الذنب العظيم ولا اُبالي، وإنّه ليس من أهل قرية ولا مدينة ولا أهل أرض، ولا رجل بخاصة ولا امرأة يكون - يكونون - لي على ما أحب الا كنت له - لهم - على ما يحب – ويحبون -، ثم يتحول عمّا أحبّ إلى ما أكره الا تحولت له مما يحب الى ما يكره، وإنه ليس من أهل قرية، ولا أهل مدينة، ولا أهل أرض، ولا رجل بخاصة، ولا امرأة يكون لي على ما أكره الا كنت له على ما يكره، ثم يتحول عمّا أكره إلى ما أحبّ الا تحولت له على ما يكره الى ما يحب، ليس مني من تطير، أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، إنما أنا وخلقي، وكل خلقي لي»[١٩].
وكان السلميّ يعادي «الخوارج» لأن هذا العداء نابع من صميم عقيدته، إذ انّ الخوارج كانوا يكنون للامام البغضاء والإحن تماما كما كانوا يحاربون الدولة الأموية، فالسلميّ في عداءه السافر هذا كان ينطلق من اتجاهين: اتجاه ان الخوارج يفترقون في منتصف الطريق عن الإمام، ويعيثون في الأرض فساداً، فهو - أي السلميّ - يناهضهم عن مبدأ وعقيدة.
واتجاه انّ الخوارج ثاروا ضد الدولة الأموية واستمروا في ثورتهم ضدها، فالسلمي في عداءه السافر يحاول أن يسترضي السلطة، أو يوهمها أنه أيضاً يشجب حركة الخوارج الثورية، تماماً ان السلميّ كان يعادي الشخصيّات العلمية التي كانت تسير في خط مناوئ للامام مثل: شقيق الضبي، فان السلميّ كان يهيب بتلاميذه أن لا يصادقوه، ولا يرتادوا حلقته الدراسية.
فكما انّ السلميّ كان يعادي الخطين خط الخوارج وخط المناوئين للامام، فإنّه أيضاً كان يعادي الإعلام الأموي المتمثل في شخص «القصاص»، فانّ القصاصين هؤلاء كانوا لسان الدولة والمذيعين لما كانت الدولة تحب أن يذاع وينتشر في الأوساط الشعبية، الأمر الذي كان القصاصون الذين يطلق عليهم ب «وعاظ السلاطين»، كبارهم وصغارهم لا يتورعون عن وضع الحديث أو القصص على لسان النبي الكريم (ص)، أو الأنبياء عامة مستهدفين من وراء هذا الوضع والاختلاق دعم الدولة، أو اثارة مشاعر الشعب في ولاء الدولة، أو الانصياع لها.
إنّ القصاصين كانوا اداة طيّعة بيد الولاة والامراء، ينفذون مشيئتهم، ويملون على الشعب أرادتهم، وفي نفس الوقت كانت هذه الجماعة المختلفة للأساطير تتاجر بالدين وبالمثل والقيم، وكانوا على مستوى ضحل من العلم والثقافة، بل والخلق الاسلامي، فهي كانت تجهل ابسط المعالم الاسلامية في أخلاق هابطة مما كان يحدث ردود فعل سلبي في صفوف الشعب، حيث إنّ الشعب كان ينظر إلى القصاص باعتبار أنّهم علماء يمثلون الشريعة الاسلامية.
وطالما انّ القصاص كانوا لا يتورعون عن الكذب والاختلاق، وبالتالي يتصرفون تصرفاً وضيعاً في الخلق مما دعا السلميّ إلى تحذير تلامذته من القصاص ومصادقتهم، أو ارتياد مجالسهم ومحافلهم، والسلمي كان ينهى تلامذته مبدئياً عن القصاصين الذين لا كفاءة لهم في ريادة الشعب.
