الإمام محمد الجواد في التاريخ الإسلامي
تمهيد
اسم الإمام التاسع هو «محمد»، وكنيته «أبو جعفر»، ولقبه: «التقي» و«الجواد»، وُلد في رمضان من سنة ١٩٥ ه في المدينة[١]، أُمّه «سبيكة» من آل مارية القبطية زوج نبي الإسلام[٢] وكانت تتمتع بفضائل أخلاقية سامية، وكانت أفضل نساء عصرها[٣]، حتى قال الرضا عنها: «قُدِّسَتْ أُمٌّ وَلَدَتْهُ قَدْ خُلِقَتْ طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً».[٤]
ولما مات أبوه الكريم كانت سنّه ثمانية أعوام تقريباً واستشهد وله خمس وعشرون سنة[٥]، ودفن في مقابر قريش ببغداد إلى جانب جدّه موسى بن جعفرعليمها السلام.[٦]
الخلفاء المعاصرون له
عاصر الإمام التاسع في كلّ فترة إمامته خليفتين عباسيين، هما: المأمون و المعتصم وقد اجبراه كلاهما على القدوم إلى بغداد، ووضعاه (ووفقاً للطريقة السياسية التي اتخذها المأمون تجاه الإمام الرضا) في العاصمة تحت المراقبة.[٧]
المولود الأعظم بركة
عادة ما كان يذكر الإمام الجواد في أُسرة الإمام الرضا والأوساط الشيعية بأنّه المولود الذي لم يولد أعظم منه بركة، كما يقول أبو يحيى الصنعاني كنت عند أبي الحسن الرضا فجيء بابنه أبي جعفر وهو صغير، فقال(ع): «هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ عَلَى شِيعَتِنَا بَرَكَةً مِنْهُ».[٨]
والظاهر انّ الإمام كان يذكر ابنه الكريم بهذه الصفة دائماً ولمناسبات مختلفة وكان هذا الأمر مشهوراً بين الشيعة وأصحاب الإمام الرضا، والشاهد على ذلك هو ما قاله اثنان من الشيعة هما: ابن أسباط و عبّاد بن إسماعيل: «إِنَّا لَعِنْدَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمِنًى إِذْ جِيءَ بِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قُلْنَا هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلْمُبَارَكُ قَالَ نَعَمْ هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ أَعْظَمُ بَرَكَةً مِنْهُ .».[٩]
وقال أبو يحيى الصنعاني أيضاً: «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ بِمَكَّةَ وَ هُوَ يُقَشِّرُ مَوْزاً وَ يُطْعِمُ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هُوَ اَلْمَوْلُودُ اَلْمُبَارَكُ قَالَ نَعَمْ يَا يَحْيَى هَذَا اَلْمَوْلُودُ اَلَّذِي لَمْ يُولَدْ فِي اَلْإِسْلاَمِ مِثْلُهُ مَوْلُودٌ أَعْظَمُ بَرَكَةً عَلَى شِيعَتِنَا مِنْهُ»[١٠]
ولعلّه يتصوّر في البداية انّ المراد من هذا الحديث هو انّ الجواد(ع) كان أعظم بركة للشيعة من بقية الأئمّة السابقين بينما هذا التصور غير مقبول.
بل انّ دراسة الظروف وملاحظة الأدلة والروايات تدلّ على أنّ المراد من هذا الحديث هو انّ ولادة الإمام الجواد قد حدثت في ظروف مباركة للشيعة، بمعنى انّ فترة إمامة الإمام الرضا فترة خاصة حيث واجه الإمام بعض المشاكل في تعيين الخليفة بعده، ولم تكن تلك المشاكل موجودة في عصر الأئمة السابقين، حيث قد ظهرت بعد استشهاد الإمام الكاظم فرقة الواقفية وقد أنكرت هذه الفرقة إمامة الرضا بدوافع مادية من ناحية، ومن ناحية أُخرى بلغ عمر الإمام الرضا الأربع والأربعين سنة وهو لم ينجب، وكانت الروايات المنقولة عن النبي تقول بأنّ الأئمة اثنا عشر من ولد الإمام الحسين، فأصبح عدم وجود الخليفة الابن للإمام وإمامته وامتدادها مثاراً للتشكيك، فراحت تتخذ الواقفية ذلك ذريعة لإنكار إمامة الإمام الرضا(ع) .
وممّا يدلّ على ذلك اعتراض حسين بن قياما الواسطي على الإمام الثامن في ذلك وجواب الإمام عنه.
فقد كتب ابن قياما وهو من رؤساء الواقفية[١١] رسالة إلى الإمام الرضا يتّهمه فيها بالعقم: «كَيْفَ تَكُونُ إِمَاماً وَ لَيْسَ لَكَ وَلَدٌ فَأَجَابَهُ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ مَا عَلَّمَكَ أَنْ لاَ يَكُونَ لِي وَلَدٌ وَ اَللَّهِ لاَ تَنْقَضِي اَلْأَيَّامُ وَ اَللَّيَالِي حَتَّى يَرْزُقَنِيَ اَللَّهُ وَلَداً يُفَرِّقُ بَيْنَ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ»[١٢]
ولم ينحصر أُسلوب ابن قياما الإعلامي هذا في هذه المرة، بل راح يكرّر ذلك وبمناسبات مختلفة، وكان الإمام يرد عليه ويدحض حججه دائماً[١٣] إلى أن قطعت ولادة الإمام الجواد دابر الفتنة وقوي موقف الإمام وشيعته الذين كانوا في موقف حرج وارتفع شأن التشيع من خلال ذلك.[١٤]
وقد بلغت تشكيكات الواقفية وأعداء أهل البيت درجة ورغم انّ ولادة الإمام الجواد دحضت أدلّة الواقفية جعلت بعض أقرباء الإمام الرضا يتمادون في جسارتهم وجرأتهم لدرجة انّهم أنكروا كون الإمام الجواد ابناً للإمام الرضا كلّ ذلك حسداً وجهلاً؟! ولم يجدوا في تهمتهم الغادرة واللاإسلامية التي أرادوا من خلالها أن يعبّروا عمّا يدور في خلدهم من أفكار إلاّ التمسك بعدم التشابه بين الأب والابن من ناحية البشرة تلك الذريعة الواهية التي لا تخدع إلاّ البسطاء من الناس، وراحوا يجعلون سمرة وجه الإمام الجواد ذريعة لتشكيكهم ويقولون: «مَا كَانَ فِينَا إِمَامٌ قَطُّ حَائِلَ اَللَّوْنِ فَقَالَ لَهُمُ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ هُوَ اِبْنِي قَالُوا فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَدْ قَضَى بِالْقَافَةِ[١٥] فَبَيْنَنَا وَ بَيْنَكَ اَلْقَافَةُ قَالَ اِبْعَثُوا أَنْتُمْ إِلَيْهِمْ فَأَمَّا أَنَا فَلاَ وَ لاَ تُعْلِمُوهُمْ لِمَا دَعَوْتُمُوهُمْ وَ لْتَكُونُوا فِي بُيُوتِكُمْ فَلَمَّا جَاءُوا أَقْعَدُونَا فِي اَلْبُسْتَانِ وَ اِصْطَفَّ عُمُومَتُهُ وَ إِخْوَتُهُ وَ أَخَوَاتُهُ وَ أَخَذُوا اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ أَلْبَسُوهُ جُبَّةَ صُوفٍ وَ قَلَنْسُوَةً مِنْهَا وَ وَضَعُوا عَلَى عُنُقِهِ مِسْحَاةً وَ قَالُوا لَهُ اُدْخُلِ اَلْبُسْتَانَ كَأَنَّكَ تَعْمَلُ فِيهِ ثُمَّ جَاءُوا بِأَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالُوا أَلْحِقُوا هَذَا اَلْغُلاَمَ بِأَبِيهِ فَقَالُوا لَيْسَ لَهُ هَاهُنَا أَبٌ وَ لَكِنْ هَذَا عَمُّ أَبِيهِ وَ هَذَا عَمُّ أَبِيهِ وَ هَذَا عَمُّهُ وَ هَذِهِ عَمَّتُهُ وَ إِنْ يَكُنْ لَهُ هَاهُنَا أَبٌ فَهُوَ صَاحِبُ اَلْبُسْتَانِ فَإِنَّ قَدَمَيْهِ وَ قَدَمَيْهِ وَاحِدَةٌ فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالُوا هَذَا أَبُوهُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فَقُمْتُ فَمَصَصْتُ رِيقَ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ثُمَّ قُلْتُ أَشْهَدُ أَنَّكَ إِمَامِي عِنْدَ اَللَّهِ »[١٦]
وهكذا تفشل دسائس ومؤمرات أعداء الإمام لإطفاء نور الله مرّة أُخرى ويفضحهم الله ثانية.[١٧]
الإمام الصغير
إنّ الإمام الجواد كان أوّل إمام يبلغ الإمامة في طفولته، فمن الطبيعي أن يكون أوّل سؤال يخطر بالبال عند دراسة حياته هو انّه كيف يمكن لحدث أن يتحمل مسؤولية ومهمة إمامة وقيادة المسلمين الحساسة والكبيرة؟ فهل من الممكن أن يبلغ إنسان وهو بذلك العمر إلى هذا الكمال الذي يجعله خليفة رسول الله؟
وهل حصل ذلك في الأُمم السابقة؟
يجب الالتفات في الإجابة على تلك الأسئلة إلى أنّه صحيح انّ مرحلة نضوج عقل الإنسان وجسمه تتعيّن في فترة زمنية معينة عادة بتوفرها ينضج الإنسان روحاً وجسماً، ولكن ما المانع في أن يجعل الله القادر الحكيم تلك المرحلة مرحلة النضج تحدث في بعض عباده قبل موعدها المقرر لمصلحة ما فتقصر المسافة.
