برهان المعجزة
تمهيد
المعجزات والأحداث الخارقة للعادة التي تحدث في حياة الإنسان، مثل حلّ المشكلات بطريقة غير متوقّعة أو الإلهام المفاجئ لحلّ مشكلة علمية، يمكن اعتبارها دليلاً على وجود الله. فهذه الأحداث ليس لها تفسير مادي أو طبيعي، ممّا يشير إلى وجود سبب غير مادي ورائها وهو الله.
لكن هذا البرهان يواجه بعض الإشكاليات:
- يمكن للشخص الذي لم يشهد هذه الأحداث أن يشكّك في حدوثها من الأساس.
- حتّى مع الإقرار بحدوث هذه الأحداث، يمكن الشك في كونها فعلاً من الله، إلّا إذا أثبتنا مبدأ العلية (قانون السببية) وأنّ هذه الأحداث لها علّة، واستبعدنا جميع الأسباب الطبيعية وغير الطبيعية المحتملة الأخرى.
وقد أدّى هذا إلى نقد هذا البرهان، خاصّة من الذين لا يؤمنون بقانون السببية. كما أنّ الأحداث غير المتوقّعة في حياة الإنسان، مثل الحلّ المفاجئ لمشكلة علمية، قد يكون لها جذور في حياة وتجارب هذا الشخص دون أن يدرك ذلك.
وكثير من المعجزات المذكورة في الأديان؛ مثل: شقّ البحر لموسى (ع) أو انشقاق القمر للنبي الخاتم (ص)، قد يكون لها أسباب طبيعية غير مكتشفة بعد. فمثل هذه الأحداث قد تولّد يقيناً نفسيّاً لدى من شاهدها، لكن في البحث العقلي نحتاج إلى يقين منطقي لا يقبل الشك[١].
المعجزة بين الحكماء المسلمين و اللاهوتيّين الغربيّين
تُستخدم «المعجزة» في الفكر الديني الإسلامي عادةً لإثبات نبوة الأنبياء، وليس لإثبات وجود الله. فالمعجزات في القرآن الكريم تُنسب للأنبياء كدليل على صدقهم في ادعاء النبوة.
لكنّ بعض اللاهوتيّين المسيحيّين استخدموا المعجزة كدليل على وجود الله، وهو ما تعرّض لانتقادات في الفكر الغربي. وقد تأثّر بعض المفكرين المسلمين بهذه الانتقادات.
والمعجزة هي حدث خارق للعادة لا يمكن تفسيره بالأسباب الطبيعية المعروفة. لكن لا يمكن إثبات وجود الله بالمعجزة لمن لا يؤمن بوجوده أصلاً، أو لمن يشكّك في قانون السببية، أو لمن لا يقتنع إلّا بالأدلّة الحسّية.
ويمكن الاستدلال بالمعجزة على وجود الله فقط بعد قبول مسبق لبعض المبادئ، مثل وجود الله، وضرورة بعثة الأنبياء، والحاجة للمعرفة الدينية لهداية الناس. وفي ظلّ هذه المبادئ، لا تكون المعجزة خرقاً لقانون السببية، بل مصداقاً له؛ لأنّه لو كانت المعجزة خرقاً لقانون السببية، لأمكن نسبة أيّ شيء لأيّ شيء، وانسدّ باب البرهان على وجود الله بالمعجزة أو غيرها[٢].
المعجزة و الكرامة؛ الإعانة و الإهانة
المعجزة هي حدث خارق للعادة يظهر على يد الأنبياء لإثبات صدقهم في دعوى النبوة. وهي تختلف عن الأحداث الخارقة الأخرى مثل الكرامات التي تظهر على يد الأولياء، أو الإعانات التي تحدث استجابة لدعاء الصالحين، أو السحر، أو الإهانات التي تحدث لإبطال دعاوى النبوة الكاذبة.
والميزة الرئيسية للمعجزة هي أنّها تستند إلى قدرة الله المطلقة وتظهرها. فكما أنّ الوحي أمر خارق للعادة، فالمعجزة آية إضافية تثبت صدق مدعي النبوة في ارتباطه بالله.
والله تعالى يختار أشخاصاً مؤهّلين ليكونوا وسطاء بينه وبين الناس في هدايتهم، فيوحي لهم ويؤيّدهم بالمعجزات التي تشهد على صدقهم. فالمعجزة شهادة من الله على صدق النبي.
ولمّا كانت المعجزة مستندة لقدرة الله ومظهراً لها فلا يمكن هزيمتها، وهذا سرّ عنصر التحدي فيها. فلو ظهرت المعجزة على يد مدعي نبوة كاذب، فسيضلّ الناس ويتأثّرون بدعواه. لذا من الضروري ألّا تتحقّق المعجزة على يد الكاذب، بل قد يحدث خارق عادة يفضح كذبه ويهينه، كما حصل مع مسيلمة الكذّاب حين بصق في بئر ليزيد ماؤه، فجفّ البئر[٣].
المعجزة كدليل عقلي
تعدّ المعجزة دليلاً عقلياً على نبوة الأنبياء الخاصة، ولكن لا يمكن للجميع الاستفادة منها والاقتناع بها، فأصحاب العقل والتفكير المنطقي هم من يمكنهم تمييز المعجزة عن الظواهر الطبيعية والربط بينها وبين ادعاء النبوة. أمّا من يعتمد على التجربة فقط ولا يستخدم عقله، فقد يندهش من المعجزة، لكنّها لن تولّد لديه يقيناً بصدق نبوة النبي.
وقد ظهر ذلك جليّاً في قصة معجزة موسى (ع)، حيث كان السحرة هم الأقدر على التمييز بين السحر والمعجزة، فسارعوا للإيمان بنبوّته رغم تهديد فرعون لهم بالقتل. بينما من نظر للمعجزة نظرة سطحية دون تحليل معانيها العميقة، سرعان ما انحرف وعبد العجل عندما سمع خواره.
فالمعجزة إذاً تثبت نبوة النبي الخاص بعد الإيمان بوجود الله الخالق، لكنّها لا تكفي لإثبات مضمون الرسالة التي يحملها، والذي من ضمنه الدعوة للإيمان بالله. فالعقل هو من يدرك وحدانية الله قبل إدراك ضرورة النبوة، ويستطيع إبطال ادعاء النبوة إن دعا صاحبها للشرك.
وتنقسم المعجزة لقسمين:
- قولية: كالقرآن الكريم، وهي الأنسب لأهل المعرفة.
- وفعلية: كمعجزات النبي الأعظم (ص)، وهي الأنفع لعامّة الناس.
الإمكان العقلي والاستحالة العاديّة للمعجزة
لا تتعارض المعجزات مع العقل أو قانون السببية، بل هي أحداث نادرة لا تقع وفق الأسباب الطبيعية المعتادة، وتتطلّب القدرة الإلهية المطلقة لتتحقّق. فتحوّل عصا موسى (ع) إلى ثعبان أو توقّف ماء النيل عن الجريان أو انشقاق القمر لمحمد (ص)، كلّها أمور ممكنة نظرياً، لكن لا يمكن حدوثها بالسرعة المذهلة التي حصلت بها آنذاك إلّا بمعجزة إلهية.
أمّا المستحيل عقلاً فلا يمكن تصور وجود مصداق له في الواقع أبداً ولو بقدرة الله، ليس لعجز منه سبحانه، بل لأنّ المحال عاجز بذاته عن قبول الوجود، كاجتماع النقيضين مثلاً. فكما قال الإمام الصادق (ع): «وَالَّذِي سَأَلْتَنِي لَا يَكُون»[٥]، أي ما طلبت تحقيقه هو لا شيء، غير قابل للتحوّل إلى شيء.
ويعدّ القرآن أيضاً معجزة، فهو كتاب سماوي نزل على قلب محمد (ص) خلال 23 سنة، خالٍ من أيّ تناقض أو اختلاف بين آياته، وهذا أمر بعيد عن قدرات أيّ بشر، خاصّة الأميّين. كما أنّ بلاغة القرآن تفوق الطاقات البشرية المعتادة. وقد أشار الله لذلك بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[٦]. وكان القرآن مصحوباً بتحدّي العرب ليأتوا بمثله، لإثبات نبوة النبي الخاتم وليس لإثبات وجود الله[٧].
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ١٩٩ ـ ٢٠١
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ٢٠١ و ٢٠٢
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ٢٠١ و ٢٠٢
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ٢٠٤ و ٢٠٥
- ↑ ابن بابويه (الصدوق) محمد بن علي، التوحيد: 130.
- ↑ سورة النساء، الآية 82.