أمّا قصاص أو عالم له من الكفاءة الفكرية والخلقية، ويتبع منهاج رسول الله، ولا يتخطى المنهج الاسلامي، فانّ السلمي كان لا ينهي عن مجالستهما، إلا انّ القصاص الطيبين الذين يملكون رصيداً من الثقافة والتقوى كانوا قليلين جداً ونادرين.
قال عاصم بن أبي النجود[٢٠]و هو من كبار تلامذة السلميّ: كان أبو عبد الرحمن إذا ابتدأ مجلسه - أي حلقته الدراسية - قال: لا يجالسنا رجل جالس شقيقاً الضبي، ولا يجالسنا حروري، ثم يضيف قائلا: واياي والقصاص الا أبو الأحوص.
قال عاصم: «كنّا نجلس إلى أبي الأحوص فيتكلم بكلمات»[٢١]، وكان السلميّ متمسكاً بهذه الفكرة وحاثاً عليها ومكرراً لها في حلقاته الدراسية في صيغ مختلفة.
قال عاصم نفسه: كنا نأتي أبا عبد الرحمن ونحن غلمان ايفاع فيقول: «لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص، واياكم وسعيد بن عبيدة، وشقيقاً، وليس بأبي وائل»[٢٢]. قال عاصم: «و كان شقيق الضبي يرى رأياً خبيثاً» وقد اعترض شقيق الضبي هذا على الاستاذ السلميّ مستنكراً وقائلاً: لم تنه الناس عن مجالستي.
وذلك لعلم الضبي بنفاذ كلمة السلمي في تلاميذه، وفي الناس عامة حيث له عندهم مكانته الطيبة، وخصائصه الكريمة، وحينما استنكر الضبي على السلميّ أجابه في رنة غاضبة: إني رأيتك مضلا لدينك، ثم انهال عليه بالمؤاخذات والتصرفات السيئة التي يمارسها الضبي فكرياً وعملياً.[٢٣]
تلامذة السلميّ
لقد تخرج على يد الاستاذ السلميّ أعلام القراء، وأئمة المقرئين منهم: عاصم بن أبي النجود، أحد كبار القراء السبعة قال عاصم: «ما أقرأني أحد حرفاً - من القرآن - الا أبو عبد الرحمن السلميّ، وكان قد قرأ على علي (ع)» ثم أضاف عاصم قائلاً: «فكنت أرجع من عنده فأعرض على زر»[٢٤].
ويعني عاصم أنّه تماماً كما كان يدرس على السلميّ في علم القراءات، فإنّه كان ما يدرسه ويأخذه من استاذه السلميّ في القرآن، كان يتدارس نفس القراءة القرآنية مع زر بن حبيش تلميذ الإمام، وأحد كبار أعلام الامة.
- عطاء بن السائب
- أبو اسحاق السبيعي
- يحيى بن وثاب
- عبد الله بن عيسى بن أبي ليلى
- محمد بن أبي أيوب
- أبو عون محمد بن عبد الله الثقفي
- عامر الشعبي
- اسماعيل بن أبي خالد
و يضيف الجزري الى هذه الأسماء أسمين كبيرين وهما: الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع)[٢٥].
قال أبو عون الثقفي وهو من تلامذة السلميّ: كنت أقرأ على أبي عبد الرحمن السلميّ، وكان الحسن بن علي (عليهما السلام) يقرأ عليه!؟ لا أدري كيف كانت هذه القراءة وأين كانت، وهي تخالف الواقع والحقائق المثبتة.[٢٦]
رواية السلميّ، والرواة عنه
روى أبو عبد الرحمن السلميّ عن الإمام علي (ع)، وعن حذيفة بن اليمان...[٢٧].
قال شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن السلميّ من عثمان ولكن سمع من علي (ع)[٢٨].
وقد روى عن أبي عبد الرحمن السلميّ:
من الأقوال
قال العلامة الحلي: من أولياء أمير المؤمنين، أبو عبد الرحمن، وعبد الله بن حبيب السلمي وبعض الرواة يطعن فيه[٣١].