كان وما يزال في المجتمع البشري أفراد شذّوا عن هذه القاعدة العادية وبلغوا منصب الإمامة وقيادة الأُمّة في سن الطفولة في ضوء عناية الباري تعالى الخاصة ورحمته.
ولتوضيح ذلك أكثر نشير هنا إلى بعض تلك الاستثناءات من تلك القاعدة:
- قال القرآن المجيد حول النبي يحيى ورسالته وانّه بعث وهو صبي: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[١٨] وقد فسّر بعض المفسرين كلمة الحكم في الآية بالفهم والعقل، وقال بعض آخر: إنّ المراد منها هو النبوة. والذي يؤيد النظرية الثانية روايات ذكرت في أُصول الكافي ومنها رواية تنقل عن الإمام الخامس يفسّر فيها كلمة الحكم بنبوة النبي يحيى في طفولته، ويستشهد بذلك ويقول: « ثُمَّ مَاتَ زَكَرِيَّا فَوَرِثَهُ اِبْنُهُ يَحْيَى اَلْكِتَابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ هُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[١٩]».[٢٠]
- وعلى الرغم من أنّ لبداية التكلم لدى الطفل يحتاج عادة إلى فترة زمنية تقارب الاثني عشر شهراً غير أنّنا نعلم أنّ النبي عيسى(ع) تكلم منذ أيّامه الأولى ودافع عن أُمّه التي حملت بأمر الله وولدت طفلاً وسيء الظن بها واتّهمت بصلابة، ودحض خزعبلات المكابرين بالحجج المنطقية، مع أنّ التكلم بهذا المستوى وبهذا المضمون ليس إلاّ في وسع الكبار ويروي لنا القرآن ذلك بهذا النحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾[٢١].[٢٢]
وممّا تقدم نستنتج بأنّه كان هناك رجال إلهيون آخرون تمتعوا بهذه النعمة الإلهية قبل الأئمّة وهذا ليس مختصاً بالأئمّة فقط.[٢٣]
كلام الأئمة حول ذلك
ويتبيّن من خلال دراسة حياة الأئمة انّهم كانوا يواجهون هذا الأمر أيضاً لا سيما في عهد الإمام الجواد، وكانوا يدحضون التشكيكات بنفس ذلك الاستدلال المذكور آنفاً، وهنا نسترعي انتباهكم لثلاث روايات في هذا المجال:
- عن علي بن أسباط قال: «قَدِمْتُ اَلْمَدِينَةَ وَ أَنَا أُرِيدُ مِصْرَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ إِذْ ذَاكَ خُمَاسِيٌّ فَجَعَلْتُ أَتَأَمَّلُهُ لِأَصِفَهُ لِأَصْحَابِنَا بِمِصْرَ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَ قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ اَللَّهَ أَخَذَ فِي اَلْإِمَامَةِ كَمَا أَخَذَ فِي اَلنُّبُوَّةِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ عَنْ يُوسُفَ ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾[٢٤] وَ قَالَ عَنْ يَحْيَى ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾[٢٥]».[٢٦]
- يقول أحد أصحاب الرضا(ع): «كُنْتُ وَاقِفاً بَيْنَ يَدَيْ أَبِي اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ بِخُرَاسَانَ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: يَا سَيِّدِي إِنْ كَانَ كَوْنٌ فَإِلَى مَنْ؟ فَقَالَ: إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ[٢٧] فَكَأَنَّ اَلْقَائِلَ اِسْتَصْغَرَ سِنَّ أَبِي جَعْفَرٍ فَقَالَ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ : إِنَّ اَللَّهَ بَعَثَ عِيسَى رَسُولاً نَبِيّاً صَاحِبَ شَرِيعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فِي أَصْغَرَ مِنَ اَلسِّنِّ اَلَّذِي فِيهِ أَبُو جَعْفَرٍ ».[٢٨]
- قال الإمام الرضا لأحد أصحابه ويدعى معمر بن خلاد: «هَذَا أَبُو جَعْفَرٍ قَدْ أَجْلَسْتُهُ مَجْلِسِي وَ صَيَّرْتُهُ مَكَانِي وَ قَالَ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ يَتَوَارَثُ أَصَاغِرُنَا عَنْ أَكَابِرِنَا اَلْقُذَّةَ بِالْقُذَّةِ».[٢٩].[٣٠]
أزمة عقائدية
وعلى الرغم من كلّ ما قيل حول إمكانية الوصول إلى المناصب الإلهية الكبيرة في حداثة السن كانت مشكلة حداثة سن الإمام الجواد لا تزال غير محلولة ليس لكثير من عوام الشيعة، بل أصبحت مثاراً للجدل لدى علماء الشيعة أيضاً، وبهذا السبب واجه الشيعة لا سيّما العامة منهم أزمة عقائدية حادة فريدة من نوعها بعد استشهاد الإمام الرضا وبداية إمامة ابنه الصغير الإمام الجواد الذي أصبحت حداثة سنّه معضلة كبيرة.
وكتب ابن رستم الطبري من علماء القرن الرابع الهجري: ولما بلغ سنّه الإمام الجواد ست سنوات وبضعة شهور قتل المأمون أباه، فحار الشيعة، ووقع الخلاف بين الناس، واستصغروا سن أبي جعفر واحتارت الشيعة في البلاد.[٣١]
ولذلك اجتمعت الشيعة وأجروا لقاءات مع الإمام الجواد وطرحوا عليه أسئلة لاختباره والتأكد من أنّه يتمتع بعلم الإمامة، فكانوا يطمأنّون ويهدأ بالهم عندما يتلقّون الإجابات الحاسمة والمقنعة.
وكتب المؤرّخون حول ذلك: « لَمَّا قُبِضَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ سِنُّ أَبِي جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ نَحْوَ سَبْعِ سِنِينَ فَاخْتَلَفَتِ اَلْكَلِمَةُ مِنَ اَلنَّاسِ بِبَغْدَادَ وَ فِي اَلْأَمْصَارِ وَ اِجْتَمَعَ اَلرَّيَّانُ بْنُ اَلصَّلْتِ وَ صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ حَكِيمٍ وَ عَبْدُ اَلرَّحْمَنِ بْنُ اَلْحَجَّاجِ وَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ وَ جَمَاعَةٌ مِنْ وُجُوهِ اَلشِّيعَةِ وَ ثِقَاتِهِمْ فِي دَارِ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ اَلْحَجَّاجِ فِي بِرْكَةٍ زَلُولٍ يَبْكُونَ وَ يَتَوَجَّعُونَ مِنَ اَلْمُصِيبَةِ فَقَالَ لَهُمْ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ دَعُوا اَلْبُكَاءَ مَنْ لِهَذَا اَلْأَمْرِ وَ إِلَى مَنْ نَقْصِدُ بِالْمَسَائِلِ إِلَى أَنْ يَكْبَرَ هَذَا يَعْنِي أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَامَ إِلَيْهِ اَلرَّيَّانُ بْنُ اَلصَّلْتِ وَ وَضَعَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ وَ لَمْ يَزَلْ يَلْطِمُهُ وَ يَقُولُ لَهُ أَنْتَ تُظْهِرُ اَلْإِيمَانَ لَنَا وَ تُبْطِنُ اَلشَّكَّ وَ اَلشِّرْكَ إِنْ كَانَ أَمْرُهُ مِنَ اَللَّهِ جَلَّ وَ عَلاَ فَلَوْ أَنَّهُ كَانَ اِبْنَ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ اَلشَّيْخِ اَلْعَالِمِ وَ فَوْقَهُ وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عِنْدِ اَللَّهِ فَلَوْ عُمِّرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ اَلنَّاسِ هَذَا مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفَكَّرَ فِيهِ فَأَقْبَلَتِ اَلْعِصَابَةُ عَلَيْهِ تُعَذِّلُهُ وَ تُوَبِّخُهُ وَ كَانَ وَقْتُ اَلْمَوْسِمِ فَاجْتَمَعَ مِنْ فُقَهَاءِ بَغْدَادَ وَ اَلْأَمْصَارِ وَ عُلَمَائِهِمْ ثَمَانُونَ رَجُلاً فَخَرَجُوا إِلَى اَلْحَجِّ وَ قَصَدُوا اَلْمَدِينَةَ لِيُشَاهِدُوا أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَلَمَّا وَافَوْا أَتَوْا دَارَ جَعْفَرٍ اَلصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِأَنَّهَا كَانَتْ فَارِغَةً وَ دَخَلُوهَا وَ جَلَسُوا عَلَى بِسَاطٍ كَبِيرٍ وَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اَللَّهِ بْنُ مُوسَى فَجَلَسَ فِي صَدْرِ اَلْمَجْلِسِ وَ قَامَ مُنَادٍ وَ قَالَ هَذَا