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله: ٢٠٧ ـ ٢٠٩
تمهيد
المعجزات أو الوقائع و الأحداث الخارقة للعادة التي تحصل إثر الدعاء و ما شابهه، أو الإمداد الغيبيّ الذي يظهر في حياة الإنسان، أو ظهور بعض الحوادث التي تكون خارج التوقّعات و تؤدّي إلى حلّ بعض المشكلات في الحياة الفرديّة أو الاجتماعيّة للإنسان، أو بعض البوارق التي تلمع في ذهن الإنسان فتؤدّي إلى حلّ مشكلة علميّة بصورة مفاجئة و غير متوقّعة، كلّ هذه النماذج هي وقائع يمكن الاستدلال بها على وجود الواجب تعالى، و قد استند إليها بعض اللاهوتيّين المسيحيّين، و صورة الاستدلال هم، هي: إنّ هذه الحوادث المتنوعة ليس لها علة مادية أو طبيعيّة، فلا بدّ من أن تكون مستندة إلى علّة غير طبيعيّة و مبدأ غير مادّيّ.
و هذا البرهان إن لم يرجعه أصحابه إلى واحد من البراهين السابقة، لا يصحّ الاستدلال به و لا يوصل إلى النتيجة المطلوبة منه، و ثمّة إشكالات متنوّعة يمكن أن تُوجّه إليه:
- أوّلاً: إنّ هذا البرهان مفيد لمن تحقّقت لديه مثل هذه الوقائع المذكورة، أمّا غيره فيمكنه التشكيك في حدوث هذه الوقائع من أساسها.
- ثانياً: على فرض الإقرار و الإذعان بهذه الوقائع، فإنّ باب الشكّ في نسبتها إلى الواجب تعالى، و بالتالي الاستدلال بها على وجوده باب مفتوح؛ و ذلك لأنّ إسنادها إلى الواجب لا يتمّ إلّا مع القبول بمبدأ العلّيّة، مع إحراز كون هذه الوقائع معلولة؛ و ثانياً: لا بدّ من إحصاء جميع العلل الطبيعيّة و غير الطبيعيّة التي يمكن أن تكون عللاً لهذه الظواهر؛ ثالثاً: يجب إبطال علّيةّ جميع العلل المحتملة التي أحصيت سوى العلّة المراد الاستدلال على وجوده هي الواجب تعالى.
و قد أدّى طرح البرهان بصورته المعتمدة إلى نقده و الاعتراض عليه، خاصّة من الذين لا يؤمنون بقانون العلّيّة و العاجزين عن فهم العليّة بطريقة عقليّة. كما إنّ الإقرار بقانون العلّيّة لا يحلّ المشكلة وحده، حيث إنّ الاستدلال بهذا البرهان لم يقترن بإبطال علّيّة العلل المحتملة العلّيّة و حصر و التأثير في المعجزات في الواجب تعالى وحده.
و الحوادث غير المعتادة و غير المتوقّعة التي تحصل و تطرأ على النفس الإنسانيّة، كحلّ معضلة علميّة بصورة مفاجئة، أو اكتساب فضيلة عمليّة نتيجة التأثر بجذبة روحيّة شديدة، قد يكون له جذوره في تاريخ الإنسان الذي تصيبه مثل هذه النعم.
كان يقول الأستاذ العلّامة الشعراني رضوان الله عليه: «في بعض الأحيان قد يتّفق لبعض الأشخاص في بدايات تحصيلهم العلميّ أن يسمعوا فكرة من أحد أساتذتهم، أو يقرأوا مطلباً في كتاب، فيُخزَّن ذلك في زاوية من زوايا أذهانهم، ثمّ بعد عشرين أو ثلاثين سنة ربّما تطفو تلك الفكرة إلى سطح الذهن أثناء التدريس أو النقاش، و ربّما يغفل الشخص عن مصدر تلك الفكرة، و يظنّ أنّها من البوارق الذهنيّة أو اللمحات العقليّة، فيقول مدّعياً»: «لم يسبقني إليه أحدٌ».
و مثل هذا الأمر وقع في مورد كتاب المكاسب للشيخ الأنصاريّ رحمه الله.
فالشيخ الأنصاريّ لم يدوِّن كتابه هذا خلال فترة وجيزة، و إنّما استغرق وقتاً طويلاً نسبيّاً. ينقل الشيخ في كتابه فكرة عن العلّامة الحلّيّ رحمه الله. ولكنّه في محل آخر من الكتاب وربّما كان ذلك بعد عقد من الزمن ينسب الفكرة إلى نفسه ويحسب أنّها من إبداعاته؛ لأنّه لم يعثر عليها في الكتب التي كانت في تلك الفترة بين يديه.