قال الذهبي: وكان السلميّ ثقة كبير، القدر، وحديثه مخرج في الكتب الستة[٣٢].
وفي تقريب التهذيب: أبو عبد الرحمن السلميّ المقرئ، مشهور بكنيته ولأبيه صحبة، ثقة ثبت[٣٣].
وقال ابن الجزري حول السلميّ: وكان ثقة كبير القدر، وحديثه مخرج الكتب الستة[٣٤].
قال الذهبي: «مقرئ العراق أبو عبد الرحمن السلميّ قرأ على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)»[٣٥].[٣٦]
رحلات السلميّ
سافر أبو عبد الرحمن السلميّ من المدينة إلى الكوفة، ومنها إلى المدائن في امارة حذيفة بن اليمان عليها، ورحب به حذيفة وروى منه السلميّ الحديث عن رسول الله (ص).[٣٧]
أسلوب التعليم لدى السلميّ للقرآن الكريم
حاول السلميّ أن يعلم تلاميذه القرآن أداءاً، وأن يستوعبوا مفاهيم القرآن ومعانيه، ثم يطبقوها في حياتهم العملية، لكي يصبح القرآن منهاجاً يسيرون على ضوءه، وهذا لا يتم إلا أن يكون التعليم مركزاً على آيات معدودة في كل يوم، وبصورة مستوعبة قراءة وتفهماً، ثم الاهتمام بهذه الآيات قراءة وبسطاً وتفسيراً وتطبيقاً. علما أنّ بعض التلامذة كانوا حريصين على تعلم القرآن كله، قراءة في خلال عام واحد من دون تمهل أو اهتمام بنواحي التفسير أو التطبيق الأمر الذي لم يحبذه الاستاذ السلميّ، بل كان منصباً اهتمامه على تربية التلاميذ واعدادهم اعداداً فكرياً منهجياً من خلال دراسة القرآن حتى يستوعبوا القرآن ويطبقوا أهدافه في حياتهم بصورة شاملة ومعمّقة.
وقد ازداد اهتمام الاستاذ السلميّ بهذه الجوانب الحيوية في مجال التعليم حينما شاهد التيارات السياسية والاجتماعية الهابطة المائعة التي تمارسها الدولة الأموية، وكأنّها تحاول جادة بالعودة بالمسلمين إلى عهد الجاهلة التى كانت تعيشها الدولة فعلا بموظفيها وبولاتها وأمرائها، وبالتالي بالقائم على رأس هرم الدولة.
إن الفساد الذي شاع في صفوف الموظفين، والذي انطلق من القصر هزو العباد والبلاد، هذا الفساد الذي طفق يطبع الناس بطابعه، ويجرف الجمهور باتجاهه إلّا من عصمه الله، وأمسى الاسلام ومصدره العظيم القرآن الكريم يطبق في المجال الاجتماعي والسياسي تطبيقاً شكلياً صورياً بعيداً عن مضمون القرآن، وعن اتجاهاته وأهدافه التربوية والاجتماعية والسياسية، بل وجاوز السيل الزبى وتحدى الامراء والخلفاء نصوص القرآن الكريم، وجعلوها وراءهم ظهريا.
أن الاستاذ السلميّ لما شاهد هذه الظاهرة السياسية والاجتماعية قد انعكست آثارها على مجموعة من تلاميذه الأمر الذي حاول أن يصد هذا التيار الفاسد المائع، ويتصدى لتخرصات وعاظ السلاطين والقصاصين والامراء، وبالتالي وكر الفساد «القصر»، مستهدفاً من وراء هذا التصدي الحفاظ على ذهنية التلامذة الصافية التي لا تزال مرنة تتقبل كل البذور الفكرية التي تلقى فيها، ومندفعاً نحو تربية التلامذة وتوعيتهم بالرصيد الاسلامي الخالص، وتثقيفهم بثقافته، وأعدادهم اعداداً يلائم المدرسة القرآنية الأدائية التي يتزعمها هو، ومحاولاً بث الطاقات الفكرية التي تزودها من الإمام أيام دراسته لديه والنفحات التي انتقلت شذاها اليه.
