الشعور بالمسؤولية في علم الأخلاق

من إمامةبيديا

التمهيد

«الشعور بالمسؤولية»: هي ملكة فاضلة توجب خير الدّنيا والآخرة وهي ملكة ترغّب صاحبها إلى العمل والوفاء بما في عهدته من الملزوميّة شرعاً أو عقلًا أو عرفاً فالمتصّف بهذه الخصلة كانّه يقوم بانجاح ما عليه من غير أن يشعر به، فلا يحتاج إلى أمر آمرٍ أو تهديد منذرٍ.

أمَا سمعت انّ أمير المؤمنين (ع) لمّا أُخبر بما فعله عسكر معاوية حين أن هجمت بانبار من نهب حُلى امرأةٍ يهوديّة غضب وقال: «وَ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ اَلرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى اَلْمَرْأَةِ اَلْمُسْلِمَةِ وَ اَلْأُخْرَى اَلْمُعَاهَدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَ قُلْبَهَا وَ قَلاَئِدَهَا وَ رِعَاثَهَا مَا تُمْنَعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاِسْتِرْجَاعِ وَ اَلاِسْتِرْحَامِ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ وَ لاَ أُرِيقَ لَهُ دَمٌ فَلَوْ أَنَّ اِمْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ عِنْدِي بِهِ جَدِيراً» [١]

ولو لم يرد في الحثّ والتّرغيب إلى هذه الفضيلة إلّا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[٢] لكان وافياً لها.

والظّاهر انّ المراد من الارتداد في الآية الشّريفة هو الرّجوع إلى الكفر العملي وبعبارةٍ أخرى عدم اتّصاف النّفس بالشعور بالمسؤولية والتّلبّس بضدّه وهو الارتداد العملي. فوعدالله تعالى في القرآن الكريم ان يأتي بقومٍ لهم هذا الشعور بعد أن ارتدّ المسلمون فهم المجاهدون في سبيل الله من غير أن يمنعهم مانع، حتّى لومة اللائم ثمّ أشار إلى أنّ ايمانهم راسخٌ في أنفسهم، فلهم المراتب العليا منه، فالله تعالى يعشقهم كما أنّهم يعشقون الله سبحانه وتعالى.

وقد استفاضت الرّوايات بين العامّة والخاصّة في فضل الجماعة هذه وفضيلتهم.

وهذه الفضيلة مع كونها مقولة بالتشكيك، تنقسم باعتبار المتعلّق باقسام:

١. المسؤولية قبال الشريعة وهذا القسم اهمّ الاقسام وليس في الإسلام شيء اهمّ من الدّين، والأنبياء كلّهم تهيئوا لأن يفدوا أنفسهم المقدّسة احياءً للشريعة كما قال الحسين (ع): «أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّ اَلْحَقَّ لاَ يُعْمَلُ بِهِ وَ أَنَّ اَلْبَاطِلَ لاَ يُتَنَاهَى عَنْهُ لِيَرْغَبَ اَلْمُؤْمِنُ فِي لِقَاءِ اَللهِ مُحِقّاً» [٣]. «مَنْ كَانَ فِينَا بَاذِلاً مُهْجَتَهُ وَ مُوَطِّناً عَلَى لِقَائِنَا نَفْسَهُ فَلْيَرْحَلْ فَإِنِّي رَاحِلٌ مُصْبِحاً إِنْ شَاءَ اَللهُ» [٤] وهذه المسئوليّة هي حفظ الدّين وللحفظ بعدان: بعد الإيمان والعمل به، وبعد المشارفة العامّة، وبهذين البعدين أشار الله تعالى في سورة العصر: قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[٥].

وامّا بعد الإيمان والعمل الصّالح من الاتيان بالواجبات والمستحبّات والاجتناب عن المحرّمات فهو الاذي هتمّ به رسول الله والائمّة (ع) وكثرة عبادات أهل العصمة عليهم صلوات الله وكونها من مشاقّها، يكفيك من أن يذكر شيء منها.

