النص على الأئمة في القرآن الكريم‌

من إمامةبيديا

تمهيد

مفهوم الإمامة في القرآن عبارة عن قيادة الإنسان نحو الكمال المطلوب في كلّ أفعاله الاختيارية، وفي المبحث الثاني تعرّضنا إلى‌ أن منصب الإمامة منصب إلهي يختار الله له مَن يشاء وليس باختيار الناس أو بتعيين منهم واستشهدنا بآيات كثيرة في القرآن الكريم تؤكد على هذه النظرية، نظرية النصّ والتعيين الإلهي.

لقد مارس القرآن الكريم عملية النصّ على الإمام أو على الأئمة (ع) في صيغ كثيرة متنوعة، يمكن ترتيبها ضمن صيغ ثلاث من التعيين؛ هي:

  • الصيغة الاولى: هي الآيات التي دلّت على الأئمّة على مدى التاريخ، إذ أكدت على أن هنالك أئمة نصبوا من قبل الله سبحانه وتعالى‌ على مدى‌ تاريخ البشرية، وأنّ الله سبحانه وتعالى أمر الناس بطاعتهم.
  • الصيغة الثانية: من آيات النصّ، هي الآيات التي دلّت على الأئمة من آل إبراهيم، وأكدت على استمرار الإمامة الإلهية في ذريّة إبراهيم ونسله على مدى التاريخ.
  • الصيغة الثالثة: هي النصوص الدالة على تعيين الأئمة بعد رسول الله في أهل بيته وهم عليّ (ع) ورجال مخصوصون من ذرّيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

ضمن هذه الصيغ الثلاث من التعيين نتابع البحث عن الإمامة في القرآن الكريم، ولا يفوتنا أن نشير إلى‌ أن النصوص على الإمامة في السنّة الشريفة كثيرة متواترة، وبصيغ وعبارات شتى‌، ولكن الذي نبحث عنه هنا هو نماذج من النصوص القرآنية حول الإمامة، ولا نقصد بذلك استيعاب النصوص القرآنية، وإنما إلقاء الضوء على نماذج منها واستجلاء الصورة العامّة عن النصّ على الإمامة كما هي في القرآن العظيم.

والواقع أن نصوص السنّة النبويّة حول الإمامة هي بدورها نوع آخر من النصّ القرآني حول الإمامة لأنّ السنّة النبويّة ليست في واقعها إلّا تفسيراً لآيات القرآن الكريم من جهة، ومن جهة أُخرى فإنّ النصوص القرآنية الصريحة في وجوب اطاعة النبيّ‌ ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ[١]

والمؤكدة على أنه (ص)‌ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ[٢] تجعل من نصوص السنّة المتواترة حول الإمامة نصوصاً إلهية راجعة في روحها وجوهرها إلى‌ نصّ القرآن الكريم.[٣]

النماذج القرآنية من النصّ على الإمامة

أما النماذج القرآنية من النصّ على الإمامة بصيغها الثلاث فهي كما يلي:

الصيغة الأُولى‌

النصّ العام على الأئمة على مدى‌ التاريخ وهي تدلّ على أن الله نصب للبشرية أئمّة في‌ كلّ زمان:

  1. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[٤]. ففي كلّ أُمّة على مدى‌ التاريخ بعث الله رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. والمقصود بالعبادة في هذه الآية كما هو واضح، وكما هو معناها اللغوي إنّما هو الخضوع التامّ للَّه‌سبحانه، وهو يشمل كلّ الأفعال الإرادية للإنسان، وقد ذكرنا أنّ الإمامة في القرآن الكريم تعني قيادة الإنسان في أفعاله الإرادية نحو الكمال الذي هو الخضوع التامّ للَّه‌سبحانه وتعالى فالإمامة في واقعها إمامة الناس في عبادة الله سبحانه في كلّ شؤونهم، وهذا هو الذي يقف‌ على النقيض من الطّاغوت ويعارضه وينافيه فانّ معنى الطّاغوت: الكثير الطغيان الذي يدعو الناس إلى‌ الخروج عن طاعة الله، ومصاديقه هم إبليس وأئمّة الكفر والضلال وقادة السياسات الظالمة وجميع أصحاب القوة والنفوذ الذين يصدّون عن سبيل الله ويدعون إلى‌ غير حُكمه. ويمكننا أن نرجع إلى‌ القرآن نفسه لنحدّد من خلال آياته الأُخرى‌ مفهوم الطاغوت من جهة ومفهوم العبادة من جهة أُخرى. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ[٥]. وقد سبقت هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[٦]. فالطاغوت حسب هذه الآية والآيات الأُخرى‌ التي في سياقها هو كلّ حاكم غير الله سبحانه وتعالى، وكلّ من يدعو إلى‌ الحاكمية غير الإلهية، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[٧]. أننا بعثنا في كلّ أُمّة قادة إلهيين، سياسيّين، يحكمون بما أمر الله ويدعون الناس إلى‌ عبادة الله والخضوع لحكمه ورفض حكومة الطواغيت وعدم الخضوع لهم.
  2. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ[٨]. وهذه الآية هي الأُخرى‌ صريحة في أنّ الله سبحانه نصب الرُسل على‌ مدى‌ التاريخ قادة وحكّاماً على الناس وأمرهم بالطاعة والانقياد لهم، فما من رسول إلّابعثه الله لكي يُطاع أي‌ليكون قائداً مطاعاً، وهنا إشارة جميلة في هذه الآية وهي عبارة: «بِإِذْنِ اللهِ» إذ أنها تدل على أنّ هذه الطاعة هي طاعة حكومة وليست طاعة تبليغ، فهي طاعة للرسول بما أنه قائد وحاكم وليست طاعة للرسول بمحض كونه مخبراً عن الله ومبلغاً لأمره ونهيه فقوله تعالى: «بِإِذْنِ اللهِ» يعني الإذن من الله بأن تكون له الطاعة، أي نصبه ليكون مطاعاً، وهذا تعبير صريح في أنّ هذه الطاعة طاعة حكم وطاعة قيادة وإمارة وليست تبليغاً فقط، وإلّا لكان الأولى‌ أن تقول الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ[٩].
  3. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[١٠]. تقول الآية ما معناه: لقد أرسلنا على مدى تاريخ البشرية رسلنا بالبيّنات والكتاب والميزان، وكانت مهمّتهم جميعاً إقامة حكم الله في الأرض وإقرار العدل بين الناس. والكتاب في قوله تعالى: «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ» هو القانون والدستور الإلهي، فإنّ الكتاب في اللغة بمعنى المكتوب، والمكتوب من الكتابة وهي الوجوب والثبوت، فيُراد من الكتاب أوامر الله ونواهيه الثابتة اللازمة. والمقصود بالميزان، ما تُوزن به الأشياء ليميّز به سليمها عن سقيمها، وصحيحها عن فاسدها، والمراد هنا بالميزان ميزان الأفعال وليس ميزان الأشياء، وميزان الأفعال هو الميزان الذي به يميّز العدل من الأفعال عن ظلمها، والحقّ منها عن باطلها، وليس ذلك إلّاملكة العدل، وقوّة العصمة التي اتّصفت بها شخصية الأنبياء بهداية من الله ورعاية منه. والحاكم يحتاج إلى‌ هاتين‌ القوّتين، يحتاج إلى‌ معرفة بالقانون وإلى‌ ملكة العدل حتى يصبح سلوكه وتصرفاته وممارساته كلّها موافقة للعدل وليتمكن من اقامة حكم الله وتطبيق شريعته.
  4. قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ * وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * ذَٰلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ۚ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَٰؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ ۖ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ۗ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَالَمِينَ[١١]. في هذه الآيات تأكيد على أن للَّه‌ قادة نصبهم على مدى‌ التاريخ، وقد اجتباهم الله واختارهم وآتاهم الكتاب والحكم والنبوّة من نوح (ع) إلى‌ رسول الله محمّد (ص). يقول تعالى ما معناه: هؤلاء الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة وبعثناهم قادة للناس‌ جاءوا ليحكموا الناس بالعدل على مدى‌ التاريخ من دون اختصاص بفترة زمنيّة دون غيرها. فالإمامة الإلهية لا تختصّ بفتره زمنية محدّدة بل هي مستمرة على طول تاريخ البشرية.