أقول بث هذه الطاقات والنفحات الإمامية في نفوس هذا النشئ من التلامذة الذين لا يزالون في أول الطريق، والذين لا تزال أذهانهم وعقولهم متفتحة لكل الاتجاهات، فلم لا يستغل الاستاذ السلميّ هذه الظاهرة الفسيولوجية في تلامذته، ويدفعهم نحو الاسلام الخالص، نحو أهداف الإمام التي رسمها من خلال ممارساته الاجتماعية والسياسية، سواء قبل تسلمه السلطة، أو بعد تسلمه لها، وبالتالي يأخذ بعضدهم ويبعدهم عن المناخ المتأزم الفاسد الذي خلقته الدولة وانطلق لفحاته الى كل ارجاء الدولة.
وإليك بعض توصيات الاستاذ السلميّ، وبعض تجاربه في حقل الدراسة يزود بها تلامذته لتحصينهم من التيارات الموبوئة، قال: «إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنّهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن الى العشر الأُخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنّا نتعلم القرآن والعمل به، وأنه سيرث القرآن بعدنا قوم، ليشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم، بل لا يجاوزها هنا – وأشار إلى حلقه، ووضع يده عليه-»[٣٨].
في هذا الحديث نقطتان هامتان، ونبدأ بالنقطة الثانية: يعني السلميّ في هذا الحديث الذي نقله: إنّ جماعات تأتي وترتل القرآن وتتعلمه، ولكن هذا التعلم وبذل الطاقات في سبيل التعلم سيكون في سبيل عروض الحياة وشهوات الدنيا، ولا يكون تعلم القرآن واستيعابه في سبيل العمل بمضمونه، وتطبيقه منهجاً في الحياة على الصعيدين الفردي والاجتماعي، الأمر الذي يمسي ترتيل القرآن هو قراءة سطوره، والتلفظ بألفاظه فقط من دون الالتفات إلى مضمونه القيم، وأهدافه الرائعة ومن دون الانتباه إلى ما ترمي إليه الآيات البينات من مناهج وقيم، ومثل وقوانين هي بمثابة دستور للحياة، دستور للفرد وللمجتمع وللامراء والحكام، دستور حياة على جميع الأصعدة، وعلى كل المستويات: السياسية والاجتماعية والعسكرية والاقتصادية والتربوية، وما هنالك من أهداف يتضمنها كتاب الله الكريم، وقرآنه الحكيم.
نعم انّ الأقوام والتلامذة الذين سيأتون من بعد سيتعلمون القرآن ويرتلونه لكي يتوصلوا به إلى أعتاب الأمراء ويتزلفوا إليهم، ويحبذوا طغيانهم واستهتارهم وتصرفاتهم المرذولة، ويكيلوا لهم - أي للأمراء والحكام- مشاعر المديح، وأحاسيس الاهتمام، وبالتالي، نعم وبالتالي يدعموا حكمهم بآيات من القرآن الكريم، ويأولوها حتى تطابق تصرفات الحكام وسياستهم مع أي الذكر الحكيم!؟، وهيهات هيهات هذا التطابق بين السياسة الجائرة وبين تطبيقه على كتاب الله تعالى حتى يلج الجمل في سم الخياط.
ومن هذا المنطلق: «إنّه سيرث القرآن بعدنا قوم لا يجاوز تراقيهم، ولا يجاوز حلوقهم». وإنّما هي أصوات تنطلق ثم تتبدد في الهواء لا تجاوب لها مع الضمائر والصدور العفنة المشحونة بالأحقاد والسيئات، فكيف يجاوز صدى القرآن تراقيهم، وليس لأي القرآن صدى في نفوسهم، ولا في ضمائرهم، وفي نفس الوقت لا صدى لهذا القرآن في نفوس الحكام والامراء أنفسهم.
