الإمام علي في كتب الرجال والتراجم

من إمامةبيديا

نبذة عن الإمام

الإمام الأوّل علي أمير المؤمنين (ع)[١]

ابن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم، أمير المؤمنين‌ أبو الحسن القرشي الهاشمي، أخو رسول الله(ص)، ووصيّه، ووارث علمه، وصهره على ابنته فاطمة سيدة نساء العالمين، و أبو السبطين.

وُلد في الكعبة المشرّفة في الثالث عشر من رجب قبل المبعث بعشر سنين، واختاره النبي(ص) حين أصابت قريشاً أزمة و علي في مطلع صباه من بين أولاد أبي طالب، واتّخذه ولداً، فترعرع في كنفه، ولازمه طول حياته حتى في تلك الأيام التي كان النبي(ص) يعتكف فيها في غار حراء، فتخلّق بأخلاقه، واقتدى به في أقواله وأفعاله، ونهل من نمير علمه.

قال علي(ع): «وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اَللَّهِ بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ وَ اَلْمَنْزِلَةِ اَلْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ يَلُفُّنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَ كَانَ يَمْضَغُ اَلشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَ مَا وَجَدَ لِي كَذِبَةً فِي قَوْلٍ وَ لاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ وَ لَقَدْ قَرَنَ اَللَّهُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْ لَدُنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ ملكا [مَلَكٍ] مِنْ مَلاَئِكَةٍ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ اَلْمَكَارِمِ وَ مَحَاسِنَ أَخْلاَقِ اَلْعَالِمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتْبَعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ عِلْماً مِنْ أَخْلاَقِهِ وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ اَلْوَحْيِ وَ اَلرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ.».

و لما بُعث النبي(ص) كان عليّ أوّل من أسلم، وكان قبل ذلك قد كرم الله وجهه من السجود لصنم، وله(ع) مواقف خالدة في الذبِّ عن رسول الله(ص) ونصرته، ففي حصار الشِّعب كان أبوه أبو طالب سيد البطحاء ينيمه في فراش رسول الله(ص)، فينام مواجهاً للخطر، طيّبة بذلك نفسه، ولما هاجر رسول الله(ص) إلى المدينة أمر علياً(ع) أن ينام في فراشه، وأوصاه بأداء أماناته، ففعل ذلك.

وكان(ع) قطب الرحى في كل معارك الإسلام: بدرٍ وأحد والخندق وخيبر وسائر المشاهد التي أبلى بها البلاء العظيم، وقام فيها المقام المحمود، حتى استقر الدين وضرب بجرانه الأرض.

قال ابن أبي الحديد: ومقاماته في الحروب مشهورة تضرب بها الأمثال إلى‌ يوم القيامة، فهو الشجاع الذي ما فرّ في موقف قطّ، ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلّا قتله، ولا ضرب ضربة واحتاج إلى الثانية، فكانت ضرباته وترا.

وقد نزلت في أمير المؤمنين(ع) خاصة، وفي أهل البيت عامّة، آيات كثيرة تحدثت عن فضلهم ومقامهم وقدسيتهم.

فمن الآيات التي نزلت في أهل البيت: آية التطهير، و آية المباهلة، و آية المودة[٢]، وغيرها.

وأمّا الآيات النازلة في علي(ع)، فهي كثيرة، بلغت في قول ابن عباس ثلاثمائة آية[٣].

أخرج مسلم بسنده عن عائشة، قالت: خرج النبي(ص) غداة، وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[٤].[٥].

وروى المؤرّخون والمفسرون والمحدّثون حادثة (المباهلة) وهي: أنّ وفداً من نصارى نجران جاء ليحاجج رسول الله(ص) ويحاوره، فأنزل الله سبحانه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ[٦] وأمر النبي(ص) أن يدعو علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً ويخرج بهم إلى الوادي، وأن يدعو النصارى أبناءهم ونساءهم ويخرجوا معهم ثم يدعوا الله بأن ينزل العذاب على الكاذبين.

أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما نزلت هذه الآية ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ[٧] دعا رسول الله(ص) علياً، وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اَللَّهُمَّ هَؤُلاَءِ أَهْلِي»[٨].