اِبْنُ رَسُولِ اَللَّهِ فَمَنْ أَرَادَ اَلسُّؤَالَ فَلْيَسْأَلْهُ فَسُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ أَجَابَ عَنْهَا بِغَيْرِ اَلْوَاجِبِ فَوَرَدَ عَلَى اَلشِّيعَةِ مَا حَيَّرَهُمْ وَ غَمَّهُمْ وَ اِضْطَرَبَتِ اَلْفُقَهَاءُ وَ قَامُوا وَ هَمُّوا بِالاِنْصِرَافِ وَ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَكْمُلُ لِجَوَابِ اَلْمَسَائِلِ لَمَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ مَا كَانَ وَ مِنَ اَلْجَوَابِ بِغَيْرِ اَلْوَاجِبِ فَفُتِحَ عَلَيْهِمْ بَابٌ مِنْ صَدْرِ اَلْمَجْلِسِ وَ دَخَلَ مُوَفَّقٌ وَ قَالَ هَذَا أَبُو جَعْفَرٍ فَقَامُوا إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ وَ اِسْتَقْبَلُوهُ وَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ فَدَخَلَ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَ عَلَيْهِ قَمِيصَانِ وَ عِمَامَةٌ بِذُؤَابَتَيْنِ وَ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلاَنِ وَ جَلَسَ وَ أَمْسَكَ اَلنَّاسُ كُلُّهُمْ فَقَامَ صَاحِبُ اَلْمَسْأَلَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسَائِلِهِ فَأَجَابَ عَنْهَا بِالْحَقِّ فَفَرِحُوا وَ دَعَوْا لَهُ وَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ وَ قَالُوا لَهُ إِنَّ عَمَّكَ عَبْدَ اَللَّهِ أَفْتَى بِكَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ يَا عَمِّ إِنَّهُ عَظِيمٌ عِنْدَ اَللَّهِ أَنْ تَقِفَ غَداً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولَ لَكَ لِمَ تُفْتِي عِبَادِي بِمَا لَمْ تَعْلَمْ وَ فِي اَلْأُمَّةِ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ .»[٣٢]
وقال إسحاق بن إسماعيل الذي كان يرافق تلك الجماعة في هذه السنة: فأعددت له للإمام الجواد في رقعة عشر مسائل وكان لي حمل فقلت إن أجابني عن مسائلي سألته أن يدعو الله أن يجعله، ذكراً فلما سأله الناس قمت والرقعة معي لأسأله، فلما نظر إلي قال: « يَا إِسْحَاقُ سَمِّهِ أَحْمَدَ » فولد لي ذكر فسمّيته أحمد.[٣٣]
تسبب هذا اللقاء والحوار واللقاءات المماثلة الأخرى مع الإمام الجواد(ع) في اطمئنان الشيعة واعتقادهم وإيمانهم التام بإمامته، وانقشعت سحب الغموض والشك من سماء فكرهم وطلعت شمس الحقيقة.[٣٤].[٣٥]
مناظرات الإمام الجواد(ع)
كان للإمام الجواد ولأنّه أوّل من تقلد الإمامة وهو صغير[٣٦]، عدّة مناظرات وحوارات كان لبعضها صدى كبير وإثارت جدلاً واسعاً، والسبب الرئيسي في حدوثها هو انّ إمامته لم تثبت لكثير من الشيعة بسبب حداثة سنّه من ناحية مع أنّ علماء الشيعة وكبارهم لم يشكّوا بذلك مطلقاً من هنا كانوا يطرحون عليه الكثير من الأسئلة بهدف الاختبار والاطمئنان.
ومن ناحية أُخرى كان نفوذ المعتزلة قد ازداد في تلك الآونة، وكانت مدرسة الاعتزال قد ازدهرت، وكان الجهاز الحاكم يدعمها، وكان يوظّف سلطته وإمكاناته المادية والمعنوية الأخرى لتقوية وترويج اتجاههم الفكري وتضعيف الاتجاهات الفكرية الأخرى بكلّ وسيلة.
ونحن نعلم أنّ الاتجاه المعتزلي كان يفرط كثيراً في تعويله على العقل البشري القاصر والمحدود، فقد كان المعتزلة يعرضون الأحكام الدينية على عقلهم فيقبلون ما قبله عقلهم وينكرون الباقي، وإذ كان بلوغ منصب الإمامة في حداثة السن لا يتناسب مع عقلهم المحدود بالظاهر، كانوا يطرحون أسئلة معقّدة وغامضة على الإمام الجواد ظنّاً منهم انّهم سيهزمونه في المنافسة العلمية.
غير انّ الإمام الجواد كان في هذه المناظرات العلمية يدحض كلّ شبهة تثار حول إمامته بالحجج الدامغة والساطعة ويرسخ أصل الإمامة في ضوء علم الإمامة.
ولهذا لم يسبّب هذا الأمر مشكلة في عهد الإمام الهادي(ع) الذي تولّى هو الآخر الإمامة وهو صغير أيضاً، إذ قد اتّضح للجميع بأنّه لا تأثير لحداثة السن في الوصول إلى هذا المنصب الإلهي.[٣٧]
مناظرة مع يحيى بن الأكثم[٣٨]
لمّا قدم المأمون بغداد من طوس بعث برسالة إلى الإمام الجواد(ع) يدعوه بالقدوم إلى بغداد، وطبعاً كانت هذه الدعوة دعوة ظاهرية كدعوته الإمام الرضا(ع) إلى طوس، وفي الواقع هي إحضار جبري، قبل الإمام الدعوة، وبعد عدّة أيام من دخوله بغداد دعاه المأمون إلى القصر واقترح عليه الزواج بابنته أُمّ الفضل، فسكت الإمام، واعتبر المأمون سكوته علامة لرضاه، وقرّر أن يهيّأ مقدّمات ذلك.
وقد كان ينوي أن يقيم احتفالاً غير انّ انتشار هذا الخبر بين العباسيين أحدث ضجة، فاجتمعوا وقالوا للمأمون بلهجة مزيجة بالغضب: ننشدك الله أن تقيم على هذا الأمر الذي عزمت عليه، فانّا نخاف أن يخرج به عنّا أمر قد ملّكناه الله عزّوجلّ وينزع منّا عزّاً قد ألبسناه الله، وقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم (العلويين) قديماً وحديثاً، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا ما عملت، فكفانا الله المهم من ذلك، فالله الله أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا. فقال المأمون: ما الذي ترمون إليه؟ فقالوا: إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه فإنّه صبيٌ لا معرفة له ولا فقه.
قال المأمون: ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، وانّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومواده وإلهامه... فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت لكم من حاله.
فاختار بنو العباس يحيى بن أكثم من بين العلماء لشهرته العلمية لهذا الأمر، وأعدّ المأمون مجلساً لتقييم المستوى العلمي للإمام الجواد، وقد قال يحيى للمأمون: أيأذن أمير المؤمنين أن أسأل هذا الفتى.
فقال المأمون: استأذنه في ذلك. فاستأذنه، فقال الإمام: «سَلْ إِنْ شِئْتَ».
فقال يحيى: ما تقول...في محرم قتل صيداً؟[٣٩]
فقال الإمام الجواد(ع): «قَتَلَهُ فِي حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ عَالِماً كَانَ اَلْمُحْرِمُ أَوْ جَاهِلاً قَتَلَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً حُرّاً كَانَ اَلْمُحْرِمُ أَوْ عَبْداً صَغِيراً كَانَ أَوْ كَبِيراً مُبْتَدِئاً بِالْقَتْلِ أَوْ مُعِيداً مِنْ ذَوَاتِ اَلطَّيْرِ كَانَ اَلصَّيْدُ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ صِغَارِ اَلصَّيْدِ أَمْ مِنْ كِبَارِهَا مُصِرّاً عَلَى مَا فَعَلَ أَوْ نَادِماً فِي اَللَّيْلِ كَانَ قَتْلُهُ لِلصَّيْدِ أَمْ فِي اَلنَّهَارِ مُحْرِماً كَانَ بِالْعُمْرَةِ إِذْ قَتَلَهُ أَوْ بِالْحَجِّ كَانَ مُحْرِماً؟» فتحيّر يحيى بن أكثم من كلّ هذه الفروع التي فرعها الإمام على هذه المسألة، وبان في وجهه العجز والانقطاع، ولجلج وتعتع في الكلام حتى عرف جماعة أهل المجلس أمره.
فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته فقال: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟![٤٠].[٤١]
حكم صيد المحرم وأقسامه
لمّا انتهت تلك الندوة وتفرّق الناس وبقي من خاصة المأمون من بقي قال المأمون للإمام الجواد(ع): إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه الذي فصّلته من وجوه من قتل المحرم لنعلمه ونستفيده.
