السنة الهجرية السابعة
لا يوجد موضوع ذو صلة - لا يوجد مدخل ذو صلة - لا يوجد سؤال ذو صلة
إعلان النبي (ص) عن رسالته عالمياً
كان من نتائج معاهدة صلح الحديبية أنّها أعطت الفرصة للنبي(ص) ليفتح باب الاتصال مع زعماء وملوك العالم ورؤساء القبائل ورجال الدين المسيحي، فوجّه إليهم الرسائل عبر سفرائه ورسله، وهي خطوة اتّخذها الرسول (ص) بعد ١٩ عاماً من الصراع مع قريش المتعنتة، فقد أشغلته الجبهة الداخلية ومشكلاتها وأجبرته على أن يصرف كثيراً من وقته في ترتيب البيت الإسلامي، وشؤون الدفاع عن حياض الإسلام وكيان المسلمين.
ولدينا الآن نصوص ١٨٥ رسالة وكتاب من قِبَل رسول الله(ص) أرسلها إلى عدّة أطراف وشخصيات محلية وعالمية تدعوهم إلى تقبّل الدين الإسلامي، كما تتضمن عقد مواثيق عقدها مع رؤساءالقبائل، قام بجمعها وضبطها أرباب السير وكُتّاب التاريخ، وهي تكشف عن أُسلوب الإسلام في الدعوة والتبليغ، وأنّه يعتمد على المنطق والبرهان، لا على السيف والقهر، وعلى الاقناع لا الجبر.[١]
فالدعوة الإسلامية كانت عالمية منذ ظهور الدعوة المحمدية، ويمكن الرد على المستشرقين المعادين للإسلام، والذين يؤكدون على عدم عالمية الدعوة المحمدية، وينظرون إليها بعين الشك والريبة، في محاولة للتعتيم على الحقيقة، فإنّ القرآن الكريم يظهر بوضوح في آياته التي تشهد بأنّ النبي(ص) دعا البشر عامة إلى التوحيد وإلى مبادئ رسالته، ولم يقتصر في ذلك على العرب:
- ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾[٢]
- ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾[٣]
- ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً﴾[٤]
- ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾[٥]
ولذا فإنّ النبي (ص) اختار ستة أفراد من خيرة أصحابه حملوا كتبه إلى الملوك، تضمنت دعوته العالمية، إلى مختلف جهات الأرض، فتوجه سفراء الهداية ورسل الدعوة المحمدية في وقت واحد إلى: إيران والروم والحبشة ومصر واليمامة والبحرين والحيرة، واتّخذ من هذا اليوم الذي كتب فيه الرسائل خاتماً من فضة نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله، في الأعلى لفظة الجلالة، وتليه كلمة رسول ثمّ يليه اسمه الشريف، فختم به الكتب. كما أنّه ختم تلك الرسائل بالشمع أو الطين إمعاناً في السرية وحفاظاً عليها من التزوير.
ومن أبرز مبعوثيه ورسله إلى العالم:
دحية بن خليفة الكلبي: بعثه إلى قيصر الروم في القسطنطينية
وقد توجه إلى بصرى حيث كان معه رسالة إلى حاكمها، فساعده في الوصول إلى بيت المقدس التي كان قيصر الروم قد اتجه إليها. ولما قيل له أنّعليه أن يسجد عند مقابلة قيصر، رفض على أساس أنّه لا يسجد لغير الله: «إنّما جئتكم من قِبَلِ نبي لأبلّغ ملككم بأن عهد عبادة البشر قد انقضى وانتهى، وأنّه لا يحق السجود إلاّ لله وحده، فكيف يمكنني ذلك وأنا أحمل هذه الرسالة التوحيدية إليكم؟».[٦]
وقرأ ترجمان القيصر كتاب النبي (ص) إليه: «﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[٧]، مِن مُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ علَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فإنِّي أَدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وإنْ تَوَلَّيْتَ فإنَّ عَلَيْكَ إثْمَ الأرِيسِيِّينَ، و﴿ْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[٨] مُحَمَّدٍ رَسولِ اللهِ».
وكان قيصر قد حصل على معلومات وافية عن الرسول من أبي سفيان الذي كان متواجداً في هذا الوقت في الشام في تجارته، كما كتب إلى أحد علماء الروم يسأل عنه (ص) فأجابه: «هذا النبي الذي كنّا ننتظره، بشّرنا به عيسى بن مريم». ولذا فإنّه دعا قومه إلى الإيمان به وبالإسلام، إلاّ أنّهم رفضوا ذلك وثاروا عليه، فأسكتهم، ثمّ أمر بإكرام دحية، وكتب جواباً على رسالة النبي (ص) وأرسل معه هدية إليه.