الصيغة الثانية

الصيغة الثانية هي آيات النصّ على الأئمّة من آل إبراهيم (ع). والآيات في ذلك كثيرة ومتنوعة؛ منها:

  1. ما دلّت على بشارة الله لإبراهيم بجعله وذريّته أئمة صالحين يهدون بأمر الله، استجابة لدعائه الذي دعاه وهو في شبابه وفي أوج صراعه مع المشركين والكافرين من قومه ومع أبيه بالذّات، قال تعالى: ﴿وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ* إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ * قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ * قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ* أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ * قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَ الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ * وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَ الَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ[١٢]. وهذا الدعاء دعا به إبراهيم (ع) ربّه عندما كان شابّاً وكان أبوه‌ حيّاً وكان في صراع مع قومه وأبيه، وكان إذ ذاك في بابل فقد سأل الله أن يهب له حكماً وأن يجعله إماماً يحكم بين الناس بالحقّ ويهديهم إلى‌ عدل الله وصراطه المستقيم وقد قرن دعاءه هذا بدعاء آخر وهو أن يرزقه الله ذريّة صالحة تواصل دربه وتحمل رسالته إلى‌ الأجيال كافة فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ[١٣]. وفي آية أُخرى‌: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ[١٤]. وقد أشار الله إلى‌ استجابته لدعائه هذا بقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ[١٥]. ويبدو أن الحكم والإمامة هو المقصود بأجره في الدنيا فقد جاء تفسير الأجر الإلهي في الدنيا بالحكم والملك في قوله تعالى عند حكاية قصّة يوسف (ع): ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[١٦]. وقد كان الإمام الخميني يفسّر قوله تعالى في الدعاء: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً[١٧] أنّ حسنة الدنيا تعني الإمامة والسلطة والملك الذي يؤتيه الله لعباده الصالحين فيقيمون به حكم‌ الله على وجه الأرض وينشرون به العدل ويطهّرون به أرض الله من الشرك والظلم.
  2. قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[١٨]. في هذه الآية طلب من إبراهيم (ع) إلى‌ ربّه أن يجعل الإمامة في ذريّته، وسؤال الأنبياء عن الله وطلبهم منه مأذون به من قبل الله سبحانه وتعالى، أي‌أنهم لا يطلبون إلّاما يعلمون برضى الله به وإذنه لهم بطلبه وسؤاله. فقد أذِنَ لإبراهيم أن يدعو الله بجعل الإمامة في ذريّته، والله سبحانه حكيم في الإجابة، كريم في العطاء، فقد استجاب لدعاء إبراهيم وسؤاله الذي سأله بإذن من الله تعالى‌: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي[١٩]«وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي»؟ فجاءه الجواب من الله سبحانه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٢٠] وقد استجاب الله لإبراهيم دعاءه وجعلت الإمامة مستمرة في ذرّيته‌ ضمن شرط لا يمكن للإرادة الإلهية أن تتجاوزه وهو شرط العدالة التامّة، فالإمامة في ذريّة إبراهيم اشترطت بالعدالة التامّة التي تبلغ حدّ العصمة، فجاء الجواب الإلهي نافياً للإمامة عن الظالمين من ذريّة إبراهيم فكان دالّاً بالدلالة الإلتزامية على ثبوت الإمامة في غير الظالمين من ذرّيته وأنّ الدعاء استُجيب له في ذرّيته الصالحين. ولعلّ من يشكّك ويقول من أين عرفنا أن دعاء إبراهيم (ع) استُجيب له وأن الله جعل الإمامة في ذرّيته بالفعل، والجواب على ذلك في آيات كثيرة في القرآن الكريم دلّت بوضوح على أن الله قد جعل الإمامة في ذريّة إبراهيم استجابة لدعائه، قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ* وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ[٢١]. فهذه النافلة وهي هذه الذريّة الطيّبة جعلهم الله أئمة استجابة لدعائه: «وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي» فقد جاءت الآية تؤكّد هذه الاستجابة بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ‌ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا[٢٢]
  3. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[٢٣]. كما دلّت هذه الآية أيضاً على أن الله سبحانه قد استجاب دعاء إبراهيم فآتى آل إبراهيم ملكاً عظيماً وهي «الإمامة» زائداً على ما آتاهم من الكتاب والحكمة وهي «النبوّة».
