الإمام علي في علم الكلام
شبهة عدم مبادرة الإمام للتصدي إلى الحكم
إن من بين الشبهات القديمة التى يتمسك بها علماء أهل السنة لرفض أصل التنصيب دعوى عدم مبادرة الإمام علي(ع) إلى المطالبة بالحكم واستلام السلطة. فهؤلاء يدعون أنه لو كان هناك نص صادر عن النبي الأكرم(ص) بشأن خلافة الإمام علي حقاً، وبعبارة أدق: لو حصل تنصيب بالفعل، لتعين على الإمام علي أن يفعل شيئاً لأخذ حقه الثابت ولا يسكت عنه أبداً، في حين لم يحصل شيء من ذلك. وقد طرح هذه الشبهة بعض أهل السنة [١]، وعدد من الشيعة الذين يصطلح عليهم بالمستنيرين[٢].
مناقشة وتحليل
من خلال إلقاء نظرة عابرة على التاريخ ندرك أن هذا الكلام لا يعدو أن يكون مجرد ادعاء باطل لا يستند إلى أي دليل، وهذا ما تثبته الأدلة الآتية:
الاعتصام في بيت السيدة فاطمة الزهراء(ع)
بعد رحيل النبي الأكرم(ص)،صار بعض الصحابة من الذين لم يبايعوا الخليفة الأول بصدد القيام بعمل ما من أجل الحصول على السلطة. ولكي يحقنوا دماءهم من بطش السلطة تحصنوا في دار السيدة فاطمة الزهراء(ع) بوصفها وديعة رسول الله(ص) .متصورين أن الخليفة وأجهزته الأمنية لا تستطيع هتك حرمة بنت الرسول الوحيدة واقتحامه بالإكراه لإلقاء القبض عليهم. إلا أن تصوّرهم ظل على حدود التصوّر. فقد أرسلت السلطة بعض قوات النخبة بقيادة عمر بن الخطاب لاقتحام بيت الزهراء وإلقاء القبض على المعتصمين فيه. وهنالك هدّد عمر المعتصمين بحرق البيت على من فيه إن لم يخرجوا، وبعد إصرار المعتصمين على مواقفهم تم اقتحام البيت وتجريد المعتصمين من أسلحتهم، وحدثت هناك مناوشة كسر على إثرها سيف الزبير بن العوام أيضاً[٣].
ونحن هنا لسنا بصدد بيان تفاصيل الأحداث المتقدمة، وإنما نطرح هذا السؤال: لو أن الإمام علي(ع) والسيدة فاطمة الزهراء(ع) لم يكونا على خلاف مع الحكم الجديد، فلماذا فتحا بيتهما للمعارضين كي يتحصنوا فيه؟!
كراهة البيعة
هناك من الصحابة من كره مبايعة أبي بكر بن أبي قحافة، فتم إجباره على البيعة بالإكراه، وأما الإمام علي(ع) فلم يبايع حتى مضت أشهر ستة، وبذلك أثبت عدم شرعية أصل خلافة الخليفة الأول. فإن كان الإمام من القائلين بمشروعية الخليفة الأول منذ البداية، لما كان هناك من داع أو دافع لإصراره على عدم البيعة طوال هذه الفترة.
أجل هناك من المؤرخين السنة من حاول لدواع مختلفة أن يثبت بأن الإمام علي سارع إلى مبايعة الخليفة الأول بعد رحيل النبي الأكرم(ص) مباشرة[٤]. إلا أن المؤرخين المنصفين من أهل السنة[٥]، حتى الذين ينتقدون مواقف الإمام(ع) من أمثال ابن حزم[٦]، يرفض هذه الأقوال ويعتبرها عديمة للقيمة. بل هناك منهم من أضاف أن الإمام علي لم يبايع مدة حياة السيدة فاطمة الزهراء، وإنه لم يبايع أبا بكر أحد من بني هاشم إلا بعد وفاة فاطمة(ع).
النشاط السري والعلني والمواجهة المسلحة
إن نشاط الإمام علي(ع) فيما يتعلق باسترجاع حقه في الحكم لم يقتصر على النشاط السلبي فقط، بل بادر إلى العمل في هذا المجال - على ما يراه من المصلحة - بشكل إيجابي وعملي.
والمثال البارز على ذلك طواف الإمام علي(ع) بالسيدة فاطمة الزهراء(ع)والمحسنين(ع) ليلا على بيوت الأنصار بغية إقناعهم في العدول عن بيعتهم لأبي بكر، وإعادة الحقوق إلى أهلها، ولكنه للأسف الشديد لم يحصل على من يؤيّده سوى أربعة أشخاص أو خمسة بحجة أن بيعتنا قد مضت لهذا الرجل وقد روى الإمام علي(ع) هذه الحادثة على النحو الآتي: «ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِ فَاطِمَةَ وَ اِبْنَيَّ اَلْحَسَنِ وَ اَلْحُسَيْنِ ثُمَّ دُرْتُ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَ أَهْلِ اَلسَّابِقَةِ فَأَنْشَدْتُهُمْ حَقِّي وَ دَعَوْتُهُمْ إِلَى نُصْرَتِي فَمَا أَجَابَنِي مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةُ رَهْطٍ سَلْمَانُ وَ عَمَّارٌ وَ اَلْمِقْدَادُ وَ أَبُو ذَرٍّ - وَ ذَهَبَ مَنْ كُنْتُ أَعْتَضِدُ بِهِمْ عَلَى دِينِ اَللَّهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَ بَقِيتُ بَيْنَ حَفِيرَيْنِ قَرِيبَيِ اَلْعَهْدِ بِجَاهِلِيَّةٍ عَقِيلٍ وَ اَلْعَبَّاسِ»[٧].
وقد نقل أبو بكر الجوهري وهو مؤرخ سني عين هذه الحادثة، وأضاف إليها قول الأنصار في الاعتذار للسيدة فاطمة الزهراء(ع) قائلين: «يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، لو كان ابن عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به، فقال علي: أكنت أترك رسول الله ميتاً في بيته لا أجهزة، وأخرج إلى الناس أنازعهم في سلطانه»[٨].
وقد أشار معاوية بن أبي سفيان إلى هذه الحادثة في رسالة بعث بها إلى الإمام، وقد اتهمه فيها بزعمه أنه كان يطالب بالباطل[٩].
والشاهد الآخر على ذلك ما صرحت به السيدة فاطمة الزهراء في خطبتها المعروفة حيث تقول: « إِيهاً بَنِي قَيْلَةَ أَ أُهْضِمَ تُرَاثُ أَبِي وَ أَنْتُمْ بِمَرْأًى مِنِّي وَ مَسْمَعٍ، وَ مبتد [مُنْتَدًى] وَ مَجْمَعٍ؟، تَلْبَسُكُمُ اَلدَّعْوَةُ، وَ تَشْمَلُكُمُ اَلْخِبْرَةُ، وَ أَنْتُمْ ذَا اَلْعَدَدِ وَ اَلْعُدَّةِ، وَ اَلْأَدَاةِ وَ اَلْقُوَّةِ، وَ عِنْدَكُمُ اَلسِّلاَحُ وَ اَلْجُنَّةُ، تُوَافِيكُمُ اَلدَّعْوَةُ فَلاَ تُجِيبُونَ، وَ تَأْتِيكُمُ اَلصَّرْخَةُ فَلاَ تُغِيثُونَ»[١٠].
لقد كانت جهود الإمام علي(ع) في قول الحق والمطالبة به بعد رحيل رسول الله(ص) من الوضوح والصراحة والإصرار بحيث اتهمه المخالفون بالجشع والتهالك على السلطة، فكان جواب الإمام علي عن ذلك قائلاً: «طَلَبْتُ حَقًّا لِي وَأَنْتُمْ تَكُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ»[١١].
وقد اعترف بجهود الإمام علي(ع) في هذا السياق حتى المخالفون المنصفون أيضاً[١٢].
إلا أن هذه الجهود التي قام بها الإمام علي(ع) جوبهت - للأسف الشديد - بالإعراض والصدود. وعلى حد تعبير سلمان الذي كان من بين المدعويين أنه لم يستجب لدعوة الإمام سوى ٤٤ شخصاً. فبايعهم على الموت، وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رؤوسهم ومعهم سلاحهم، فلما أصبح لم يوافه منهم إلا أربعة: الزبير والمقداد وأبو ذر وسلمان[١٣].
حصيلة الكلام أنه بعد كل هذه الجهود والأنشطة التي يمكن القول إنها بلغت حد العمل على إسقاط السلطة بالسبل المشروعة، هل يمكن اتهام الإمام بأنه اختار السكوت ولم يقم بأي عمل يقوّض شرعية السلطة الغاصبة؟!
إن مثل هذه التهمة ليست ظلماً فحسب، بل تؤكد أن القائلين بها لا يمتلكون أدنى معرفة بتاريخ صدر الإسلام. وإلا لما قلبوا الحقائق، وقدموها إلى الناس بشكل معكوس [١٤].
نصوص الإمام(ع) بشأن الإمامة
إذا نحن تجاوزنا جميع هذه الحقائق التاريخية، وقلنا بأن الإمام علي(ع) لم يقم بأي نشاط عملي ضد الحكومات وأنه اختار السكوت، مع ذلك نقول: إن هذا السكوت لا يدل على الرضا ومشروعية خلافة الخلفاء في عصر الإمام علي(ع) أيضاً؛ إذ هناك إلى جانب هذا السكوت الكثير من النصوص الدالة على اختصاص الإمامة والحكم بالإمام علي بن أبي طالب، واغتصابها من قبل الآخرين، والانتقادات التي وجهها الإمام بهذا الشأن إليهم، وهذه النصوص تدلّ بأجمعها على عدم رضاه عن الخلفاء وعدم شرعيتهم، وعلى الباحث والمحقق أن يأخذ جميع هذه النصوص بنظر الاعتبار.[١٥]
شبهة سكوت الإمام علي(ع)
الإمام علي(ع) كان بصدد المواجهة مع مغتصبي الخلافة، ولكنه فوجئ بقلة الناصر؛ فآثر الصبر واضطر إلى كظم غيظه. ومع ذلك هناك من اعتبر سكوت الإمام مدة خمسة وعشرين سنة تأييداً للحكومات التي عاصرها، ورأى في ذلك مؤشراً على العلاقة الودية بينه وبين الخلفاء، أو في الحد الأدنى عدم اعتراضه عليهم، وذهب إلى الاعتقاد بأنه حيث يتمتع الإمام علي(ع) بشجاعة لا تنكر، ومعاناة المرشح المنافس له (أبو بكر بن أبي قحافة) من الشيخوخة، لماذا آثر السكوت. أليس السكوت علامة الرضا[١٦].
مناقشة وتحليل
تمت الإشارة إلى أن اتهام الإمام(ع) بالسكوت في المرحلة الأولى غير مقبول؛ إذ إن الإمام سعى بمختلف السبل - كما تقدم أن ذكرنا - إلى استرجاع السلطة، أو أن يتمّ الحجّة في الحد الأدنى. وأما في المرحلة الثانية حيث اختار الإمام السكوت النسبي، بمعنى عدم قيامه بحركة للاستيلاء على السلطة، لا بمعنى ترك الانتقاد وعدم تصحيح المسار. فهناك لتبريره أدلة مختلفة، وفيما يلي نشير إلى أربعة من الأدلة التي أكد الإمام عليها في النصوص المأثورة عنه بنفسه:
غياب الأنصار
روي عن الإمام علي(ع)، أنه قال: «فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي مُعِينٌ إِلَّا أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ المَوْتِ، وَأَغْضَيْتُ عَلَى الْقَدَى، وَشَرِبْتُ عَلَى الشَّجَا، وَصَبَرْتُ عَلَى أَخْذِ الْكَظَمِ وَعَلَى أَمَرَّ مِنْ طَعْمِ الْعَلْقَمِ»[١٧].
ذكر الإمام علي(ع) في هذه الخطبة أن أنصاره لم يكونوا سوى أهل بيته، وأن القيام بهم لن يؤدي بهم لغير الشهادة، في حين أن هذا لن يخدم الإسلام، بل إن خسارة الأمة لقائد ومرجع مثل الإمام علي(ع) كان سيؤدي إلى خسارة وثلمة لا يمكن لشيء أن يسدها.
وفي رواية أخرى يبرر الإمام علي(ع) عدم مواصلة موقفه السلبي من السلطة بقوله: «فَنَظَرْتُ فَإِذَا لَيْسَ لِي رَافِدٌ وَ لاَ مَعِي مُسَاعِدٌ إِلاَّ أَهْلُ بَيْتِي، فَضَنِنْتُ بِهِمْ عَنِ اَلْهَلاَكِ، وَ لَوْ كَانَ بَعْدَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَمِّي حَمْزَةُ وَ أَخِي جَعْفَرٌ لَمْ أُبَايِعْ كَرْهاً، وَ لَكِنَّنِي مُنِيتُ بِرَجُلَيْنِ حَدِيثَيْ عَهْدٍ بِالْإِسْلاَمِ، اَلْعَبَّاسِ وَ عَقِيلٍ، فَضَنِنْتُ بِأَهْلِ بَيْتِي عَنِ اَلْهَلاَكِ»[١٨].
وقد صرّح الإمام علي(ع) في مواضع أخرى بأنه لو كان معه أربعون رجلاً أو بعدد أصحاب بدر وطالوت، لقام بهم.
عدم حلول الوقت المناسب
إن الثورة على السلطة القائمة، والعمل على قلب نظام الحكم رهن بتوفّر سلسلة من الشرائط والظروف التي لو اختل واحد منها فإن الثورة سوف تمنى بالفشل. وقد كان الإمام علي(ع) ملتفتاً إلى هذه الحقيقة بشكل كامل، من هنا فإنه قابل حث أبي سفيان له بالثورة ومعارضة الخليفة على المستوى العملي، بالقول: «أَيُّها النَّاسُ، شُقُوا أَمْوَاجَ الفِتَنِ بِسُفْنِ النَّجَاةِ، وَعَرَّجُوا عَنْ طَرِيقِ الْمُنَافَرَةِ، وَضَعُوا تِيجَانَ الْمُفَاخَرَةِ. أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ، أَوِ اسْتَسْلَمَ فَأَراحَ. هَذَا مَاءٌ آجِنٌ، وَلُقْمَةٌ يَغَضُّ بِهَا آكِلْهَا، وَمُجْتَنِي الثَمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كالزَّارع بِغَيْرِ أَرْضِهِ. خلقه وعلمه فَإِنْ أَقُل يَقُولُوا: حَرَصَ عَلَى المُلْكِ، وَإِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا: جَزِعَ مِنَ المَوْتِ»[١٩].
الحفاظ على وحدة المسلمين
كما ذكر الإمام علي(ع) أن الحفاظ على وحدة المسلمين، والخوف من عودة الناس إلى الكفر، كان من بين الأسباب التي دعته إلى اختيار السكوت والصبر على هضم حقه، إذ يقول: «وَاَيْمُ اَللَّهِ لَوْ لاَ مَخَافَةُ اَلْفُرْقَةِ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَعُودَ اَلْكُفْرُ وَيَبُورَ اَلدِّينُ لَكُنَّا عَلَى غَيْرِ مَا كُنَّا لَهُمْ عَلَيْهِ»[٢٠]
وفي موضع آخر ذكر الإمام أن فلسفة سكوته عن حقه تكمن في رؤيته حالة من الردّة التي سادت الناس على الإسلام، وهو أمر هدد كيان الإسلام وعرض وجوده إلى الخطر، إذ يقول في الكتاب الذي بعثه إلى أهل مصر بيد مالك الأشتر النخعي: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الله سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً(ص) نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَمُهَيْمِناً عَلَى الْمُرْسَلِينَ، فَلَمَّا مَضَى(ص) تَنَازَعَ الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، فَوَالله مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِي، أَنَّ الْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ(ص) عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا أَنَّهُمْ مُنَخُوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ، فَمَا رَاعَنِي إِلا انْثِيَالُ النَّاسِ عَلَى فُلانٍ يُبَايِعُونَهُ، فَأَمْسَكْتُ بِيَدِي يَدِي، حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، يَدْعُونَ إِلَى تَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدٍ(ص)، فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ المُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَ يَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلَائِلَ، يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ»[٢١].
تنازل الإمام عن حقه
إن التصدي لمقام الحكم والسلطة لم يشكل هدفاً أولياً وذاتياً للإمام على(ع)، بل كان يرى أن الحكومة الدنيوية أقل شأناً وقيمة من النعل الخلق[٢٢].