عبد الله بن حذافة السهمي: إلى البلاط الفارسي
حكم فارس خسرو برويز ثاني ملك بعد أنو شيروان، فجلس على العرش مدّة ٣٢ عاماً قبل الهجرة النبوية، وتميز عهده بالاضطراب وعدم الاستقرار، بالرغم من أنّ النفوذ الإيراني قد امتدّ حتى شمل آسيا الصغرى حتى مشارف القسطنطينية، كما استولى على صليب عيسى المقدس عند النصارى وأحضره إلى المدائن، إلاّ أنّ الأحوال السيئة وأساليب الحكم غير الصحيحة أدّت إلى ضعف هذه الدولة وخروج المستعمرات من تحت نفوذها، ممّا ساعد على اجتياح الروم لأراضي إيران، وهروب الامبراطور خسرو برويز، الذي أثار بذلك السخط عليه، فقتله ابنه شيرويه. وبرويز هذا هو الامبراطور الذي اشتهر بأنّه مزّق رسالة النبي (ص) وعامل رسوله بجفاء وسوء أدب، وفيما يلي نص الرسالة إليه: «﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾[٩] مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اَللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلاَمٌ ﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾[١٠] وَ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى اَلنَّاسِ كَافَّةً لِأُنْذِرَ ﴿مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾[١١] فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ اَلْمَجُوسِ عَلَيْكَ».
وقد مزق الإمبراطور الكتاب عند قراءة أوّل جملة منها ودون أن يعلم ما كان فيها، ثمّ أمر بإخراج الرسول من قصره. وعندما أُخبر النبي (ص) بذلك قال: «اَللَّهُمَّ مَزِّقْ مُلْكَهُ».[١٢]
إلاّ أنّ اليعقوبي، ينفرد برأي آخر، بأنّ الإمبراطور الفارسي أرسل هدية من حرير ومسك إلى النبي (ص) . ويوافقه على رأيه أحمد بن حنبل فقط الذي قال: أهدى كسرى لرسول الله (ص) فقبل منه.[١٣]
أمّاالإمبراطور المغرور فإنّه طلب من واليه على اليمن باذان ـ التي كانت تتبع فارس ـ بأن يقبض على هذا النبي ويبعثه إليه. فأرسل هذا إليه فارسين طلباً من النبي (ص) أن يسلّم نفسه للإمبراطور الفارسي أو يقتلاه، فردّ عليهما بأن عرض (ص) عليهما الإسلام، على أن يعودا إليه في اليوم التالي. وفي هذه الفترة، تخلص ابن الإمبراطور الفارسي منه بقتله، فأخبر الله تعالى نبيه بذلك، فذكره للفارسين قائلاً: إنّ ربّي قد قتل ربّكما ليلة كذا من شهر كذا بعد ما مضى من الليل كذا، وسلط عليه شيرويه فقتله. وكانت الليلة الثلاثاء من العاشر من جمادى الأولى ٧هـ. فطلبا السماح لهما بإخبار ملكهم باذان في اليمن بما جرى، فسمح لهما الرسول (ص): «نعم أخبراه ذلك عني، إنّ ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك».
ولما تأكد الوالي باذان في اليمن من صحة أقوال النبي (ص) وما حدث بفارس، فإنّه أعلن إسلامه مع جميع أعضاء حكومته ـ وهم من الفرس ـ وكتب بذلك إلى النبي (ص) .[١٤]
لحاطب بن أبي بلتعة، إلى مصر
وقد نصت الرسالة إلى المقوقس حاكم مصر: «أسلم يؤتك الله أجرك مرّتين. فإن توليت فإنّما عليك إثم القبط».
وقد توجه الرسول إلى الإسكندرية حيث كان يعيش هناك في قصر شامخ، وكان متسامحاً، ممّا جعل حاطباً يتناول في خطابه إيّاه صورة الإسلام وقوّة النبيص كما ذكر التوراة والإنجيل، وأنّ الإسلام هو الصورة الأكمل لدين المسيح، ثمّ إنّ المقوقس طلب منه أن يصف الرسول (ص) ويبين مضمون دعوته، فقال، بعد أن سمع وصفه: «كنت أعلم أنّ نبياً بقي، وكنت أظن أنّمخرجه بالشام فأراه قد خرج من أرض العرب. والقبط لا تطاوعني في اتّباعه، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعد بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما هاهنا».
ثمّ كتب كتاباً إلى النبي (ص): «أمّا بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد أكرمتُ رسولك وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك».[١٥]
وحينما تسلم النبي (ص) كتابه وهداياه قال: «ضنّ بملكه ولا بقاء لملكه».[١٦]
عمرو بن أمية الضميري، إلى الحبشة
اختير عمرو لتسليم كتاب النبي (ص) إلى نجاشي الحبشة الملك العادل، وكان النبي (ص) قد أرسل إليه من قبل رسائل بشأن المهاجرين المسلمين للاعتناء بهم ورعايتهم.