إن السلميّ حذر في ضمن هذا الحديث القيم والمنبئ عن الغيب، عن المستقبل، تلامذته أن ينطبق عليهم هذا الحديث، ويمسوا من علماء السوء، من وعاظ السلاطين من مفتي الحكام، لا مفتى الشعب، إنه حذرهم من الانجراف في تيار الاحداث السياسية المهيمنة آنئذٍ، والاحداث السياسية التي شبيهة لتلك الأحداث، والتي ستتمخض في المستقبل القريب والبعيد.
أما النقطة الاولى: فإنّ الاستاذ السلميّ قد عمل بوحي هذه النقطة من دراسته حيث إنه -أي السلميّ - درس رويداً رويداً، وكان أستاذه يعلمه عشر آيات، عشر آيات فعمل السلميّ هو بدوره في هذا المجال حينما أضحى معلماً مرموقاً، فكان يعلم تلامذته خمس آيات، خمس آيات وربما زاد على الخمس في ظروف خاصة، وملابسات خاصة إلى أن ينتهي إلى عشرين آية يعلمها تلامذته في درس واحد. وفي بعض فصول السنة كان السلميّ يعلم تلامذته في دفعتين دفعة صباحية، ودفعة مسائية، وكانت الدفعة المسائية يختلط مع التلامذة جماعة من التجار وأهل المهن الحرة، والحرف التي تمارس أعمالها في الأسواق، وفي هذه الدفعة - أعني الدفعة المسائية - كان السلميّ يحاول أن يبسط الآيات البينات، وأن يقترب في توضيحه إلى ذهنية اهل السوق، وأهل الحرف والعمال، الذين لا يملكون رصيداً فكرياً تؤهلهم أن يفهموا الآيات أو يدركوا القراءة الصحيحة، فكان السلميّ يتمهل معهم ويشرح لهم، ويسهل لهم الطريق إلى معرفة آي القرآن.
عن ابن السائب قال: كان أبو عبد الرحمن يقرئ - أي يدرس – وكان يبدأ بأهل السوق[٣٩].
وكان بعض التلامذة إذا ما انفض الدرس ونهض السلميّ، وكان قد بلغ آنئذٍ الشيخوخة للذهاب إلى داره أخذ بيده وكان قد فقد نواظره في سن الشيخوخة، وكان تلميذه عطاء بن السايب يقرأ على أستاذه، ويساءله بعض معضلات القراءة والأداء لكي يوضحها، له ويكشف النقاب عنها، هذا والسلميّ يمشي باتجاه داره.
وهذه عادة كثير من الاساتذة، وخاصة الاساتذة الذين يدرسون في الحوزات العلمية والمجاميع الفكرية. إنّهم حينما ينهون الدروس يتريثون قليلاً، ثم ينهضون باتجاه أعمالهم أو دورهم فترى التلميذ والتلميذين يكتفائه ويسألانه وهو يمشي عن حلول بعض المسائل العويصة، أو المسائل التي أغلقت عليهما معناه فيجيب الاستاذ بكل رحابة صدر ويحل المشاكل الفكرية الدراسية، وربما يحتدم بين الاستاذ وبين تلميذه نقاش حول موضوع من المواضيع الفكرية فيستمر الأخذ والرد إلى أن يبلغ الاستاذ مفترق الطرق، فيذهب كل لشأنه سواءاً اقتنع التلميذ بحجج استاذه أو لم يقتنع بحججه وبراهينه. دخل عطاء بن السائب على السلميّ، وهو من مبرزي تلامذته فشاهد ما راعه، لقد شاهد التلميذ أن استاذه يكوي غلامه الجريح المريض يكوي مكان الجرح حتى يبرأ، وقد قال الإمام: «وآخر الدواء الكي»، ولما شاهد التلميذ هذه الظاهرة استنكر على استاذه، وهو يمارس هذه العملية الجراحية المؤلمة قائلاً: أتكوي غلامك. فقال الاستاذ وهو يبرر تصرفه هذا تجاه غلامه: وما يمنعني وقد سمعت عبد الله يقول: «ان الله لم ينزل داء الا أنزل له شفاء».