وللإشارة إلى هذا الاهتمام، نكتفي بحديثين شريفين مرويّين عن أمير البيان عليه صلوات الله المنّان: قال: «وَ اللهِ لَأَنْ أَبِيتَ عَلَى حَسَكِ السَّعْدَانِ مُسَهَّداً أَوْ أُجَرَّ فِي الْأَغْلَالِ مُصَفَّداً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللهَ وَ رَسُولَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ظَالِماً لِبَعْضِ الْعِبَادِ وَ غَاصِباً لِشَيْءٍ مِنَ الْحُطَامِ» [٦] وقال: «وَالله ِ لَوْ اُعْطِيتُ الْأَقاليمَ السَّبْعَةَ بِما تَحْتَ اَفْلاكهِا عَلى أَنْ أَعْصِىَ الله َ فى نَمْلَةٍ أَسْلُبُها جِلْبَ شَعيرَةٍ ما فَعَلْتُ» [٧] وامّا بُعد المشارفة العامّة فيكفيه الآيات والرّوايات الكثيرة الواردة في تلك الفريضة.

والقرآن اوّلًا أوجب قيام قسطٍ من الناس بتشكيل الحوزات العلميّة حفظاً لبيضة الإسلام.

قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ[٨]

وثانياً: أوجب قيام قسطٍ آخر منهم بتشكيل منظّمة لتولّى شؤون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[٩].

وثالثاً: أوجب قيام الناس فرادىً بهذه الفريضة، حتّى علَّق كون الأمّة الإسلاميّة خير الأمم على أدائهم هذا الأمر.

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ[١٠].

ورابعاً: أوجب على كلّ فردٍ فردٍ من أعضاء المجتمع النقد اللاذع دفعاً للعيوب عن المجتمع وطلباً للفضائل وعبّر عن هذا الأمر بالتواصى بالحقّ والصبر وله فيه تأكيدٌ بليغ.

قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[١١].

وليس هذا النقد من باب الهَمْز أو اللمز، أي ذكر عيوب الرجل ظهر غيبه أو بحضرته، بل هو ذكر العيوب طلباً لازالتها، كما في المرآة وقد روى عنهم: «الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ»[١٢] امّا الهمز واللمز، فلا كلام في حرمتهما.

قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلاَّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ[١٣]

وقال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[١٤]

وخامساً: أوجب على المؤمنين أن ينقادوا قبال النقد، ثم رتّب عليه ثواباً عظيماً.

قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[١٥]

هذا خلاصة القول في هذا الباب وتفصيله يحتاج إلى افراد كتابٍ به، والمرجوّ من فضله تعالى أن يوفّقنا لبسط الكلام فيه في الأبواب الراجعة إلى الأخلاقيات.

٢. شعور الإنسان بمسؤوليّته قبال نفسه وروحه، وهي أيضاً مسؤوليّة عظيمة، لانّ الإنسان الّذي لا روح له أو أسدل الحجب وراء روحه أو يكون مريضاً، ليس في قاموس القرآن إلّا حيواناً.

قال تعالى: ﴿يَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ[١٦]

بل هو اضلّ منه.

قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ[١٧]

بل هو شرّ من كلّ دابّة.

قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ[١٨]

فرفع الحجب بالتّوبة واليقظة الدّائمة، وبالتّخلية بالرّياضات الدّينيّة، وبالدّعاء والتّوسّل، وبعد ذلك يمكن له التحلّى بالفضائل بربطٍ وثيقٍ بينه وبين المبدأ تعالى، حتّى يصل إلى مقام التّجلية وحينئذٍ لا مناص له من هيوب ريح الرحمة وجذبها النّفس إلى مقام القدس.

قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ[١٩] ولولا هذا السير من هذا الدار الفاني إلى ذلك الجناب المقدّس ليتوغّل الإنسان في المادّيات ويصوّر بصورها، فهو يصير حيواناً بل اضلّ منها.