وشمل كتابه (ص) هذه المرة دعوته إلى الدين: «أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إلاّ ﴿هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾[١٧]، وَ أَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ رُوحَ اللَّهِ وَ كَلِمَتَهُ، وَ إِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ الْمُوَالَاةُ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ تُتْبِعْنِي وتوقن بِالَّذِي جَاءَنِي، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَ إِنِّي أَدْعُوكَ وَ جُنُودِكَ . وَقَدْ بَلَّغْتَ وَ نَصَحْتَ فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَ السَّلَامُ ﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾[١٨]».[١٩]
ونظراً للعلاقات الطيبة بين الطرفين، فإنّ الرسول (ص) بدأ كتابه بالسلام عليه ومرسلاً تحياته الشخصية، في حين أنّه لم يفعل هذا في الكتب الأُخرى التي أُرسلت إلى كسرى وقيصر والمقوقس، فقد خصّه بالسلام عليه دون غيره من الزعماء.
أمّا النجاشي فقد اعترف بنبوة النبي (ص): «أشهد بالله أنّه للنبي الذي ينتظره أهل الكتاب، وإنّ بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل، وأنّه ليس الخبر كالعيان، ولكن أعواني من الحبشة قليل، فانظرني حتى أُكثّر الاعوان، وأُليّن القلوب، ولو استطيع أن آتيه لأتيته».[٢٠]
وكتب بذلك كتاباً إلى النبي (ص) ذكر فيه: «إلى محمد رسول الله من النجاشي. سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، الذي لاإله إلاّ هو الذي هداني إلى الإسلام. أشهد أنّك رسول الله وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين. فإنّي أشهد أنّ ما تقول حقّ. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته».[٢١]. كما بعث إليه بهدايا خاصة.
شجاع بن وهب: إلى أمير الغساسنة
انزعج ملكها الحارث بن أبي شمر الغساني ممّا قرأ في آخر الكتاب: «وإني أدعوك أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقى ملكك» فقال: من ينتزع منّي ملكي؟ أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته. وأعدّ الجيوش واستعرض قوته العسكرية أمام سفير النبي (ص) إرعاباً وتخويفاً، ثمّ أرسل إلى قيصر يخبره بنواياه، إلاّ أنّ قيصر هدّأ من ثائرته وكتب إليه يمنعه من السير إلى رسول الإسلام، ممّا كان له الاثر في تغيير موقفه، فأكرم السفير ومنحه هدايا ثمينة، ووجهه نحو المدينة معززاً مكرماً، وأبلغ السلام إلى النبي الأكرم (ص) . إلاّ أنّ النبي (ص) لم يقبل بأُسلوبه الدبلوماسي غير الصادق، فقال: باد ملكه. أي أنّ ملكه سيزول عمّا قريب. فمات الحارث في السنة ٨هـ أي بعد عام واحد.[٢٢]
سليط بن عمرو إلى ملك اليمامة
هوذة بن علي الحنفي: ونص خطابه (ص) إليه «إعلم إنّديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر (أي يعم الشرق والغرب) فأسلم تسلم واجعل لك ما تحت يديك».
وقد استطاع السفير بما أُوتي من قوّة في المنطق وشجاعة أدبية وخبرة بالأسفار، أن يقنع ملك اليمامة بقبول مبادئه وأهدافه. كما نصحه أحد الأساقفة بتقبل الدين الجديد، وأنّه هو النبي الذي بشّر به الإنجيل. فكتب كتاباً إلى النبي (ص) قال فيه: «ماأحسن ما تدعو إليه وأجمله، وأنا شاعر قومي وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني، فاجعل إليّ بعض الأمر اتّبعك» أي أنّه طلب أن يجعله النبي (ص) خليفة من بعده. فقال الرسول (ص): لا ولا كرامة، لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت. اللهم أكفنيه[٢٣]
آثار تلك الرسائل ونتائجها
أصبح هؤلاء السفراء والرسل دليلاً قاطعاً على عالمية الرسالة الإسلامية، إذ أنّ شعوباً كبرى تعرفت على النبي العربي محمّد (ص) الذي تأثر به معظم هؤلاء القادة والملوك، فأصبح ظهوره (ص) حديث الأوساط والمحافل الدينية بالإضافة إلى المراكز السياسية. فقد تمكنت هذه الرسائل من إثارة مشاعر تلك الشعوب المتحضرة ودفعتهم إلى البحث والتحقيق حول من بشّر به التوراة والإنجيل، وتسابقت أفواجٌ وفرقٌ عدة من رجال الدين وغيرهم بالقدوم إلى المدينة لدراسة أوضاع الدين الجديد والتعرف على مبادئه.[٢٤]
أحداث خيبر
تقع خيبر على بعد ٣٢ فرسخاً من المدينة، وهي منطقة واسعة خصبة، سكنها اليهود وبنوا فيها الحصون والقلاع المتينة، وبلغ عدد سكانها ٢٠ ألف فرد.