وابن السائب هذا كان يراقب أستاذه ويحاول الاستزادة الفكرية منه يقول: دخلت المسجد فرأيت أستاذي السلميّ يقضي نوافله وأوراده، ووقت الصلاة لا تزال بعيدة مما أثار مشاعري تجاهه، ودعاني أن أقول له وأحثه إلى الذهاب إلى داره: «يرحمك الله لو تحولت إلى فراشك».
فقال السلميّ: حدثني من سمع النبي (ص) يقول: «لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلّاه ينتظر الصلاة، والملائكة تقول: اللهم اغفر له وارحمه» قال السلميّ: فأريد أن أموت وأنا في مسجدي».
قال أبو اسحاق السبيعي، وهو من تلامذة السلميّ، عن استاذه السلميّ: «كان رمضان إذا انقضى، واقبل عيد الفطر كنت أتصدّق عن كل صغيراً كان أو كبيراً، حراً كان أو مملوكاً بصاع من طعام من رأس من أهلي أجود حنطتنا، وهذا في كل رمضان في عيد الفطر»[٤٠].
و قال السلميّ: «لو يعلم المستقبل المصلي ما فيه ما استقبله، ولو يعلم المصلي ما فيه ما استقبله»[٤١].
ويعني السلميّ أنّ الذي وقف في الصلاة فعلى كل إنسان أن يحترز ولا يقف أمامه حيث إنّ الوقوف امام المصلى واستقباله هو اثم، ثم إن المصلي عليه أن يحذر من الوقوف أمام أحد من الناس ويصلي حيث إن الصلاة مستقبلاً لإنسان فيه اثم، والفلسفة في كلمة السلميّ إن المصلي عليه أن يتجه إلى الله تعالى في خشوع، وأن يكون القلب هاديً، خاشعاً، ولكن عندما يستقبل المصلي إنساناً أو جماعةً فإنّ قلب المصلي سيتلهى بما يرى، تماماً على الإنسان أن لا يقف امام المصلي حتى لا يثير مشاعر المصلي بالالتفات إليه، وعدم التوجه إلى صلاته والاقبال عليها.
عن عبدالحميد الحماني، عن مسعر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي إنّه قال لرجل فيه عجمة، لا يتقن اللغة العربية: «أ مؤمن أنت أو مسلم؟». قال: «نعم إنشاء الله». قال: لا تقل: «إنشاء الله. قال الحماني - الذي جاء اسمه في السند - قلت لمسعر: - وهذا أيضاً جاء اسمه في السند -: «يا أبا سلمة أقول انّي مؤمن حقاً». قال: «نعم، هل تكون مؤمناً باطلاً؟». أيحسن في الكلام أن يقول الرجل في البديهيات الملموسة مثل: «هذه سماء إنشاء الله، وهذه شجرة إنشاء الله».
كان السلميّ يعلم تلاميذة أسلوب الكلام، فإذا ما قرأ تلميذ القرآن وتلاه أمام أستاذه السلميّ، ونسى كلمة من الآية أن يتلفظها سرعان ما كان الاستاذ ينبهه على الكلمة، فيقول التلميذ: «عذراً لقد اسقطت»، ولكن السلميّ الاستاذ كان يكره هذه الكلمة: «اسقطت»، بل كان يعلم تلامذته أن يقولوا بدل كلمة «اسقطت» كلمة «اغفلت».[٤٢]
وفاة أبي عبد الرحمن السلميّ
بعد حياة حافلة بالكفاح والتعليم، واشاعة الثقافة القرآنية في صفوف المسلمين، والتركيز على القراءة المتقنة: قراءة الإمام أمير المؤمنين (ع)، هذه القراءة التي كانت مجمع عليها من قبل المسلمين والقراء إلّا من شذ، واتبع طريقة أخرى في الأداء.