ويختلج في النّفس انّ قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ[٢٠] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ[٢١] لا يكون تعييراً وشتماً، بل هو اخبار عن نفس الامر حيث إنّ الرؤية القرانيّة تحكم بأنّ المتوغّل في المادّة والمادّيات لا يشبه الإنسان إلّا من جهة مادّته، وامّا من حيث الصورة فليس إلّا حيواناً، فمادّة الإنسان تزيّنت بالصورة الحيوانيّة الحمارية، أو الكلبيّة وما إليها من الحيوانات الخسيسة.

قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا[٢٢]

وقال تعالى: ﴿مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[٢٣]

٣. شعور الإنسان بمسؤليّته قبال جسمه، ولا يخفى اهميّة تلك المسؤليّة، لانّ الجسم للإنسان كالبراق للعروج، ولولا الجسم لما يمكن لأحدٍ أن يترقّى إلى ذرى الكمال. فالمحافظة على الجسم مرغوبٌ فيه في الكتاب والسنّة.

قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا[٢٤]

وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ[٢٥]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا[٢٦]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا[٢٧]

وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ[٢٨]

ونظيرها في القرآن كثير، وقد استفاضت من أهل البيت (ع): «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» يعنى من رغب عن تنحية ميوله. و«لَيسَ مِنّا مَن تَرَكَ دُنياهُ لاِخِرَتِهِ، ولا آخِرَتَهُ لِدُنياهُ»[٢٩] فلا كلام في مسؤولية الرجل قبل جسمه، انّما الكلام في اسرافه أو تبذيره قباله، وهذا أيضاً حرام، حيث يؤدّى إلى ضعف الجسم أو سقمه، فالمرغوب فيه عقلًا وشرعاً هو حدّ التّوسّط.

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا[٣٠]

فلذا كما نُهِى عن اهمال الّتمايلات، نهى عن التّوغّل في المشتهيات.

قال رسول الله (ص): «ابغض النّاس عندالله الأكول» و«ابغض النّاس عندالله النّوّام» و«ابغض النّاس عندالله البطّال»

وأوجز الكلام في هذا الباب وأخصره لفظة الاسراف، حيث أشار القرآن الكريم إليه وحذّر عنه مبيّناً ما يترتّب عليه من المفاسد العظيمة المؤدّية إلى قهره وعذابه!

قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ[٣١]

وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا[٣٢]

تتمّة

انّ من أعظم البلايا لجسم الإنسان وروحه، الحزن والهمّ والغمّ والاضطراب والخوف بل ليس لهما بلاء اشدّ من ذلك البلاء، بل مضرّة الحزن والخوف للروح أشدّ من مضرّة الرذائل له.

وبالجملة: انّ هذا البلاء يؤدّى إلى إماتة الروح، ولا يبقى من الجسم إلا ظاهره، لو لم يؤدّه إلى قتله.

وقد أقرّ عليه السيكولوجيون، حيث ذهبوا إلى أنّ جميع الأمراض الا ما شذّ منها ناشىءٌ عن الهمّ والحزن، فعبّروا عنه بداءٍ لا دواء له!.

امّا الإسلام فيشير أوّلًا إلى أنّ من دخل في حصن الله الحصين، فلا خوف عليه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٣٣].

وثانياً ينبّه الإنسان على أن لا فائدة في الحزن والخوف بعد العلم بتقدير الأمور تقديراً ناشئاً عن المصلحة التّامّة اللازمة للنظام الأحسن، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ[٣٤]

وثالثاً: بعد اليقين بأنّ صفات الله تعالى عين ذاته، ومنها الكرم والرحمة والعلم والقدرة والحكمة والعدل، نستيقن لِمّاً انّ ما يقع في الوجود ليس إلّا مطابقاً للنّظام الاتمّ وفيه مصلحة تامّة، بحيث انّه لو يمكن أن يبدّل شىءٌ منه ولو كان مثقال حبّةٍ، لكان ذلك مخالفاً لحكمته، إذ الحكمة جعل الشّيء في موضعه، والحكمة من صفاته والحكيم من أسمائه، فالعالم بشراشره وأجزائه تامٌ ليس فيه ما يضادّ الرحمة والعدل والعلم.