ولما كانوا ممّن اشتركوا في جيش الأحزاب وساعدوا المشركين في حربهم ضدّ النبي (ص) والمسلمين، فإنّ النبي (ص) أسرع للقضاء عليهم وعلى خطرهم نحو الإسلام والمسلمين، إذ هم أشدّ تعصباً لدينهم، من تعصب قريش للوثنية، فقد كان يعلن ألف مشرك وثني إسلامهم في مقابل يهودي واحد. كما أنّ النبي (ص) تخوّف من استغلال جهات أُخرى معادية كالقيصر أو كسرى، لهؤلاء اليهود في القضاء على الدولة الإسلامية، إذ لا يستبعد منهم ذلك، وخاصة أنّهم كانوا المحرضين لقريش في محاربة المسلمين.
ولذا فقد أعدَّ النبي (ص) لغزو آخر مركز من مراكز اليهود في الجزيرة العربية وقال: لا تخرجوا معي إلاّ راغبين في الجهاد أمّا الغنيمة فلا، فخرج معه ألف و٦٠٠ مقاتل.
وعندما وصل إلى المنطقة، قطع الطريق عن أيّة إمدادات عسكرية تأتي من الشمال وذلك بقطع خط الإرتباط بين قبائل غطفان وفزارة ويهود خيبر، فلم تستطع هذه القبائل أن تمد حلفاءها اليهود بأيّ شيء طوال شهر هو مدّة الحصار.[٢٥]
ولمّا كانت حصونهم وقلاعهم متينة وقوية وممتنعة بمتاريس قوية شديدة، فإنّه كان لابدّ لفتحها من استخدام تكتيك عسكري مناسب، فكان أوّل عمل قام به الرسول هو احتلال كلّ النقاط والطرق الحساسة ليلاً، بالسرعة والسرية.
أمّا اليهود فقد قرروا في اجتماعهم العسكري أن يضعوا الأطفال والنساء في حصن، والذخيرة من الطعام في حصن آخر، بينما يستقر المقاتلون على الأبراج يدافعون عن القلاع والحصون، في الوقت الذي يخرج أبطالهم ليقاتلوا المسلمين ويبارزونهم خارج الحصون، ولذلك فإنّهم تمكنوا من مقاومة الجيش الإسلامي لمدّة شهر، بحيث كانت محاولة فتح كلّ حصن تستغرق عشرة أيّام دون نتيجة.
وقد فتح أوّل حصن وهو ناعم بعد أن استشهد في معاركه: محمود بن مسلمة الأنصاري، وهو أحد فرسان المسلمين، وجرح خمسون مقاتلاً نقلوا إلى منطقة مخصصة للتمريض والعلاج، حيث سمح لبعض نساء بني غفار بالحضور إلى خيبر للمساعدة في التمريض والتضميد وتقديم خدمات أُخرى في المعسكر. ثمّ جرى فتح حصن القموص وأُسرت فيه صفية بنت حيي بن أخطب التي أصبحت زوجة للرسول (ص) فيما بعد.
ولكن الجوع استولى على المسلمين فاضطروا بسببه إلى تناول ما كره أكله من الأنعام، وكادوا أن يهلكوا، فأمر الرسول (ص) أن تؤخذ شاتان من غنم اليهود إضطراراً، وأطلق البقية ـ من الأغنام ـ لتدخل الحصن بأمان. وقد سمح النبي (ص) بذلك للاضطرار الذي يباح معه المحذور بقدره، فدعا ربّه: «اللَّهُمَّ إنَّكَ قَد عَرَفتَ حالَهُم وأنْ لَيْسَتْ بِهِم قُوَّةٌ وأنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيْءٌ أُعطِيهِمْ إيَّاهُ فَافْتَح عَلَيْهِم أعْظَمَ حُصونِها عَنهُم غَناءً وَأكْثَرُها طَعاماً».[٢٦]
ثمّ بعث رجالاً معروفين من صحابته لفتح الحصون، إلاّ أنّ شيئاً جديداً لم يتم، فقال (ص):
«لَأُعْطِيَنَّ اَلرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يُحِبُّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ كَرَّاراً غَيْرَ فَرَّارٍ»[٢٧] فبات كلّ واحد يتمنى أن يكون هو صاحب هذا النوط الخالد العظيم. وعندما بلغ الإمام عليّاً (ع) مقالة النبي (ص) وهو في خيمته قال: «اَللَّهُمَّ لاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ». وفي الصباح طلب النبي (ص) علياً فقيل أنّ به رمد، فأُتي به إلى النبي (ص) فمرر يده الشريفة على عينيه ودعا له بخير فعوفي من ساعته، فدفع إليه اللواء ودعا له بالنصر، وأمره أن يبعث إلى اليهود قبل قتالهم، من يدعو رؤساء الحصون إلى الإسلام، فإن أبوا ورفضوا، أمرهم بتسليم أسلحتهم إلى الحكومة الإسلامية ليعيشوا تحت ظلّها بحريّة وأمان شريطة أن يدفعوا[٢٨] لجزية. وإذا رفضوا قاتلهم. ثمّ قال (ص) للإمام علي (ع): «لَئِنْ يَهْدِي اَللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ اَلنَّعَمِ».[٢٩]