فالعوامل المجهولة التي قد يكون لها أثرها على باطن الإنسان وعقله، ربّما يكون لها مثيل في التأثير في العالم الخارجيّ، فشقُّ طريقٍ في الماء، و انفتاح البحر لموسى (ع)، و انشقاق الأرض و ابتلاعها قارون، أو شقّ القمر الذي يُذكر في معجزات النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم، وعودة الشمس إلى الأفق بعد غيابها، كلّ هذه الحوادث و ما شابه ما هي حوادث و وقائع غير معتادة؛ ولكنّ كلّ واحدة من هذه الوقائع يحتمل أنّها لها علّة طبيعيّة لم تكتشف بعد.
و مثل هذه الحوادث قد يكون لها أثر كبير في توليد اليقين النفسيّ؛ لكنّ هذا الصنف من اليقين الذي ينفع في إسكات المعارضة ينفع في مقام العمل و يترك أثره على المخاطبين أو المشاهدين، ولكن لابدّ أيضاً من الالتفات إلى أنّ المطلوب في البحث الفكريّ هو اليقين العلميّ الموازي للضرورة المنطقيّة. و في البراهين العقليّة لا يقنع بأقلّ من اليقين المنطقيّ الذي يؤمّن التمكين النظريّ.[١]
المعجزة بين الحكماء المسلمين و اللاهوتيّين الغربين
يُستفاد من المعجزة في الفكر الدينيّ عادة لإثبات النبوّة، و يعالج الحكماء و المتكلمون المعجزة في هذا المجال بالدرجة الأولى، و لا يُعرف في الفلسفة أو الكلام الإسلاميّ من استفاد من المعجزة لإثبات الواجب تعالى. وفي القرآن الكريم أيضاً تنسب المعجزات إلى الأنبياء كعلامة من العلامات التي كان يستند إليها لإثبات النبوّة الخاصّة؛ لتكون شاهدا على صدق النبيّ في دعواه. و عندما تثبت النبوّة الخاصّة فمن الطبيعيّ أن تثبت النبوة العامّة، لأنّه لا خاصّ إلّا و له عامٌّ يندرج تحته.
و قد استفاد بعض اللاهوتيّين المسيحيّين من المعجزة و النظم بوصفها دليلين على وجود الله [٢]. و أكثر الانتقادات التي طرحت في الفكر الغربيّ كانت تستهدف هذين البرهانين أكثر من غيرهما من البراهين و تسرّبت بعض هذه الانتقادات التي طرحت في الغرب إلى البراهين التي يستدّل بها حكماء المسلمين و طرحها من تأثّر بالغربيّين على أدلّتهم و براهينهم.
المعجزة هي أمرٌ خارق للعادة لا يمكن نسبته إلى العلل الطبيعيّة المعروفة، و لا يمكن إثبات الواجب تعالى بواسطة المعجزة لأصناف عدّة من الناس، منهم أولئك الذين لا يؤمنون بذات الواجب و لم يقم البرهان العقليّ عندهم على وجوده، أو لم تثبت بعض صفاته المرتبطة بالمعجزة كصفة المدبّر أو الهادي... و منهم أيضاً من لا يؤمن بالنبوّة العامّة أو لم تقنعهم! الأدلّة المثبة لها، ومنهم الذين يشكّون في قانون العلّيّة و يقبلون أو يحتملون الصدفة، و منهم أيضاً و ليس أخيراً من لا يقنعهم سوى الدليل الحسّيّ، فمثل هؤلاء لا يتوصّلون إلى إثبات وجود الواجب بواسطة المعجزة؛ لأنّها و إن كانت محسوسة إلّا أنّ تبريرها بقدرة غيبية أمرٌ غير محسوس. و يمكن الاستفادة من المعجزة بعد إثبات أو قبول عددٍ من المبادئ والأصول الموضوعة، مثل: وجود الواجب، ضرورة بعثة الأنبياء، و المعرفة الدينيّة لهداية الناس في المجالات التي لا سبيل مباشر لهم إليها، و هي تدلّ على صدق النبيّ الخاصّ في دعواه النبوّة و ارتباطه بالله تعالى. و المعجزة في ظلّ هذه المبادئ المذكورة لا تكون خرقاً لقانون العلّيّة، بل تكون مصداقاً من مصاديقه و مورداّ من موارده. و لو كانت المعجزة خرقاً لقانون العلّيّة لأمكن نسبة أيّ شيء إلى أيّ شيء، و عندها ينسدّ باب البرهان على وجود الله بها أو بغيرها من البراهين و الأدلّة.[٣]