فقال الإمام(ع): «نَعَمْ إِنَّ اَلْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ صَيْداً فِي اَلْحِلِّ وَ كَانَ اَلصَّيْدُ مِنْ ذَوَاتِ اَلطَّيْرِ وَ كَانَ مِنْ كِبَارِهَا فَعَلَيْهِ شَاةٌ فَإِنْ أَصَابَهُ فِي اَلْحَرَمِ فَعَلَيْهِ اَلْجَزَاءُ مُضَاعَفاً وَ إِذَا قَتَلَ فَرْخاً فِي اَلْحِلِّ فَعَلَيْهِ حَمَلٌ قَدْ فُطِمَ مِنَ اَللَّبَنِ وَ إِذَا قَتَلَهُ فِي اَلْحَرَمِ فَعَلَيْهِ اَلْحَمَلُ وَ قِيمَةُ اَلْفَرْخِ فَإِذَا كَانَ مِنَ اَلْوَحْشِ وَ كَانَ حِمَارَ وَحْشٍ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ وَ إِنْ كَانَ نَعَامَةً فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَ إِنْ كَانَ ظَبْياً فَعَلَيْهِ شَاةٌ وَ إِنْ كَانَ قَتَلَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فِي اَلْحَرَمِ فَعَلَيْهِ اَلْجَزَاءُ مُضَاعَفاً هَدْياً بَالِغَ اَلْكَعْبَةِ وَ إِذَا أَصَابَ اَلْمُحْرِمُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ اَلْهَدْيُ فِيهِ وَ كَانَ إِحْرَامُهُ بِالْحَجِّ نَحَرَهُ بِمِنًى وَ إِنْ كَانَ إِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ نَحَرَهُ بِمَكَّةَ وَ جَزَاءُ اَلصَّيْدِ عَلَى اَلْعَالِمِ وَ اَلْجَاهِلِ سَوَاءٌ وَ فِي اَلْعَمْدِ عَلَيْهِ اَلْمَأْثَمُ وَ هُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ فِي اَلْخَطَاءِ وَ اَلْكَفَّارَةُ عَلَى اَلْحُرِّ فِي نَفْسِهِ وَ عَلَى اَلسَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ وَ اَلصَّغِيرُ لاَ كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَ هِيَ عَلَى اَلْكَبِيرِ وَاجِبَةٌ وَ اَلنَّادِمُ يُسْقِطُ نَدَمُهُ عَنْهُ عِقَابَ اَلْآخِرَةِ وَ اَلْمُصِرُّ يَجِبُ عَلَيْهِ اَلْعِقَابُ فِي اَلْآخِرَةِ »[٤٢].[٤٣]
قاضي القضاة يندهش
فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر، أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك؟ فقال أبو جعفر ليحيى: «أَسْأَلُكَ»؟ قال يحيى: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه وإلاّ استفدته منك.
فقال أبو جعفر: «أَخْبِرْنِي عَنْ رَجُلٍ نَظَرَ إِلَى اِمْرَأَةٍ فِي أَوَّلِ اَلنَّهَارِ فَكَانَ نَظَرُهُ إِلَيْهَا حَرَاماً عَلَيْهِ فَلَمَّا اِرْتَفَعَ اَلنَّهَارُ حَلَّتْ لَهُ فَلَمَّا زَالَتِ اَلشَّمْسُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ اَلْعَصْرِ حَلَّتْ لَهُ فَلَمَّا غَرَبَتِ اَلشَّمْسُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ وَقْتُ اَلْعِشَاءِ اَلْآخِرَةِ حَلَّتْ لَهُ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ اِنْتِصَافِ اَللَّيْلِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا طَلَعَ اَلْفَجْرُ حَلَّتْ لَهُ مَا حَالُ هَذِهِ اَلْمَرْأَةِ وَ بِمَا ذَا حَلَّتْ لَهُ وَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ »
فقال له يحيى بن أكثم: لا والله لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدناه.
فقال أبو جعفر: «هَذِهِ أَمَةٌ لِرَجُلٍ مِنَ اَلنَّاسِ نَظَرَ إِلَيْهَا أَجْنَبِيٌّ فِي أَوَّلِ اَلنَّهَارِ فَكَانَ نَظَرُهُ إِلَيْهَا حَرَاماً عَلَيْهِ فَلَمَّا اِرْتَفَعَ اَلنَّهَارُ اِبْتَاعَهَا مِنْ مَوْلاَهَا فَحَلَّتْ لَهُ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ اَلظُّهْرِ أَعْتَقَهَا فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ اَلْعَصْرِ تَزَوَّجَهَا فَحَلَّتْ لَهُ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ اَلْمَغْرِبِ ظَاهَرَ مِنْهَا فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ اَلْعِشَاءِ اَلْآخِرَةِ كَفَّرَ عَنِ اَلظِّهَارِ[٤٤] فَحَلَّتْ لَهُ فَلَمَّا كَانَ نِصْفُ اَللَّيْلِ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ اَلْفَجْرِ رَاجَعَهَا فَحَلَّتْ لَهُ »[٤٥].[٤٦]
غيض من فيض علم الإمام
فتيا الإمام في القضاء وفشل فقهاء البلاط
ما عدا مناظرات الإمام الجواد التي عرضنا نموذجين منها فيما تقدم كان الإمام يكشف ومن طرق أُخرى وبمناسبات مختلفة عن عدم جدارة فقهاء وقضاة البلاط وعدم أهليتهم، ويثبت أفضليته عليهم في ضوء ما كان يتمتع به من علم الإمامة، وبذلك يكون قد رسّخ أصل الإمامة في ذهنية الرأي العام.
ومثال ذلك الفتوى التي أصدرها الإمام حول قطع يد السارق، فهاك تفصيلها:
عن زرقان[٤٧] صاحب ابن أبي دُؤاد[٤٨] وصديقه بشدة قال: « رَجَعَ اِبْنُ أَبِي دُوَادٍ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِ اَلْمُعْتَصِمِ وَ هُوَ مُغْتَمٌّ فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَدِدْتُ اَلْيَوْمَ أَنِّي قَدْ مِتُّ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً قَالَ قُلْتُ لَهُ وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ لِمَا كَانَ مِنْ هَذَا اَلْأَسْوَدِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى اَلْيَوْمَ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ قَالَ قُلْتُ لَهُ وَ كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ قَالَ إِنَّ سَارِقاً أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ وَ سَأَلَ اَلْخَلِيفَةَ تَطْهِيرَهُ بِإِقَامَةِ اَلْحَدِّ عَلَيْهِ فَجَمَعَ لِذَلِكَ اَلْفُقَهَاءَ فِي مَجْلِسِهِ وَ قَدْ أَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ فَسَأَلَنَا عَنِ اَلْقَطْعِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ قَالَ فَقُلْتُ مِنَ اَلْكُرْسُوعِ قَالَ وَ مَا اَلْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ لِأَنَّ اَلْيَدَ هِيَ اَلْأَصَابِعُ وَ اَلْكَفُّ إِلَى اَلْكُرْسُوعِ لِقَوْلِ اَللَّهِ فِي اَلتَّيَمُّمِ ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾[٤٩] وَ اِتَّفَقَ مَعِي ذَلِكَ قَوْمٌ وَ قَالَ آخَرُونَ بَلْ يَجِبُ اَلْقَطْعُ مِنَ اَلْمِرْفَقِ قَالَ وَ مَا اَلدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا لِأَنَّ اَللَّهَ لَمَّا قَالَ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾[٥٠] فِي اَلْغَسْلِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَدَّ اَلْيَدِ هُوَ اَلْمِرْفَقُ قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَقَالَ مَا تَقُولُ فِي هَذَا يَا أَبَا جَعْفَرٍ فَقَالَ قَدْ تَكَلَّمَ اَلْقَوْمُ فِيهِ يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَالَ دَعْنِي مِمَّا تَكَلَّمُوا بِهِ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ قَالَ أَعْفِنِي عَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ قَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لَمَّا أَخْبَرْتَ بِمَا عِنْدَكَ فِيهِ فَقَالَ أَمَّا إِذَا أَقْسَمْتَ عَلَيَّ بِاللَّهِ إِنِّي أَقُولُ إِنَّهُمْ أَخْطَئُوا فِيهِ اَلسُّنَّةَ فَإِنَّ اَلْقَطْعَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَفْصِلِ أُصُولِ اَلْأَصَابِعِ فَيُتْرَكُ اَلْكَفُّ قَالَ وَ مَا اَلْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ قَالَ قَوْلُ رَسُولِ اَللَّهِ اَلسُّجُودُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ اَلْوَجْهِ وَ اَلْيَدَيْنِ وَ اَلرُّكْبَتَيْنِ وَ اَلرِّجْلَيْنِ فَإِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ مِنَ اَلْكُرْسُوعِ أَوِ اَلْمِرْفَقِ لَمْ يَبْقَ لَهُ يَدٌ يَسْجُدُ عَلَيْهَا وَ قَالَ اَللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾[٥١] يَعْنِي بِهِ هَذَا اَلْأَعْضَاءَ اَلسَّبْعَةَ اَلَّتِي يُسْجَدُ عَلَيْهَا ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾[٥٢] وَ مَا كَانَ لِلَّهِ لَمْ يُقْطَعْ قَالَ فَأَعْجَبَ اَلْمُعْتَصِمَ ذَلِكَ وَ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ اَلسَّارِقِ مِنْ مَفْصِلِ اَلْأَصَابِعِ دُونَ اَلْكَفِّ قَالَ اِبْنُ أَبِي دُوَادٍ قَامَتْ قِيَامَتِي وَ تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُ حَيّاً قَالَ زُرْقَانُ قَالَ اِبْنُ أَبِي دُوَادٍ صِرْتُ إِلَى اَلْمُعْتَصِمِ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَقُلْتُ إِنَّ نَصِيحَةَ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيَّ وَاجِبَةٌ وَ أَنَا أُكَلِّمُهُ بِمَا أَعْلَمُ أَنِّي أَدْخُلُ بِهِ اَلنَّارَ قَالَ وَ مَا هُوَ قُلْتُ إِذَا جَمَعَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ فِي مَجْلِسِهِ فُقَهَاءَ رَعِيَّتِهِ وَ عُلَمَاءَهُمْ لِأَمْرٍ وَاقِعٍ مِنْ أُمُورِ اَلدِّينِ فَسَأَلَهُمْ عَنِ اَلْحُكْمِ فِيهِ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ اَلْحُكْمِ فِي ذَلِكَ وَ قَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ قُوَّادُهُ وَ وُزَرَاؤُهُ وَ كُتَّابُهُ وَ قَدْ تَسَامَعَ اَلنَّاسُ بِذَلِكَ مِنْ وَرَاءِ بَابِهِ ثُمَّ يَتْرُكُ أَقَاوِيلَهُمْ كُلَّهُمْ لِقَوْلِ رَجُلٍ يَقُولُ شَطْرُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ بِإِمَامَتِهِ وَ يَدَّعُونَ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْهُ بِمَقَامِهِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِحُكْمِهِ دُونَ حُكْمِ اَلْفُقَهَاءِ قَالَ فَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَ اِنْتَبَهَ لِمَا نَبَّهْتُهُ لَهُ وَ قَالَ جَزَاكَ اَللَّهُ عَنْ نَصِيحَتِكَ خَيْراً قَالَ فَأَمَرَ اَلْيَوْمَ اَلرَّابِعَ فُلاَناً مِنْ كُتَّابِ وُزَرَائِهِ بِأَنْ يَدْعُوَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ فَدَعَاهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهُ وَ قَالَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي لاَ أَحْضُرُ مَجَالِسَكُمْ فَقَالَ إِنِّي إِنَّمَا أَدْعُوكَ إِلَى اَلطَّعَامِ وَ أُحِبُّ أَنْ تَطَأَ ثِيَابِي وَ تَدْخُلَ مَنْزِلِي فَأَتَبَرَّكَ بِذَلِكَ فَقَدْ أَحَبَّ فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ مِنْ وُزَرَاءِ اَلْخَلِيفَةِ لِقَاءَكَ فَصَارَ إِلَيْهِ فَلَمَّا طَعِمَ مِنْهَا أَحَسَّ اَلسَّمَّ فَدَعَا بِدَابَّتِهِ فَسَأَلَهُ رَبُّ اَلْمَنْزِلِ أَنْ يُقِيمَ قَالَ خُرُوجِي مِنْ دَارِكَ خَيْرٌ لَكَ فَلَمْ يَزَلْ يَوْمُهُ ذَلِكَ وَ لَيْلُهُ فِي خِلْفَةٍ حَتَّى قُبِضَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ».[٥٣].[٥٤]
فضيحة وضّاعي الحديث
«أَنَّ اَلْمَأْمُونَ بَعْدَ مَا زَوَّجَ اِبْنَتَهُ أُمَّ اَلْفَضْلِ أَبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ وَ عِنْدَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ مَا تَقُولُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ فِي اَلْخَبَرِ اَلَّذِي رُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يُقْرِئُكَ اَلسَّلاَمَ وَ يَقُولُ لَكَ سَلْ أَبَا بَكْرٍ هَلْ هُوَ عَنِّي رَاضٍ فَإِنِّي عَنْهُ رَاضٍ[٥٥] فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ لَسْتُ بِمُنْكِرِ فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ وَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ هَذَا اَلْخَبَرِ أَنْ يَأْخُذَ مِثَالَ اَلْخَبَرِ اَلَّذِي قَالَهُ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي حَجَّةِ اَلْوَدَاعِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ اَلْكَذَّابَةُ وَ سَتَكْثُرُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ اَلنَّارِ فَإِذَا أَتَاكُمُ اَلْحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اَللَّهِ وَ سُنَّتِي فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اَللَّهِ وَ سُنَّتِي فَخُذُوا بِهِ وَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اَللَّهِ وَ سُنَّتِي فَلاَ تَأْخُذُوا بِهِ وَ لَيْسَ يُوَافِقُ هَذَا اَلْخَبَرُ كِتَابَ اَللَّهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾[٥٦] فَاللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَفِيَ عَلَيْهِ رِضَا أَبِي بَكْرٍ مِنْ سَخَطِهِ حَتَّى سَأَلَ مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ هَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي اَلْعُقُولِ ثُمَّ قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ مَثَلَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ فِي اَلْأَرْضِ كَمَثَلِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ فِي اَلسَّمَاءِ فَقَالَ وَ هَذَا أَيْضاً يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِيهِ لِأَنَّ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ مَلَكَانِ لِلَّهِ مُقَرَّبَانِ لَمْ يَعْصِيَا اَللَّهَ قَطُّ وَ لَمْ يُفَارِقَا طَاعَتَهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً وَ هُمَا قَدْ أَشْرَكَا بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ أَسْلَمَا بَعْدَ اَلشِّرْكِ وَ كَانَ أَكْثَرُ أَيَّامِهِمَا فِي اَلشِّرْكِ بِاللَّهِ فَمُحَالٌ أَنْ يُشْبِهَهُمَا بِهِمَا قَالَ يَحْيَى وَ قَدْ رُوِيَ أَيْضاً أَنَّهُمَا سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَمَا تَقُولُ فِيهِ[٥٧] فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هَذَا اَلْخَبَرُ مُحَالٌ أَيْضاً لِأَنَّ أَهْلَ اَلْجَنَّةِ كُلَّهُمْ يَكُونُونَ شَبَاباً وَ لاَ يَكُونُ فِيهِمْ كَهْلٌ وَ هَذَا اَلْخَبَرُ وَضَعَهُ بَنُو أُمَيَّةَ لِمُضَادَّةِ اَلْخَبَرِ اَلَّذِي قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي اَلْحَسَنِ وَ اَلْحُسَيْنِ بِأَنَّهُمَا سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَ رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ اَلْخَطَّابِ سِرَاجُ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هَذَا أَيْضاً مُحَالٌ لِأَنَّ فِي اَلْجَنَّةِ مَلاَئِكَةَ اَللَّهِ اَلْمُقَرَّبِينَ وَ آدَمَ وَ محمد [مُحَمَّداً] وَ جَمِيعَ اَلْأَنْبِيَاءِ وَ اَلْمُرْسَلِينَ لاَ تُضِيءُ بِأَنْوَارِهِمْ حَتَّى تُضِيءَ بِنُورِ عُمَرَ فَقَالَ يَحْيَى وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ اَلسَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَسْتُ بِمُنْكِرِ فَضَائِلِ عُمَرَ وَ لَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ فَقَالَ عَلَى رَأْسِ اَلْمِنْبَرِ إِنَّ لِي شَيْطَاناً يَعْتَرِينِي فَإِذَا مِلْتُ فَسَدِّدُونِي - فَقَالَ يَحْيَى قَدْ رُوِيَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لَوْ لَمْ أُبْعَثْ لَبُعِثَ عُمَرُ[٥٨] فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كِتَابُ اَللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ يَقُولُ اَللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾[٥٩] فَقَدْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيثَاقَ اَلنَّبِيِّينَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُبَدِّلَ مِيثَاقَهُ وَ كَانَ اَلْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لَمْ يُشْرِكُوا طَرْفَةَ عَيْنٍ فَكَيْفَ يُبْعَثُ بِالنُّبُوَّةِ مَنْ أَشْرَكَ وَ كَانَ أَكْثَرُ أَيَّامِهِ مَعَ اَلشِّرْكِ بِاللَّهِ وَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ نُبِّئْتُ وَ آدَمُ بَيْنَ اَلرُّوحِ وَ اَلْجَسَدِ فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ مَا اِحْتَبَسَ اَلْوَحْيُ عَنِّي قَطُّ إِلاَّ ظَنَنْتُهُ قَدْ نَزَلَ عَلَى آلِ اَلْخَطَّابِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هَذَا مُحَالٌ أَيْضاً لِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَشُكَّ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي نُبُوَّتِهِ قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى:﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾[٦٠] فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ اَلنُّبُوَّةُ مِمَّنِ اِصْطَفَاهُ اَللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَنْ أَشْرَكَ بِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ رُوِيَ أَنَّ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ لَوْ نَزَلَ اَلْعَذَابُ لَمَا نَجَا مِنْهُ إِلاَّ عُمَرُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هَذَا مُحَالٌ أَيْضاً إِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[٦١] فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ أَحَداً مَا دَامَ فِيهِمْ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ مَا دَامُوا يَسْتَغْفِرُونَ اَللَّهُ تَعَالَى»[٦٢].[٦٣]
شخصية الإمام الجواد(ع) في رأي العلماء
أثارت مناظرات الإمام الجواد وكلماته ومعالجته للقضايا العلمية والفقهية الكبرى تقدير وإعجاب العلماء والباحثين الإسلاميين شيعيّهم وسنيّهم، ودفعتهم إلى أن يكنوا الاحترام له ولمنزلته العلمية الراقية، فراح كلّ منهم يثني عليه.