من هنا لم تكن غاية الإمام من المطالبة بالسلطة سوى إحياء الدين الحنيف وبسط تعاليم الإسلام. وحيث تدبّر في ظروف العصر ومقتضياته أدرك أن مصلحة الإسلام والمسلمين تكمن في إيثار الصبر والسكوت وعدم توسيع رقعة الخلاف، وبهذا السكوت لم يتعرّض كيان القرآن والإسلام إلى الخطر، وإن كان يؤدي إلى مصادرة حقه الشخصي الثابت، وهنا ترفّع الإمام عن المطالبة بحقه.
إن الإجابة عن هذه الشبهة تتضح من خلال تحليل الشبهة السابقة؛ إذ أشار الإمام إلى فلسفة إيثاره السكوت عن حقه. غير أن الملفت في كلام الإمام أنه يخص إيثاره وزهده عن حقه الدنيوي فقط، ثم يذكر بيوم القيامة وأن الله سيحكم ويقضي في هذا الشأن، إذ يقول: «أَمَّا الْاِسْتِبْدَادُ عَلَيْنَا بِهَذَا الْمَقَامِ، وَنَحْنُ الْأَعْلَوْنَ نَسَباً، وَالْأَشَدُّونَ بِرَّسُولِ الله(ص) نَوْطاً، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَثَرَةً شَجَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمِ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَالْحَكَمُ الله وَالمَعُودُ إِلَيْهِ الْقِيَامَةُ»[٢٣].[٢٤]
شبهة قبول الإمام علي(ع) ببيعة أبي بكر
هناك من لا يدقق في الفترة الزمنية لبيعة الإمام علي(ع) لأبي بكر، ويعتقد لذلك بأن هذه البيعة تمثل دليلاً على شرعية خلافة الخليفة، وأن الإمام حتى إذا كانت لديه في بداية الأمر بعض الملاحظات على الحكومة، إلا أن هذه الملاحظات قد زالت في المرحلة اللاحقة بعد تأكده من سلامة طوية الخليفة بعد ستة أشهر، فبايعه مختاراً وحلّت العلاقات الطيبة والحسنة محل سوء التفاهم السابق. وبعبارة أخرى: بعد أن لمس الإمام عدالة الخليفة بايعه عن رضا وطيب نفس.
هذا وإن المتقدمين من أهل السنة يذعنون بأن بيعة الإمام علي(ع) إنما كانت بيعة ظاهرية، ولم تكن منبثقة عن قناعة داخلية، ولكنهم التزموا بأن الملاك في تحقق البيعة وصحتها هو الظاهر دون السرائر.
ومن ذلك قولهم: «ولا يجوز لقائل أن يقول: كان باطن على والعباس خلاف ظاهرهما، ولو جاز هذا لمدعيه لم يصح إجماع وجاز لقائل أن يقول ذلك في كل إجماع للمسلمين. وهذا يسقط حجية الإجماع؛ لأن الله عزّ وجل لم يتعبدنا في الإجماع بباطن الناس، وإنما تعبدنا بظاهرهم»[٢٥].
مناقشة وتحليل
في تحليل بيعة الإمام علي لأبي بكر بن أبي قحافة، وكذلك لعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، لا بد من التأمل في الأمور الآتية:
الحيلولة دون الكفر والردة
الإمام علي بعد استيلاء أبي بكر على السلطة امتنع عن مبايعته مدة ستة أشهر كاملة، وبذلك سجل عدم رضاه وأثبت عدم مشروعية الحكم. ولكن في هذه الفترة واجه الإسلام كثيراً من البدع وشتى الانحرافات. فمن جهة خرج مسيلمة الكذاب يدعي النبوة وغر بعض المسلمين واستقطبهم لدينه المزيف، وقد قويت بذلك شوكته حتى شكل جبهة واحدة قوية اعتزم أن يضرب المسلمين بها.
ومن هذه الناحية كان إيمان الناس وكذلك الرقعة الجغرافية للمسلمين في معرض الخطر والزوال، والسقوط بيد الأعداء الخارجيين. وفى هذه الأجواء المشحونة والمتوترة لم يتمكن الإمام من مواصلة موقفه السلبي من الخليفة الأول والإصرار على عدم مبايعته؛ إذ إن إصراره على موقفه لن يقتصر ضرره على شخص الخليفة ومنصب الخلافة فقط، بل قد يعرض إيمان المسلمين وبيضة الإسلام للخطر، أو يؤدي إلى إضعافها في الحد الأدنى. من هنا رأى أمير المؤمنين أنه إذا بايع الخليفة الأول وتعاون معه فإن ذلك سيعزز جبهة الإسلام والمسلمين. ومع الالتفات إلى مكانة الإمام علي ومنزلته ودوره المحوري سترتفع معنويات المسلمين وتتمكن الحكومة مدعومة بتأييد الإمام من الوقوف سداً منيعاً فى وجه الكفر والكفار وصد هجمتهم الوشيكة.
ربما تصور القارئ الكريم أن هذا الكلام مجرد تحليل من كاتب هذه السطور أو رأي لعلماء الشيعة في تغريدة منهم خارج السرب يراد منها إثبات أمر لصالح المذهب، إلا أن الحقيقة هي أن هذا الكلام ليس مجرد تحليل وإنما هو تقرير للواقع، والمقرر هو شخص الإمام علي(ع) الذي عايش تفاصيل الظروف وجزئياتها، ويعتبره الشيعة معصوماً من الخطأ، ويراه السنة في الحد الأدنى من الصحابة العدول. وقد صرّح الإمام علي(ع) بفلسفة بيعته مراراً وتكراراً، ومن ذلك قوله: «بَايَعَ اَلنَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَ أَنَا وَ اَللَّهِ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ وَ أَحَقُّ بِهِ فَسَمِعْتُ وَ أَطَعْتُ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعَ اَلنَّاسُ كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُهُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ ثُمَّ بَايَعَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ وَ أَنَا وَ اَللَّهِ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ فَسَمِعْتُ وَ أَطَعْتُ مَخَافَةَ أَنْ يَرْجِعَ اَلنَّاسُ»[٢٦].
كما بين الإمام علي(ع) في موضع آخر - ضمن إشارته إلى كراهة مبايعة الخليفة - أن سبب بيعته يكمن في خوفه من تعرض الإسلام والمسلمين للخطر، وقد عبر الإمام عن أن مصيبته في ذلك ستكون أشد من ضياع حقه في الخلافة حيث يقول: «فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ يَدْعُونَ إِلَى تَحْقِ دَيْنِ مُحَمَّدِ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ المُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلَايَتِكُمُ الَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعٌ أَيَّامٍ قَلَائِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ السَّرَابُ أَوْ كَمَا يَتَقَشَّعُ السَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ الْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ الْبَاطِلُ وَزَهَقَ وَاطْمَأَنَّ الدِّينُ وَتَنَهْنَه»[٢٧].
الحفاظ على وحدة المسلمين
ذكر الإمام علي(ع) أن الحفاظ على وحدة المسلمين والخوف من الردة عن الإسلام إلى الكفر كان من بين الأسباب التي دعته إلى اختيار السكوت وإيثار الصبر، إذ يقول: «وَ أَيْمُ اَللَّهِ لَوْ لاَ مَخَافَةُ اَلْفُرْقَةِ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ، وَ أَنْ يَعُودَ اَلْكُفْرُ، وَ يَبُورَ اَلدِّينُ لَكُنَّا عَلَى غَيْرِ مَا كُنَّا لَهُمْ عَلَيْهِ .»[٢٨].
وبعبارة أخرى أن الإمام كان على مفترق محذورين، فإما أن يُصرّ على المطالبة بحقه على حساب ضياع وزوال أو إضعاف الدين، وإما أن يغض الطرف عن حقه الثابت؛ فاختار الثاني، إلا أن صبره الذي استمر خمسة وعشرين سنة كان بمثابة من يتحمل ألم الشوكة المعترضة في عينه، أو ذاك الذي اعترض عظم في حلقه، إذ يقول: «وَطَفِقْتُ أَرْتَنِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بيَد جَذَاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَة عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فيهَا الكَبيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرَتُ وَفِي الْعَيْنِ قَدَى، وَفي الحَلْقِ شَجاً، أرى تُراثي نَهْباً»[٢٩].
فهل يمكن وصف مثل هذا الشخص الذي يصف حياته طوال خمسة وعشرين سنة في ظل الخلفاء الثلاثة وضياع ميراثه بهذا الوصف بأنه كان راض عن خلافة الخلفاء الذين سبقوه، والادعاء أنه كان قائلاً بشرعية حكمهم؟!
الحيلولة دون سفك الدماء
لو أن الإمام علي(ع) كان قد اختار الإصرار على عدم بيعة الخليفة الذي استتبت له الأمور، واختار سلوك طريق المخالفة، لأدى ذلك إلى اتساع الشرخ بين المسلمين، بل ولجأ أنصار كلا الطرفين إلى السلاح والاحتكام إلى السيف رغم حاجتهم الماسة إلى الاتحاد فيما بينهم، ولاستعر القتال بينهم . ولكي يحول الإمام دون حدوث هذه الكارثة دعا أنصاره إلى التمسك بالصبر والمداراة والإرشاد والنصيحة، وبادر هو إلى المبايعة ليطوي بذلك صفحة الفتنة وإراقة الدماء بين المسلمين. وقد أشار الإمام إلى هذا السبب في معرض بيان جانب من جوانب فلسفة بيعته للخليفة الأول.
عدم اعتبار الإجماع
وأما فيما يتعلق باعتبار الإجماع وكفاية البيعة الظاهرية من الإمام علي(ع)، فيجب القول:
- إن الشيعة يثبتون بالأدلة القطعية أن الحكومة والخلافة أمر منصوص من قبل الله سبحانه وتعالى والنبي الأكرم(ص)، وفيما يتعلق بالأمر الإلهي لا يكون هناك موضع لانتخاب الناس وحتى إجماعهم من الإعراب، لأن ذلك سيكون من باب تحكيم الآراء والاجتهاد في مقابل النص. مع أن الإجماع لو كان في تأييد الأمر الإلهى، لكان مرضياً الله.
- إن المخالفة الباطنية لم تقتصر على الإمام علي(ع) والعباس، بل تم تسجيل أسماء كبار الصحابة من أمثال: سلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر في الجهة المخالفة، على ما تقدم في الصفحات السابقة. وعليه إذا كان ملاك المشروعية يكمن في إجماع عامة الناس أو خصوص أهل الحل والعقد، فإن اعتبار هذا الإجماع سيخدش بغياب الصحابة المذكورين أعلاه، وإجبارهم على البيعة بالتهديد لاحقاً.
- على فرض القبول بالإجماع، فإن مشروعيته رهن بشرائط يفتقر إليها الإجماع المذكور للأسف الشديد؛ ذلك لأن مرشح السقيفة قد اختير على عجل وفي غياب الصحابة الكبار، وأما البيعة العامة والجماعية فقد تمت بالتهديد والإكراه أو الترغيب وشراء الذمم، وهذا الأمر يُفقد الإجماع مصداقيته.
- إن مقام الإمامة وعناصرها وأركانها الرئيسة لا تنحصر في الركن الحكومي والقيادة السياسة حتى يتحقق أو ينعدم بالإجماع من قبل البعض، بل إن العنصر الأساس في الإمامة يتمثل بالمرجعية العلمية والدينية، وهذا يقترن بعلم الغيب والعصمة، وتعيين مثل هذا الفرد الذي يتصف بهذه الخصال، خارج عن صلاحية الإجماع.[٣٠]
شبهة المشاركة في شورى تعيين الخليفة الثالث
قام الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في آخر أيام حياته بتقديم صيغة لانتخاب الخليفة التالي له من خلال شورى مؤلفة من ستة أشخاص، وهم كل من: علي بن أبي طالب(ع)، و الزبير بن العوام، و عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان، و طلحة بن عبيد الله، و سعد بن أبي وقاص[٣١].
وإن الإمام علي من خلال مشاركته في هذه الشورى أثبت على المستوى العملى مشروعية خلافة عمر بن الخطاب، كما أيّد صيغته المقترحة لتعيين الخليفة الثالث؛ إذ لو لم يكن مؤمناً بأصل خلافة عمر ؛ لوجب عليه رفض أوامره وأعلن عن انصرافه ورفضه للشورى المذكورة عملياً، في حين أن الإمام علي(ع) لم يقم بذلك، وإنما شارك في هذه الشورى، وبذلك حكم بشرعية خلافة الخليفة الثاني وأمره بتشكيل الشورى المذكورة.
كان هذا الدليل منذ قرون ولا يزال يتم طرحه - من قبل المتكلمين من قدماء أهل السنة ومعاصريهم - بوصفه واحداً من الأدلة على فقدان الدليل على التنصيب فيما يتعلق بأمر الحكومة ومشروعية خلافة الخلفاء الراشدين[٣٢].
هذا بالإضافة إلى أننا إذا أمعنا النظر برجال الشورى سندرك جيداً أن مآل الأمور لا محالة ستصب في مصلحة عثمان بن عفان، فما عفان[٣٣]؛ فما هي حجة الإمام علي(ع) في المشاركة في هذه الشورى؟
مناقشة وتحليل
فيما يتعلق بتحليل هذا الدليل أو الشاهد، يجدر التأمل في الأمور الآتية:
دفع شبهة العلمانيين
إن الأمر الأول الذي يبدو من مشاركة الإمام في الشورى المحدّدة من قبل الخليفة، هي أن هذه المشاركة تأتي في سياق دفع شبهة ابتعاد الإمام عن ممارسة السياسة، حيث تم طرح هذه الشبهة منذ قرون، واليوم يتم طرحها والترويج لها بشكل أشد وأقوى. حيث يسعى أنصار القول بالفصل بين الدين والسياسة إلى التشبث بكل ذريعة لتأييد مدعاهم. وقد تقدم في الصفحات السابقة أنهم اتخذوا من سكوت الإمام، وعدم قيامه بشيء من أجل الحصول على السلطة، وكراهته لتولي الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان، دليلاً على تأیید دعواهم.
وفيما يتعلق بمسألة الشورى، لو لم يشارك الإمام علي(ع) فيها لاتخذ العلمانيون هذا الموقف منه ليثبتوا على الفور أنه يصب في تأييد نظريتهم ومقالتهم.
ولكي لا يعمل أنصار العلمانية على مصادرة عدم مشاركة الإمام في الشورى المذكورة لصالحهم، بادر الإمام إلى المشاركة فى هذه الشورى بوصف ذلك تكليفاً إلهياً تعين عليه القيام به.
إتمام الحجة
على الرغم من ان نتيجة الشورى كانت محسومة سلفاً، إلا أنه لو لم يشارك الإمام فيها لكان هناك احتمال أن يصف الشيعة وغيرهم موقف الإمام بالضعف وعدم الاهتمام في أمر سيادة الدين، وأنه كان بالإمكان في حال مشاركته أن يحصد أصوات الغالبية بالنظر إلى سابقته في الإسلام، وفضله على جميع الصحابة، مضافاً إلى امتلاكه لرصيد النص الإلهي القاضي بتنصيبه إماماً وخليفة على المسلمين من قبل شخص النبي الأكرم(ع) في غدير خم وكثير من المواطن الأخرى. وقد أثبت الإمام علي(ع) من خلال حضوره ومشاركته في الشورى مدى ابتعاد أعضاء الشورى عن الحق وانحيازهم إلى القرابة على إحقاق الحق. وبعبارة أخرى: إن الإمام من خلال مشاركته سجل مظلوميته ومظلومية العدالة والحق على طول التاريخ. أما لو امتنع الإمام عن المشاركة في الشورى؛ لاتهمه التاريخ بأنه من خلال اعتزال الشورى قدّم السلطة والحكم لغير الكفوئين وغير الصالحين على طبق من ذهب، وبذلك يعد بنحو من الأنحاء شريكاً في الجريمة[٣٤].