وبعبارةٍ أخرى: لو لم‌يكن مطابقاً للمصلحة والحكمة، فذلك امّا لعدم كرمه أو لعدم رحمته أو لجهله بالواقع أو لعجزه عن ايجاده أو لعدم كونه حكيماً عادلًا، وقد أشرنا إلى أنّ ذلك كلّه منتفٍ عنه، فالشكل الأوّل من الأقيسة الاقترانيه بطريق اللمّ يدلّ على المطلوب.

ورابعاً: انّ المناجى ربّه الذاكر له ذكراً كثيراً القارئ لكتابه حق الكتاب وداعيه حقّ الدعاء يصل إلى مقامَى التبتل والانقطاع، فحينئذٍ لا خوف ولا حزن عليه، إذ لا موضوع للخوف والحزن حتّى يبتلى به، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ[٣٥].

وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ[٣٦]

وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ[٣٧]

وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٣٨]

وقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ[٣٩]

وهذه الآية بالاتيان بصيغة النداء اللافتة للنظر وتقدّم الجارّ والمجرور تدلّ على أن لا دواء لهذا الداع إلّاالصّلوة والدّعاء والذّكر ولا سبيل للأولياء إلّاايّاه والاتي وردناها قبل هذه الآية تدلّ على انّهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

قال أمير المؤمنين (ع) في دعاء الخضر المشتهر باسم صحابيه الجليل كميل بن زياد: «يَا مَنِ اِسْمُهُ دَوَاءٌ، وَ ذِكْرُهُ شِفَاءٌ، وَ طَاعَتُهُ غِنًى، اِرْحَمْ مَنْ رَأْسُ مَالِهِ اَلرَّجَاءُ، وَ سِلاَحُهُ اَلْبُكَاءُ» [٤٠]

٤ - الشعور بالمسؤولية قبال العمر: والعمر من اعزّ الأشياء ولا يمكن تقويمه بما في أيدي النّاس فلهذا ترى نفسك لا ترضى بشرائه ولو كان ثمنه الدنيا بما فيها، هذا ولكن مع الأسف أن غفلة الإنسان عن معاشه ومعاده، يعدم العمر ويهلكه والقرآن الكريم تنبيهاً لنا على هذه الدقيقة يحكى ندامة الإنسان على تضييع العمر في مواقف الموت والقيامة وعند الدخول في الجحيم - أعاذنا الله منها -.

قال الله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ[٤١]

وقال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ[٤٢]

وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ[٤٣].

والرّوايات في ذلك كثيرة منها قول الرسول (ص): «لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَ عَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اِكْتَسَبَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقَهُ وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ.» [٤٤] واغتنام العمر ورعاية النّظم فيه، توجب ان يستفاد منه ولو كان قصيراً.

كما أنّ إضاعته وعدم النّظم فيه يوجب فواته من غير أن يستفاد منه ولو تجاوز المأة، هذا كما يشاهد من سيرة اعلام المخترعين والمؤلّفين وغيرهم، حيث وفّقوا بما يبهر منه العقول في أعمارٍ غير طويلة فكم منهم ألّف ما يربوا على مأة كتاب ورسالة ولم يكن له من العمر حظّاً وافراً، وكم منهم من لم يكن له عيش هنىءٌ ولكنّه بلغ ما أراد ورام، منهم شيخ الطائفة الطوسي حيث ألّف كثيراً من آثاره حين هجوم الأعداء على الشيعة ونهبهم دورات كتبهم ومساجدهم وحتّى بيوتهم، وكالشيخ الرئيس حيث الّف بعض آثاره في السجن، وكالشهيدين حيث ألّفا اللمعة وشرحه في السجن أو تحت رقابة العدو، وكالطباطبائى حيث الف الرياض حين هجوم العدوّ إلى النجف الأشرف واباحتم دماء الشيعة فيها. وكالشيخ النجفي حيث ما وقف عن تأليف موسوعته الفقهيّة القيّمة والتحقيق فيها حتّى الليلة الّتي أصاب فيها بموت ولده، وكصدرالمتالهين والخواجة نصيرالملّة والدين واستاذنا السيد مؤسّس الدولة الإسلاميّة في إيران حيث كتبوا قسطاً من آثارهم في السجن أو المنفى، وقيل إن العلّامة الحلى صنّف كتابه قواعد الأحكام في مسيره إلى الكربلاء المقدّسة وانّ المحقّق النراقي انشد منظومته الكبرى المسمّاة بالتاقديس في دقائق كان يتوظّأ فيها وكم لهم من الأمثال!.