وعلى سبيل المثال هذا السبط ابن الجوزي كتب: وكان الجواد على منهاج أبيه في العلم والتقى والزهد والجود.[٦٤]
وكتب ابن حجر الهيتمي: وكان المأمون زوّجه ابنته لمّا رأى من فضله مع صغر سنّه، وبلوغه في العلم والحكمة والحلم ما برز به على جميع العلماء.[٦٥]
وقال الشبلنجي: وكان المأمون قد شغف به لما أظهره من الفضل والعلم وكمال العقل مع صغر سنه وأظهر برهانه.[٦٦]
وقال أُستاذ الشيعة الشيخ المفيد والفتال النيشابوري حول الإمام: وكان المأمون قد شغف بأبي جعفر(ع) لما رأى من فضله مع صغر سنّه، وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان.[٦٧]
وعدّ الجاحظ العثماني المعتزلي[٦٨] الذي كان معادياً لآل علي الإمام الجواد من العشرة الطالبيين الذين وصفهم بهذا النحو: كلّ واحد منهم عالم زاهد عابد شجاع جواد طاهرٌ مطهرٌ، بعض منهم خليفة، وبعض رُشّح للخلافة.
كلّ واحد منهم ابن للآخر إلى عشرة أشخاص وهم: الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، وليس لبيت من بيوت العرب والعجم نسب مثل هذه النسب شرفاً.[٦٩].[٧٠]
زواج أم مؤامرة؟
إنّ المأمون قرر أن يقرب نفسه من أهل البيت بعد أن واجه ظروفاً سياسية حرجة، وفرض ولاية العهد على الإمام الثامن انطلاقاً من ذلك مريداً بذلك تنفيذ سياسته المتعددة الجوانب لمعالجة الموقف.
ومن ناحية أُخرى كان العباسيون منزعجين كثيراً من سياسته هذه التي كانت من الممكن أن تنقل الخلافة من العباسيين إلى العلويين، لذا راحوا يعادونه وما رضوا عنه إلاّ بعد استشهاد الإمام مسموماً على يد المأمون.
وقد تمت عملية قتل الإمام الرضا بالسمّ على يد المأمون بسرية تامة، وحاول أن يغطّي على جريمته هذه فراح يتظاهر بالحزن والجزع عليه، ولكن رغم كلّ هذا التستر والرياء انكشفت جريمته للعلويين واتضح لهم انّه لم يقتل الإمام غير المأمون، فثار غضبهم وانزعجوا من ذلك كثيراً، ولاحظ المأمون انّ حكمه مهدّد مرة أُخرى وللوقاية من النتائج السيئة بدأ ينسج مؤامرة أُخرى من خلال تظاهره بالحب للإمام الجواد والاهتمام به، وقرر أن يزوّجه ابنته ليحصل على نفس النتيجة التي حصل عليها من فرض الولاية على الإمام الرضا، وانطلاقاً من هذه الخطة أحضر الإمام الجواد من المدينة عام ٢٠٤ه بعد عام واحد من استشهاد الإمام الرضا وبعد المناظرة التي دارت بين الإمام ويحيى بن أكثم وقد نقلناها مسبقاً زوّجه ابنته أُمّ الفضل.
وقد انتقلت إلى بيت الإمام عام ٢١٥ه، وجاء تفصيل تلك الحادثة في التاريخ على النحو التالي:
خرج المأمون من الشماسية إلى البردان، يوم الخميس، صلاة الظهر لست بقين من المحرم، سنة خمس عشرة ومائتين وهو اليوم الرابع والعشرون من آذار ثمّ سار حتّى أتى تكريت. وفيها قدم محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة في صفر ليلة الجمعة.
فخرج من بغداد حتّى لقي المأمون بتكريت فأجازه وأمره أن يدخل عليه امرأته ابنة المأمون، فادخلت عليه في دار أحمد بن يوسف التي على شاطئ دجلة فأقام بها، فلما كان أيّام الحجّ خرج بأهله وعياله حتّى أتى مكة، ثمّ أتى منزله بالمدينة فأقام به.[٧١].[٧٢]
دوافع المأمون
كان لهذا الزواج الذي أصرّ عليه المأمون دوافع سياسية تماماً، ويمكن التعرف عليها بالصورة التالية:
- بتزويجه ابنته للإمام يكون قد وضع الإمام تحت سيطرته ومراقبته ليعرف الصغيرة والكبيرة من أفعاله، وقد أدّت ابنته مهمتها في إعداد التقارير لأبيها جيداً، والتاريخ يشهد على ذلك.
- انّه أراد من هذا الزواج أن يربط بتصوّره الساذج الإمام ببلاطه الذي يسوده المجون والخلاعة ويجره إلى اللهو واللعب والفسوق، وبذلك يشوّه قداسة الإمام ولتسقط مكانته وعصمته ويبدو ذليلاً طائشاً في عيون الناس.
- انّه أراد أن يضع حداً لثورات العلويين وانزعاجهم منه، وليتظاهر بميوله إليهم.[٧٣]
- الدافع الرابع للمأمون هو خداع عامة الناس كما كان يقول: إنّي أحببت أن أكون جداً لامرئ ولده رسول الله و علي بن أبي طالب، غير انّ هذه الخدعة لم تستمر لحسن الحظ حيث لم تلد ابنته وكان أولاد الإمام جميعهم من امرأة أُخرى.[٧٤]
كانت هذه دوافع المأمون لهذا الزواج، ولكن يجب أن نعرف الآن لماذا وافق الإمام الجواد على هذا الزواج؟
وانطلاقاً من أنّ الإمام كان يعلم أهداف المأمون الواقعية من وراء ذلك، ويعرف أيضاً انّه هو الذي ارتكب تلك الجريمة العظمى بحقّ أبيه الإمام الرضا يبدو ان قبول الإمام بهذا الزواج كان على أثر الضغوط التي تلقّاها من المأمون مسبقاً، لأنّ هذا الزواج لا يعود بنفع إلاّ على المأمون وحده .
ويمكن أن نحتمل بأن ّتقرب الإمام من البلاط كان يمكن أن يكون له درعاً واقياً يمنع اغتياله على يد المعتصم، وعاملاً وقائياً من قمع رجال الشيعة البارزين وأصحاب الإمام بيد جلاوزة الخليفة، وهذا يشبه من جهة قبول الوزارة لهارون من علي بن يقطين بمعنى النفوذ في بلاط الخلافة لصالح الجبهة الشيعية.
قال حسين المكاري أحد أصحاب الإمام الجواد(ع): «دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِبَغْدَادَ وَ هُوَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي هَذَا اَلرَّجُلُ لاَ يَرْجِعُ إِلَى مَوْطِنِهِ أَبَداً وَ أَنَا أَعْرِفُ مَطْعَمَهُ قَالَ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ وَ قَدِ اِصْفَرَّ لَوْنُهُ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ خُبْزُ شَعِيرٍ وَ مِلْحُ جَرِيشٍ فِي حَرَمِ جَدِّي رَسُولِ اَللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا تَرَانِي فِيهِ»[٧٥]
ولهذا لم يبق الإمام في بغداد طويلاً ورجع إلى المدينة مع زوجته أُمّ الفضل وبقي فيها حتى عام ٢٢٠ه.[٧٦]
شبكة الاتصلات النيابية
وعلى الرغم من المضايقات التي كان يعاني منها الإمام، فقد حافظ على علاقته بالشيعة من خلال نصب الوكلاء والممثّلين عنه، فقد كان له وكلاء في جميع أرجاء العالم الإسلامي التي هي تحت حكم الخليفة العباسي، وبنشاطهم الكبير كان يتم المحافظة على القوات الشيعية من التشتت.
وقد بعث بهم إلى كثير من المدن مثل الأهواز، همدان، سيستان، بُست[٧٧]، الري، البصرة، واسط، بغداد، وإلى مراكز الشيعة التقليدية أي الكوفة وقم، وكان الإمام يسمح لأتباعه أن ينفذوا في الجهاز الحاكم ويتقلّدوا المناصب الحساسة.
ومن هنا كان لـ محمد بن إسماعيل بن بزيع و أحمد بن حمزة القمي مناصب راقية في الجهاز الحاكم، وكان نوح بن دراج قاضياً لبغداد بعض الوقت وبعدها قاضياً للكوفة.
وأصبح البعض الآخر من الشيعة، مثل الحسين بن عبد الله النيشابوري حاكماً لبُست وسيستان، وتولّى الحكم بن عليا الأسدي حكم البحرين، وكان هذان يدفعان الخمس إلى الإمام الجواد مما يعني ارتباطهم السري بالإمام التاسع.[٧٨]
وكان علي بن أسباط ينظر بدقة إلى قامة الإمام ووجهه كي ترسخ صورته في ذهنه ويصف ملامحه للشيعة عندما يرجع إلى مصر، وهذا يدلّ على أنّه كان هناك أتباع وشيعة للإمام، ويقال انّ اتّساع نفوذ الشيعة في مصر في تلك الفترة كان بسبب مهاجرة كثير من محدّثي الكوفة مثل: محمد بن محمد بن الأشعث و أحمد بن سهل و الحسين بن علي المصري و إسماعيل بن موسى الكاظم إلى مصر ونشاطهم هناك.[٧٩]
ويروي المرحوم الكليني أنّ الإمام الجواد(ع) قد أوصى والي بُست وسيستان بناء على طلب واحد من الشيعة هناك بأن لا يضيق عليه في أمر الخراج. فلم يكتف الوالي الذي كان من محبّي الإمام بإعفاء الرجل من الخراج بل أخبره بأن لا يؤدّي خراجاً مادام هو الوالي ثمّ عين له راتباً شهرياً.[٨٠].[٨١]
مدرسة الإمام الجواد العلمية
نحن نعلم بأنّ أحد الجوانب الكبيرة لحياة أئمتنا هو الجانب الثقافي. وقد كان لكلّ واحد من هؤلاء الأئمّة الكبار نشاط ثقافي في عصره، فقد كانوا يربّون الشخصيات في مدرستهم ويبثّون علومهم ومعارفهم في المجتمع من خلالهم، ولكن ظروفهم الاجتماعية والسياسية لم تكن متساوية، فقد كانت الظروف الاجتماعية في عهد الإمام الباقر و الإمام الصادق كما تقدم مناسبة، ولذلك لاحظنا انّ عدد تلامذة الإمام الصادق ورواته قد بلغ الأربعة آلاف، ولكن نشاطهم قد قلّ منذ عهد الإمام الجواد حتى عهد الإمام العسكري بسبب الضغوط السياسية ومراقبة نشاطاتهم من قبل جهاز الحكم، ولذلك تنزل عدد رواتهم وتلاميذ مدرستهم بشكل ملحوظ بالمقارنة مع عهد الإمام الصادق.