تجنّب الخلاف والحفاظ على وحدة المسلمين وتماسكهم
لو لم يشارك الإمام علي (ع) في الشورى المذكورة، لعمّت الخلافات والنزاعات الأمة الإسلامية ثانية، إذ إن عدم مشاركة الإمام فيها بمنزلة مواجهة السلطة والخليفة الجديد، وفي هذه الصورة سيعمد شيعة الإمام إلى التأسي بموقفه، وعندها سيدخلون في جدال ونزاع وصراع مع أنصار السلطة، ولا يخفى أن هذا الأمر سيؤدي إلى الفرقة بين صفوف المسلمين، وهذا سيؤدي بدوره إلى إضعاف أصل الإسلام. من هنا فإنّ الإمام علي(ع) رغم علمه بنتيجة الشورى، آثر مصلحة الإسلام على مصلحته الخاصة. هذا مضافاً إلى أن عدم مشاركة الإمام علي(ع) في تلك الشورى المقترحة من قبل عمر بن الخطاب كان سيفسّر على أنه غمز وطعن في الخليفة الثاني، ولكان وقع ذلك على أتباعه - الذين يمثلون غالبية الناس الاعتياديين - ثقيلاً، وهو أمر من شأنه أن يوسع من شرخ الخلافات والصراعات الداخلية بين المسلمين.
نقض موقف الخليفة الثاني
إن من بين أسباب مشاركة الإمام في الشورى المقترحة من قبل عمر بن الخطاب، أن عمر روى عن النبي الأكرم(ص) حديثاً مزعوماً يقول: إن النبوة والإمامة لا تجتمع في بيت واحد (البيت الهاشمي). وبعد تسمية الإمام علي(ع) من قبل عمر نفسه بوصفه مرشحاً لاستلام الحكم والخلافة يكون قد ناقض نفسه بنفسه.
وقد أشار الإمام علي(ع) إلى هذه الناحية في معرض رفضه اقتراح ابن عباس في عدم المشاركة في مهزلة الشورى بعد أن كانت النتائج معلومة سلفاً، وأنها ستؤدي لا محالة إلى انتخاب عثمان بن عفان، إذ قال له الإمام(ع): «أَنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ، وَ لَكِنِّي أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الشُّورَى؛ لِأَنَّ عُمَرُ قَدْ أَهِّلْنِي الْآنَ لِلْخِلَافَةِ وَ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ النُّبُوَّةِ وَ الْإِمَامَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي بَيْتٍ، فَأَنَا أُدْخِلَ فِي ذَلِكَ؛ لأظهر لِلنَّاسِ مُنَاقَضَةَ فَعَلَهُ لِرِوَايَتِهِ»[٣٥].
ومن الواضح أنه إذا لم يتم إثبات زيف الرواية التي يرويها عمر بن الخطاب عن النبي الأكرم(ص) القائمة على عدم الجمع بين النبوة والإمامة، لصار هذا الحديث المكذوب على لسان رسول الله مستمسكاً بيد الخصوم بعد مقتل عثمان، ولجعلوه دليلاً على عدم شرعية خلافة وإمامة الإمام علي(ع) وسائر الأئمة من أبنائه المعصومين(ع) . وسيؤدي ذلك إلى الانحراف عن ركن رئيس من أركان الدين وهو ركن الإمامة.
نفي تهمة الاستبداد بالرأي
إن عدم مشاركة الإمام علي(ع) في الشورى المذكورة كان يترتب عليه لازم سلبي، وهو أن أكثر العوام من الناس سوف يفسرون عدم مشاركته على أنها ترفع منه على سائر الصحابة من منه على سائر الصحابة من أعضاء الشورى، وأنه يرى نفسه فوق الجميع، وهذا يحمل في طياته نوعاً من الاستبداد بالرأي والتكبّر والاستعلاء على الآخرين. من هنا كان ما قام به الإمام من المشاركة في الشورى دفعاً لهذا المحذور.
روايات وسلوك الإمام ناقض المشروعية الخلفاء
قد تطرح هنا شبهة مفادها: أنّ الإمام علي(ع) من خلال مشاركته في الشورى، يمنح الشرعية للخليفتين السابقين بالإضافة إلى الخليفة الثالث على المستوى العملى. إلا أن الأجيال اللاحقة تدرك من خلال قراءتها للروايات المأثورة عنه ودلالتها على اغتصاب الخلفاء السابقين لحقه، مضافاً إلى احتجاجاته المتكررة على أصل التنصيب في كثير من المواطن، بما في ذلك الشورى نفسها[٣٦]، ولذلك لا تكون هذه الشبهة جديرة بالطرح. لأن مشاركة الإمام في الشورى تأتي في سياق كثير من الأسباب الأخرى التي تقدم ذكرها، ولا ربط لها بمسألة مشروعية الخلافة. نعم لو لم يكن الإمام قد ذكر تلك النصوص في نقد ما قام به الخلفاء السابقون، وما احتج به من الروايات حتى في معقد الشورى نفسها[٣٧]، لكان هناك متسع لمثل هذا الاحتمال. إلا أن النصوص الواردة عن الإمام(ع) لا تبقي مجالاً لطرح هذه الشبهة.
علاوة على ذلك فإن الإمام علي(ع) بين موقفه السلبى من الخليفتين الأولين في ذات الشورى نفسها، وذلك عندما تقدم عبد الرحمن بن عوف نحوه في حركة استعراضية اقترح فيها عليه مبايعته بشرط أن يعمل بسنة النبي الأكرم(ص) وسيرة الشيخين (أي الخليفتين السابقين: أبو بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب). فأكد الإمام علي(ع) له أنه لا يعمل إلا بسيرة النبي الأكرم(ص) واجتهاده ورأيه. وبذلك يكون الإمام علي(ع) قد صرح بكراهته ومعارضته السيرة الخليفتين السابقين، مما يثبت عدم شرعية سيرتيهما. مضافاً إلى تذكيره بأن موافقة منافسه عثمان بن عفان على هذا الشرط لا ينسجم مع أصل الكتاب وسنة رسول الله(ص) وبذلك يكون الإمام علي(ع) قد أثبت عدم مشروعية الخليفتين السابقين وكذلك عدم مشروعية خلافة الخليفة الثالث (عثمان بن عفان) أيضاً.[٣٨]
شبهة رفض التصدي للخلافة بعد مقتل الخليفة الثالث
من بين الأدلة التي يتمسك بها أهل السنة لإثبات عدم وجود النص على أصل التنصيب والإمامة والخلافة، رفض علي لقبول الخلافة عندما عرضت عليه من قبل الأمة بعد مقتل عثمان بن عفان؛ حيث روي عنه قوله: «دَعُونِي وَ اِلْتَمِسُوا غَيْرِي»[٣٩]. يقول أهل السنة: لو كان هناك نص على إمامة الإمام علي(ع) وخلافته، لكان عليه المسارعة إلى قبول هذا العرض والترحيب به، ولقام بتشكيل الحكومة التى يرتضيها، وإلا كان مصداقاً لتارك الواجب الديني[٤٠].
كما يتم التسويق لهذه الشبهة حالياً من قبل بعض العلمانيين من الشيعة أيضاً، ويستفيدون منها صحة ما يذهبون إليه من الفصل بين الدين والسياسة قائلين: إن رفض الإمام لاستلام الحكم لم يكن رفضاً للقيام بواجب ديني، وإنما هو يرفض بذلك الاضطلاع بمهمة ومسؤولية دنيوية لا ربط لها بالفرائض والأحكام الدينية التي لا تترك بحال[٤١].
مناقشة وتحليل
قبل الخوض في مختلف التبريرات، لا بد من الإشارة إلى هذه النقطة والإجابة الكلية، وهي أنه حتى على فرض عدم اتضاح الإجابة عن هذه الشبهة، لا يمكن لنا أن نستنتج من مجرد كراهة الإمام علي(ع) لتولي منصب الحكم، بطلان نظرية التنصيب؛ ذلك لأن هذه النظرية قد ثبتت بالأدلة المتقنة والمحكمة المدعومة بالأحاديث المأثورة عن النبي الأكرم(ص) والأئمة الأطهار(ع)، وخاصة الإمام علي(ع) نفسه، وإن مجرد الغموض في قضية تاريخية لا يمكن أن يخدش بها أو يضعفها. هذا مع أنّ هذه الخطبة ذاتها وامتناع الإمام عن استلام الحكم له تبريرات وأدلة تنسجم مع نظرية التنصيب، وفيما يأتي نشير إليها على النحو الآتي:
الاعتراض على سيرة الخلفاء السابقين
طبقاً لعلم التفسير والتأويل والهرمنيوطيقا - الذي أشبعه المستنيرون شرحاً وبياناً - لابد في تفسير كلام ما من ملاحظة الظروف والثقافة التي تحيط بفترة صدور ذلك الكلام. ومن بين الأمور التي تساعد على فهم الكلام بيان الدافع والمخاطبين بالكلام، وهو ما يعبر عنه في علم التفسير بـ (شأن النزول». وعلى هذا الأساس لا ينبغي التسرع في تفسير هذه الخطبة والاستناد إلى ظاهرها والاحتجاج بها في أخذ المدعى، بل لا بد أولاً من بيان «شأن نزولها».
ذكر ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه أنه بعد مقتل الخليفة الثالث «عثمان بن عفان أقبل بعض كبار القوم على الإمام علي بن أبي طالب(ع) واقترحوا عليه البيعة والخلافة على أن يعمل بكتاب الله وسنة النبي وسنة الخلفاء السابقين، فرفض الإمام هذا الشرط ؛ لاعتقاده ببطلان سيرة الخلفاء السابقين وعدم شرعيتها[٤٢]. إذ إن قبول هذا الشرط يعني إمضاء سنة الخلفاء السابقين. وهنا قال الإمام علي لأصحاب هذا المقترح المشروط: دعوني والتمسوا من يوافق على هذه الشروط وعليه فإن الإمام علي(ع) لم يكن يرفض أصل استلام الحكم والسلطة، وإنما كان يرفض الحكم الذي يحمل في دستوره مادة تفرض عليه اتباع أمر أو سياسة لم يكن مقتنعاً بها أو كان يرى خلافها، وهي سيرة الخلفاء الذين سبقوه.
إتمام الحجة
إن الإمام علي(ع) في الحقيقة لم يرد من وراء رفض الحكم الامتناع عن أصل ممارسة الولاية والسلطة، وإنما كان يريد تعريف الناس بهوية حكومته، وإن من أهم أركانها العمل بكتاب الله وسنة رسول الله(ص) ورأيه الخاص، من دون سيرة من سبقه من الخلفاء، وذلك كي يبايعه الناس عن بصيرة من أمرهم، فلا يقولوا بعد توليه السلطة: وا سنة أبي بكر! أو وا سنة عمراه! ويتخذون ذلك ذريعة لمعارضة حكومة الإمام الفتية؛ إذ إنّه قد أتم عليهم الحجة منذ البداية، وبيّن لهم طبيعة حكومته وماهيتها، وهذا ما يتضح من خلال عبارات ذات الخطبة التى غابت عن أنظار القائلين بمبدأ فصل الدين عن السياسة، وذلك حيث يصرح(ع) قائلاً: «وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ»[٤٣].
التنبؤ بالفتن القادمة
إن الإمام علي(ع) في هذه الخطبة ذكر أن السبب الآخر الذي يدعوه إلى الامتناع عن قبول الحكم والخلافة، هو أن ممارسات الخلفاء السابقين قد تركت وراءها كثير من الألغام التي ستجعل المستقبل حافلاً بالصواعق المتفجرة، وإن إبطال مفعولها سيخلق كثيراً من المشاكل المريرة على المستوى الداخلي، وإن كثيراً من الشخصيات المرموقة، من أمثال: عائشة وطلحة والزبير وغيرهم، لن يخرجوا من التجربة القادمة مرفوعي الرأس، إذ إنّهم لن يتحملوا حكومته العادلة، وذلك إذ يقول(ع): «دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي؛ فَإِنَّا مُسْتَقْبلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وَأَلْوَانٌ، لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ، وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ، وَالمُحَجَّةَ قَدْ تَنكَّرَتْ»[٤٤].
ومن ثَمَّ فإن حكومة الإمام القصيرة بدلاً من أن تمكنه من نشر الإسلام، استهلكت الطاقة فى الإصلاحات الداخلية وتغيير نفوس الأعداء والمخالفين من إخوته في الإسلام.
بعبارة أخرى: يبدو أن الإمام(ع) اعتبر الفترة غير مناسبة كي يمسك بمقاليد الأمور، وذلك لأن الشبهات والفتن قد لوثت أذهان حتى المخلصين من الصحابة، وإن الفساد قد عم غالبية الناس، بحيث أنهم لن يكونوا قادرين على التمييز بين الحق والباطل.
إلا أن تطبيق العدالة - مهما كانت فترة الحكم قصيرة - والعمل بعهد من الدفاع عن حقوق المظلومين، وإجماع الناس عليه وإعلانهم الاستعداد للبيعة، خلق للإمام تكليفاً إلهياً يتمثل في الاستجابة لطلب الناس رغم عدم رغبته بذلك، نظراً لثقل المسؤولية. وقد بيّن الإمام علي(ع) سبب قبول الخلافة رغم زهده فيها قائلا: «أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ، وَقِيَامُ الحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ، وَمَا أَخَذَ الله عَلَى الْعُلَماء أن لا يُقَارُّوا عَلَى كِظَلَّةِ ظَالِمٍ وَلَا سَغَبِ مَظْلُوم، لألْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا، وَلَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسٍ أَوَّلِهَا، وَلَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزِ»[٤٥].
دفع شبهة التهالك على الحكم والسلطة
من خلال التدبّر في هذه الخطبة يمكن لنا أن نستنتج سبباً آخر يدعو الإمام إلى رفض الخلافة، ذلك أنه أراد أن يفهم الناس أنه ليس له أدنى طمع أو تهالك على الحكم والسلطة، وإن ما صدر عنه سابقاً من الشكوى والتذمر من اغتصاب السلطة وإبعاده عنها إنما كان لأجل العمل بوصية النبي الأكرم(ص) وأنه الأصلح لقيادة الأمة وإحياء الدين والشريعة. وهذا ما يمكن فهمه من خلال وصفه للخلافة لو لا العدل بقوله(ع): «لَأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْز».
الشكوى من الناس
ومما ذكره بعض شارحي هذه الخطبة على ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي، أن الإمام علي(ع) يريد بهذا الرفض الشكوى من الناس، إذ يقول: وقد حمل بعضهم كلامه(ع) على محمل،آخر، فقال: هذا كلام مستزيد شاك من أصحابه يقول لهم: «دَعُونِي وَ اِلْتَمِسُوا غَيْرِي» على طريق الضجر منهم والتبرم بهم والتسخط لأفعالهم؛ لأنهم كانوا عدلوا عنه من قبل واختاروا عليه فلما طلبوه بعد أجابهم جواب المتسخط العاتب[٤٦]. فهو من قبيل المثل القائل: إنكم جئتم بعد خراب البصرة
نفي صلاحية الناس والاستهزاء بهم
إن من بين المحامل والوجوه التي ذكرها بعض شراح هذه الخطبة ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي إذ يقول: وحمل قوم منهم الكلام على وجه آخر، فقالوا: إنه أخرجه مخرج التهكم والسخرية، أي أنا لكم وزيراً خير مني لكم أميراً، فيما تعتقدونه، كما قال سبحانه: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾[٤٧] أي: تزعم لنفسك ذلك وتعتقده[٤٨]!
واضح أن الإمام في هذا الكلام ليس بصدد نفي أهليته وصلاحيته لتولي الحكم والسلطة وقيادة المجتمع الإسلامي، في حين أنه صرح في كثير من الموارد بحقه وصلاحيته الحصرية في التصدّي لهذا الأمر، ومن ذلك قوله: «أَمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَهَا فُلَانٌ، وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ»[٤٩].[٥٠]
شبهة تعاون الإمام علي(ع) مع الخلفاء
هناك من يذهب إلى القول بأنه لو كان هناك نص صادر عن النبي الأكرم(ص)، ينص على خلافة الإمام علي(ع) وإمامته ؛ لكانت الخلافة حقاً حصرياً من حقوقه، ولا يحق لغيره منازعته عليه، ولو نازعه عليه كان غاصباً وظالماً، ومعلوم أن الظالم والغاصب يحرم التعاون معه. وحيث ثبت أن الإمام علي(ع) قد تعاون مع جميع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وكان يحضر جماعتهم، وينصح لهم في المشورة، ويتمّ أحياناً استخلافه في غيبتهم. وفي بداية خلافة أبي بكر كان المرتدون بصدد الهجوم على المدينة المنورة؛ فانضم الإمام إلى جيش الخليفة برفقة طلحة والزبير وابن مسعود تولى مهمة حراسة المنافذ الرئيسة المؤدية إلى المدينة[٥١].