  4. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[٢٤]. نجد في هذه الآية الكريمة إشارة إلى‌ نوعين من الاصطفاء الإلهي: أولاً: الاصطفاء الفردي‌: وهو اصطفاء آدم ونوح، وغيرهم. وثانياً: الاصطفاء الأُسري (العائلي): وهو اصطفاء آل إبراهيم وآل عمران، وآل عمران بعض آل إبراهيم، فهو من عطف الخاص على العام ويدلّ على أنّ هذا الاصطفاء الأُسري أيضاً تمّ ضمن مرحلتين: الأُولى: اصطفاء آل إبراهيم. والثانية: اصطفاء آل عمران من مجموع آل إبراهيم، ومن هنا جاءت الآيات اللاحقة لتوضّح اصطفاء آل عمران قائلة: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[٢٥] إلى‌ قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ[٢٦].فهناك اصطفاء ضمن اصطفاء، اصطفاء آل إبراهيم واصطفاء آل عمران خاصّة من مجموع آل إبراهيم، وإذا ضممنا هذه الآيات إلى‌ الآية الكريمة التي سأل فيها إبراهيم ربّه أن يجعل الإمامة في ذريته: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٢٧]، نفهم من مجموع ذلك أنّ الله تعالى قد استجاب لإبراهيم دعاءه فجعل الإمامه في ذرّيته على أساس الكفاءات والمؤهلات التي جاء التعبير عنها هنا بالاصطفاء، فليست الإمامة في ذريّة إبراهيم لمجرد أنهم ذرّيته، بل لتوفر المواصفات والمؤهلات القيادة التي بوّأتهم منزلة الاصطفاء الإلهي، فلا ينال العهد الإلهي الظالمين من ذريّة إبراهيم، كما لا ينال غير الظالمين منهم إلّا على أساس الاصطفاء، ولذلك فقد نال الإمامة آل عمران من كلّ آل إبراهيم، لتوفر الكفاءة والأهلية الربّانية في هذا البطن خاصّة من آل إبراهيم، كما حصل هذا الاصطفاء الخاصّ لآل محمّد (ع) ضمن مجموعة آل إبراهيم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[٢٨]. ثمّ أنّ هذا الاصطفاء الأُسري إنّما هو اصطفاء قائم على أساس المؤهلات والكفاءات وليس على مجرد النسب، ولهذا جاءت الآية تؤكد ذلك قائلة: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ[٢٩] فإنّ هذه البعضية ليست بعضيّة نسبيّة؛ بل هي بعضيّة رساليّة، أي‌أنّ الذريّة التي ينالها الاصطفاء إنّما ينالها ذلك لأنها تمثّل القيم والمُثُل التي كان يمثّلها مؤسس الأُسرة وزعيمها. وممّا يؤكّد أن البعضيّة في هذه الآية هي بعضيّة رسالية وليست بعضيّة في النسب، قوله تعالى لنوح (ع) حين خاطب ربّه قائلًا: ﴿... رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ...[٣٠]. فإنّ المفهوم من هذه الآية أنّ الأهل في منطق القرآن الكريم هو المنسجم روحيّاً مع زعيم الأُسرة النبويّة وليس كلّ منتسب إلى‌ الأُسرة النبويّة نسبياً يعدّ من أهل النبيّ الذي أرسله الله لهداية الناس، وكذلك الأمر في الذريّة التي ينالها الاصطفاء، فانّ الذريّة المصطفاة هي الذريّة التي تعدّ بعضاً من شخصية النبيّ صاحب الذريّة تلك الشخصية التي تمخضت في طاعة الله سبحانه وخضعت لإرادته خضوعاً تامّاً عبّر عنه في لغة القرآن الكريم بالإسلام، ومن هنا نجد التأكيد القرآني على أنّ الإسلام كان عهداً يتناقله ذريّة إبراهيم جيلًا بعد جيل، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[٣١]. والذي تدلّ عليه هذه الآيات بوضوح أنّ الإمامة الإلهيّة القائمة على أساس الاصطفاء الإلهي مستمرة في ذريّة إبراهيم على مدى‌ الأجيال فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[٣٢]، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى ... وَآلَ إِبْرَاهِيمَ[٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[٣٤]، كلّ هذه الآيات وغيرها تدلّ على استمرارية الاصطفاء الإلهي في آل إبراهيم وانّ العصور المختلفة شهدت اصطفاءات خاصّة ضمن آل إبراهيم كان آخرها اصطفاء آل محمّد (ع)، وهذا ما سوف نعود إلى‌ البحث عنه بالمناسبة في ما يأتي من حديث.