توفى أبو عبد الرحمن السلميّ المقرئ الشهير سنة ٧٤ من الهجرة النبوية[٤٣] عن عمر يناهز ال (٩٥) عاماً، حافل بالنشاط العلمي والاعلامي، والمذيع لمبادئ الإمام وقراءته التي اتبعها العلماء من القراء، وقبل وفاته أصابه مرض خطير أدى إلى وفاته، فارتاده جماعة من تلامذته القدماء، وعلى رأسهم عطاء بن السائب مستهدفين عيادته وأداء حقه في الاستاذية، وبالتالي إثارة مكامن الرجاء بالله تعالى في نفس الشيخ المريض، وتخفيف مشاعر الخوف من قلب الشيخ الطريح في فراشه، مشاعر وأحاسيس الخوف من الموت ومن المستقبل الذي ينتظره بعد الوفاة. يبدو أنّ التلامذة أغرقوا في «حديث الرجاء» وإذا بالشيخ المريض يحاول النهوض فيخف إليه بعض أهله فيستند عليه، ثم يخاطب تلامذته في صوت متهدج ضعيف ويقول: «إنّي لأرجو ربي وقد صمت له ثمانين رمضاناً».
وإذا قدّرنا أن السلميّ صام في أوّل ما صام وقد بلغ سن البلوغ، أي كان ربيعه خمسة عشرة عاماً فيكون عند وفاته وهو ابن ٩٥ عاماً. ومولده سيصبح سنة (٨) قبل فجر الاسلام أي كان السلميّ عمره عند البعثة النبوية ثمانية أعوام، ولكن كيف لم يعد من صحابة رسول الله، وقد توفى رسول الله والتحق بالرفيق الأعلى وعمر السلميّ المؤرخ له ٢١ عاماً علماً أن السلميّ يقول إن أبي كان من الصحابة واشترك في معارك رسول الله كلها، أترى الابن عاش بعيداً عن المدينة فلم يرَ رسول الله ولم يصحبه... ربّما، وأيضاً فإنّ المحددين لوفاته يحدودته في بدايات ولاية الحجاج الثقفي، أو في ولاية بشر بن مروان على مدينة الكوفة[٤٤].
أما ابن الجوزي فإنّه حدد وفاة السلميّ بعام ١٠٥، وقال: كان عند وفاته له تسعون سنة[٤٥]، فيكون مولد السلميّ في السنة العاشرة للهجرة وعلى هذا، فإنّ مولده لو كان في المدينة فإنه لا يعد من الصحابة حيث إن رسول الله يكون قد توفي، أو إنّ السلميّ ولد قبل شهور أو أسابيع لوفاة رسول الله (ص).
واجتمع الناس وتلامذة السلميّ ووجهاء البلد لتشييع جثمان السلميّ إلى مثواه الأخير، فلما مرت الجنازة على «أبي جحيفة» قال: «مستريح، ومستراح منه».
قال ابن الجزري: ولا زال السلميّ يقرئ الناس إلى أن توفي سنة ٧٤[٤٦]، وهذا يعني أنّه حافظ على صحته بحيث مكنه الاستمرار في التعليم والتربية إلى حين الوفاة، وإذا أخذنا بقول تلميذه الكبير أبي اسحاق السبيعي: إن السلميّ درس الناس ٤٠ عاماً في المسجد الأعظم في العاصمة فإنه يكون ورد العاصمة وقد بلغ من العمر ٤٥ عاماً.