ووردت في شأن الإمام علي(ع) طائفة من الأحاديث التي أبرزت مكانته ومنزلته الخاصة عند الله وعند رسوله، ودعت الأُمّة إلى حبّه وولائه، والرجوع إليه والأخذ عنه، واتّباع سننه ومنهاجه.

فمن هذه الأحاديث: قال رسول الله (ص) لعلي(ع): «أَنْتَ أَخِي فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ»[٩]

وقال(ص) يوم خلّفه على المدينة في غزوة تبوك: «أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، غَيْرَ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي» [١٠]

وقال(ص) يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ اَلرَّايَةَ غَداً رَجُلاً يَفْتَحُ اَللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يُحِبُّهُ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ»، ثم دعا باللواء فدعا علياً وهو يشتكي عينيه فمسحهما ثم دفع إليه اللواء ففتح[١١]

وقال(ص): «عَلِيٌّ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ، وَ هُوَ وَلِيُّكُمْ بَعْدِي»[١٢]

و قال(ص) لعلي: «إِنَّهُ لاَ يُحِبُّكَ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَ لاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ»[١٣]

وقال(ص): «أَنَا مَدِينَةُ اَلْعِلْمِ وَ عَلِيٌّ بَابُهَا فَمَنْ أَرَادَ اَلْعِلْمَ فَلْيَأْتِهِ مِنْ بَابِهِ»[١٤].

روى علي(ع) عن النبي كثيراً.

روى عنه: ابناه الحسن و الحسين (ع)، و الأحنف بن قيس التميمي، و البراء ابن عازب الأنصاري، و جابر بن عبد الله الأنصاري، و جابر بن سَمُرة، و جارية بن قدامة السعدي، و أبو ساسان الحضين بن المنذر الرَّقاشي، و حنش بن عبد الله الصنعاني، و حبّة بن جوين العُرَني، و زِرّ بن حُبيش الأسدي، و زيد بن أرقم الأنصاري، و مالك بن الحارث الأَشتر النخعي، و عبد الله بن مسعود، وابنه محمد بن الحنفية، و عبد الله بن عباس، و عبد الله بن جعفر الطيار، و عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، و الأصبغ بن نباتة الحنظلي، و أبو الأسود الدوَلي، و سعيد بن المسيب، و أبو هريرة، و صعصعة بن صوحان العبدي، و أبو سعيد الخدري، و مُطرِّف بن عبد الله ابن الشِّخّير، و أبو ليلى الأنصاري، وطائفة من الصحابة والتابعين.

وكان أعلم الناس بعد رسول الله(ص)[١٥] في الحديث والفقه والتفسير والكلام وغيرها، أغدق عليه رسول الله(ص) من بحر عطائه، وأفاض عليه من علوم النبوة وأسرارها، ما جعله باب مدينة علم الرسول(ص).

وكان مرجعاً لجميع الصحابة، ولم يرجع إلى أحد قط، وكان الخلفاء يستشيرونه، ويرجعون إليه في مشكلات الحكم والقضاء، فيرشدهم(ع) ويهديهم إلى الحل، حتى اشتهر عن عمر بن الخطاب أنّه كان يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن[١٦]، ولم يقل أحد «سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي» غير علي[١٧].

قال ابن أبي الحديد: أشرف العلوم العلم الإلهي (يعني: علم التوحيد) لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم أشرف الموجودات، ومن كلامه اقتُبس وعنه نُقل ومنه ابتدأ.. وبعده علم الفقه وهو(ع) أصله وأساسه وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه.. فقد عرف بهذا الوجه أيضاً انتهاء الفقه إليه، وقد روى العامة والخاصة قوله(ص): «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ»[١٨] والقضاء هو الفقه فهو إذاً أفقههم، وروى الكل انّه(ص) قال له وقد بعثه إلى اليمن قاضياً: «اَللَّهُمَّ اِهْدِ قَلْبَهُ وَ ثَبِّتْ لِسَانَهُ»، قال: فما شككت في قضاء بين اثنين.

وأضاف ابن‌ أبي الحديد: وعلم تفسير القرآن عنه أخذ ومنه فرع وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك، لَانّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته له وانقطاعه إليه وأنّه تلميذه وخريجه وقيل له أين علمك من علم ابن عمك؟ قال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط. قال: وعلم النحو والعربية وقد علم الناس كافة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه، وأملى على أبي الاسود الدوَلي جوامعه وأصوله...