  5. قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا[٣٥]. فالآية تدل على أنّ الله سبحانه قد آتى آل إبراهيم زائداً على النبوّة المتمثّلة في الكتاب والحكمة، ملكاً عظيماً، والملك هو السلطة والحكم فالمقصود به الإمامة الإلهيّة كما هو واضح. ثمّ إنّ من الجدير لفت النظر إلى‌ قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ[٣٦] فمن هم هؤلاء الناس المحسودون الذين ذكرت الآية أن الله قد آتاهم من فضله أي‌آتاهم فضيلة زائدة على ما آتى الآخرين؟ واضح من سياق الآية أن هؤلاء المحسودين أُناس من المؤمنين الذين كانوا آنذاك مع رسول الله، وأنهم من آل إبراهيم، لأنّ الآية فسّرت الفضل الذي أتاه الله هؤلاء المؤمنين المحسودين بما آتى الله آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم. وواضح من سياق الآية وممّا يعضدها من آيات القرآن الكريم‌أنّ هؤلاء المحسودين هم آل محمّد (ع) وقد ورد في الأحاديث الكثيرة عن أئمّة أهل البيت التصريح بأنّ المقصود بالمحسودين في هذه الآية هم الأئمة من آل محمّد، فقد روى الكليني في الكافي بسنده عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام في تفسير الآية: «أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ»- يعني الإمامة والخلافة- إلى‌ قوله تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى‌ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ» نحن الناس المحسودن على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله أجمعين‌[٣٧]، ويكفي دلالة على صحّة هذا التفسير أن الآيات تنقل‌ حدثاً حيّاً واقعياً معاصراً وتشير إلى‌ أن هنالك جماعة معاصرين لنزول الآية يحسدون اناساً آخرين من المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله وهؤلاء المحسودون تربطهم بآل إبراهيم صلة، وهي أنّهم من آل إبراهيم ومن هنا ردّ القرآن الكريم على هؤلاء الحاسدين الناقمين على آل محمّد ما آتاهم الله من الفضل والرافضين لهذا الاختيار الإلهي، بأنّ الله قد سبق أن جعل هذا الفضل في آل إبراهيم وقد آمن هؤلاء الحاسدون بالفضل لآل إبراهيم وسلّموا له فما بالهم ينكرون لآل محمّد هذا الفضل وينقمون عليهم بذلك. ثمّ إنّ القرآن الكريم - كما أشرنا - يؤكّد على أنّ الإمامة إنّما جعلت في آل إبراهيم واستمرت فيهم للمؤهلات والكفاءات الربّانية القيادية التي توفرت في هذه الذريّة، وأنّ الإمامة مختصّة بذوي الكفاءات الربّانية من آل إبراهيم، ولا تعمّ ذريّة إبراهيم أجمعين. كما أن الآيات الكريمة في القرآن تشير إلى‌ حقيقة أُخرى وهي انّ الإمامة قد تُسلب عن بعض ذريّة إبراهيم وتنتقل إلى‌ غيرهم من ذريّة إبراهيم، عندما تفقد المجموعة الأُولى‌ صلاحياتها وكفاءاتها على مدى الزمن وهذا ما تشير إليه الآيات‌ القرآنية في صياغة عامّة أحياناً كقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ[٣٨]]، وفي صياغة خاصّة محدّدة أحياناً أُخرى كما جاء في قوله تعالى: :﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[٣٩]. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ...[٤٠] ففي هاتين الآيتين وآيات أُخرى‌ يؤكّد القرآن العظيم على أن الإمامة والتفضيل الذي أنعم الله به على ذريّة إبراهيم من إسحاق ويعقوب قد انتزعه الله عنهم لما آلوا إليه من الضلال والزيغ والكفر والظلم، فحلّت محل ذلك التفضيل اللعنة الإلهية: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ[٤١] و ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ[٤٢]. وهكذا انتُزعت الإمامة من ذريّة إسحاق من آل إبراهيم، وانتقلت إلى‌ الطاهرين من بقيّة آل إبراهيم من إسماعيل، وهم آل محمّد (ع). ونجد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا...[٤٣]. تلميحاً إلى‌ ما ذكرناه من أن انتقال الإمامة الإلهيّة إلى‌ ذريّة إبراهيم لم تكن إلّا على أساس استمرار الكفاءة والصلاحية الربّانية في هذه الذريّة، فإنّ هذه الآية تؤكد أن أولى الناس بإبراهيم وأقربهم إليه، وألصقهم به في شخصيته الإلهيّة هم الذين اتّبعوه وهذا النبي والذين آمنوا، وإذا تأمّلنا في التعبير القرآني‌ «الَّذِينَ آمَنُوا» وتابعنا مواطن استعماله في القرآن الكريم وجدنا أنّه التعبير الذي يستخدمه القرآن الكريم كثيراً للتدليل على أُناس خاصّين من المؤمنين، وهم أُولئك الذين بلغ فيهم كمال الإيمان الدرجة التي بوّأهم منزلة الإمامة لسائر المؤمنين، فاختارهم الله‌ قادة للمؤمنين بعد رسول الله ودلّ عليهم في كتابه الكريم بأوصافهم، فكانوا النماذج الكاملة للمؤمنين والقدوة السامية التي أمر الله بالاقتداء بها بعد رسول الله (ص)، وهذا ما نجده في مثل الآية 55 من سورة المائدة إذ يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[٤٤]. وكذلك قوله تعالى في الآية 16 من سورة التوبة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً[٤٥]. وغير ذلك من الآيات.