فهؤلاء الكبراء الذين جاؤوا بهذه المكتبة الضخمة الثرية للشيعة الإماميّة ما دوّنوا آثارهم وألّفوها إلّاتحت الضغط وكبس الأعداء والمحن الدائمة لكنّهم باغتنام الفرص نالوا بما نالوا فشكر الله سعيهم حيث كانوا عاملين بما روى عن رسول الله(ص): «أَنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلاَ فَتَعَرَّضُوا لَهَا.»[٤٥]

٥. الشعور بالمسؤولية قبال الأسرة والأقربين: وهي تنقسم إلى أقسامٍ: منها الشعور بالمسؤولية قبال الأبوين وهي من وجهة نظر القرآن من أعظم وظائف الإنسان.

قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا[٤٦]

وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا[٤٧]

وفي الآيتين من التأكيد البليغ ما يندر وجوده في غيرهما من المواضع.

وقد ثبت بالرّوايات والسير والتّجربة انّ خير الدّنيا والآخرة مرهون بالاحسان بالوالدين كما ثبت انّ العاقّ لا خير له في الدّارين ومن آثار العقوق الوضعيّة الضّنك في المعيشة.

ومنها: الشعور بالمسؤولية قبال الأولاد لانّه كما للأبوين حقّ على الأولاد، كذلك للأولاد حقّ على الأبوين ومن تلك الحقوق: تربيتهم وتعليمهم العلوم سيّما علوم الدّين من آية محكمة وسنّة قائمة وفريضة عادلة، أي: علم أصول الدّين وفروعه والأخلاق وتزويجهم حين بلغوا مبلغ الزواج، والعفو بل الصّفح عن زلّاتهم. فلو طردا أولادهما بالعقوق فليعلما انّ الله تعالى لايعفو عنهما ولا يغفر لهما.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٤٨]

ومنها: شعور الزوجة بمسؤوليتها قبال زوجها وشعور الزوج بمسؤوليته قبال زوجته كلّ في تدبير أمر بيتهما. وتفصيل الكلام في هذا يحتاج إلى مجلّداتٍ عديدة، ونحن نكتفي هنا ببعض الكلام ولا نفصّله فيه.

وممّا يناسب المقام على سبيل الاختصار: انّ الربع المسكون تشكلّ من ممالك وكلّ مملكة من بلاد، وكل بلدٍ من بيوت، فكلّ بيت كأنّها مملكة صغيرة ولابدّ لها من رئيس ومن المعلوم انّ الرّئاسة فُوّضت على عاتق المرء لقوّة التعقّل فيه، وبوجوب النفقة عليه.

قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ[٤٩]

ثمّ فُوّضت معاونة المرء على عاتق المرأة لقوّة العطف والحنوّ فيها، فلها ترتيب أمور البيت وتربية الأولاد.

وعلى حدّ قول الرسول (ص) حين قسّم أمور البيت لاميرالمؤمنين والزّهراء (ع)، فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب وقضى على علىّ بما خلفه فقالت فاطمة: «فَلاَ يَعْلَمُ مَا دَاخَلَنِي مِنَ اَلسُّرُورِ إِلاَّ اَللهُ»[٥٠] ولا يخفى أنّ نجاح الزوجين في سياسة البيت يحتاج إلى امورٍ:

وهي اولًا: توافقهما من حيث الرأي والنظر وهذا محال، بل لا يمكن أزيد من خمسين بالمأة بحسب العرف، فالاسرة والبيت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التواضع من جانب المرأة.

قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ[٥١]

وبالمروءة والعفو والصّفح والمغفرة من جانب المرء.

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[٥٢]

وثانياً: إلى مراقبة الزوجين على البيت حتّى يكون مستراحاً لهما ومزالًا لهمومهما وتوانيهما.

وتلك المراقبة تحتاج اوّلًا إلى كون كلّ منهما مسكناً للآخر - أي: محلًا لسكون نفسه - ومأمناً لقلبه.

قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً[٥٣]

وثانياً: إلى سياسة شؤون البيت المختلفة وقد قلنا انّ سياسة أمور البيت الداخلية على المرأة وسياستها الخارجية على المرء.

وبعد ذلك كلّه، انّ البيت يُعدّ مكتب ومعلّم ذلك المكتب هو الزوجين والتّقصير في تعليم كلّ الآخر وتعليمهما أولادهما ذنب عظيم.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا[٥٤]

وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ[٥٥]

هذا موجز فرضهما، فلو قاما به فلهما مثلما للشهداء من الأجر الجزيل.

قال أبو عبد الله (ع): «اَلْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اَللهِ.»[٥٦] وقال أبو إبراهيم (ع): «أَنَّ جِهَادَ اَلمَرْأَةِ حُسْنُ اَلتَّبَعُّلِ.» [٥٧] امّا لو قصرا فيه، فلهما الخسران والعذاب في الدارين، امّا في الدنيا فليس الدار لهما إلّا كجحيمٍ عاجلة فلهما حياةٌ مُرّةٌ ولأولادهما عيش غير هنىءٍ، فيموت قلوبهم فيصيرون كأمواتٍ بين الأحياء، ولايتصوّر للأسرة عذابٌ فوق هذا العذاب.

وامّا في الآخرة، فنكتفى هنا برواية، رواها الشيخ الحرّ في الوسائل عن رسول الله (ص): «مَنْ كَانَ لَهُ اِمْرَأَةٌ تُؤْذِيهِ لَمْ يَقْبَلِ اَللهُ صَلاَتَهَا وَ لاَ حَسَنَةً مِنْ عَمَلِهَا حَتَّى تُعِينَهُ وَ تُرْضِيَهُ... وَ كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ يَرِدُ اَلنَّارَ عَلَى اَلرَّجُلِ مِثْلُ ذَلِكَ اَلْوِزْرِ وَ اَلْعَذَابِ إِذَا كَانَ لَهَا مُؤْذِياً ظَالِماً» [٥٨]

ومنها الشعور بالمسؤولية قبال الجار: وهذه مسؤولية هامّة أيضاً، وأسفاً لنا حيث أهملناها كأنّها لما وجبت علينا!.

وفي الكتاب والسّنة قبال هذا الفرض ما تقشعرّ منه الجلود، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا[٥٩]. وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ[٦٠]

ثمّ في رواية فُسّر الماعون بما يحتاج الجار إليه من أساس البيت، ومن الواضح انّ ذلك التعيين من باب الجرى وتعيين المصداق الكامل.

امّا الرّوايات فهي كثيرة، منها:

ما روى عن رسول الله (ص): «ما آمَنَ بي مَن باتَ شَبْعانَ وجارُهُ جائعٌ» [٦١]

وما روى عنه ايضاً (ص): «حُرْمَةُ اَلْجَارِ عَلَى اَلْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ.»[٦٢]

ومنها قوله (ص): «مَنْ كَانَ جَارُهُ مَرِيضاً فَتَرَكَ عِيَادَتَهُ اِسْتِخْفَافاً بِحَقِّهِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهُ وَ مَنْ مَاتَ جَارُهُ فَتَرَكَ تَشْيِيعَ جَنَازَتِهِ تَهَاوُناً بِهِ فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهُ»[٦٣]