وفى سنة ١٤ للهجرة ترك عمر بن الخطاب المدينة لتجهيز جيش، فوافق الإمام علي الحلول محله في إدارة شؤون المدينة[٥٢].
كما كانت علاقة الإمام علي(ع) مع الخليفة الثانى أكثر من علاقته بسائر الخلفاء الآخرين، وكانت نصائحه العلمية والدينية والعسكرية أشهر من نار على علم.
وعليه يتضح من ذلك كله أن الإمام عليا(ع) كان ينظر إلى من سبقه من الخلفاء بوصفهم خلفاء شرعيين، وليسوا غاصبين وظالمين، وبذلك كان يضفى عليهم نوعاً من التأييد والشرعية، ومن ثَمَّ فإن هذا يثبت عدم وجود نص على تنصيبه من قبل النبي الأكرم(ص)، وإلا لكانوا غاصبين وظالمين لحقه، ولما جاز له أن يتعاون معهم، وفي ذلك يقول ابن أبي الحديد المعتزلي: «فلو أنه أنكر إمامتهم وغضب عليهم وسخط فعلهم فضلاعن أن يشهر عليهم السيف أو يدعو إلى نفسه، لقلنا إنهم من الهالكين ... ولكنا رأيناه رضي إمامتهم وبايعهم وصلى خلفهم وأنكحهم وأكل من فيئهم فلم يكن لنا أن نتعدى فعله ولا نتجاوز ما اشتهر عنه»[٥٣].
وهناك من المعاصرين من يستنتج من تعاون الإمام علي(ع) مع الخلفاء في المسائل السياسية وشؤون الحكم نوعاً من المشروعية والتأييد الإجمالي لحكم الخلفاء الذين سبقوه، ولو على نحو الضرورة والأحكام الثانوية. فهؤلاء بطبيعة الحال لا ينكرون وجود النص، ولكنهم يرونه عنواناً أولياً، وإنه عند عدم العمل به يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي الانتخاب والبيعة من قبل الناس، وهي مرحلة مشروعة أيضاً ويجوز التعبد بها[٥٤].
مناقشة وتحليل
الأمر الدقيق الذي ينبغي بيانه قبل كل شيء هو أن الحكومات والخلفاء الذين سبقوا الإمام علي(ع) كانوا من وجهة نظر الشيعة وشخص الإمام علي(ع)،من المسلمين، وكانوا في الجملة من أتباع الإسلام والنبي الأكرم(ص)، ولم يكن الأمر كما لو أن الشيعة يكفّرون الخلفاء الثلاثة الأوائل، ويخرجونهم من الملة، كما قد يبدو شائعاً بين أهل السنة.
غاية ما هنالك أن الخلفاء والساسة في حينها لم يعطوا الحق إلى صاحبه بعد رحيل رسول الله(ص)، بل اغتصبوا حقه في الخلافة وحلّوا محله ظلماً وعدواناً، وبذلك يكونون قد اقترفوا معصية. ولو أن الذي يتبنى الرؤية السنية كان منصفاً في إيمانه بصدق الإمام علي(ع) كما السلام كما يصرح أهل السنة بذلك، فعلية أن يلتزم بكلام الإمام علي ويعتبره حجّة على نفسه. وقد تقدّم أن نقلنا في الصفحات السابقة تصريحات الإمام علي في بيان سلب حقه المسلّم بمختلف الطرق، وبين موقفه الناقد للخلفاء الذين عاصرهم.
وعليه لابد من أن نذعن أولاً بأن الخلفاء الذي تولوا منصب الخلافة بعد رسول الله كانوا من وجهة نظر الإمام علي(ع) فاقدين للشرعية من ناحية النصوص الدينية. ولكن على أي حال فإنهم جلسوا على سدة الحكم لسبب وآخر - سواء من طريق البيعة أو غيرها - وقاموا بتطبيق الأحكام والحدود الإسلامية إلى حد ما (بغض النظر عن قيام بعضهم بما يخالف سيرة النبي الأكرم(ص) في بعض الموارد، من قبيل: تحريم المتعة). ومن جهة أخرى كان أعداء الإسلام من المنافقين والكفار والمرتدين يتربصون بالإسلام الدوائر بغية الانقضاض عليه وإضعاف حكومته الفتية، وفي ظل هذه الظروف الخطيرة كان الحفاظ على أصل الإسلام (بغض النظر عن هوية الخليفة والحاكم) وحفظ وحدة المسلمين وتماسكهم من أهم الواجبات الأولية والأساسية، من هنا قام الإمام بالتنازل عن حقه الثابت، وغض الطرف عنه مؤقتاً، وقام بالتعاون مع الخلفاء الذين سبقوه في حدود الإمكان.[٥٥]
شبهة اقتداء الإمام علي(ع) بصلاة الخلفاء
من بين الشبهات الأخرى قولهم: إن الخلفاء الذين عاصرهم الإمام علي(ع) لو كانوا ظالمين وغاصبين لحقه، فلماذا كان الإمام يشارك في اجتماعاتهم العبادية، ويقتدي بإمامتهم في الصلاة؟[٥٦] أليست العدالة شرطاً في إمام الجماعة؟ وإذا كان هناك من محمل يمكن لنا أن نحمل عليه تصرف الإمام علي(ع) على المستوى الديني والاجتماعي في تعاونه مع الخلفاء، وقلنا بأنه كان في ذلك يراعي مصلحة الحفاظ على بيضة الإسلام، فبماذا يا ترى نبرر اقتداءه بهم في صلاة الجماعة؟ وقد ذكر ابن أبي الحديد اقتداء الإمام علي(ع) بصلاة الخلفاء المعاصرين له بوصفه دليلاً وشاهداً على شرعية حكومة الخلفاء الثلاثة الأوائل[٥٧].
كما ورد في بعض المصادر الروائية أن الإمامين الحسن والحسين(ع) كانا يصليان بإمامة مروان بن الحكم[٥٨].
مناقشة وتحليل
في معرض تحليل هذه الشبهة قدّم المفكرون إجابات مختلفة، وفيما يأتى نشير إلى هذه الإجابات:
نفي الاقتداء وإنكار حصوله
ذهب بعض المتكلمين إلى القول: صحيح أن الإمام علي(ع) كان يتقيد بالحضور في المسجد والمشاركة في صلاة الجماعة، والاقتداء بإمامة الخلفاء الثلاثة الأوائل، إلا أنه كان في ذلك يمارس التقية، فكان يركع بركوعهم ويسجد بسجودهم، ولكنه في الواقع كان ينوي الصلاة فرادى[٥٩].
كما أجاب الشيخ المفيد عن السؤال المطروح بشأن اقتداء الإمام علي(ع) بصلاة الخلفاء قائلاً: «جَعَلَهُمُ بِمِثْلِ سَوَارِي اَلْمَسْجِدِ»[٦٠].
وقوع الخلاف بين المسلمين بسبب عدم حضور الإمام في الجماعة
لو آثر الإمام علي(ع) عدم الحضور في جماعة الخلفاء، لاعتبر ذلك مؤشراً سلبياً؛ بمعنى أن الخليفة من وجهة نظر الإمام لا يتصف بالحد الأدنى من الأوصاف التي يشترط بإمام الجماعة أن يتصف بها وهي العدالة، وانعدام العدالة تعبير آخر عن الفسق. وسيؤدي هذا الموقف والوصف إلى سريان الاختلاف بين المسلمين وانقسام مواقفهم بين مؤيد للخليفة ومؤيد للإمام، ولا يخفى ما فى ذلك من الإضرار بوحدة المسلمين واتفاق كلمتهم، وهو أمر سيضعف الكيان والحكومة الإسلامية. من هنا كان الإمام علي(ع) يؤثر الالتزام والمثابرة على الحضور في التجمعات العبادية للحكومة ضماناً لمصالح المسلمين العالية[٦١].
اعتبار عدم الحضور تركاً للفرائض الدينية
لقد كان لصلاة الجمعة والجماعة في عصر النبي الأكرم(ص) وغيرهما من التجمعات العبادية والاجتماعية أهمية قصوى، بحيث يعد تاركها والممتنع عن الحضور فيها منافقاً، ويترتب على ذلك جواز اغتيابه وحرق بيته بالنار[٦٢].
على هذا النمط من المفاهيم ترعرع المسلمون، فهم ينظرون إلى الحضور في أمثال هذه التجمعات العبادية والدينية نظرة بالغة الأهمية، ويذمون تارك الحضور فيها ويستنكرون موقفه. وقد بلغ الاهتمام بالحضور في صلاة الجماعة بعد رحيل رسول الله(ص) حداً بحيث لم يشذ عنه أي واحد من الصحابة باستثناء سعد بن عبادة.
أما أن يكون إمام الجماعة هو شخص النبي الأكرم(ص) أو أي شخص آخر مخول لذلك من قبله، فلم يكن يستوقف المسلمين كثيراً.
وعلى هذا الأساس لو أن الإمام علي(ع) قرر عدم الحضور في التجمعات العبادية، من قبيل: صلاة الجمعة والجماعة، فإن موقف المسلمين من الإمام سوف يتغيّر، ولربما رموه بترك الصلاة. كما حدث ذلك بالنسبة إلى أهل الشام حيث تأثروا بإعلام معاوية المضلل في اتهام الإمام علي(ع) بعدم إقامة الصلاة والعياذ بالله.
إنّ الإمام علي(ع) لم يكن يخشى من أصل سوء ظن الناس به، إلا أن هذه المسألة سوف تتخذ من قبل المخالفين وأعداء الإسلام سلاحاً ضده كي يشوهوا سمعته ويتم بذلك اغتياله معنوياً، وسوف يشكل ذلك مقدمة لاغتياله وتصفيته جسدياً، وسيكون هذا الاغتيال مشروعاً بحسب الظاهر.
في حين أن المجتمع الإسلامي كان بأمس الحاجة إلى وجود الإمام بوصفه إماماً معصوماً ومرجعاً علمياً ودينياً، وإن فقدانه المبكر - حيث كان الإمامان الحسن والإمام الحسين(علیهما السّلام)لا يزالان صغيرين - يضر بأصل الإسلام من هنا كان الإمام علي(ع) يعتبر حضوره ومشاركته في التجمعات العبادية الاجتماعية أمراً ضرورياً.
صحة الصلاة
الوجه الآخر الذي ذكره بعض العلماء المعاصرين هو حمل الصلاة واقتداء أمير المؤمنين بالخلفاء على حقيقته، بمعنى أن صلاة الإمام بصلاتهم لم تكن مجرد صلاة شكلية وظاهرية، وإنما كان يقتدي بصلاتهم حقيقة، وكان يلتمس الأجر بهذا الاقتداء من الله عز وجل.
بعبارة أخرى: إن اختلاف الإمام(ع) مع الخلفاء لم يبلغ حداً يمنع من الصلاة خلفهم.
وبعبارة ثالثة: كان الإمام يرى أن الخلفاء قد ارتكبوا بحقه ظلماً على المستوى الشخصي، وحيث كان هذا الظلم - على ما هو ظاهر من كلماته(ع) - أمراً شخصياً، وأن الإمام تجاوز عن المطالبة بحقه الشخصي، لا يكون هناك محذور في المشاركة في صلاة الجماعة والاقتداء بالخلفاء. وقد وردت هذه المسألة في الروايات أيضاً، إذ يروي سماعة[٦٣] عن الإمام(ع) قائلاً: «سَأَلْتُهُ عَنْ مُنَاكَحَتِهِمْ وَ اَلصَّلاَةِ خَلْفَهُمْ فَقَالَ هَذَا أَمْرٌ شَدِيدٌ لَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَاكَ قَدْ أَنْكَحَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ صَلَّى عَلِيٌّ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَرَاءَهُمْ»[٦٤].
وروي عن الإمام الكاظم(ع)، على ما رواه عنه أخوه علي بن جعفر في كتابه، أنه قال: «صَلَّى حَسَنٌ وَ حُسَيْنٌ خَلْفَ مَرْوَانَ وَ نَحْنُ نُصَلِّي مَعَهُمْ»[٦٥].
وهذا ما ذهب له الإمام العلامة عبد الحسين شرف الدين في جوابه عن مسائل موسى جار الله، إذ يقول: «حاشا أمير المؤمنين أن يصلي إلا تقرباً الله وأداء لما أمره الله به، وصلاته خلفهم ماكانت إلا لله خالصة لوجهه الكريم، وقد اقتدينا به(ع) فتقربنا إلى الله عز وجل بالصلاة خلف كثير من أئمة جماعة أهل السنة، مخلصين في تلك الصلوات الله تعالى، وهذا جائز في مذهب أهل البيت، ويثاب المصلي منا خلف الإمام السني كما يثاب بالصلاة خلف الشيعي، والخبير بمذهبنا يعلم أنا نشترط العدالة في إمام الجماعة إذا كان شيعياً، فلا يجوز الائتمام بالفاسق من الشيعة ولا بمجهول الحال أما السني فقد يجوز الائتمام به مطلقاً»[٦٦].[٦٧]
شبهة العلاقة الأسرية مع الخليفة الثاني
لقد كانت علاقة الإمام علي(ع) مع الخلفاء الذين سبقوه - وخاصة علاقته وتعاونه مع الخليفة الثاني - أكثر من مجرد علاقة وتعاون في المجالات السياسية والعسكرية والعبادية والثقافية والاجتماعية، بل كانت علاقة وثيقة تصل إلى حد المصاهرة، حيث نجد الإمام يزوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب. ويسعى بعض أهل السنة إلى التمسك بهذه المصاهرة والعلاقة الأسرية إلى إثبات شرعية خلافة وحكومة الخليفة الثاني، وإلا كان على الإمام علي(ع) أن لا يزوجه من ابنته فحسب، بل كان عليه عدم التعاون معه أصلاً، في حين أننا نجد العلاقة قد تجاوزت حدود التعاون لتصل إلى حدود التقارب الأسري[٦٨].
وهناك من الشيعة من رأى في هذه الظاهرة دليلاً على قيام المودة والعلاقة المتينة بين الإمام(ع) والخليفة[٦٩].
مناقشة وتحليل
فيما يتعلق بتحليل هذا الدليل من قبل أهل السنة تجدر الإشارة إلى الأمور الآتية:
التشكيك في سند الحديث
هناك من يشكك في صحة أصل هذا الحديث، حيث يرى أن رواية تزويج أم كلثوم من الخليفة الثانية قد رويت من طريق الزبير بن بكار، وهو غير ثقة، وكان معادياً للإمام، وعليه هناك احتمال أن يكون هذا الحديث مختلقاً من قبله.
وعلاوة على ذلك لم يرو هذا الحديث في صحيح البخاري وصحيح مسلم. كما لم يرو حتى في الصحاح الأربعة ولا مسند أحمد بن حنبل.
أما الإشكال الآخر في سند هذا الحديث، حيث قال الذهبي في تلخيص المستدرك بأنه منقطع[٧٠]، وذهب البيهقي إلى القول بأنه مرسل[٧١]، كما نقله ابن سعد في طبقاته بشكل مرسل.
وقد ذكر ابن حجر فى الإصابة من بين رواته عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقد ضعفه بعض علماء أهل السنة[٧٢]. كما نلاحظ في سنده عبد الله بن وهب، وقد تم تضعيفه أيضا[٧٣].
كما نقل ابن حجر بسند آخر عن عطاء الخراساني، وقد عده ابن عدي و البخاري في جملة الضعفاء. وفي نقل الخطيب البغدادي يوجد أحمد بن حسين الصوفي، و عقبة بن عامر الجهني و إبراهيم بن مهران المروزي، وقد تم التصريح بضعف الأول، والثاني كان من الأمراء في معسكر معاوية، والثالث مهمل.
وقد اختار الشيخ المفيد هذا الجواب في واحد من كتبه[٧٤].
ومن المعاصرين من تناول مسألة الإشكال السندي في هذا الحديث بشكل تفصيلي، وبدورنا نحيل القارئ الكريم إلى مؤلفاته المذكوره في الهامش أدناه[٧٥]. إذن هناك إشكال من جهة سند الحديث الوارد في مصادر أهل السنة، ففي كل واحد من هذه المصادر هناك ضعف وإشكال سندي، ومعه لا يمكن التعويل عليه لإثبات أصل ديني واعتقادي من قبيل: إثبات مشروعية أو عدم مشروعية حكومة من الحكومات.