وعده مؤلف المحبر: من عميان الأشراف[٤٧].[٤٨]
الأسماء المشتركة
هناك محمد بن أحمد أبو عبد الله السلميّ الغرناطي، توفي سنة ٥٩٠[٤٩]، فيكون مثار اشتباه في اللقب حيث إن القارئ أبا عبد الرحمن أيضاً سلميّ، وهذا الغرناطي أيضاً سلميّ.[٥٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ طبقات ابن سعد ٦: ١٧٣، جاء في أسد الغابة ١: ٣٧١، قال السلمي: كان أبي حبیب أبو عبد الله السلمي شهد مع رسول الله مشاهده كلها.
- ↑ القراءات القرآنية للفضلي.
- ↑ غاىة النهاية في طبقات القراء لأس الحزري ٢: ٥٤٦.
- ↑ نفس المصدر ٢: ٥٤٦.
- ↑ طبقات ابن سعد ٦: ١٧٢ - ١٧٣.
- ↑ معرفة القراء، الكبار للذهبي ١: ٣٢.
- ↑ معرفة القراء، الكبار للذهبي ١: ٤٧.
- ↑ شرح نهج البلاغة ١: ٢٧-٢٨.
- ↑ حلية الأولياء ٤: ١٩١، غاية النهاية ١: ٤١٣.
- ↑ معرفة القراء الكبار ١: ٣٧.
- ↑ غاية النهاية ١: ٤١٣.
- ↑ حلية الأولياء ٤: ١٩٤، طبقات ابن سعد ٦: ١٧٢- ١٧٥.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٧١-٢٧٨.
- ↑ طبقات ابن سعد ٦: ١٧٢ – ١٧٥.
- ↑ غاية النهاية ١: ٤١٤.
- ↑ معرفة القراء، الكبار ١: ٤٩.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٧٨.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٧٩.
- ↑ حلية الاولياء: ٤: ١٩٥.
- ↑ في الطبقات الكبرى «عاصم بن بهدلة».
- ↑ حلية الأولياء ٤: ١٩٣ – ١٩٥.
- ↑ حلية الأولياء ٤: ١٩٣ – ١٩٥؛ طبقات ابن سعد ٦: ١٧٣، وفيه: (و سعد بن أبي عبيدة).
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٨٠-٢٨٣.
- ↑ معرفة القراء الكبار ١: ٣١.
- ↑ غاية النهاية ١: ٤١٣.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٨٣-٢٨٤.
- ↑ أسد الغابة ١: ٣٧١.
- ↑ الطبقات الكبرى ٦: ١٧٢؛ معرفة القراء الكبار ١: ٤٦.
- ↑ معرفة القراء الكبار ١: ٤٩.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٨٤-٢٨٥.
- ↑ الخلاصة ١٩٣.
- ↑ معرفة القراء الكبار ١: ٤٩.
- ↑ تقريب التهذيب ٢: ٥٦٧.
- ↑ غاية النهاية فى طبقات القراء ١: ٤١٤.
- ↑ دول الاسلام ١: ٣٨.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٨٥.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٨٦.
- ↑ الطبقات الكبرى ١٧٣ – ١٧٥؛ غاىة النهاىة ١: ٤١٣.
- ↑ غايه النهاية ١: ٤١٣.
- ↑ الطبقات الكبري ٦: ١٧٣.
- ↑ نفس المصدر ٦: ١٩٣ بالتصرف.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٨٦-٢٩٢.
- ↑ غاية النهاية لابن الجزري ١: ٤٩٤؛ معرفة القراء الكبار ١: ٤٩.
- ↑ الطبقات الكبرى ٦: ١٧٥.
- ↑ صفة الصفوة ٣: ٥٨.
- ↑ غاية النهاية ١: ٤١٤.
- ↑ المحير ٢٩٨.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٩٢-٢٩٤.
- ↑ غاية النهاية ٢ و٨١. رقم الترجمة ٢٧٨١.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٢٩٥.