ومن ثمّ توجه الإمام علي (ع) إلى القلعتين المحصنتين سلالم والوطيح، والتي عجز المسلمون وقوادّهم عن فتحهما، فخرج إليه الحارث، أخو مرحب، فقاتله الإمام (ع) وسقط على الأرض جثة هامدة بضربة من ضربات الإمام (ع) المشهورة، ممّا أغضب مرحب أخيه فخرج غارقاً في الدروع والسلاح ليقاتل علياً (ع) الذي تمكن من شقّ رأسه نصفين، فكانت ضربة قوية بحيث أفزعت من كان مع مرحب من أبطال اليهود، ففروا لاجئين إلى الحصن. وبقي آخرون منهم قاتلوا علياً منازلة، فقضى عليهم الإمام (ع) ثمّ لحق بالفارين إلى الحصن، فضربه أحدهم فطاح ترسه من يده، إلاّ أنّ الإمام (ع) تناول باباً كان على الحصن فانتزعه من مكانه واستخدمه ترساً يحمى نفسه حتى فرغ من القتال. وبعد ذلك حاول ثمانية من أبطال المسلمين، كان منهم أبو رافع مولى النبي (ص) أن يقلبوا ذلك الباب أويحرّكوه فلم يقدروا.[٣٠]
ونقل الشيخ المفيد في إرشاده بسند خاص عن أمير المؤمنين علي(ع) بخصوص الباب، قوله: «لما عالجتُ باب خيبر جعلته مجناً لي فقاتلتهم به، فلمّا أخزاهم الله وضعتُ الباب على حصنهم طريقاً ثمّ رميتُ به في خندقهم».[٣١]
وأمّا المؤرخون فقد نقلوا قضايا عجيبة حول قلع باب خيبر وعن بطولات الإمام (ع) في فتح الحصن، إلاّ أنّ جميعها لا تتمشى ولا تتيسر مع القدرة البشرية المتعارفة، ولا يمكن أن تصدر منها، حتى أنّ الإمام (ع) نفسه يرفع كلّ شك في هذا بقوله: «مَا قَلَعْتُهَا بِقُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ وَ لَكِنْ قَلَعْتُهَا بِقُوَّةٍ إِلَهِيَّةٍ وَ نَفْسٍ بِلِقَاءِ رَبِّهَا مُطْمَئِنَّةٍ رَضِيَّةٍ».[٣٢]
وهكذا انتهت الحرب بانتصار المسلمين، الذي كان وراءه ثلاثة عوامل أساسية:
فقد تمكّن النبي (ص) من تحييد قبيلة غطفان ومنعها من إمداد المساعدات لليهود، كما تعرف على أحوالهم وأوضاعهم في حصون خيبر، سواء العسكرية منها أو النفسية للمقاتلين والأفراد. بالإضافة إلى بطولة الإمام علي (ع) الذي قال: «فلم يبرز إليّ أحد منهم إلاّ قتلته، ولا يثبت لي فارس إلاّ طحنته، ثمّ شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتى أدخلتهم جوف مدينتهم مسدداً عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي حتى دخلت عليهم مدينتهم وحدي أقتل من يظهر فيها من رجالها وأسبي من أجد من نسائها، حتى افتتحتها وحدي ولم يكن لي فيها معاون إلاّالله وحده».[٣٣]
ثمّ أمر الرسول (ص) بأن تجمع الغنائم كلّها في مكان واحد، وأن ينادى: أدّوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة.[٣٤] فالإسلام يشدّد على أهمية الأمانة، حتى اعتبر ردّ الأمانة مهما صغرت من علائم الإيمان، والخيانة من علائم النفاق.
وفي لحظات الفرح بالانتصار على اليهود، رجعت مجموعة من مسلمي الحبشة المهاجرين إليها بقيادة جعفر بن أبي طالب، فاستقبله النبي (ص) وقبّل ما بين عينيه وقال: ما أدري بأيّهما أُسرّ، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر. ثمّ إنّه (ص) علّمه الصلاة المعروفة بصلاة جعفر الطيار.[٣٥]
وبالنسبة لقتلى الجانبين، فقد بلغ عدد شهداء المسلمين ٢٠ فرداً، بينما سجّل التاريخ أسماء ٩٣ رجلاً هم قتلى اليهود.[٣٦]
وبعد ذلك تمّ الاتفاق بين الطرفين على:
- قبول النبي (ص) لطلب اليهود بأن يسكّنهم في خيبر كما كان الوضع.