وهناك من يعتقد أن أم كلثوم لم تكن ابنة صلبية لأمير المؤمنين(ع)، بل هي متبناة أو ربيبة له، وإنها كانت بنت لأبي بكر من أسماء بنت عميس التي كانت زوجة لأبي بكر ثم تزوجها الإمام علي(ع) بعد وفاته[٧٦].
وبطبيعة الحال هناك من المحدثين من قال بحدوث أصل الزواج[٧٧]،
ولكنه عالج المسألة وبررها من طرق أخرى سوف نشير إليها.
عدم الدلالة على المدعى
لو أننا التزمنا بحدوث مثل هذا الزواج - ونقاشنا بطبيعة الحال على مستوى الفرضية، وإلا فإننا ننكر حصول مثل هذا الأمر على أرض الواقع - لا يمكنه أن يشكل دليلاً على شرعية أو عدم شرعية حكم الخليفة الثاني؛ لأن الزواج مسألة شخصية، وإن حدوث الأمور الشخصية يستند إلى عناصر وعلل وأسباب شخصية واجتماعية مختلفة، ومن غير الممكن الكشف عن جميع هذه العناصر والعلل. بعبارة أخرى: يحدث في كثير من المجتمعات المختلفة أن تحصل حالات زواج ومصاهرة بين جماعتين أو قبيلتين أو بلدين متنازعين ومتخالفين ومتنافسين، من دون أن يُعدّ ذلك دليلاً على إضفاء شرعية لأحد. وها نحن اليوم نشهد في البلدان التي يقطنها نسيج مختلط من الشيعة والسنة كثيراً من حالات المصاهرة والزواج بينهما، من دون أن يعتبر كل منهما الآخر على حق.
إن زواج عمر من أم كلثوم - إن تحقق بالفعل - إنما يثبت إسلام الخليفة الثاني، وهذا ما يلتزم به الشيعة. وأمّا محل الخلاف فهو شرعية خلافته، حيث يرى الشيعة أنه حق ثابت للإمام علي(ع)، وأنه سلب منه مدة خمسة وعشرين عاماً من من قبل الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه.
تصريح الإمام علي(ع) بغصب الخلفاء حقه
لو أن الإمام علي(ع) بعد تزويج ابنته من الخليفة الثاني لم يواصل نقده لمن سبقه من الخلفاء على اغتصاب حقه الثابت، لكان هناك مجال واحتمال - ولو على نحو ضعيف - ليتخذ أهل السنة هذا الزواج مستمسكاً ودليلاً على إثبات شرعية الخلافة، أو عودة المياه بين الإمام علي والخليفة الثاني إلى مجاريها، إلا أننا نجد الإمام يواصل انتقاداته اللاذعة بعد هذا الزواج (المزعوم) بشأن اغتصاب حقه الثابت فى الخلافة. وهذه الانتقادات من قبله لدليل صريح على أنه كان مصراً على حقه فيما يتعلق بالخلافة واغتصابها من قبل الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه، وهو أمر يدل على أن هذا الزواج [لو ثبت] إنما كان أمراً شخصياً، ولا ربط له بإضفاء الشرعية على الخلافة، وإن واصل أهل السنة إصرارهم على مدعاهم رغم وجود هذه النصوص، فإن ذلك سيعني أنهم إنما يجتهدون في مقابل النصوص.
مراعاة المصلحة
إن العاقل قبل أن يتخذ أي خطوة يُعمل فكره ويقارن بين المصالح والمفاسد المترتبة على تلك الخطوة التي سيتخذها، ويقرر بعد ذلك ما إذا كان سيمضي فيها أو يُحجم عنها. وبالالتفات إلى هذا الأصل يمكن لنا تقييم المصالح أو المفاسد المترتبة على هذا الزواج المذكور أعلاه بالشكل الآتي:
١. دفع التهديدات: إن من شأن هذه المصاهرة أن تبني أواصر العلاقة بين الإمام وأقطاب الحكم والسلطة، ومن شأن ذلك أن يحصن الإمام وشيعته من أي خطر قد يصيبهم من أعدائهم ومخالفيهم، بما في ذلك رجال السلطة أنفسهم، وفي ذلك جاء في بعض مؤلفات الشيخ المفيد قوله: «كان أمير المؤمنين(ع) محتاجاً إلى التأليف وحقن الدماء ... فأجابه إلى ملتمسه»[٧٨].
كما أراد ذلك معاوية الذي لم يكن يسيطر على غير جزء من الجغرافيا الإسلامية حتى كان قد أثار عاصفة من الإعلام المضلل بحق الإمام علي(ع) واتهامه بشتى التهم، وقد وصل الأمر بتشويه سمعته بين الناس حداً أنه عندما قتل فى محراب الصلاة ساجداً، استغرب أهل الشام ذلك، وأخذ سائلهم يقول: ماذا يمكن لعلي أن يفعله في المسجد؟!!
٢. التأثير على الخليفة والعمل على تقويم سياسته: المصلحة الأخرى التي يمكن للإمام أن يحصل عليها من وراء هذا الزواج، هي التأثير على شخص الخليفة. فبقطع النظر عن الشخصية والمرجعية العلمية والدينية التي يتمتع بها الإمام علي المستوى الذاتي، فإن نفس حمله عنوان صهر الخليفة لن يكون عديم التأثير. فإن الإمام من خلال توظيف تأثيره على الخليفة كان يجزل له النصح والمشورة والإرشاد والتوجيه والهداية، كما كان الخليفة الثاني يقر للإمام مكانته في حدود النصح والمشورة. وفي الحقيقة كان الإمام علي(ع) بحكم المستشار الأول للخليفة، وهو أمر سهل عليه القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد أجاب الشيخ المفيد عن سؤال القاضي أبوبكر أحمد بن يسار بشأن تزويج الإمام علي ابنته من عمر، قائلاً: «أراد بذلك استصلاحه، وكفه عنه»[٧٩].
إلا أن المفسدة الوحيدة التي يمكن أن تترتب على هذا الزواج هي تصوّر إضفاء المشروعية على خلافة الخليفة الثاني من قبل الإمام علي(ع) .إلا أن هذه المفسدة تزول من خلال تصريحات الإمام باغتصاب الخلفاء لحقه الثابت له في الخلافة بالنصوص المأثورة عن النبي الأكرم(ص) .
التهديد والإكراه
تروي المصادر التاريخية أن الإمام علي(ع) في البداية رفض عرض الخليفة عليه أن يزوجه من ابنته، ولكنه لجأ إلى العباس عم الإمام وهدده بأنه إذا واصل الإمام معارضته لهذا الزواج، فإنه سيجرده من منصب سقاية الحجيج، بل هدّده بما هو أشد من ذلك؛ إذ قال إنه سوف يستأجر شاهدي زور ليشهدا على الإمام علي(ع) بالسرقة وإنه سيجري عليه حد السرقة ويقطع يده، وفي بعض المصادر كان الخليفة الثاني يروم فبركة اتهامه بجرائم من قبيل القتل[٨٠].
ومع الالتفات إلى ما يعرف عن عمر من الشخصية الخشنة والفظة، لم يكن تنفيذه لتلك التهديدات مستبعداً منه. ولذلك رضي الإمام(ع) بهذا الزواج مكرهاً تحت ضغط التهديد، للمحافظة على موقعه ومكانته العلمية والدينية التي كانت ضرورية للإسلام، ولم يكن الملحوظ للإمام في هذا الأمر مصلحته الشخصية.
وفي بعض الروايات تم التصريح بأن زواج السيدة أم كلثوم من عمر بن الخطاب قد تم بالضغط والإكراه[٨١].
وقد ذكر هذا الوجه المتكلّمون والمحدّثون من أمثال: السيد المرتضى، و الشيخ المفيد، و الشيخ الطوسي أيضاً[٨٢].
جواب نقضي
أما الإجابة الأخرى فهي إجابة نقضية، ويمكن لنا أن نستنبط منها أن نفس إقامة النسب والقرابة لا يدل على تأييد أو مشروعية شيء، فقد تم اقتراح تزويج البنات من المخالفين بل ومن غير المتدينين بدين من قبل الأنبياء السابقين، والنموذج البارز على ذلك نبي الله لوط(ع)، حيث طمع أبناء قومه بضيوفه لحسنهم وجمالهم - وكانوا من الملائكة الذين تجسّدوا على أشكال الرجال - فاضطر الإمام إلى أن يعرض عليهم الزواج من بناته رغم فسقهم وعدم إيمانهم بنبوته[٨٣]؛ إذ قال لهم على ما حكاه القرآن عنه: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾[٨٤].
حاصل الكلام أن مجرد هذا الزواج - لو ثبت - لا يصلح دليلاً على تأييد الخلافة ومشروعية حكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.[٨٥]
شبهة تسمية الإمام علي(ع) ثلاثة من أبنائه بأسماء الخلفاء
يعمل بعض أهل السنة على التمسك بكل ما يصادفوه من أجل إثبات مشروعية خلافة الخلفاء الثلاثة الأوائل من قبل الإمام علي(ع). ومن بين الأمور التي تمسكوا بها في هذا الشأن، ولإثبات العلاقة الطيبة والحميمة بين الإمام علي(ع) والخلفاء الثلاثة قولهم إن الإمام قد وضع أسماء الخلفاء على ثلاثة من أبنائه[٨٦].
مناقشة وتحليل
فى معرض تحليل هذه الشبهة يجدر التأمل في الأمور الآتية:
سطحية هذا الدليل وعدم دلالته على المدعى
إنّ هذا الشاهد أو الدليل في غاية السطحية. ففي بداية الإسلام وفي مرحلة الجاهلية كان هناك كثير من الذين يحملون أسماء من قبيل: أبو بكر وعمر وعثمان. وعليه فإن مجرد مشابهة أسماء بعض أبناء الإمام علي(ع) الإسماء الخلفاء وغيرهم لا يدل على وجود العلاقة المتينة بينه وبينهم، ولا يدل على إضفاء الشرعية على خلافتهم وأفعالهم وحكمهم.
وفي الحقيقة فإن الذين يطرحون مثل هذا الشاهد إنما يسطّحون مسألة مشروعية الخلافة والحكم إلى حد كبير، حيث يتمسكون بأمر جزئي وخاص ليجعلوه قاعدة ليبنى عليها فلسفة سياسية، ويستنتجون من خلالها مشروعية الدولة، وهذا أمر يفتقر إلى أبسط الملاكات العلمية والعقلية والعقلائية.
شيوع التسمية بأسماء المخالفين
الأمر الآخر الذي يدلّ على عدم وجود أي صلة بين التسمية باسم معيّن وبين تأييد أعمال المخالفين وسلوكيتهم ومشروعيتهم، هو شيوع أسماء المخالفين وانتشارها بين الأئمة الأطهار(ع) وبين الشيعة، وفيما يأتي نشير إلى بعض الأمثلة على ذلك:
اسم معاوية
ليس هناك من يشك في معاداة الإمام علي(ع) ومحاربته لـ معاوية بن أبي سفيان، ومع ذلك كان بعض الشيعة وخلّص أصحابه يضعون على أبنائهم اسم معاوية، أو كان هناك منهم من يحمل اسم معاوية من البداية ولم يسع إلى تبديل اسمه، ومن الأمثلة على ذلك:
- معاوية بن جعفر: فقد تزوّج جعفر من السيدة زينب الكبرى بنت الإمام علي(ع) فولدت له ولداً سمياه معاوية. ولم يعاتبه الإمام علي على اختيار هذا الاسم، كما لم يعترض الإمام الحسن ولا الإمام الحسين على ذلك، ولا زينب الكبرى نفسها.
- معاوية بن الحارث: من شيعة الإمام علي(ع) وأصحابه.
- معاوية بن صعصعة: من كبار شيعة الإمام علي(ع) وأصحابه.
- معاوية بن عمار: من شيعة الإمام الباقر(ع) وأصحابه.
- معاوية بن سعيد، و معاوية بن سلمة، و معاوية بن سوادة، و معاوية بن صالح، و معاوية بن طريف، و معاوية بن عبد الله، و معاوية بن عطاء، و معاوية بن كليب، و معاية بن ميسرة، وجميع هؤلاء من خلّص شيعة الإمام الصادق(ع) وأصحابه.
اسم يزيد
يعتبر يزيد بن معاوية مكروهاً من قبل أكثر المسلمين إذا لم نقل جميعهم؛ لارتكابه جريمة قتل سبط النبي الأكرم(ص) الإمام الحسين(ع) . ومع ذلك لم يجد بعض الشيعة مشكلة في تسمية أبنائهم باسم يزيد، ومن الأمثلة على ذلك:
- يزيد بن معاوية بن عبد عبد الله بن جعفر (وأم يزيد هذا هي فاطمة بنت الإمام الحسين(ع)).
- يزيد بن حاتم: من شيعة الإمام زين العابدين(ع) .
- يزيد الكناسي، و يزيد النبراز، و يزيد بن خيثم، و يزيد بن زياد، وعدد آخر من أصحاب الإمام الباقر(ع)، ويزيد بن أسباط، ويزيد الأعور وغيرهما من شيعة الإمام الصادق(ع) .
وعلى هذا الأساس لا يمكن لمجرد التشابه في الاسم إيجاد علاقة حميمة ومودة، فضلاً عن إضفاء الشرعية على مسائل خطيرة مثل الخلافة والحكومة. لأن تسمية الأبناء في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام بأسماء الخلفاء والمخالفين لم يكن يحمل مفهوماً إيجابياً أو سلبياً بالنسبة إلى الأعداء والمخالفين.
أجل بدأ هذا الأمر يتفشى في العصر الراهن، حيث بدأ الناس في كل منطقة يختارون لأبنائهم أسماء مشابهة لأسماء الأولياء والصالحين الذين تركوا ذكرى أو مآثر طيّبة في المجتمع الإسلامي، ويندر أن نجد أحداً يضع على ولده اسم المخالف، ولكن هذا الأمر يختص بالمجتمعات الراهنة، ولا ينسحب على المجتمع في صدر الإسلام.
إن المستمسكين بهذه الحجة إنما يرتكبون في حقيقة الأمر مغالطة الاشتراك اللفظي، حيث قاموا بتسرية التقاليد الراهنة في وضع الأسماء إلى العصور الأولى من الإسلام، حيث لا وجود لمثل هذه الحساسيات الراهنة كما أسلفنا.
ومن هنا يتضح سبب عدم ذكر المتكلمين الأوائل من أهل السنة لهذه الظاهرة في إثبات مشروعية الخلافة وتضعيف رؤية الشيعة في هذا الخصوص، ذلك لوقوفهم على ضعف هذا الدليل في أعراف الناس وتقاليدهم في صدر الإسلام بالنسبة إلى اختيار الأسماء. ولكن المعاصرين من أهل السنة بدأوا - للأسف الشديد - يتمسكون بمثل هذه الأدلة الواهية ظناً منهم أنهم إنما جاؤوا بما عجز السابقون عن المجيء بمثلة! وبذلك يثبتون غفلتهم، وعدم معرفتهم بأن هذا الدليل يفتقر إلى الأسس العلمية والعقلية.
فرض الأسماء بالإكراه
كان عمر بن الخطاب يبدي حساسية مفرطة تجاه بعض الأسماء، فكان يغير أسماء الأشخاص التي تشبه أسماء الأنبياء السابقين، من ذلك أنه بدل اسم إبراهيم الذي ترعرع في كنفه، وكذلك غيّر اسم أبي مسروق الأجدع وخلع عليه اسم «عبد الرحمن»[٨٧].
وحيث كان في موقع خليفة المسلمين، وبغض النظر عن القسوة والغلظة التي كان يتصف بها عمر بن الخطاب، لم يكن هناك من يجرؤ على مخالفته.
وفيما يتعلق باسم نجل الإمام علي(ع) كان الأمر كذلك أيضاً، حيث اختار عمر أن يتسمى باسمه[٨٨] وحيث كان تشابه الأسماء - كما أسلفنا - شائعاً في ذلك العصر، من دون أن تكون لهذه الظاهرة دلالة على تأييد أمر أو نفيه، لم يجد الإمام علي(ع) ضرورة إلى إثارة مشكلة الخليفة مع بسبب هذه المسألة البسيطة؛ فيلحق بذلك ضرراً على وحدة المجتمع الإسلامي وتماسكه.
وعليه فإن أصل الدليل المتقدم القائل بأنّ الإمام علي هو من وضع اسم عمر لابنه، لا أساس له من الصحة، بل الأصح أن عمر هو الذي فرض على الإمام علي أن يُسمّي ابنه باسمه، ولم يعترض الإمام علي على ذلك للسبب الذي أسلفناه.