الصيغة الثالثة

وهي الآيات التي نصّت على إمامة الأئمة من أهل بيت رسول الله (ص) بالإشارة والوصف، وقد أشرنا سابقاً إلى‌ أنّ الحكمة الإلهيّة في الحفاظ على القرآن الكريم اقتضت اعتماد القرآن الكريم في النصّ على الأئمة بعد رسول الله أُسلوب الإشارة والوصف دون التسمية، لأنّ التسمية كانت تؤدّي لا محالة إلى‌ أن تمتد الأيدي‌الآثمة الطامعة في السلطة والحكم إلى‌ القرآن الكريم فتحرّف آياته، أو تحول دون انتشارها بين المسلمين كما حصل بالفعل بالنسبة إلى‌ سنّة رسول الله (ص) فقد كثر فيها التصريح‌ بالاسم وتعيين الأئمة من أهل البيت بأسمائهم ممّا أثار حفيظة أعدائهم فبدأوا ومنذ عصر رسول الله يمنعون من كتابة الحديث عن رسول الله (ص)، فقد روى أبو داوود والدارمي في سننهما وكذا أحمد بن حنبل في مسنده وغيرهم في غيرها عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كنت أكتب كلّ شي‌ء أسمعه من رسول الله فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شي‌ء سمعته من رسول الله ورسول الله بشر يتكلّم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ باصبعه إلى‌ فيه وقال: «أكتب فو الذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق»[٤٦]. وروى البخاري في صحيحه وكذا مسلم وغيرهما: لما حضر النبيّ (ص) الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال (ص): «هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندكم كتاب الله، فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول ما قاله عمر، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف، قال رسول الله (ص): «قوموا عني و لا ينبغي‌ عندي التنازع»[٤٧]. وروى الذهبي في تذكرة الحفّاظ: «أنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال: إنّكم تحدّثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشدّ اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمَن سألكم فقولوا بيننا كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرّموا حرامه»[٤٨]. وقد فعل نظير ذلك عمر وعثمان في عهديهما[٤٩]، وحينما استولى‌ بنو أُميّة على الحكم لم يقفوا عند هذا الحدّ بل أكثروا من وضع الحديث على لسان رسول الله من جهة وتناوشوا الأئمة من أهل بيت رسول الله وذريّته بالقتل والتشريد والإبادة من جهة أُخرى، حتى استأصلوا ذريّة رسول الله في واقعة الطف بكربلاء، ولم يمض على وفاة الرسول أكثر من نصف قرن، فلهذا السبب الواضح اختارت الحكمة الإلهية في النصّ على إمامة الأئمة من أهل بيت رسول الله أُسلوب الدلالة بالإشارة والوصف.[٥٠]