- ترك أراضيهم وبساتينهم لهم.
- حصول المسلمين على نصف محاصيلها سنوياً.
فالنبي (ص) لم يجبرهم على شيء بل تركهم أحراراً في ممارسة شعائرهم والبقاء على ما كانوا يعتقدونه من أُصول دينهم، إذ أنّه لم يحارب أهل خيبر إلاّ عندما تحولت إلى بؤرة خطرة للمؤامرات والكيد للإسلام والمسلمين، فقد أمدّوا الكفار والمشركين بكلّما يحتاجون للقضاء على الحكومة الإسلامية الناشئة، ممّا اضطر معه النبي (ص) إلى إعلان الحرب عليهم وقتالهم وتجريدهم من السلاح ليعيشوا تحت ظل الدولة الإسلامية، ويدفعوا الجزية لقاء دفاع الحكومة الإسلامية عنهم وحمايتهم من الأعداء، وهو ما يعني حماية أنفسهم وأنّ أموالهم مؤمنة لهم من قبل المسلمين.
وعند جمع الغنائم حصل المسلمون على قطعة من التوراة طلب اليهود إعادتها، فأمر النبي (ص) بإعادتها إليهم، ممّا يكشف عن احترام النبي (ص) للشرائع والأديان الأُخرى.
وقد توجه النبي (ص) بعد خيبر إلى وادي القرى التي شكلت مركزاً آخر لليهود، ففتحها وعقد صلحاً مع أهلها على غرار معاهدة خيبر. وبذا فإنّ الحجاز طهُرت من فتنة اليهود، وجردوا من أسلحتهم، ووضعوا تحت حماية المسلمين ومراقبتهم.[٣٧]
إلاّ أنّ بعضهم خطّط بعد فترة من الهدوء والاستقرار، للتخلص من النبي (ص) فقدّمت زينب بنت الحارث شاة مشوية سمّمت كتفها التي يحبها النبي (ص) فأثّر به السم بعد ذلك وتوفي ص من أثره. ولم ينتقم منها النبيص بل عفا عنها، فالنبي ص لم يكن كبعض القادة والزعماء الذين يصبغون الأرض بدماء من ظنّ أنّهم قصدوا قتله، أو يملاَون السجون بهم، أو يخضعونهم لاَشد أنواع العذاب والتعذيب الجسدي والنفسي.[٣٨]
قصة فدك
وتبعد فدك عن المدينة بما يقرب من ١٤٠ كم، وهي منطقة زراعية خصبة، اعتبرت نقطة ارتكاز هامة لليهود بعد خيبر. وقد تميّزت العلاقات بين رئيسها يوشع بن نون والقيادة الإسلامية بالسلام والاَمان، حيث تعهد بأن يسلم نصف محاصيلها سنوياً إلى الرسول (ص) ليعيشوا تحت راية الحكومة الإسلامية، على ألا يقوموا بأي أمر يعكر صفو السلام والأمن بين الطرفين، وتتعهد الحكومة الإسلامية في مقابل ذلك بتوفير الأمن في المنطقة كلها.[٣٩]
ومن الجدير بالذكر أنّ الأراضي التي يسيطر عليها المسلمون بالحرب والقتال، تعود ملكيتها إلى عامّة المسلمين بإدارة القائد الأعلى للأُمّة، أمّا الأراضي التي لا يستخدمون القوة في احتلالها، فتصبح ملكاً للرسول (ص) والإمام من بعده يتصرف فيها كما يشاء، فيهبها أو يؤجرها، وعلى هذا الأساس وهب رسول الله (ص) فدكاً لإبنته الطاهرة فاطمة الزهراء(ع)، حيث ابتغى من وراء ذلك تحقيق أمرين:
- أن يستفيد منها الإمام في أداء واجباته ومتطلبات الناس عندما يدير الحكم من بعده، إذ أنّه سيكون في حاجة إلى ميزانية كبيرة.
- وأن تعيش أُسرة النبي (ص) بعده بصورة تليق بمقامه (ص) وشرفه ومكانته السامية.