عثمان اسم صاحب الأمام(ع)
إن المعاصرين من أهل السنة الذين يتشبثون بكل قشة لإثبات مدعاهم، حيث عثروا على ابن للإمام علي(ع) اسمه عثمان، اتخذوه مستمسكاً للقول بأن الإمام علي إنما أراد من ذلك عثمان بن عفان، مما يدلّ على عمق المحبة والعلاقة الوثيقة التى كانت تسود بينهما. في حين أن الإمام علي(ع) يصرح بأنه إنما سمى ولده عثمان تخليداً لذكرى أخيه «عثمان بن مظعون»[٨٩].
اللجوء إلى التورية
كان المسلمون عامة في صدر الإسلام يكنون احتراماً خاصاً للخلفاء بوصفهم خلفاء الرسول الله(ص)، وكانوا يتوقعون من سائر الصحابة بمن فيهم علي بن أبي طالب(ع) أن يحترم مشاعرهم تجاه هؤلاء الخلفاء. وفي تلك الحقبة كان كثير من المقاتلين فى معسكر الإمام والذين بايعوه يحبون الخلفاء الثلاثة الأوائل، وكانوا يتوقعون من الإمام(ع) أن يحترمهم، وأن يشيد بإنجازاتهم، وعليه لو صدر من الإمام ما يسيء لمكانتهم التي يرونها فيهم، فإن ذلك سيؤدي إلى انفراط عقد معسكره، من هنا لم يكن الإمام علي(ع) يوسع من شرخ المسائل الخلافية، رعاية لمشاعر الآخرين.
وعليه بالالتفات إلى طبيعة الناس في عصر الإمام علي(ع)، يجب أن نكون قد أدركنا المشاكل والمحاذير التي كان يعاني منها الإمام، فكان يتحتّم عليه أن لا يسكت عن اغتصاب حقه في الخلافة طوال خمسة وعشرين عاماً فحسب، بل وكان يتعين عليه - حفاظاً على وحدة المسلمين - أن يمجدهم - ويثني عليهم من حين لآخر، في حين أن هذا يلزم منه الكذب والعياذ بالله، وشأن الإمام(ع) أرفع من ذلك. وعليه في الفرضية الأولى تعين على الإمام علي إما أن يمدح الخلفاء الذي سبقوه، وهذا الخيار يستلزم اللجوء إلى نوع من الكذب، أو أن يترك مدحهم فراراً من محذور الكذب، ولكن هذا سيلزم منه انهيار معسكره، وإضعاف حكومته في مواجهة معاوية بن أبي سفيان وغيره من المخالفين والأعداء.
إلا أن الإمام اختار طريقاً ثالثاً، أن وهو يسمى ثلاثة من أبنائه بأسماء الخلفاء الثلاثة الأوائل، حتى إذا اضطر إلى مدح أبي بكر وعمر وعثمان أراد بذلك أبناءه الذين يستحقوق هذا الثناء والمديح منه؛ لكونهم ترعرعوا في حجره. وهكذا أمكن للإمام من خلال هذا الإجراء (مدح الخلفاء بحسب الظاهر، وإرادة مدح أبنائه حقيقة، وهو ما يعبر عنه في المصطلح الفقهي بالتورية)، أن يحافظ على تماسك معسكره، من دون أن يضطر إلى ارتكاب موبقة الكذب.
وهذا ما أسرّ به الإمام علي(ع) إلى بعض شيعته المقربين. ويبدو أن أحدهم قد أفشى هذا الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان، وهو ما نراه في بعض رسائل معاوية إلى الإمام علي(ع)[٩٠].[٩١]
شبهة الثناء على الخلفاء
روى أهل السنة في بعض مصادرهم الروائية عن الإمام علي(ع) أحاديث تؤكد أفضلية ومنزلة أبي بكر بن أبي قحافة و عمر بن الخطاب على منزلته، وهذا الأمر يدلّ على مدح الخلفاء بوصفهم أفضل من علي بن أبي طالب(ع)، ومن ذلك أنهم يروون عنه أنه قال: «خير الناس بعد النبيين أبوبكر ثم عمر»[٩٢].
وقد روى أحمد بن حنبل عن الحكم بن جحل، قال: سمعت علي يقول: «لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حدّ المفتري»[٩٣].
وقد مال إلى هذا الرأي بعض المعاصرين من أهل السنة[٩٤]، وبعض المؤلفين من الشيعة أيضاً[٩٥].
وقد تمسّك أصحاب هذا الدليل ببعض الروايات الموجودة في نهج البلاغة أيضاً، ومن ذلك قول الإمام علي(ع) بشأن عمر بن الخطاب: «لله بِلادُ فُلَانٍ فَلَقَدْ قَوَّمَ الْأَوَدَ، وَدَاوَى الْعَمَدَ، وَأَقَامَ السُّنَّةَ، وَخَلَّفَ الْفِتْنَةَ، ذَهَبَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، قَلِيلَ الْعَيْبِ، أَصَابَ خَيْرَهَا، وَسَبَقَ شَرَّهَا، أَدَّى إِلَى الله طَاعَتَهُ، وَاتَّفَاهُ بِحَقِّهِ، رَحَلَ وَتَرَكَهُمْ فِي طُرُقٍ مُتَشَعْبَةٍ، لَا يَهْتَدِي فِيهَا الضَّالُ، وَلَا يَسْتَيْقِنُ المُهْتَدِي»[٩٦].
وبعد استعادة مصر من جُند معاوية بن أبي سفيان، عمد بعض من في معسكر الإمام علي(ع) إلى سؤاله عن رأيه في أبي بكر وعمر، فقال(ع): سوف أعلن عن رأيي فيهما ضمن كتاب، ومما جاء في ذلك الكتاب على ما رواه إبراهيم بن محمد الثقفي في (غاراته)، قوله: «فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسّر وتشدّد، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً، وما طمعت أن لو حدث به حدث وأنا حي أن يرد إلي وهو أمر بايعته فيه طمع مستيقن، ولا يئست منه يأس من لا يرجوه، فلولا خاصة ما كان بينه وبين عمر لظننت أنه لا يدفعها عني. فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا، وتولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة ...» [٩٧].
مناقشة وتحليل
في معرض تحليل هذه الشبهة يجدر التأمل في الأمور الآتية:
المشكلة السندية في روايات أهل السنة
إن روايات أهل السنة عن الإمام علي(ع) بشأن مدحه للخلفاء الذين سبقوه، وخاصة تلك الروايات الدالة على تفضيلهم على نفسه، تعاني من مشكلة في السند، وبحسب المصطلح الرجالي إنها منقولة على صيغة «روي» أو «حُكي»، بمعنى أن ناقلها مجهول، فهي تُعدُّ لذلك «مرسلة» أو «ضعيفة»، فلا تكون حجة ولا معتبرة. وقد قام العلامة الأميني بتحليلها ونقدها في كتابة القيم (الغدير).
وفيما يتعلق بالرواية المنسوبة إلى الإمام علي(ع) في نهج البلاغة يجب القول:
في تاريخ الطبري يعمد راوي الحديث أولاً إلى نسبته إلى بنت أبي حثمة، وأن الإمام قد أقر بذلك المضمون[٩٨]. وأما ابن عساكر فقد نسبه في تاريخه (تاريخ مدينة دمشق) إلى امرأة اسمها عاتكة، وجاء في ذيل شعر عاتكة قولها: «أبقى الفتنة»، فأضاف الإمام قائلاً: «والله ما قالت، ولكنها قولت»، أي إن إملاء هذا الشعر قد كُلّفت به أو أجبرت على قوله[٩٩].
وكما تقدم أن ذكرنا فقد تم الخلط بين كلام الإمام وشعر الشاعرة الأعم من أن تكون عاتكة أو بنت أبي حثمة - والظاهر منه هو قوله: «ذهب بخيرها ونجا من شرها»، فإنه إذا ثبتت نسبته إلى الإمام علي(ع)، يكون المراد منه كالآتي: (إنّ عمر قد نال خير الدنيا بدهائه، ونجا من شرورها بكياسته، كما وصل إلى الخلافة بذكائه، وتفوق فى ذلك على أقرانه ومنافسيه).
وبذلك فإن الرواية لا تنطوي على مدح للخليفة الثاني في الأمور الدينية، وإنما هي بيان ما كان عليه واقع الأمر من الناحية الدنيوية.
عدم ذكر روايات الأفضلية في المصادر الشيعية
يحق للشيعة أن يرفضوا مضمون ما جاء من الروايات المروية في مصادر أهل السنة بخصوص تفضيل الإمام علي(ع) للخلفاء على نفسه؛ إذ هناك احتمال إضافته من قبلهم لتعزيز مذهبهم، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لا توجد هذه الروايات في المصادر الشيعية الروائية؟ وعليه يجب على أهل السنة أن يقدموا دليلاً معتبراً عند الشيعة.
تعارض هذه الرواية مع روايات أخرى في مصادر أهل السنة
لقد أثبت بعض المحققين في التراث التاريخي من أمثال المحقق الشوشتري أن هذا النوع من الأحاديث التي يرويها أهل السنة في فضل أبي بكر وعمر وعثمان، وتفضيلهم على الإمام علي(ع) هي من الروايات الموضوعة، وإن غرض الذين وضعوها هو النيل من فضائل الإمام علي(ع) . وإن هذه الظاهرة ليست جديدة، بل كانت واضحة حتى فى عصر الأئمة الأطهار(ع)، وخاصة في المناظرات التي كانت تحدث بين الشيعة وأهل السنة في عصر المأمون العباسي. وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الأحداث والمواقف:
- أجاب المأمون رجلاً تمسك بروايات تثبت أفضلية أبي بكر، فقال له: إن هذه الروايات معارضة برواية «الطير المشوي» التي تقول بأن النبي الأكرم(ص) قدم له طائر مشوي، فرفع يديه بالدعاء طالباً من الله أن يأتي بأحب الخلق إليه ليشاركة في أكل الطير؛ فدخل عليه الإمام علي بن أبي طالب(ع) .
- إن فقيه أهل السنة الذي كان يستدل على أفضلية أبي بكر بالحديث المنسوب إلى الإمام علي(ع) القائل: «خير الناس بعد النبيين أبو بكر ثم عمر». علّق عليه المأمون قائلاً: وهذا محال أيضاً؛ لأنهما لو كان أفضل الناس بعد النبي حقيقة، لما أمر عليهما النبي الأكرم(ص) عمرو بن العاص وأسامة بن زيد. ولو أن الإمام علي كان معتقداً بأفضليتهما على نفسه، فلماذا احتج عليهما بعد رحيل رسول الله(ص) بأنه أولى منهما بالخلافة والحكم؟! بعبارة أخرى: إن الروايات الدالة على أفضلية الخليفتين الأولين تتعارض مع كلمات الإمام علي(ع) ومواقفه الواردة في مصادر الفريقين بالتواتر، ذلك حيث تحدث عن أولويته، وحقه الثابت، والوراثة، وفضائله التى لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، وقوله «لاَ يُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ أَحَدٌ»[١٠٠].
كما أن الإمام علي(ع) كان يرى أفضليتهما حقاً، فلماذا كان يطالب بالخلافة لنفسه؟ ولما حمل الزهراء(ع)والحسنين(ع) وأخذ يطوف بهم على بيوت الأنصار والمهاجرين يطلب منهم النصرة والبيعة؟! ولماذ تأخر عن بيعة أبي بكرة مدة حياة السيدة الزهراء(ع)، ولم يبايع إلا بعد ستة أشهر كاملة؟!
ألا تكفي هذه الحقيقة والحقائق الأخرى لإثبات أن هذه الروايات الواردة في مدح الخلفاء، وخاصة تلك التي تفضلهم على سائر الصحابة، هي مجرد مختلقات جماعة بعينها؟
تكفى نظرة إجمالية إلى كلمات أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة، ليذعن المحقق المنصف بأفضلية الإمام علي(ع) على غيره من الخلفاء، وفي الحد الأدنى من وجهة نظر الإمام نفسه[١٠١].
مناقشة وتحليل رواية نهج البلاغة (لله بلاد فلان)
في معرض تحليل الرواية الموجودة في نهج البلاغة وتقييمها، والتي يبدو منها مدح الخليفة الثاني، يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية:
الإشكال السندي
لقد بذل الشريف الرضي جامع نهج البلاغة جهداً كبيراً يستحق الثناء في توخي الصحيح من كلام الإمام، ولكنه مع ذلك لم يسلم من الوقوع في الأخطاء أحياناً، غير أن هذه الأخطاء لحسن ظن علماء الشيعة بإنجازه الفذ، لم يتم تسليط الأضواء عليها في القرون الماضية. أما في الآونة الأخيرة فقد بدأ بعض المحققين المدققين يبرزون نقاط ضعف الشريف الرضى في جمعه للكلمات المروية عن أمير المؤمنين(ع).
وقد بين المحقق المعاصر الشهير الشيخ محمد تقي الشوشتري في شرحه الموضوعي على نهج البلاغة جانباً من جانباً من هذه الحقيقة. من ذلك مثلاً أن الشريف الرضي ذكر عبارة «كان لي في ما مضى أخي في الله» في باب الحكم (تحت الحكمة رقم: ٢٨٩)، ونسبها إلى أمير المؤمنين(ع)، في حين أنها من كلمات الإمام الحسن(ع) .
كما نسب الحكمة رقم (٢٢) التي تقول: «من أبطل به عمله» إلى الإمام علي(ع)، ولكنه عاد ونسبها إلى النبي الأكرم(ص) في كتابه الآخر[١٠٢].
وهكذا الأمر بالنسبة إلى عشرات الموارد الأخرى من مختلقات أمثال سيف ومعاوية التي أبدع المحقق الشوشتري في بحثها ومناقشتها وتحقيقها[١٠٣].
من هنا يتضح أنه على الرغم من اعترافنا بقيمة نهج البلاغة والجهد المشكور الذي قام به الشريف الرضي في جمعه، إلا أننا لا نستطيع أن ننسب جميع مضامينه إلى الإمام علي(ع) من دون بحث وتمحيص، أو أن نعتبر كل ما ورد فيه من كلام أمير المؤمنين حتى مع وجود القرائن والشواهد على الخلاف. بل يجب علينا تجديد النظر فى أصالة بعض الخطب من الناحية السندية في الحد الأدنى في مورد شبهة عدم الانسجام مع أسس الإمام نفسه وقواعده. من هنا يذهب المحقق الشوشتري بالالتفات إلى الأدلة والشواهد الآتية، وهي:
- مضمون الرواية.
- أسلوب الشريف الرضي وطريقته في نسبة الكلام الفصيح المنسوب إلى الإمام علي(ع)، من دون التدبّر في مضمونه.
- المصدر التاريخي لهذه الرواية (تاريخ الطبري، وهو من أهل السنة).
- غموضها على المستوى الدلالي.
إلى استنتاج أن هذه الرواية تعاني من الإشكال السندي، وعليه لا يمكن نسبتها إلى الإمام علي(ع)[١٠٤].
انتساب أصل الرواية إلى شخص آخر
إن أصل هذه الرواية صادر عن غير الإمام. فمن خلال الرجوع إلى المصادر التاريخية، من قبيل: تاريخ الطبري و تاريخ ابن عساكر[١٠٥] يتضح لنا أنه بعد وفاة الخليفة الثاني قامت شاعرة من شواعر العرب اسمها عاتكة أو ليلى بنت أبي حثمة وأنشدت شعراً في رثاء الخليفة. فأراد المغيرة بن شعبة أن يسمع رأي الإمام علي(ع) بشأن موت الخليفة الثاني في هذه المناسبة، فطلب من الإمام أن يبدي رأيه. فأشار الإمام إلى كلام هذه الشاعرة وأضاف إليه شيئاً من كلامه. إذن يجب عدم نسبة مجموع هذا الكلام إلى الإمام علي(ع) من دون التفكيك والفصل بين مبتدئه وخاتمته. وأما ما هو الجزء الخاص بالإمام(ع) من هذا الكلام فسوف يتضح من خلال النقاط الآتية.