وفيما يلي بعض الآيات التي نصّت على إمامة أهل البيت (ع):

الآيات التي نصّت على إمامة أهل البيت (ع)

أولاً: آية الولاية

ثانياً: آية التطهير

ثالثاً: آية القربى‌

رابعاً: آية التبليغ‌

خامساً: آيات الشهادة

المراجع والمصادر

  1. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم

الهوامش

  1. سورة النساء، الآية 59.
  2. سورة النجم، الآية 3-4.
  3. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص91-93.
  4. سورة النحل، الآية 36.
  5. سورة النساء، الآية 60.
  6. سورة النساء، الآية 59.
  7. سورة النحل، الآية 36.
  8. سورة النساء، الآية 64.
  9. سورة النساء، الآية 64.
  10. سورة الحديد، الآية 25.
  11. سورة الأنعام، الآية 84-90.
  12. سورة الشعراء، الآية 69- 83.
  13. سورة الشعراء، الآية 84.
  14. سورة الشعراء، الآية 83.
  15. سورة العنكبوت، الآية 27.
  16. سورة يوسف، الآية 56.
  17. سورة البقرة، الآية 201.
  18. سورة البقرة، الآية 124.
  19. سورة البقرة، الآية 124.
  20. سورة البقرة، الآية 124.
  21. سورة الأنبياء، الآية 71-73.
  22. سورة الأنبياء، الآية 73.
  23. سورة النساء، الآية 54.
  24. سورة آل عمران، الآية 33-34.
  25. سورة آل عمران، الآية 35.
  26. سورة آل عمران، الآية 45.
  27. سورة البقرة، الآية 124.
  28. سورة الأحزاب، الآية 33.
  29. سورة آل عمران، الآية 34.
  30. سورة هود، الآية 45-46.
  31. سورة البقرة، الآية 130-133.
  32. سورة البقرة، الآية 124.
  33. سورة آل عمران، الآية 33.
  34. سورة النساء، الآية 54.
  35. سورة النساء، الآية 54.
  36. سورة النساء، الآية 54.
  37. أُصول الكافي، باب أن الأئمة (ع) ولاة الأمر وهم المحسودون الذين ذكرهم الله عزّوجلّ: 1/ 395.
  38. سورة آل عمران، الآية 26.
  39. سورة مريم، الآية 58-59.
  40. سورة النساء، الآية 155.
  41. سورة المائدة، الآية 13.
  42. سورة البقرة، الآية 61.
  43. سورة آل عمران، الآية 68.
  44. سورة المائدة، الآية 55.
  45. سورة التوبة، الآية 16.
  46. سنن الدارمي: 1/ 125 باب من رخص في الكتابة من المقدّمة، سنن أبي داوود: 2/ 126 باب كتابة العلم، ومسند أحمد: 2/ 162.
  47. البخاري، كتاب العلم، باب العلم: 1/ 22، وكتاب المرض، باب قول المريض قوموا عنّي، وصحيح مسلم آخر كتاب الوصية.
  48. تذكرة الحفاظ للذهبي في ترجمة أبي بكر: 1/ 2.
  49. راجع كتاب معالم المدرستين: 2/ 50 فما بعدها.
  50. محسن الأراکي، نظرية النص على الإمامة في القرآن الكريم، ص100-113.