وكان أمير المؤمنين(ع) إمام الفصحاء وسيد البلغاء، وما أُثر عنه وجُمع من كلامه كنهج البلاغة، أدلّ دليل على ذلك.

أما فضائله ومناقبه فهي أكثر من أن تُحصى، (و قد بلغت من العظم والجلال والإنتشار والإشتهار مبلغاً يسمج معها التعرّض لذكرها والتصدي لتفصيلها)[١٩]

رُوي أنّ النبي(ص) لما قضى نسكه في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، وقفل راجعاً إلى المدينة أنزل الله تعالى عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[٢٠] فنزل‌ رسول الله(ص) في الموضع المعروف بـ غدير خم ونزل المسلمون حوله، وكان يوماً قائظاً شديد الحرّ، فنادى في الصلاة جامعة، ثم قام فخطب الناس، ثم قال: «أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَقَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اَللَّهِ ثُمَّ قَالَ قُمْ يَا عَلِيُّ فَقَامَ عَلِيٌّ وَ أَخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَلاَ مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلاَهُ اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ اُنْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اُخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ».[٢١]

وما أن توفي رسول الله(ص) في سنة إحدى عشرة، واشتغل علي(ع) و أهل البيت بتجهيزه، حتى عقدت الأنصار وبعض المهاجرين‌ اجتماعاً في سقيفة بني ساعدة، وبعد مناقشات حادّة، بادر عمر بن الخطاب إلى بيعة أبي بكر بالخلافة، وطلب من الحاضرين مثل ذلك، فتمّ الأمر لَابي بكر.

أمّا علي(ع) (و معه بنو هاشم وعدد من كبار المهاجرين) فقد ظل متمسكاً بحقه في الخلافة للنصوص الواردة في ذلك عن النبي(ص) كـ حديث الغدير المار الذكر وغيره، وأمسك يده مدّة، حتى نجمت أحداث هدّدت الإسلام والامّة، فبايع.

قال(ع): «فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ اَلنَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ اَلْإِسْلاَمِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ اَلْإِسْلاَمَ وَ أَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ اَلْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ اَلَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ».

ولما قُتل عثمان بن عفان في سنة خمس وثلاثين بويع علي(ع) بالخلافة، ثم نكث طلحة والزبير البيعة وسارا ومعهما عائشة إلى البصرة، فكانت معركة الجمل، وتلتها معركة صفين مع معاوية بن أبي سفيان ومعه أهل الشام، والتي انتهت بخدعة رفع المصاحف واضطرار الإمام(ع) إلى التحكيم، ثم معركة النهروان مع الخوارج.

وبهذه المعارك الثلاث التي خاضها أمير المؤمنين(ع) يتحقق إخبار الرسول(ص) لعلي(ع) بقتالهم، فعن علي بن ربيعة، قال: سمعت علياً على منبركم هذا يقول: «عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ أَنْ أُقَاتِلَ اَلنَّاكِثِينَ وَ اَلْقَاسِطِينَ وَ اَلْمَارِقِينَ»[٢٢].

وعن أبي سعيد الخدري، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِقِتَالِ اَلنَّاكِثِينَ وَ اَلْقَاسِطِينَ وَ اَلْمَارِقِينَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ أَمَرْتَنَا أَنْ نُقَاتِلَ هَؤُلاَءِ فَمَعَ مَنْ قَالَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعَهُ يُقْتَلُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ»[٢٣]

استُشهد أمير المؤمنين(ع) ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وكان عبد الرحمن بن ملجم قد ضربه بسيفه، وهو في مسجد الكوفة ليلة التاسع عشر من الشهر نفسه.

فمضى(ع) (شهيد الحق والعظمة والعدالة، تاركاً وراءه أروع الامثلة من البطولات والتضحيات والاستخفاف بالدنيا وأمتعتها وعشاقها، وقضى وهو يخاطب الدنيا وخيراتها التي كانت تحت قدميه: «يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ قَدْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً»[٢٤].