وعليه لا عجب إذا قرأنا انّ مجموع رواة الإمام الجواد وأصحابه يقارب المائة وعشرة رواة[٨٢]، وقد رووا عنه ٢٥٠ حديثاً[٨٣]، لأنّه كان مراقباً بشدة من جهة واستشهد في وقت مبكر وقد عاش خمساً وعشرين سنة بإجماع العلماء من جهة أُخرى، وفي الوقت ذاته يجب الالتفات إلى أنّ من بين هذا العدد القليل من أصحاب الإمام والرواة هناك شخصيات بارزة مثل: علي بن مهزيار، أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، زكريا بن آدم، محمد بن إسماعيل بن بزيع، الحسين بن سعيد الأهوازي، أحمد بن محمد بن خالد البرقي، وكان كلّ واحد منهم علماً بذاته في المجالات العلمية والفقهية، وكان بعضهم صاحب تأليفات.
هذا ومن ناحية أُخرى انّ رواة أحاديث الإمام الجواد لا ينحصرون في الشيعة، بل قد نقل بعض المحدثين والعلماء السنّة للأحكام الإسلامية من ذلك الإمام، ومنهم على سبيل المثال: الخطيب البغدادي الذي روى عن الإمام أحاديث بسنده الخاص به هو[٨٤]، كذلك روى عنه الحافظ عبد العزيز بن أخضر الجنابذي في كتاب معالم العترة الطاهرة[٨٥]، ومؤلفون آخرون مثل أبي بكر أحمد بن ثابت، وأبو إسحاق الثعلبي، و محمد بن مندة بن مهربذ في كتبهم التاريخية والتفسيرية.[٨٦].[٨٧]
استشهاد الإمام(ع)
مات المأمون عام ٢١٨ه فأصبح المعتصم (أخوه) الخليفة بعده، وأحضر الأخير الإمام الجواد عام ٢٢٠ ه إلى بغداد من المدينة حتى يراقبه عن كثب، وكما تقدّم جعل الإمام يشترك في المجلس الذي أقيم لتحديد محل قطع يد السارق مما تسبّب في خجل قاضي بغداد ابن أبي دؤاد والفقهاء الآخرين.
فجاء ابن أبي دؤاد بعد بضعة أيام إلى المعتصم وقال: إنّ نصيحة الخليفة عليّ واجبة انّ ما حدث قبل أيّام ليس بصالح حكمكم، إذ جمعت في مجلسك الفقهاء لأمر ثمّ تركت أقاويلهم وفتاواهم كلّهم لقول رجل الإمام الجواد يقول شطر من هذه الأُمّة بإمامته ويدّعون انّه أولى منك بالحكم، وقد حضر مجلسك العلماء والقوّاد والوزراء.
فتأثر المعتصم الذي كان يحمل الاستعداد لعداء الإمام في داخله بكلام ابن أبي دؤاد، فقرر قتل الإمام، ونفّذ نيّته الخبيثة في النهاية وقتل الإمام على يد كاتب أحد وزرائه بالسم.[٨٨] ولم يكن عمر الإمام لما استشهد أكثر من خمس وعشرين سنة وبضعة شهور.[٨٩].[٩٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٤٩٢؛ الإرشاد: ٣١٦. وذكر بعض انّ ولادته كانت في شهر رجب من تلك السنة، إعلام الورى: ٣٤٤.
- ↑ أُصول الكافي: ١/ ٣١٥و٤٩٢؛ المناقب، ابن شهر آشوب: ٤ /٣٧٩.
- ↑ إثبات الوصية، المسعودي: ٢٠٩.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /١٥.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٤٩٢؛ الإرشاد: ٣١٦؛ إعلام الورى: ٣٤٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٧٣.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٧٤.
- ↑ الإرشاد: ٣١٩؛ إعلام الورى: ٣٤٧؛ روضة الواعظين: ٢٦١؛ أُصول الكافي: ١ /٣٢١؛ كشف الغمة: ٣ /١٤٣.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٢٠.
- ↑ فروع الكافي: ٦ /٣٦١؛ الإمام الجواد من المهد إلى اللحد، السيد القزويني: ٣٣٧.
- ↑ الإرشاد: ٣١٨؛ كشف الغمّة: ٣ /١٤٢؛ قاموس الرجال: ٣ /٣٧.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٣٢٠؛ إعلام الورى: ٣٤٦؛ الإرشاد: ٣١٨؛ كشف الغمة: ٣ /١٤٢.
- ↑ كشف الغمّة: ٣ /١٤٢؛ أُصول الكافي: ١ /٣٢١؛ قاموس الرجال: ٣ /٣١٦؛ اختيار معرفة الرجال: ٥٥٣، حديث برقم ١٠٤٥.
- ↑ الإمام الجواد من المهد إلى اللحد: ٣٣٧.
- ↑ تأييد واعتبار علم القيافة من قبل نبي الإسلام كان ادّعاء يدّعونه هم فقط، ولا يعني انّ الإمام الرضا(ع) كان يؤيد ذلك، وليس قبوله لهذا الاقتراح إلاّ للضرورة، أو لأنّه كان يعلم انّ ذلك سيؤدي إلى كشف الحقيقة وإثبات وهن ادعائهم في النهاية. والقافة هم الذين يحكمون بالنسب بين الأشخاص من خلال الشبه القائم بين الأشكال والأعضاء، وكان للقافة مكانة راقية لدى العرب، وأفتى علماء الإمامية بحرمة تعليم وتعلم القيافة والكسب بها، واعتبرها بعضهم محرمة مطلقاً، وآخر اعتبرها محرمة فيما إذا أوجبت فعلاً محرماً، أو أدّت إلى الاعتقاد القطعي، وكلّ من له اطّلاع على الفقه الإسلامي فانّه يقطع بعدم جواز العمل بها فضلاً عن إثبات الإرث والنكاح وغيرها من خلالها . نگاهى گذرا بر زندگانى امام جواد(ع) مقرّم، ص٣٥.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٣٢٢؛ نگاهى گذرا بر زندگانى امام جواد(ع): ٣٦. ولذلك كان الإمام الرضا يشبّه نفسه برسول الله وابنه الجواد بإبراهيم ابن النبي(ص)،لأنّه قد اتّهمت مارية القبطية أُم إبراهيم من قبل بعض أزواج النبي حسداً مثل هذه التهمة، وقالوا: هذا الولد ابن جريح مولى رسول الله، ولكن بعد الفحص قد تبيّن انّ جريحاً ليس له ما للرجال، وهكذا فضحهن الله تعالى وبرئت مارية من هذه التهمة: المناقب، ابن شهر آشوب: ٤ /٣٨٧؛ دلائل الإمامة محمد بن رستم الطبري: ٢٠١ ٢٠٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٧٤.
- ↑ سورة مريم، الآية ١٢.
- ↑ سورة مريم، الآية ١٢.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٣٨٢(باب حالات الأئمّة في السن).
- ↑ سورة مريم، الآية ٣٠-٣٢.
- ↑ مريم: ٣٠ ٣٢. ويفهم من بعض الروايات انّ النبي عيسى(ع) كان وهو في تلك السن نبياً لا رسولاً وأصبح رسولاً في السابعة وعليه فليس بمستبعد أن يبلغ الأئمّة منزلة الإمامة في ذلك العمر أيضاً، أُصول الكافي: ١/٣٨٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٧٧.
- ↑ سورة القصص، الآية ١٤.
- ↑ سورة مريم، الآية ١٢.
- ↑ مرآة العقول: للمجلسي، ج٤، ص ٢٥٠.
- ↑ أبو جعفر هي كنية الإمام الجواد، ولتمييزه عن الإمام الباقر يقال أبو جعفر الثاني.
- ↑ أُصول الكافي: ١ /٣٢٢و٣٨٤؛ الإرشاد: ٣١٩؛ روضة الواعظين: ٢٦١؛ كشف الغمة: ٣ /١٤١؛ إعلام الورى بأعلام الهدى: ٣٤٦.
- ↑ الإرشاد: ٣١٨؛ إعلام الورى: ٣٤٦؛ كشف الغمة: ٣ /١٤١؛ بحار الأنوار: ٥٠ /٢١؛ أُصول الكافي: ١ /٣٢٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٧٩.
- ↑ دلائل الإمامة، الطبري: ٢٠٤.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٩٩ -١٠٠ (نقلاً عن عيون المعجزات) دلائل الإمامة: ٢٠٤ -٢٠٦؛ إثبات الوصية: ٢١٣- ٢١٥؛ خاندان وحى؛ القرشي: ٦٤٢ ٦٤٤؛ الحياة السياسية للإمام الجواد(ع)، السيد مرتضى العاملي: ٢٥- ٢٧.