عدم تحديد هوية المعني بـ «فلان»
الأمر الآخر أنه لم يتم في صدر الرواية ذكر اسم الخليفة الثاني عمر - لا تصريحاً ولا تلويحاً - وإنما هناك إشارة إلى عنوان «فلان» وهو عنوان فضفاض، وحمله على خصوص الخليفة الثاني يحتاج إلى مؤونة. من هنا ذهب بعض المفكرين المتقدمين من أمثال الراوندي[١٠٦]، ومن المعاصرين الشيخ صبحي الصالح[١٠٧]، إلى احتمال أن يكون المراد من «فلان» هو أحد قادة جيشه، مثل: مالك الأشتر أو سلمان الفارسي[١٠٨]. والذي يقوي احتمال الراوندي نقله نهج البلاغة عن الشيخ عبد الرحيم البغدادي المعروف بـ «ابن الإخوة»، عن بنت الشريف المرتضى، عن عمها الشريف الرضي مؤلف نهج البلاغة[١٠٩].
التناقض بين صدر الرواية وذيلها
إن الرواية الموجودة في نهج البلاغة تشتمل على تهافت وتضارب وتناقض ما بين أولها وآخرها، فبينما يتحدث صدر الرواية عن تمجید «فلان»، نجد آخر الرواية يقول إن هذا ال_ «فلان» قد ترك الأمة أمام طرق متعددة لا ترجى له الهداية في متاهاتها. إن هذا النوع من الكلام لا يتناسب وشأن الذي نعرفه بالفصاحة والبلاغة. من هنا يبدو وجود تلاعب في هذه الرواية، وعليه ينبغي بأهل السنة أن يلتزموا بمجموع ما ورد في هذه الخطبة، بما في ذلك وصف الخليفة الثاني بأنه عرض الأمة إلى الضلال والضياع وإلى طرق لا تضمن الهداية لمهتدي.
الأمر الآخر أن هذا التناقض يجعل من الصعب القول إن المعني بـ«فلان» هو مالك الأشتر أو سلمان الفارسي أيضاً.
حصيلة الكلام أن هذه الرواية مضطربة ومتهافتة، وإن حمل المراد من «فلان» الوارد فيها على الخليفة الثاني أو أحد قادة جيش الإمام يصطدم بمحذور من نوع خاص، ومن هذا الاضطراب يتضح أن هذه الرواية لا يمكن أن تنسب إلى شخص واحد. وإنما صدر الرواية يعود إلى الشاعرة عاتكة أو بنت حثمة، وآخرها لشخص آخر يمكن أن يكون هو الإمام علي بن أبي طالب(ع) . وعليه فإن هذه الرواية بصيغتها المنقولة لا تصلح لأن تكون مستنداً، فلا تكون معتبرة.
تناقض الرواية مع مواقف الإمام وكلماته الأخرى
المسألة الأخرى الموجودة في هذه الرواية هي أنها تتناقض مع كلمات الإمام(ع) الأخرى، وهي الروايات والكلمات التي تقدم منا ذكرها في الصفحات السابقة، والتي بموجبها كان عمر في رأي الإمام علي قد تعاون مع الخليفة الأول في سلبه حقه في الخلافة بعد رحيل النبي الأكرم(ص)، وأنهما قد خططا بحيث تؤول الخلافة بعد موت الخليفة الأول إلى عمر بن الخطاب، ثم قام هذا الأخير إلى ترتيب صيغة تحرم الإمام علي من استعادة حقه الثابت، ووصول الأمر إلى عثمان بن عفان.
يضاف إلى ذلك أن الإمام عليا(ع) قد انتقد سياسة الخليفة الثاني في كثير من المواطن بشدة، فكيف يمكن القول إنه جاء في هذا الموضع ليخالف جميع مواقفه السابقة؟![١١٠]
التورية والاستهزاء
بالالتفات إلى ما تقدم يحتمل - على فرض صحة صدور الرواية عن الإمام علي(ع) - أنها لم تصدر عنه بداعي الحقيقة، وإنما بداعي النقد والتهكم. وهو أسلوب شائع بين المختلفين في الرأي، فلو أن رجلاً أخذ يكيل الثناء والتمجيد لشخص معروف في اختلافه معه، يفهم منه أنه في سياق التهكم به ونقده بشكل لاذع لوجود قرينة حالية على ذلك، فلا يحمل كلامه على محل الحقيقة. ويفهم هذا التفسير من الكتاب الذي بعث به معاوية إلى الإمام علي(ع) حيث يقول له: «ثم كرهت خلافة عمر وحسدته، واستطلت مدته، وسررت بقتله، وأظهرت الشماتة بمصابه»[١١١]. وقد اختار هذا التفسير بعض المحققين أيضاً[١١٢].
التقية ورعاية المصلحة
الوجه الآخر هو القول بأن الإمام(ع) في هذه الرواية إنما يثني على الخليفة الثاني اضطراراً ورعاية للمصلحة من باب التقية. وقد تقدّم أن الخليفتين الأولين - وحتى الخليفة الثالث وإن بنحو أقل - كانوا يحظون باحترام الناس ويتمتعون بالمقبولية والوجاهة عندهم، وإن هذه الوجاهة بطبيعة الحال تشتدّ بعد وفاتهم، وإن الإمام قال تلك الكلمات في حضور من أتباع الخليفتين الأولين من الذين كانوا يتوقعون من الإمام أن يقول شيئاً في تلك المناسبة التي اقترنت بوفاة الخليفة الثاني. كما أن أعداء الإمام من أمثال معاوية كانوا يسعون إلى استدراج الإمام ودفعه إلى التصريح بنقد الخلفاء نقداً لاذعاً على الملأ وبمرأى ومسمع من الناس، كي يغتنموا كلامه في إثارة الدهماء ضدّه، ويضعفون من مكانته، ويرفعون من رصيدهم بين الناس.من هنا كان الإمام محشوراً بين انتقاد سيرة الخلفاء أو الثناء عليهم، وكان عليه أن يراعي المصلحة من جميع الجوانب والجهات[١١٣].
طرح الكلام على صيغة سؤال وتعجب
إن أصل الكلام المتقدم كان في سياق لقاء المغيرة بن شعبة بالإمام علي(ع)، وقد أراد المغيرة من الإمام أن يبيّن موقفه من الخليفة الثاني، كي يُفيد من جواب الإمام علي جميع الأحوال سلباً أو إيجاباً، فبدأ كلامه بذكر ما قالته بنت أبي حثمة في مدح عمر بنالخطاب، فقال له الإمام(ع) على طريقة الاستفهام التعجبي: هل قالت ابنة أبي حشمة هذا الكلام حقاً من أن ...؟!
فالكلام الذي قاله الإمام آنفاً كان على شكل سؤال، إلا أن أهل السنة تعمدوا فيما بعد تجاهل هذه الصيغة الاستفهامية عند شرحهم لنهج البلاغة عمداً أو سهواً[١١٤].
ويؤيد هذا الرأي قول الإمام(ع) لها فيما بعد: «أما والله ما قالت، ولكن قولت»[١١٥].
التعريف النسبي
الأمر الأخير الذي يمكن أن يبدو للناظر، وهو أمر متفرع عن ثبوت أصل الرواية هو أن الإمام في هذه الرواية كان غاية الأمر بصدد التعريف النسبي بفضائل الخليفة على المستوى الأخلاقي والديني، وهو أمر شائع بالنسبة إلى رجال السياسة بعد موتهم. لا يخفى أن الخليفة الأول والثاني كانا ملتزمين إلى حد ما فيما يتعلق بأحكام الدين وبيت مال المسلمين. كما أن الخليفة كان يستشير الإمام علي(ع) وقد أصاب كثيراً من الانتصارات وحقق الإنجازات بفضل تلك المشاورات التي كان الإمام يغدقها عليه، وهذا أمر لا ينكره الشيعة، إلا أن الشيعة يرون مع ذلك أن الخلفاء كانوا غاصبين لحق الإمام الثابت في الخلافة، وأن الخلفاء الثلاثة قاموا طوال حكمهم ببعض البدع ومارسوا بعض الأعمال المنافية للدين الإسلامي الحنيف.
من هنا فإن رؤية الإمام علي(ع) ورؤية الشيعة تبعاً لذلك تجاه الخلفاء رؤية نسبية، فهي من جهة تأخذ الإنجازات التي تستحق التقدير، ومن جهة أخرى لا تغض الطرف عن الأعمال غير المشروعة التي صدرت عن الخلفاء، وعلى رأسها اغتصاب الخلافة من أهلها وأصحابها الشرعيين. وعليه فإن روايات المدح تنظر إلى جانب من الصفات الإيجابية للخلفاء، وكما يقال: «إن إثبات شيء لشيء لا ينفي ما عداه».
تحليل رواية إبراهيم بن محمد الثقفي (فتولى أبو بكر)
نُقل أنّ الإمام علي(ع) مدح الخليفتين الأولين في كتاب له فقال: «فتولى أبو بكر تلك الأمور فيسّر وتشدّد، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، ... فلما احتضر بعث إلى عمر فولاه فسمعنا وأطعنا وناصحنا، وتولى عمر الأمر فكان مرضي السيرة ميمون النقيبة».
في تحليل هذا الإسناد والاستدلال يجدر الالتفات إلى الأمور الآتية:
- الإقرار بالأخلاق والسلوك النسبي للشيخين: تقدم توضيح هذه الإجابة حيث أشرنا إلى أن الخليفتين الأولين وإن اقترفا خطيئة في أصل التصدّي للخلافة واغتصابها من صاحبها الشرعي عامدين، إلا أنه على الرغم من ذلك كانا يسعيان ما أمكنهما إلى الابتعاد عن العصبية والتطرف في إدارة السلطة، واحتفظا بطريقة عيش طبيعية متوازنة، ولم يتورطا في اكتناز الأموال والثروة لهما أو لذويهما، ولذلك أنصفهما الإمام في مقام تحليل سيرتيهما وقال فيهما ما يقتضيه العدل والمنطق. وفي الوقت نفسه صرح في ذات الرسالة بسلبياتهما أيضاً، على ما ستأتي الإشارة له. وبعبارة أخرى: إنّ الإمام علي(ع) وشيعته لا ينكرون القيم والأعمال التي قام بها الشخان، وإنهم يثنون على إيجابياتهما، وينكرون عليهما سلبياتهما وأخطاء هما[١١٦].
- ملاحظة المخاطبين بالرسالة ومكانة الشيخين عندهم: تقدم هذا التحليل في معرض الإجابة عن الرواية السابقة في نهج البلاغة، حيث قلنا: إن العقل يحكم بأن نأخذ بنظر الاعتبار الأجواء المحيطة بالإمام، والمخاطبين الذين توجه لهم الإمام بالكلام، وعلينا أن ندرك أن أكثر جيش الإمام(ع) - من الذين كانوا يريدون منه بيان موقفه ورأيه في الخلفاء - هم من الذين يوالون الخلفاء السابقين، وكانوا يعيشون لحظة فراق الخلفاء بعد رحيلهم، ولذلك فإن الإمام رغم انتقاده لأدائهم في ذلك الكتاب، ولكن حافظ على سقف من النقد لايثير حفيظة المخاطبين، ولم يعدل عن رعاية المصالح العامة. ولذلك نجد العلامة المجلسي يقول في شرح هذا الكلام: «فكان مرضي السيرة: أي ظاهراً عند الناس، وكذا ما مرّ في وصف أبي بكر، وآثار التقية والمصلحة في الخطبة ظاهرة، بل الظاهر أنها من إلحاقات المخالفين»[١١٧].
- مقارنة الخليفتين الأولين بالخليفة الثالث: عندما ندقق في كتاب الإمام علي(ع) ندرك أنه كان بصدد الإشارة إجمالاً إلى تاريخ الخلفاء بعد رحیل رسول الله(ص)، وإن الإمام كان في معرض المقارنة بين سيرة الخليفتين الأولين وسيرة الخليفة الثالث، والذي يؤيّد ذلك أن أهل السنة أنفسهم يعترفون بأن الخليفة الأول والثاني كانا يراعيان الأحكام الإسلامية ويحافظان على الحياة البسيطة البعيدة عن التجمّل والترف، خلافاً لما كانت عليه سيرة عثمان بن عفان التى بلغت حداً جرّت عليه نقمة المسلمين حتى قتلوه. وعلى هذا الأساس فإن الإمام عليا(ع) كان بصدد المقارنة بين سيرة الشيخين بالقياس إلى سيرة عثمان، ولا يخفى أن سيرتهما لو قيست إلى سيرته فهي تستحق التعريف والتمجيد والثناء، ومن هنا يكون كلام الإمام مبرراً ولا غبار عليه.
- انتقادات الإمام اللاذعة للخلفاء في ذات الرسالة: قلنا مراراً وتكراراً إن معرفة مواقف شخص تجاه مسألة ما، لا تتم من خلال انتقاء فقرة من مجموع كلماته، وأخذها بشكل منفصل واعتبارها فصل الخطاب في الموضوع المتنازع عليه، وإنما لا بد من أخذ مجموع كلامه في خصوص تلك القضية بنظر الاعتبار.
إن الذين ذكروا الشبهة المتقدمة عمدوا إلى تقطيع كلام الإمام(ع) ليظهروا الخلفاء السابقين بوصفهم مرضيين عند الإمام من جميع الجهات، في حين أن الأمر لم يكن كذلك؛ إذ تشهد ذات الرسالة - التي اشتملت على هذا المقطع من الكلام - على أنهم لو قرأوها من بدايتها إلى نهايتها لاتضح لهم أن الإمام بعد هذين السطرين من المديح المتواضع شحن الرسالة ببيان أعمالهم المنافية لرعاية حقوقه المنصوص عليها من قبل النبي الأكرم(ص)، وفيما يلي نشير إلى بعض هذه الأمور:
- التصريح بأحقيته في الخلافة على الناس من الآخرين؛ إذ يقول: « إِنِّي أَحَقُّ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ فِي النَّاسِ مِمَّنْ تَوَلَّى الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ»[١١٨].
- بيان فلسفة بيعته لأبي بكر خشية على الناس من الانحراف، وإشفاقاً عليهم من الارتداد، وفي ذلك يقول: «حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ النَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ ... فَمَشَيْتُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعْتُهُ»[١١٩].
- وجود علاقة خاصة بين أبي بكر بن أبي قحافة وعمر بن الخطاب في خصوص تنصيب أبي بكر لعمر في الخلافة بعده، إذ يقول: «فَلَوْ لا خَاصَّةِ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عُمَرُ ؛ لَظَنَنْتُ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُهَا عَنِّي»[١٢٠].
- تجاهل عمر بن الخطاب لحق الإمام علي(ع) في الخلافة بعد طعنه، فرتّب الأمور بشكل ينتهي الأمر فيها إلى عثمان بن عفان، وفي ذلك يقول الإمام: «حَتَّى إِذَا اِحْتَضَرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي لَنْ يَعْدِلَهَا عَنِّي لَيْسَ بِدَافِعِهَا عَنِّي فَجَعَلَنِي سَادِسَ سِتَّةٍ»[١٢١].
- عدم انتخاب أعضاء الشورى للإمام علي(ع) لخوفهم من حرمان الإمام لهم من المناصب الحكومية، إذ يقول الإمام علي(ع) في ذلك: «فَخَشِيَ الْقَوْمُ إِنْ أَنَا وُلِّيتُ عَلَيْهِمْ أَلَّا يَكُونُ لَهُمْ مِنَ الْأَمْرِ نَصِيبُ مَا بَقُوا ؛ فَأَجْمِعُوا إِجْمَاعاً وَاحِداً فَصَرَفُوا الْوَلَايَةَ إِلَى عُثْمَانَ وَ أَخْرَجُونِي مِنْهَا»[١٢٢].
- تصريح الإمام علي بأن بيعته لعثمان كانت بالإكراه والإجبار، إذ يقول: «ثُمَّ قَالُوا هَلُمَّ فَبَايِعْ وَ إِلاَّ جَاهَدْنَاكَ!!. فَبَايَعْتُ مُسْتَكْرَهاً، وَ صَبَرْتُ مُحْتَسِباً»[١٢٣].
- تصريح الإمام بتنصيبه للخلافة من قبل النبي الأكرم(ص)، وأنه حق وميراث خصه به الله تعالى بواسطة نبيه، إذ يقول: «أَنَا اَلَّذِي طَلَبْتُ تُرَاثِي وَ حَقِّيَ اَلَّذِي جَعَلَنِيَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَوْلَى بِهِ»[١٢٤].