وقد أُلفت في خصائص الإمام علي(ع) وفضائله كُتب كثيرة، وتناول سيرته العطرة العلماء والفضلاء، وأشاد بذكره الباحثون والكتّاب المسلمون وغير المسلمين، وجمعٌ من المستشرقين.

قال الباحث الفرنسي البارون «كارّا ديفو»: وعلي هو ذلك البطل الموجَع المتألم والفارس الصوفي والإِمام الشهيد ذو الروح العميقة التي يكمن في مطاويها سرّ العذاب الإلهي[٢٥]

وقال الفيلسوف الانكليزي «كارليل»: أما علي، فلا يسعنا إلّا أن نحبه ونتعشقه فإنّه فتى شريف القدر، عالي النفس، يفيض وجدانه رحمة وبرّاً، ويتلظى فؤاده نجدة وحماسة، وكان أشجع من ليث، ولكنها شجاعة ممزوجة برقة وعطف ورأفة وحنان جدير بها فرسان الصليب في القرون الوسطى، وقد قُتل بالكوفة غيلة، وإنّما جنى ذلك على نفسه بشدة عدله حتى إنّه حسب كل إنسان عادلًا مثله [٢٦].

وقال الأديب والكاتب الكبير جورج جرداق: هل عرفت من الخلق عظيماً، يلتقي مع المفكرين بسموّ فكرهم ومع الخيّرين بحبهم العميق للخير، ومع العلماء بعلمهم، ومع الباحثين بتنقيبهم، ومع ذوي المودة بموداتهم، ومع الزهاد بزهدهم، ومع المصلحين بإصلاحهم، ومع المتألمين بآلامهم، ومع المظلومين بمشاعرهم وتمرّدهم، ومع الأُدباء، بأدبهم، ومع الابطال ببطولاتهم، ومع الشهداء بشهادتهم، ومع كل إنسانية بما يشرّفها ويرفع من شأنها...

وما ذا عليك يا دنيا لو حشّدت قواك فأعطيت في كل زمن علياً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره[٢٧].[٢٨]