وفي ذلك يذهب معظم العلماء والمفسرين والمحدّثين الشيعة وبعض علماء السنة، أنّه عند نزول قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾[٤٠] أوصى النبي (ص) فدكاً إلى ابنته الزهراء(ع) . ولذلك فقد أعاد المأمون العباسي بعد فترة من هذا الوقت، فدكاً إلى أبناء الزهراء (ع) بعد توضيح شأن نزول هذه الآية له، كما أنّ الإمام علياً (ع) قد صرّح بملكيته لفدك في إحدى رسائله إلى واليه على البصرة: عثمان بن حنيف: «بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ اَلسَّمَاءُ فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ وَ نِعْمَ اَلْحَكَمُ اَللَّهُ».[٤١]
فدك بعد النبي (ص)
عندما حُرمت ابنة رسول الله (ص) من ملكها الخاص بعد وفاة أبيها (ص) عمدت إلى إثبات حقّها واسترداد ملكها من جهاز الدولة، عن طريق القانون، فأحضرت الدلائل بالرغم من أنّه لا يُطلب من فرد له يد على شيء ـ أي يكون تحت تصرفه ـ أن يقيم دليلاً على ملكيته ذلك الشيء. وكان شاهدها: الإمام علي (ع) وأم أيمن التي شهد لها النبي (ص) بأنّها من نساء الجنة[٤٢] إضافة إلى رباح الذي كان النبي (ص) قد أعتقه حسب رواية البلاذري[٤٣] إلاّ أنّ كلّ ذلك لم ينفع في إرجاع الأرض إلى صاحبتها.
وفي العصر الأموي وزع معاوية بن ابي سفيان فدكاً بين ثلاثة: مروان بن الحكم، عمرو بن عثمان، ويزيد. وعندما حكم مروان استولى عليها تماماً ووهبها لابنه عبد العزيز الذي سلّمها لولده عمر، الذي أزال أوّل بدعة وهي إعادة فدك إلى بني فاطمة(ع) فقد كان الخليفة المعتدل، ولكن حكّام بني أُميّة تداولوها ثانية حتى نهاية دولتهم.
أمّا في العصر العباسي فقد ردّها السفاح أبو العباس إلى عبد الله بن الحسن ابن الحسن، ثمّ قبضها أبو جعفر المنصور من بني الحسن، ثمّ ردّها المهدي ابنه إليهم، حتى جاء المأمون فردّها على أصحابها الشرعيين بصورة رسمية.
وقد استغل الامويون والعباسيون فدكاً استغلالاً سياسياً بجانب الاستفادة الاقتصادية واضطرب أمرها بين السلب والردّ[٤٤].
عمرة القضاء[٤٥]
بعد مضي عام واحد على توقيع معاهدة صلح الحديبية، وعلى ضوء المادة التي تسمح للمسلمين بأداء العمرة في العام التالي، فقد قرروا التوجه إلى مكّة، وخاصّة أنَّهم كانوا قد تركوها سبعة أعوام بعدوا فيها عن وطنهم. فاستعد ألفان للإنضمام إلى النبي (ص) في أداء العمرة، كان من ضمنهم شخصيات بارزة ملازمة له (ص) طوال فترة وجوده في المدينة. وكان ذلك يوم الإثنين ٦ من شهر ذي القعدة. كما أنّ النبي (ص) تحسباً لأي طارئ أعدّ مائتين من الافراد مسلّحين وضعهم خارج مكة على مقربة من الحرم للتدخل في أية مشكلة تصدر حيالهم.
وفي مكة خرج الاهالي منها إلى رؤوس الجبال وقالوا: لا ننظر إلى محمد ولا إلى أصحابه، فكانوا يراقبون المشهد من بعيد.
وقد بهرت أصوات المسلمين مكبّرين كلَّ سكان مكة وسحرت قلوبهم وجلبت عطفهم على المسلمين، مثلما أرعب اتّحادهم ونظامهم والتفافهم حول النبي (ص) أفئدة المشركين.
وطاف الرسول (ص) بالبيت على راحلته، وأمر عبد الله بن رواحة أن يردّد هذا الدعاء بلحن ونغم خاص: «لاإله إلاّ الله وحده وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» فردّدها المسلمون وراءه. ثمّ أمر (ص) بلالاً أن يؤذن على ظهر الكعبة لصلاة الظهر، فانزعجوا بسبب الأذان، وأحرجتهم مضامينه التي كانت ضدّ ما يحملونه من معتقدات باطلة موروثة.
وبعد أداء المناسك، ذهب المهاجرون إلى منازلهم التي تركوها منذ سبعة أعوام فجدّدوا اللقاء بأقربائهم.
إلاّ أنّ تأثير أوضاع المسلمين في نفوس أهل مكة، وتخوّفهم من إحداث إنقلاب روحيّ فيهم، إذ أنّ هذه الرحلة الدينية، اعتبرت دعائية وإعلامية، أثّرت في نفوس عدد من أهل مكّة فدخلوا الإسلام، ممّا دعا إلى أن يطلب زعماء قريش من النبي (ص) مغادرة مكة بعد انقضاء المدة المحددة والمقررة بينهم: «إنّه قد انقضى أجلك فاخرج عنّا».
وممن تأثر بالوضع، ميمونة أُخت زوجة العباس ـ أُمّ الفضل ـ لما شهدت من مشاعر المسلمين، فطلبت الزواج من النبي (ص) الذي وافقها، فقوى بذلك علاقاته مع قريش، إلاّ أنّهم لم يسمحوا للنبي (ص) بالاحتفال بمناسبة الزواج في مكّة، فطلب (ص) من أبي رافع أن يُحضِر زوجته بعد ذلك.