المعجزة و الكرامة؛ الإعانة و الإهانة
يُذكر قيد التحدّي في تعريف المعجزة عند بعض الباحثين فيها، و هذا القيد هو الذي يميّزها عن سائر الأمور الخارقة للعادة التي تظهر في الحياة الإنسانيّة عبر التاريخ. و الأمر الخارق للعادة الذي يحصل و يتحقّق بإرادة النفس الزكّية لوليٍّ من أوليّاء الله يُسمّى بحسب الاصطلاح الإسلاميّ «كرامة»، وثمّة مورد آخر تتحقّق في بعض خوارق العادات استجابة لدعاء من بعض عباد الله الصالحين، و تُسمّى هذه الموارد من خوارق العادة «إعانة». و يمكن أيضاً أن تتحقّق بعض خوارق العادات بالتعلّم والتعليم كالسحر، مثلاً، أو لإبطال دعوى نبوّة كاذبة، وهذا الصنف من خوارق العادة يُسمّى «إهانة». ومن أمثلة هذا الصنف الأخير ما يُروى أنّه حصل مع مسيلمة الكذّاب عندما بصق في بئر ليزيد ماؤه فغار الماء وجفّ البئر بطريقة خارقة للعادة، فجفاف البئر على الرغم من خرقه للعادة المعروفة في جفاف الينابيع و الآبار، إلّا أنّه يثبت كذب مدّعي النبوة و هذا إهانة له، كما هو واضحٌ. و تجدر الإشارة إلى أن أقسام خوارق العادة ليس بالضرورة أن تكون محصورة بما ذُكِر؛ لأنّه لا دليل على حصرها العقليّ بالأقسام الأربعة هذه.
و الخاصّيّة الأهمّ للمعجزة هي أنّها تستند إلى القدرة الإلهيّة المطلقة. و بعبارة أخرى المعجزة تظهر القدرة الإلهية المطلقة و القاهرة لله عزّ وجلّ، و كما أنّ تلّقي أحد الأنبياء الوحيَ من الله أمرٌ خارقٌ للعادة، فإنّ المعجزة هي آية إضافية للكشف عن القدرة الإلهية المطلقة الحاكمة، يثبت بها مدّعي النبوة صدقه في دعواه العلاقة و الارتباط بمبدأ الوجود.
و الله سبحانه الذي خلق العالم و الإنسان، و يتولّى هداية جميع الموجودات و منهم الإنسان، و بسبب عدم إمكان تلقّي كلّ إنسان على حدّة نصيبه من الهداية الإلهيّة في مجالات محدّدة، فإنّه تعالى يوسّط بينه و بينهم أشخاصاً على درجة عالية من اللياقة و الأهليّة لأداء هذه المهمّة و هي الهداية بالواسطة، و يوحي إليهم و يؤيّدهم بآية و معجزة تثبت صدق دعواهم الاتّصال به تعالى و تلقّي الوحي منه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾[٤] . و المعجزة هي شهادة من الله على صدق النبيّ في دعواه النبوّة.
ثم إنّ المعجزة من حيث استنادها إلى القدرة الإلهيّة و كونها آية و مظهراً من مظاهرها، فإنّها لا تهزم و لا تكسر، و هذا هو سرّ عنصر التحدّي فيها. و عندما يكون خارق العادة مقروناً بالتحدّي، فإنّه لمّا كان إظهار المعجزة و تحقيقها على يد الكاذب في دعواه النبوّة، سبباً لضلال الناس وتأثّرهم بدعواه، فإنّ من الضروريّ أن لا تتحقّق المعجزة على يد مثل هذا المدّعي أو يتحقّق عكسها، أي خارق العادة المهين و الفاضح للمدعيّ.[٥]
المعجزة كدليل عقليّ
المعجزة دليلٌ عقليّ على النبوّة الخاصّة للأنبياء. و تنحصر الاستفادة منها في أهل العقل و التفكّر العقليّ، أمّا من يحاصر نفسه بالتجربة، و يسدّ باب المعرفة العقليّة على نفسه، فلا يمكنه الاستفادة، على الرغم من أنّ المعجزة قد تثير عجبه و تؤدّي إلى إبهاره؛ ولكن لا يمكن أن تولّد لمثل هؤلاء الناس يقيناً علميّاً بنبوّة النبيّ الخاصّة.