المراجع والمصادر

  1. جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء ج ١

الهوامش

  1. المعيار والموازنة للاِسكافي، صحيح البخاري ٥ : ٢٢ ـ ٢٤، باب مناقب علي (ع)، وقعة صفين لنصر بن مزاحم، السيرة لابن هشـام ٤ : ١٩٠و ١ : ٣٧٦ ـ ٣٧٩، صحيح مسلم٤ : ١٨٧٠ ـ ١٨٧٥، باب فضائل علي(ع)، الغارات لاَبي إسحاق الكوفي ٢٦١، أنساب الاَشراف للبلاذري ٢ : ٨٩، المعارف لابن قتيبة ١١٧ ـ ١٢٧، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٠٢ و٣ : ١٦٧ ـ ٢٠٤، سنن الترمذي ٥ : ٦٣٢ ـ ٦٤٣، خصائـص النسائي، العقد الفريد انظر الفهارس، الكافي للكليني ١ : ٢٩٢ و٤٥٢، مروج الذهب ٣ : ٩٣ ـ ١٨٠، خصائص الاَئمّة للسيد الرضي، الاِفصاح في إمامة أمير الموَمنين(ع) للمفيد، الاِرشاد للمفيد، الجمل للمفيد، المستدرك على الصحيحين ٣ : ١٠٧ ـ ١٤٦، الفضائل لابن شاذان، النور المشتعل من كتاب ما نزل من القرآن في علي - عليه السّلام- لاَبي نعيم الاصبهاني، حلية الاَولياء ١ : ٦١ ـ ٨٧، التفضيل للكراجكي، شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني، تاريخ بغداد ١ : ١٣٣، الاستيعاب ٣ : ٢٦ ـ ٦٨، مناقب آل أبي طالب لابن المغازلي، مناقب آل أبي طالب للخوارزمي، أسنى المطالب للجوزي الشافعي، فرائد السمطين لإبراهيم بن محمد الجويني الجزء الاَوّل، اليقين في امرة أمير الموَمنين - عليه السّلام- للسيد ابن طاووس، أُسد الغابة ٤ : ١٦ ـ ٤١، ترجمة الاِمام علي في تاريخ دمشق لابن عساكر في ثلاثة أجزاء، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١ : ٢١ ـ ٣٠، البداية والنهاية ٧ : ٣٣٣، الاصابة ٢ : ٥٠١ ـ ٥٠٣، الفصول المهمة ٢٩ ـ ١٣٦، تاريخ الخلفاء للسيوطي ١٨٥ ـ ٢٠٦، كنز العمال ١٣ : ١٠٤ ـ ١٩٧، بحار الاَنوار ج٣٥ ـ ج٤٢، عوالم العلوم والمعارف والأحوال ١٥ : ١٣، أعيان الشيعة ١ : ٣٢٣ ـ ٥٦٢، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي الجـزء الاَوّل، الغديـر ١ : ١٤ ـ ١٥١، الصواعق المحرقة ١١٥ و١٣٥، الاِمام علي صوت العدالة الإنسانية لجورج جرداق، المرتضى للندوي ـ سيرة أمير الموَمنين علي بن أبي طالب(ع)، علي بن أبي طالب بقية النبوة وخاتم الخلافة لعبد الكريم الخطيب، علي وبنوه لطه حسين.
  2. عدّ ابن حجر في الصواعق المحرقة هذه الآيات من جملة الآيات الواردة في أهل البيت(ع).
  3. عن ابن عباس قال: نزلت في علي ثلاثمائة آية، وعنه قال: ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في علي. مختصر تاريخ دمشق: ١٨: ١١.
  4. سورة الأحزاب، الآية ٣٣.
  5. صحيح مسلم (٢٤٢٤) في فضائل الصحابة، باب فضائل أهل البيت. وهذا الحديث المعروف بحديث الكساء، رُوي في كل من: مسند أحمد: ٦: ٢٩٨ و٣٠٤، الترمذي: (٣٢٠٥) و(٣٧٨٧)، والمستدرك على الصحيحين: ٣- ١٤٧ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، سير أعلام النبلاء: ٣: ٢٥٤.
  6. سورة آل عمران، الآية ٦١.
  7. سورة آل عمران، الآية ٦١.
  8. مسلم: ٧: ١١٩ (باب فضائل علي)، مختصر تاريخ دمشق: ١٧: ٣٠٠، تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٠٠.
  9. أسد الغابة: ٤: ١٦، تاريخ الخلفاء: ٢٠١، قال: أخرجه الترمذي.
  10. ابن سعد ٣: ٢٤، والبخاري: ٥- ١٩ (باب مناقب علي بن أبي طالب)، ومسلم: ٧: ١١٩ (باب فضائل علي)، وخصائص النسائي: ٤، ومختصر تاريخ دمشق: ١٧: ٣٤٤ و٣٤٧. قال السيوطي: وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي سعيد الخدري، والطبراني من حديث أسماء بنت قيس، وأُم سلمة، وحبشي بن جنادة، وابن عمر، وابن عباس، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم. تاريخ الخلفاء: ٢٠٠.
  11. البخاري: ٥: ١٨، ومسلم: ٧: ١٩ (باب فضائل علي)، وخصائص النسائي: ٤، وأُسد الغابة: ٤: ٢١، ومختصر تاريخ دمشق: ١٧: ٣٢٥.
  12. مختصر تاريخ دمشق: ١٧: ٣٤٨.