وبذا فقد تحقَّقت رؤيا النبي (ص) قبل عام من هذا، في أنّه دخل البيت وحلق رأسه، ونزلت آية الفتح التي تناولت تحقيق هذا الوعد: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾[٤٦].[٤٧]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ أفضل ما تناول الموضوع من مصادر كتابان: أ. الوثائق السياسية للبروفيسور محمد حميد الله حيدر آبادي الاستاذ بجامعة باريس. ب. مكاتيب الرسول للعلاّمة المحقق الشيخ علي الأحمدي. وهو يمتاز بتحقيقات وتحليلات أدبية وتاريخية وسياسية إسلامية في غاية الاهمية.
- ↑ سورة سبأ، الآية ٢٨.
- ↑ سورة القلم، الآية ٥٢.
- ↑ سورة يس، الآية ٧٠.
- ↑ سورة التوبة، الآية ٣٣.
- ↑ طبقات ابن سعد: ١/ ٢٥٩.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٦٤.
- ↑ سورة الفاتحة، الآية ١.
- ↑ سورة طه، الآية ٤٧.
- ↑ سورة يس، الآية ٧٠.
- ↑ طبقات ابن سعد: ١/ ٢٦٠.
- ↑ مسند أحمد بن حنبل: ١/ ٩٦.
- ↑ بحار الانوار: ٢٠/ ٣٩١.
- ↑ طبقات ابن سعد: ١/ ٢٦٠.
- ↑ طبقات ابن سعد: ١/ ٢٦٠.
- ↑ سورة الحشر، الآية ٢٣.
- ↑ سورة طه، الآية ٤٧.
- ↑ السيرة الحلبية: ٣/ ٢٤٨؛ إعلام الورى: ٤٥.
- ↑ السيرة الحلبية: ٣/ ٢٤٨؛ الطبقات الكبرى: ١/ ٢٥٩.
- ↑ تاريخ الطبري: ٢/ ٢٩٤؛بحار الانوار: ٢٠/ ٣٩٢.
- ↑ السيرة الحلبية: ٣/ ٢٥٥؛ طبقات ابن سعد: ١/ ٢٦١.
- ↑ السيرة الحلبية: ٣/ ٢٥٥؛ طبقات ابن سعد: ١/ ٢٦١.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٦٩-١٧٩.
- ↑ الامالي للطوسي: ١٦٤. ويرى ابن هشام في سيرته: ٢|٣٢٨ أنّ خروج النبي (ص) إلى خيبر كان في شهر محرم، بينما ذهب ابن سعد في الطبقات: ٢|٧٧ أنّه كان في جمادى الثانية ٧هـ. ولما كان إرسال الرسل والمندوبين عنه (ص) في شهر محرم، فإنّ الرأي الثاني هوالاَقرب إلى الصحة.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٣٢٢.
- ↑ مجمع البيان: ٩/ ١٢٠؛ السيرة الحلبية: ٢/ ٣٧؛ السيرة النبوية: ٢/ ٣٣٤؛ إمتاع الاسماع: ١/ ٣١٤.
- ↑ صحيح مسلم: ٥/ ١٩٥؛ صحيح البخاري: ٥/ ١٨.
- ↑ السيرة الحلبية: ٢/ ٣٧.
- ↑ تاريخ الطبري: ٢/ ٩٤؛السيرة النبوية: ٢/ ٣٤٩؛ تاريخ الخميس: ٢/ ٤٧.
- ↑ إرشاد المفيد: ٦٢.
- ↑ بحار الانوار: ٢١/ ٤٠.
- ↑ الخصال: ٣٦٩ باب السبعة.
- ↑ وسائل الشيعة: باب جهاد النفس؛ المغازي: ٢/ ٦٨١.
- ↑ فروع الكافي: ١/ ١٢٩؛ الخصال: ٢/ ٨٢؛ إمتاع الاسماع: ١/ ٣٢٥.
- ↑ بحار الانوار: ٢١/ ٣٢.
- ↑ الكامل في التاريخ: ٢/ ١٥٠.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٧٩-١٨٥.
- ↑ السيرة النبوية: ٢/ ٣٥٣؛ إمتاع الاسماع: ١/ ٣٣١؛ فتوح البلدان: ٤٢.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٢٦.
- ↑ نهج البلاغة: الكتاب ٤٥.
- ↑ الاصابة: ٤/ ٤٣٢.
- ↑ فتوح البلدان: ٤٤.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٨٥-١٨٧.
- ↑ سميت عمرة القضاء لاَنّها كانت بدلاً عن العمرة التي منع النبي والمسلمون عنها في العام السابق لها.
- ↑ سورة الفتح، الآية ٢٧.
- ↑ جعفر السبحاني، السيرة المحمدية، ص ١٨٧-١٨٩.