و صاحب العقل و المعرفة العقليّة يجب عليه أوّلاً أن يتعرّف إلى العلل الطبيعيّة للظواهر ليكون أهلاً للتمييز بين الأسباب الطبيعيّة للظاهرة المدّعى خرقُها للعادة و بين المعجزة، و يجب أيضاً أن يكون ملتفتاً إلى الملازمة بين تحقّق المعجزة على يد شخصٍ و دعواه النبوّة.
في معجزة موسى الكليم (ع) كان السحرة هم الأعلم و الأقدر في ساحة التحدّي على التمييز بين السحر و المعجزة؛ و لأجل هذا فإنّهم سرعان ما أعلنوا إيمانهم بنبوّة موسى (ع) بعد أن كانوا مؤمنين بالربوبيّة و التدبير الإلهيّ لعالم الوجود، و ثبتوا على إيمانهم على الرغم من مواجهة الموت. أمّا الذين لم يروا من المعجزة إلّا وجهها الظاهريّ، و لم يحلّلوا ما خفي فيها من أسرار، فإنّهم و إن آمنوا بموسى (ع)، إلّا أنّهم عندما سمعوا خوار العجل آمنوا به و عبدوه و غفلوا عن الأدلّة العقليّة التي تبطل عبادته.
فالمعجزة كما تقدّم تثبت النبوّة الخاصّة، و تكون دليلاً مؤيّداً للنبيّ في دعواه النبوّة، بعد اليقين بمبدأ العالم و خالقه، و هي قاصرة عن إثبات مضمون الرسالة التي يحملها النبيّ، و من المضامين التي يحملها الدعوة إلى الإيمان بخالق العالم و مبدئه. و العقل يدرك التوحيد قبل إدراكه ضرورة النبوّة و قبل إيمانه بها، و إذا دعا مدّعي النبوّة إلى الشرك، فإنّ العقل هو الذي يتولّى إبطال دعواه، بالنظر إلى أنّ الشرك لا تتوفّر له الأدلّة و البراهين لإثباته؛ بل الأدلّة قائمة على بطلانه. و يقسم الشيخ الرئيس أبو علي رحمه الله في الإشارات والخواجة نصير الدين الطوسي رحمه الله المعجزة إلى قسمين:
قوليّة و فعليّة. و الإعجاز القوليّ يتناسب مع أهل المعرفة أكثر من الإعجاز الفعليّ، و هذا القسم الأخير في رأيهما أكثر فائدة للعامّة من الناس [٦].
وقد صدرت عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم معجزات فعليّة متعدّدة استطاعت إقناع عددٍ كبير من عامّة الناس. أمّا خواصّ الأصحاب و المقرّبين من النبيّ، فلم يطلبوا معجزة فعليّة، و إنّما اكتفوا بالقرآن الكريم لما عقلوه من مضامينه العالية و الراقية. فالقرآن هو المعجزة القوليّة لنبيّ الإسلام الخاتم (ص) و سلم، و هو يحتوي جوامع الكلم، و هو معجزة خالدة يمكن لكلّ عاقل أن يدرك قيمتها و إعجازها و إثباتها لنبوّة النبيّ في أيّ عصر و زمان.[٧]
الإمكان العقليّ و الاستحالة العاديّة للمعجزة
يرى بعضٌ أنّ المعجزة محالٌ عقليّ لا يقدر عليه إلّا الله تعالى. و الصحيح أنّ المعجزة لا تتناقض مع قانون العلّيّة، كما أنّها ليست محالاً عقليّاً؛ بل هي أمرٌ مستحيلٌ بحسب العادة ليس إلّا. و المقصود هو أنّ المعجزة لا تفي الأسباب العاديّة الطبيعيّة لتحقّقها، و إنّما تحتاج إلى القدرة الإلهيّة المطلقة لتكون علّة لها، و هي عملٌ لا يخطر على بال بشر، و لا يمكن للإنسان أن يقدر عليه بالتعليم و الدربة، و لا يقدر عليه إلّا الله.