- ↑ إثبات الوصية، المسعودي: ٢١٥.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٩٠؛ إثبات الوصية: ٢١٠؛ الاختصاص: ١٠٢.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٨٠.
- ↑ وقد تقلّد ابنه علي الهادي(ع) الإمامة في هذه السن أيضاً بل وأصغر من ذلك وتقلّدها الإمام المهدي(ع) بعد وهو لما يبلغ الست سنوات.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٨٣.
- ↑ كان يحيى من علماء عصر المأمون المشهورين الذي أصبحت شهرته بالعلوم والاطّلاع عليها حديث العامة والخاصة، وكان متضلعاً بالفقه كثيراً، ومع أنّ المأمون كان يتمتع بعلمية عالية، لكنّه ولكثرة إعجابه بمستوى يحيى العلمي منحه مسؤولية ادارة الحكم مضافاً إليه منصب القضاء وتولّي ديوان المحاسبات والاهتمام بالفقراء، وعلى أيّة حال كانت جميع أعمال الدولة الإسلامية الكبيرة في تلك الفترة تحت إشرافه، وبلغ من المكانة في بلاط المأمون منزلة كأنّه لم يكن هناك أقرب إليه منه، غير انّه وللأسف ومع ماله من منزلة علمية كبيرة وقد عجز عن مجاراته العلماء، لكنّه لم يكن يتمتع بشخصية روحية معنوية، إذ انّه قد تعلم للوصول إلى المنصب والشهرة وللتفاخر والتكبّر على الآخرين.
- ↑ ان إحدى الأعمال المحظورة ارتكابها على المحرم في أيّام الحجّ أو العمرة هي الصيد، وأحكام الحجّ تتميز عن سائر الأحكام الفقهية بتعقيد خاص، لهذا السبب فقد اختارها يحيى بن أكثم وطرحها على الإمام كي يوقعه في مأزق علمي حسب زعمه .
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٧٥ ٧٦؛ الإمام الجواد(ع) من المهد إلى اللحد، القزويني: ١٦٨- ١٧٢. وراوي هذه الرواية هو الريان بن شبيب خال المعتصم وهو من أصحاب الإمام الرضا والإمام الجواد عليمها السَّلام ومن الرواة الثقات ؛ القزويني، الإمام الجواد(ع) من المهد إلى اللحد: ١٦٨؛ الارشاد، ٣١٩ -٣٢١؛ الاحتجاج، ص ٢٤٥؛ إثبات الوصية، ص ٢١٦؛ الاختصاص، المفيد: ٩٩.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٨٥.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٧٧؛ الإمام الجواد(ع) من المهد إلى اللحد: ١٧٤؛ الإرشاد: ٣٢٢؛ الاحتجاج: ٢٤٦؛ إثبات الوصية: ٢١٧؛ الاختصاص: ١٠٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٨٧.
- ↑ الظهار هو أن يقول الرجل لزوجته: ظهرك عليّ كظهر أُمّي أو أُختي أو ابنتي، وحينئذتجب عليه كفّارة الظهار حتى تحلّ عليه زوجته، وكان الظهار طلاقاً في الجاهلية، وبه تحرم الزوجة على زوجها إلى الأبد، غير انّ ذلك قد تغيّر في الإسلام، ولا يوجب على المظاهر غير الحرمة والكفّارة.
- ↑ بحار الأنوار: ٥٠ /٧٨؛ الإمام الجواد(ع) من المهد إلى اللحد: ١٧٥؛ الإرشاد: ٣٢٢؛ الاحتجاج: ٢٤٧.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٨٨.
- ↑ زرقان كعثمان لقب أبي جعفر الزيات المحدث ووالد عمرو شيخ الأصمعي؛ البحار: ٥٠ /٥ الهامش.
- ↑ ابن أبي دؤاد كغراب، كان قاضياً ببغداد في عهد المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل ؛ البحار: ٥٠ /٥، الهامش.
- ↑ سورة النساء، الآية ٤٣.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٦.
- ↑ سورة الجن، الآية ١٨.
- ↑ سورة الجن، الآية ١٨.
- ↑ پيشواى نهم: ٢٦ ٢٩؛ مجمع البيان الطبرسي: ١٠ /٣٧٢؛ تفسير العياشي: ١ /٣٢٠؛ البرهان في تفسير القرآن: ١ /٤٧١؛ بحار الأنوار: ٥٠ /١٥؛ الإمام الجواد(ع) من المهد إلى اللحد: ٢٩٤؛ وسائل الشيعة، الحر العاملي: ١٨ /٤٩٠(أبواب حدّالسرقة، الباب ٤).
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٨٩.
- ↑ كتب العلاّمة الأميني في كتاب الغدير: ٥ /٣٢١، هذا الخبر كذب وضعه محمد بن بابشاذ.
- ↑ سورة ق، الآية ١٦.
- ↑ اعتبر العلاّمة الأميني هذه الرواية من موضوعات يحيى بن عنبسة التي لا يمكن قبولها، لأنّ يحيى كان دجّالاً ووضاعاً. الغدير: ٥ /٣٢٢، واعتبره الذهبي وضاعاً ودجّالاً كذّاباً ومعلوم الحال ولا يأخذ بأحاديثه(ميزان الاعتدال: ٤ /٤٠٠).
- ↑ اثبت العلاّمة الأميني انّ رواة هذا الحديث وضاعون (الغدير: ٥ /٣١٢و٣١٦).
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٧.
- ↑ سورة الحج، الآية ٧٥.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٣٣.
- ↑ الاحتجاج: ٢ /٢٤٧ -٢٤٨؛ بحار الأنوار: ٥٠ /٨٠- ٨٣؛ خاندان وحى، السيد القرشي، ص ٦٤٤- ٦٤٧؛ نگاه گذرا بر زندگانى امام جواد(ع): ٩٨ -١٠٠.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٩١.
- ↑ تذكرة الخواص: ٣٥٩.
- ↑ الصواعق المحرقة: ٢٠٥.
- ↑ نور الأبصار: ١٦١.
- ↑ الإرشاد: ٣١٩؛ روضة الواعظين: ٢٦١.
- ↑ كان الجاحظ يعيش في البصرة ويتمتع بثقافة عالية، وكتب في الكثير من علوم عصره، وكان معاصراً للإمام الجواد وابنه عليمها السَّلام .
- ↑ نگاهى به زندگانى سياسى امام جواد(ع)، سيد مرتضى عاملى، ص ١٠٦، نقلاًعن رسائل الجاحظ.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٩٤.
- ↑ الحياة السياسية للإمام الجواد(ع) ٧٩ نقلاً عن كتاب «بغداد» تأليف أبوالفضل أحمد بن أبي طاهر الكاتب.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٩٦.
- ↑ پيشواى نهم حضرت امام محمد تقى(ع): ٣٨.
- ↑ تاريخ اليعقوبي: ٣ /١٨٩؛ مناقب آل أبي طالب: ٤ /٣٨٠، كان المأمون قد زوّج إحدى بناته للإمام الثامن، وبنفس تلك الدوافع غير انّه خاب أيضاً في ذلك.
- ↑ الخرائج والجرائح، ابن الراوندي: ١ /٣٤٤؛ الإمام الجواد(ع)، القزويني: ١٥٢؛ بحار الأنوار: ٥٠ /٤٨.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٩٧.
- ↑ كتب أبو الفداء (٦٧٢ -٧٢١ه) تقع بُست على ضفاف نهر الهند مند، مدينة من سجستان (سيستان) مدينة كبيرة وفيها نعم كثيرة ونخيل وكروم وتبعد عن غزنة أربع عشرة مرحلة.(تقويم البلدان: ٣٩١).
- ↑ التاريخ السياسي لغيبة الإمام الثاني عشر: ٧٩.
- ↑ التاريخ السياسي لغيبة الإمام الثاني عشر: ٧٨.
- ↑ فروع الكافي: ٥ /١١١.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٤٩٩.
- ↑ رجال الطوسي: ٣٩٧ ٤٠٩. ويرى مؤلف: مسند الإمام الجواد(ع) انّ عدد أصحابه ١٢١؛ وقال القزويني: إنّهم ٢٥٧ راوياً ؛ الإمام الجواد(ع) من المهد إلى اللحد.
- ↑ هذا الإحصاء هو الذي قدّمه الشيخ العطاردي في مسنده هو مجموع أحاديث الإمام في الفقه والعقائد والأخلاق.
- ↑ تاريخ بغداد: ٣ /٥٤ -٥٥.
- ↑ أعيان الشيعة: ٢ /٣٥.
- ↑ مناقب آل أبي طالب: ٤ /٣٨٤.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٠.
- ↑ تفسير العياشي: ١ /٣٢٠؛ البحار: ٥٠ /٧؛ بيشواى نهم: ٤١؛ الإمام الجواد من المهد إلى اللحد: ٣٨٢، وهناك أقوال أُخرى حول كيفية استشهاد الإمام لم نذكرها للاختصار، وللاطّلاع أكثر يراجع مناقب آل أبي طالب: ٤ /٣٨٠؛ البحار: ٥٠ /٨٩؛ روضة الواعظين: ٢٦٧.
- ↑ الإرشاد، ص ٣٢٦؛ البحار: ٥٠/٧؛ دلائل الإمامة: ٢٠٨.
- ↑ مهدي البيشوائي، سيرة الأئمة، ص ٥٠٢.