وما روي عن الكاظم(ع): «لَيْسَ حُسْنُ اَلْجِوَارِ كَفَّ اَلْأَذَى وَ لَكِنْ حُسْنُ اَلْجِوَارِ صَبْرُكَ عَلَى اَلْأَذَى.»[٦٤]

وما روي «عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: كُلَّ أَرْبَعِينَ دَاراً جِيرَانٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ.» [٦٥]

٧. الشعور بالمسؤولية قبال المجتمع: انّ الإنسان خُلِق مدنياً بحسب طبعه محتاجاً إلى آخرين وليس له أن يعيش فريداً منسلخاً عن الآخرين.

قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ[٦٦]

فمن رحمة الله تعالى على الناس كما أشارت إليه هذه الآية الشّريفة انّ كلّا خلقوا بحسب الاستعداد لرفع حوائج الآخرين، فعلى كلّ طائفة منهم أن يقوم بقسطٍ من أمور المجتمع فمنهم مَن خُلق لحفظ الناموس، ومنهم من خُلق لحفظ النظام، أو المعاش وما إليها.

هذا بحسب التكوين، ثم شرع الله عليهم - رحمةً منه - أيضاً أن يهتمّ كلٌّ بالآخرين ليصلح أمر المجتمع، فيصلح معيشه الناس وحياتهم فيه ثمّ اكّد على ذلك حذراً من ضياع المجتمع وأمره.

قال رسول الله (ص): «مَنْ أَصْبَحَ لا یَهْتَمُّ بِأُمورِ الْمُسْلمینَ فَلَیْسَ بِمُسْلِمٍ» [٦٧]

وقال (ص): «إنَّ الله َ تَعالى يُحِبُّ إذا عَمِلَ أحَدُكُم عَمَلاً أن يُتقِنَهُ»[٦٨]

وبعبارةٍ أجود، قد استفاضت عن أهل البيت عليهم السّلام انّ المؤمن من يحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه ويكره لغيره ما يكره لنفسه[٦٩]

ونسمّى هذا الاذي ستظهرناه من الكتاب والسنة بقانون المواسات ومعلوم انّه ان اجرى هذا القانون وعُمِل به تصير كلّ مدينةٍ مدينةً فاضلة، فلارفث ولا فسوق ولا جدال ولا خدعة ولا كذب ولا سرقة ولا نحو ذلك فيها. فلا فقر ولا فاقة ولا عزوبة ولا احتياج فيها.

فالمتراءى في عصرنا من الاختلافات العنصرية والطبقيّة ثم كون بعض الناس من فئة الدخل الضعيف وبعضهم من الطبقة المالكة والعُدم بحسب الفرد والمجتمع ومشكلة الخوف والحزن فليس إلّا لعدم اجراء ذلك القانون.

ومن المؤسّف عليه جدّاً في هذا العصر عدم اهتمام أصحاب المهن والحِرَف بأمور متجانسيهم ولو بلغت أجورهم على حِرَفهم أضعاف ما يستحقّونه.

وهكذا الأسف على ضعفهم في صنائعهم وما أنتجت أيديهم مع حضورهم في المجامع والمجالس الدينيّة وسماعهم توصية رجال الدين باستحكام العمل واتقانه.

فهم منتحلون اسم المسلم وليس لهم في الإسلام من خلاق.

قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ[٧٠].[٧١]

المراجع والمصادر

  1. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ج۲

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الخطبة ٢٧.
  2. سورة المائدة، الآية ٥٤.
  3. بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٨١، باب ٣٧، ح ٢
  4. بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ٣٦٧، باب ٣٧، ح ٢
  5. سورة العصر، الآية ١-٣.
  6. نهج البلاغة، خطبه: ٢٢٤
  7. نهج البلاغة، خطبه: ٢٢٤
  8. سورة التوبة، الآية ١٢٢.
  9. سورة آل عمران، الآية ١٠٤.
  10. سورة آل عمران، الآية ١١٠.
  11. سورة العصر، الآية ١-٣.
  12. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٢٦٨، باب ١١، ح ١.
  13. سورة الهمزة، الآية ١-٧.
  14. سورة العصر، الآية ٣.
  15. سورة الزمر، الآية ١٧-١٨.
  16. سورة محمد، الآية ١٢.
  17. سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
  18. سورة الأنفال، الآية ٢٢.
  19. سورة المائدة، الآية ١٥-١٦.
  20. سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
  21. سورة الأنفال، الآية ٢٢.
  22. سورة الجمعة، الآية ٥.
  23. سورة الأعراف، الآية ١٧٦.
  24. سورة القصص، الآية ٧٧.
  25. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
  26. سورة المؤمنون، الآية ٥١.
  27. سورة البقرة، الآية ١٦٨.
  28. سورة الإسراء، الآية ٧٠.
  29. الفقيه، ج ٣، ص ٩٤، باب ٥٨، ح ٣
  30. سورة الفرقان، الآية ٦٧.
  31. سورة الواقعة، الآية ٤١-٤٦.
  32. سورة الإسراء، الآية ١٦.
  33. سورة يونس، الآية ٦٢.
  34. سورة الحديد، الآية ٢٢-٢٣.
  35. سورة المعارج، الآية ١٩-٢٣.
  36. سورة النور، الآية ٣٦-٣٧.
  37. سورة يونس، الآية ٥٧.
  38. سورة يونس، الآية ٦٢.
  39. سورة الرعد، الآية ٢٨.
  40. مفاتيح الجنان - دعاء كميل.
  41. سورة المؤمنون، الآية ٩٩-١٠٠.
  42. سورة الزمر، الآية ٥٦.
  43. سورة فاطر، الآية ٣٧.
  44. تحف العقول، ص ٤٥
  45. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٢٢١، باب ٦٦، ح ٣٠.
  46. سورة الإسراء، الآية ٢٣-٢٤.
  47. سورة لقمان، الآية ١٥.
  48. سورة التغابن، الآية ١٤.
  49. سورة النساء، الآية ٣٤.
  50. بحار الأنوار، ج ٤٣، ص ٨١، باب ٤، ح ١.
  51. سورة النساء، الآية ٣٤.
  52. سورة التغابن، الآية ١٤.
  53. سورة الروم، الآية ٢١.
  54. سورة التحريم، الآية ٦.
  55. سورة الزمر، الآية ١٥.
  56. الكافي، ج ٥، ص ٨٨، باب من كدّ على عياله، ح ١
  57. الكافي، ج ٥، ص ٥٠٧، باب حق الزوج على المراة، ح ٤
  58. وسائل الشيعة، ج ١٤، ص ١١٦، باب ٨٢، ح ١
  59. سورة النساء، الآية ٣٦.
  60. سورة الماعون، الآية ٤-٧.
  61. وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٤٩٠، باب ٨٨، ح ١
  62. الكافي، ج ٢، ص ٦٦٦، باب حق الجوار، ذيل ح ٢
  63. بحار الأنوار، ج ٨، ص ١٦٨، باب ٢٣، ح ١١
  64. الكافي، ج ٢، ص ٦٦٧، باب حق الجوار، ح ٩
  65. الكافي، ج ٢، ص ٦٦٩، باب حد الجوار، ح ١
  66. سورة الزخرف، الآية ٣٢.
  67. الكافي، ج ٢، ص ١٦٣، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح ١
  68. وسائل الشيعة، ج ٢، ص ٨٨٣، باب ٦٠، ح ٢
  69. الكافي، ج ٢، ص ١٦٩، باب حق المؤمن على أخيه وأداء حقه، ح ٢ و٣ و٥ و١٤
  70. سورة الماعون، الآية ١-٧.
  71. حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج۲، ص ٤٤٥.