فتحوّل العصا إلى أفعى، و توقّف الماء الجاري عن الجريان و غيرها من المعجزات لا تتّصف بالاستحالة العقليّة، فالعصا لا مانع يمنع من خضوعها للتحلّل و دخول بعض أجزائها المتحلّلة في جسم أفعى، ثمّ بعد ذلك تحوّلها إلى نطفة تتولّد منها أفعى جديدة، و الماء الجاري يمكن إيقاف تدفّقه ببناء سدٍّ و شبهه. و وجه الإعجاز في العصا و الأفعى و في توقّف ماء النيل عن الجريان كما حصل مع النبيّ موسى (ع)، أو انشقاق القمر كما حصل مع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم أنّها أمور لا يمكن أن تحصل بالوسائل العاديّة و الطبيعيّة بالسرعة التي حصلت بها، و ليس مقدوراً للإنسان تحقيقه في لحظة و بالاستناد إلى التدريب و التمرين الذهنيّ و الجسديّ، خاصّة في ذلك الزمان.
و المحال العقليّ لا مصداق له ينطبق عليه المفهوم المستحيل، و من هنا، يبقى المحال محالاً، و لا يمكن أن يتحقّق له مصداق حتى بالإعجاز و الإرادة الإلهيّة، و لا يعني ذلك عجز الله تعالى أبداً، بل هو يكشف عن عجز المحال عن التحقّق وقبول الفيض الإلهيّ. وقد نقلنا سابقاً عن الإمام الصادق (ع) في الردّ على من سأله تحقيق المستحيل بواسطة الله تعالى، نقلنا قوله: «و الذي سألتني لا يكون» [٨]، أي الذي طلبت أن يكون هو لا شيء و عاجزٌ عن التحقّق و الصيرورة شيئاً. (لا شيء) مثل (العدم) أو مثل (اجتماع النقيضين)، هو مفهوم لا يحكي عن أي مصداق خارجي و واقعي، و ليس له دلالة على أي شيء خارجاً، و لهذا السبب لم يكن (اللاشيء) واقعاً تحت القدرة الإلهية، لأن الله قادر على كل (شيء)، و (اللاشيء) خارج تخصصاً لا تخصيصاً. و القرآن كتاب سماويٌّ أيضاً، نزل على القلب الطاهر لرسول الله (ص) و سلم على مدى ثلاث و عشرين سنة، لا اختلاف فيه و لا تهافت بين آياته، ليس هذا الكتاب محالاً عقلاً؛ و إنّما المحال بحسب العادة أن ينشئ رجلٌ أمّيٌّ مثل هذا الكتاب دون أن تكون فيه هفوات و تناقضات. و قد حاول عددٌ من المفسّرين من أمثال الشيخ الطوسي في التبيان، و أمين الإسلام الطبرسيّ في مجمع البيان و مثلهم عددٌ كبير من مفسّري أهل السنّة، إثبات أنّ القيام بمحال عقلي، وذلك في مقام الردّ على من نفى استحالة القرآن و الحال أن المعجزة ليست محالة عقلاً ولا القرآن مصداق هذه الاستحالة، و مع ذلك هو معجزة قطعاً.
و تنزّه القرآن عن الاختلاف من جهة، و انسجام آياته فيما بينها من جهة أخرى، على الرغم من نزوله و إبلاغه في فترة زمنيّة طويلة اختلفت فيها الأوضاع و الظروف هي صفات وحقائق لا يمكن أن تتحقّق بالأسباب والعلل العاديّة، وقد أشار الله تعالى إلى هذا في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[٩] . يُضاف إلى هذا أيضاً أنّ بلاغة القرآن ليست محالاً عقليّاً، بل هي محال عاديٌّ. و قد كان القرآن مقروناً بالتحدّي، و لم يكن الهدف منه إثبات الواجب، بل الهدف منه إثبات النبوّة الخاصّة لرسول الله (ص) و سلم.[١٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله، ص199-201.
- ↑ هيك، فلسفه دين، ص۷۰.
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله، ص201-202.
- ↑ سورة النساء، الآية 79.
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله، ص202-203.
- ↑ ابن سينا، الإشارات و التنبيهات، ج ۳، ص ۳۷۲.
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله، ص204-205.
- ↑ ابن بابويه القمي، التوحيد، ص۱۳۰.
- ↑ سورة النساء، الآية 82.
- ↑ عبد الله الجوادي الآملي، تبیین البراهین علی اثبات وجود الله، ص209-207.