  13. مسند أحمد: ١: ٩٥، ١٣٨، تاريخ بغداد: ١٤: ٤٢٦، وروى مسلم عن علي(ع) قال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنّه لعهد النبي الأُمي إليّ أنّه لا يحبني إلّا مؤمن ولا يبغضني إلّا منافق. تاريخ الخلفاء: ٢٠١، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه: ٢- ٢٥٥، وأحمد في مسنده: ١: ٨٤.
  14. الإستيعاب لابن عبد البرّ: ترجمة علي بن أبي طالب، والاستيعاب: ٣: ٣٨ هامش الاصابة، وأُسد الغابة: ٤: ٢٢.
  15. قيل لعطاء بن أبي رباح: أ كان في أصحاب محمّد(ص) أعلم من علي؟ قال: لا والله لا أعلم. أُسد الغابة: ٤: ٢٢. وقالت عائشة: علي أعلم الناس بالسنّة. وقال ابن مسعود: أفرض أهل المدينة وأقضاها علي بن أبي طالب. مختصر تاريخ دمشق: ١٨، ٢٦: ٢٥.
  16. قال سعيد بن المسيب: كان عمر يتعوذ من معضلة ليس لها أبو حسن، أُسد الغابة: ٤ ٢٣- ٢٢، وتهذيب الكمال: ٢٠- ٤٨٥.
  17. قال سعيد بن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب. أُسد الغابة: ٤- ٢٢.
  18. قال(ص) في أصحابه: أقضاهم علي بن أبي طالب. وقال عمر: علي أقضانا. الإستيعاب: ٣، ٣٩- ٣٨ هامش الاصابة.
  19. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: ١- ١٦.
  20. سورة المائدة، الآية ٦٧.
  21. أخرج حديث الغدير جمع كبير من الحفّاظ والمحدّثين، وذكره المؤرخون والمفسرون في كتبهم وأفرده بالتأليف آخرون، واتفق الفريقان على صحته وتواتره، وشهد به ستة عشر صحابياً، وفي رواية لَأحمد ابن حنبل ثلاثون صحابياً في زمن خلافة علي(ع)، ومع كل هذا يقول الدكتور بشار عواد معروف محقق «تهذيب الكمال» في معرض تعليقه على هذا الحديث (ج ٢٠: ٤٨٤): ليس في كل طرق هذا الحديث طريق صحيح، وقد تقدم أنّه لم يكن هذا الحديث معروفاً حتى نعق به ناعق من خراسان. أقول: لقد خرج هذا الدكتور أكثر من مرّة عن نطاق التحقيق العلمي النزيه، وجرّه الهوى البغيض إلى إنكار الأحاديث الصحيحة في مناقب علي(ع)، فهو مع اعترافه في قوله الآنف بصحة بعض طرق حديث الغدير، يردّد وبدون وعي مقولة الجاهل الحاقد. إنّ حديث الغدير قد روي بطرق كثيرة جداً، وليس هو منحصراً في طريق واحد حتى يقال إنّه لم يكن معروفاً حتى نعق به ناعق من خراسان ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ( سورة الكهف، الآية ٥) . قال ابن حجر في «الصواعق المحرقة» ص ٤٢، الشبهة الحادية عشرة: (انّه حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، فطرقه كثيرة جداً، ومن ثم رواه ستة عشر صحابياً، وفي رواية لَأحمد أنّه سمعه من النبي(ص) ثلاثون صحابياً، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته كما مر وسيأتي، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته). وألف الطبري كتاباً سماه «الولاية في طريق حديث الغدير» رواه فيه من نيف وسبعين طريقاً. قال ابن كثير في «البداية والنهاية»: ١١: ١٥٧: وقد رأيت له يعني للطبري كتاباً جمع فيه أحاديث غدير خمّ في مجلدين ضخمين. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: ١٤: ٢٧٧: جمع الطبري طرق حديث غدير خمّ، في أربعة أجزاء، رأيت شطره، فبهرني سعة رواياته، وجزمت بوقوع ذلك. انظر حديث الغدير في: مسند أحمد: ٤: ٢٨١- ٣٧٠، وسنن ابن ماجة: ١: ٤٣ باب (١١) المقدمة، وتاريخ بغداد: ١٤: ٢٣٦، والحاكم: ٣: ٥٣٣ وصححه ووافقه الذهبي، ومجمع الزوائد: ٩- ١٠٤، والإستيعاب: ٣: ٣٦ هامش الاصابة.
  22. أُسد الغابة: ٤- ٣٣، ومختصر تاريخ دمشق: ١٨- ٥٤ و٥٥.
  23. أُسد الغابة: ٤- ٣٣، ومختصر تاريخ دمشق: ١٨- ٥٤ و٥٥.
  24. هاشم معروف الحسني، سيرة الأَئمّة الاثني عشر: القسم الأوّل: ٥٠٦.
  25. جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ٥: ٢٣٣.
  26. جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ٥ : ٢٣٥ - ٢٣٦.
  27. جورج جرداق، الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: ١: ٤٧.
  28. جعفر السبحاني، موسوعة طبقات الفقهاء، ج ١، ص ٥- ١٥.