- سلب الإمام حقه في الخلافة وتجريده منها، إذ يقول: «فَقَالَ قَائِلُهُمْ يَا اِبْنَ أَبِي طَالِبٍ إِنَّكَ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ لَحَرِيصٌ فَقُلْتُ إِنَّهُمْ أَحْرَصُ مِنِّي وَ أَبْعَدُ أَيُّنَا أَحْرَصُ أَنَا اَلَّذِي طَلَبْتُ تُرَاثِي وَ حَقِّيَ؟ ... أَمْ أَنْتُمْ إِذْ تَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ وَ تَحُولُونَ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ فَبُهِتُوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾[١٢٥] اَللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَ أَصْغَوْا إِنَائِي وَ صَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِي وَ أَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي حَقّاً كُنْتُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ فَسَلَبُونِيهِ»[١٢٦].
إن الذي يتمسك بفقرة قصيرة من كتاب للإمام على(ع)، عليه أن يدقق في الفقرات الأخرى من الكتاب نفسه أيضاً، وأن يجيب عن سبب حديث الإمام علي - بحدود الهامش المتاح له بالنظر إلى مزاج المخاطبين - عن سلب حقه في الحكم، مما يعني بحسب اللازم عدم مشروعية الخلفاء الذين سبقوه؟!
وعلى هذا الأساس فإن خير جواب يمكن تقديمه عن هذا السؤال هو أنّ الإمام علي(ع) يؤكد من ناحية على اغتصاب الخلافة من أهلها، وسلب حقه فيها وعدم مشروعية الخلفاء الذين سبقوه، ولكن هذا في الوقت نفسه لا يمنعه بوصفه حكماً عادلاً ألا يتجاهل بعض الأعمال الحسنة والإيجابية، عندما يكون في مقام المقارنة وبيان من هو الأفضل من الخلفاء على المستوى النسبي.
حصيلة الكلام أن مديح الإمام المقتضب للخليفتين الأولين يشبه من يشير إشارة عابرة إلى محاسن شخص، ثم ينهمر عليه بوابل من النقد الشديد الذي يبين مواطن الضعف والأخطاء والمظالم والأعمال المخالفة لروح الإسلام. وهذا النوع من أساليب الكلام شائع على المستوى العرفي في بيان مزايا شخص من الأشخاص سيما إذا كان على مستوى من المسؤولية السياسية والاجتماعية.[١٢٧]
شبهة تعارض نصوص الخلافة
عمد بعض أهل السنة في مقام نقد ورد النصوص المأثورة عن النبي(ص) في إمامة الإمام علي(ع) إلى التمسك بالجواب النقضي، وذلك من خلال ادعاء وجود روايات أخرى عن النبي الأكرم(ص) أيضاً في خلافة أبي بكر، وهي مروية في مصادر أهل السنة وعلى هذا الأساس تتعارض الروايات المثبتة لإمامة الإمام علي مع الروايات المثبتة لخلافة أبي بكر، والقاعدة الأصولية تقول: «إذا تعارض دليلان تساقطا»، وعليه تسقط الروايات الدالة على إمامة الإمام علي وخلافة أبي بكر عن الاعتبار، وتسقط حجيّتها أيضاً. وحيث لا يكون النص معتبراً، يكون المرجع هو البيعة والشورى[١٢٨].
مناقشة وتحليل
في معرض نقد هذه الشبهة يجدر التأمل في الأمور الآتية:
عدم وجود روايات خلافة أبي بكر في المصادر الشيعية
إن أول نقطة تخطر على ذهن أى محقق وباحث منصف حيادى هو هذا السؤال القائل: لماذا لم ترد النصوص والروايات الدالة على خلافة أبي بكر في المصادر الشيعية أصلاً، وإنما اقتصر ذكرها على مصادر أهل السنة فقط، في حين أن النصوص الدالة على إمامة الإمام علي(ع) موجودة في مصادر الفريقين من الشيعة وأهل السنة، وهى كثيرة ومتضافرة جداً على ما مر بيانه في الفصل السابق بالتفصيل في معرض الإجابة عن شبهة عدم النص على إمامة الإمام علي(ع) .
بعبارة أخرى: إن مصادر روايات إمامة الإمام علي(ع) معتبرة على كلا الفريقين والمذهبين، في حين أن مصادر نصوص خلافة أبي بكر لا تحظى بتأييد من قبل الشيعة؛ إذ لم يرد لها ذكر في المصادر الشيعية القديمة، ومن هنا يذهب التصوّر إلى أن هذه الروايات من إضافات بعض الرواة المتأخرين، وخاصة أولئك الذين يناصبون العداء للإمام علي(ع) . وهنا لا بد من الإشارة إلى أن رواة الطبقة الأولى لنصوص خلافة أبي بكر إما هم من أنصار معاوية، أو أنها مستندة بشكل وآخر إلى أمثال عائشة التي كانت تضمر البرود أو الكراهية لعلي(ع) على ما هو واضح لجميع المتابعين. وعليه لا يمكن لنصوص خلافة أبي بكر أن تعارض روايات إمامة الإمام علي(ع) .
ضعف النصوص الوارد في مصادر أهل السنة على خلافة أبي بكر
بالنظر إلى مصادر أهل السنة التي تروي أحياناً النص على غير الإمام علی(ع)،يتضح أنها مجروحة وضعيفة، بحيث أن العلماء المنصفين والمحققين من أهل السنة أنفسهم لا يؤيّدونها، وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه المصادر:
تحلیل رواية الحسن البصري
إن من بين رواة وصية النبي الأكرم(ص) لأبي بكر في مسألة الخلافة هو الحسن البصري. إلا أنه أولاً: لم يكن معاصراً للنبي، بمعنى أنه لم يكن صحابياً كي يمكن له الرواية عن رسول الله مباشرة.
وثانياً: إن الحسن البصري إنما استنتج اختيار النبي الأكرم(ص) أبا بكر للخلافة من وصيته له بإمامة الجماعة في مرضه. وفي هذا الشأن يجب القول أولاً: هل كانت إمامة أبي بكر لجماعة المسلمين بأمر من شخص النبي الأكرم(ص) أم بإشارة من عائشة؟ هناك من ينكر أمر النبي بذلك، وإنما الذي أمر بذلك هي عائشة، وقال إن النبي عندما علم بالأمر تحامل على نفسه وخرج لكي يصلي بالمؤمنين ويؤم جماعتهم بنفسه.
وثالثاً: كما نبه المنصفون من أهل السنة من أمثال القاضي عبد الجبار المعتزلي[١٢٩]، فإنّ إمامة الجماعة نفسها لا تدلّ على تعيين الخلافة لا صراحة ولا تلويحاً.
تحليل رواية بكر بن أخت عبد الواحد
ومن بين رواة هذه النصوص بكر بن أخت عبد الواحد بن زيد. وقد عدد الشيخ أبو الحسن الأشعري مؤسس المذهب الأشعري في كتابه بعض آرائه الشاذة عن الإسلام، وكونه منافقاً ومن عبدة الشيطان، إضافة إلى ارتكابه للكبائر، مما أستنكره الأشاعرة[١٣٠]. من هنا يتضح أنه صاحب آراء شاذة ومخالفة للحق، وإن ادعاءه النص على أبي بكر يعد واحداً من مصاديق تلك الآراء الشاذة.
وقد ردّ الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم رواية بكر بن أخت عبد الواحد وغيره من القائلين بالنص على أبي بكر.
حاصل الكلام أنه لا وجود في مصادر أهل السنة لرواية عن الصحابة الموثوق بهم عند أهل السنة في النص على أبي بكر، وإن ادعاء ذلك جاء في العصور المتأخرة على لسان رواة تم تضعيفهم وجرحهم من قبل رجال أهل السنة أنفسهم. وعلاوة على ذلك لو كانت هذه الروايات موجودة في عصر الصحابة فعلاً، فلماذا لم تظهر على ألسنة الصحابة وفي عصر أبي بكر نفسه ليضفي بها الشرعية على خلافته؟!
وعلاوة على ما تقدم فقد ادعى بعض العلماء من أهل السنة الإجماع على عدم وجود النص، وقد استثنوا من ذلك بكر بن أخت عبد الواحد فقط ؛ حيث انفرد برواية النص على أبي بكر، ويظهر من ذلك أن بكراً يمثل حالة شاذة في قبال إجماع أهل السنة.
اعتراف أهل السنة بعدم النص
إن الأكثرية من أهل السنة متفقون ويعترفون بأنه لم يرد أي نص من النبي الأكرم بشأن الإمامة والخلافة بحق أي شخص من الصحابة - بمن فيهم أبو بكر بن أبي قحافة - وهذا الاعتراف من قبل أهل السنة يعني أن أهل السنة أنفسهم لا يقبلون بروايات خلافة أبي بكر، ويشكلون عليها بإشكالات سندية ودلالية.
بعبارة أخرى: حيث إن الخصم نفسه لا يؤمن بروايات خلافة أبي بكر، ولا يعتبرها حجّة، يتضح أمر عدم اعتبارها، وعليه كيف يمكن لمثل هذه الروايات - التى تعانى من الإشكال السندي والمضمونى باعتراف السنة أنفسهم - أن تعارض النصوص الدالة على إمامة الإمام علي(ع)؟
بتقرير آخر: إن أهل السنة الذين كانوا يتمنون إثبات مشروعية خلافة خلفائهم بأي وسيلة من الوسائل من خلال إسنادها إلى الشرع والنبي الأكرم(ص)،غاية ما قالوه بشأن دلالة النصوص على خليفة أبي بكر: إنها لا تبلغ حد الدلالة الواضحة الصريحة، وإنما تبقى على مستوى الخفاء. ومن هنا يتضح أن الروايات التي لا تتجاوز في دلالتها الإشارة والخفاء، لا تستطيع معارضة الروايات الواضحة والصريحة.
وقد أجمع أهل السنة على الاعتراف بعدم وجود النص الصريح على خلافة أبي بكر و عمر بن الخطاب[١٣١].
وعليه فبالالتفات إلى هاتين النقطتين تسقط النصوص الدالة على خلافة أبي بكر عن الاعتبار، وبعدها لا تبقى هناك من حاجة ولا متسع من المجال لذكر جميع الروايات المذكورة في هذا الشأن[١٣٢].
عدم تمسك أبي بكر وعمر بالنص
إن الدليل الآخر الذي يُثبت عدم وجود نص على خلافة أبي بكر، هو استناد أبي بكر وشريكه في السقيفة أعني عمر، حيث لم يستشهد أي منهما هناك بمثل هذا النص. وغاية ما تمسك به أبو بكر في مواجهة الأنصار رواية مطلقة تقول: « اَلْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ». ومن الواضح لو كان هناك نص وارد عن رسول الله(ص) في حقه يثبت له الخلافة بما لا يقبل التأويل، لكان قد ذكره في معمعة السقيفة، ولما احتاج إلى التمسك بمثل تلك الاطلاقات التي لا تسمن ولا تغني.
وقد ذكر هذا الدليل بعض مشاهير علماء أهل السنة من أمثال: الإمام النووي في معرض رده وإنكاره لوجود نص على خلافة أبي بكر[١٣٣].
إقرار الخليفة الأول
أعرب أبو بكر في الأيام الأخيرة من حياته عن أسفه إذ لم يكن سأل النبي الأكرم عن الأكرم عن أشياء، وذكر من بينها من هو الخليفة بعده، إذ يقول: «فَوَدِدْتُ أَنِّي سَأَلْتُهُ هَذَا اَلْأَمْرَ فَكُنَّا لاَ نُنَازِعُهُ أَهْلَهُ»[١٣٤].
وكان في تلك الأيام يتحدث عن تعيين الخليفة، ويقول: «إن الله عزّ وجل يحفظ دينه، وإنى لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله - صلى الله عليه [وآله] وسلم - لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر قد استخلف[١٣٥].
وعليه فإنه في هذا الكلام علاوة على إقراره بوجود النزاع بشأن الحكم والخلافة، يعترف - فيما يتعلق بشخصه في الحد الأدنى - بعدم وجود نص. أما أن لا يكون هناك نص صادر عن النبي الأكرم(ص) في من يلي الأمة، فهو ما سنثبت خلافه.
إقرار الخليفة الثاني وغيره بالنص على الإمام علي(ع)
بالرجوع إلى مؤلفات أهل السنة نستطيع العثور على موارد من هنا وهناك، حيث يعترف فيها الخلفاء أنفسهم بوجود النص على الإمام علي(ع) في مجالسهم الخاصة، وفيما يلي نشير إلى بعض هذه الموارد:
إن من بين الموارد هي الحوارات المتعددة بين الخليفة الثاني وابن عباس حيث كان مقرّباً من الخليفة الأول، بوصفه أحد الصحابة المبرزين، وبوصفه عالماً ومفسراً للقرآن، وفي الوقت نفسه كان يؤمن بحق الإمام علي(ع) في الإمامة والخلافة ولا يخفى ذلك.
إذ روى ابن عباس، قال: «خرجت مع عمر إلى الشام في إحدى خرجاته، فانفرد يوماً يسير على بعيره فاتبعته، فقال لي: يا ابن عباس أشكو إليك ابن عمك، سألته أن يخرج معي فلم يفعل، ولم أزل أراه واجداً، فيم تظن موجدته؟ قلت: يا أمير المؤمنين إنك لتعلم. قال: أظنه لا يزال كئيباً لفوت الخلافة! قلت: هو ذاك إنه يزعم أن رسول الله أراد الأمر له. فقال: يا ابن عباس وأراد رسول الله(ص) الأمر له فكان ما ذا إذا لم يرد الله تعالى ذلك، إن رسول الله(ص) أراد أمراً وأراد الله غيره فنفذ مراد الله تعالى ولم ينفذ مراد رسوله» [١٣٦]
أن أهل السنة أنفسهم يؤمنون بعصمة النبي الأكرم(ص) في مقام الوحي وإبلاغ الرسالة. وعليه فإن استدلال عمر بتحقق الإرادة الإلهية، صحيح. ولكن لا بد من الالتفات إلى أن الإرادة الإلهية على نوعين: إرادة تكوينية، و إرادة تشريعية.
والإرادة التكوينية تشمل جميع الأمور، فليس هناك من شيء صالحاً كان أو طالحاً، واجباً أو حراماً، إلا وقد تعلقت إرادة الله التكوينية به.
وأما الإرادة التشريعية الله، فقد تعلقت بصالح الأعمال ولم تتعلق بطالحها، بمعنى أن إرادة الله التشريعية قد تعلّقت بإسلام جميع الناس، وقيامهم بجميع الأعمال الحسنة، وفي المقابل لم تتعلق إرادة الله التشريعية بالأعمال القبيحة، من قبيل: المعاصي والكفر. وهذه الإرادة مجرد إرادة تشريعية واعتبارية، بمعنى أن الله يحب لجميع الناس أن يكونوا مسلمين وأن تتصف جميع أفعالهم بالحسن، ولكن للناس في هذه الإرادة حرية كاملة في العمل على تحقيقها أو تركها.
وعليه فإن عدم تعلق إرادة الله بخلافة الإمام علي(ع) صحيح من جهة وباطل من جهة أخرى، بمعنى إذا كان المراد من ذلك عدم تعلق إرادة الله التشريعية، فيجب القول: إن إرادة الله قد اتحدت مع إرادة رسوله في تعلقها بخلافة الإمام علي(ع)، وقد أمر الله ورسوله بتحقيق وتفعيل هذه الإرادة التشريعية.
أما أن يكون هناك من الناس من حالوا دون تحقيق إرادة الله التشريعية، وخالفوا إرادة رسول الله(ص)، واستولوا على الخلافة بمختلف الوسائل والطرق، فإن هذا لا يمكن أن يكون خارجاً عن دائرة الإرادة الإلهية، حيث تتعلق إرادة الله به من الناحية التكوينة، إلا أن تعلق مثل هذه الإرادة لا ينتج تشريعاً؛ لأن هذا النوع من الإرادة التكوينية يتعلق بجميع الأمور، حتى ما كان من قبيل الكفر وارتكاب الكبائر أيضاً، وفي الوقت نفسه لا يرضى الله بها.
عن الحسين بن محمد السيني، قال: قرأت على ظهر كتاب أن عمر نزلت به نازلة؛ فقام لها وقعد وترنح لها وتقطر، وقال لمن عنده: معشر الحاضرين ما تقولون في هذا الأمر؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت المفزع والمنزع. فغضب ... ثم قال: أما والله إني وإياكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها. قالوا: كأنك أردت ابن أبي طالب؟ قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت حرة مثله؟ قالوا: فلو دعوت به يا أمير المؤمنين؟ قال: هيهات إن هناك شمخاً من هاشم، وأثرة من علم، ولحمة من رسول الله(ص)، يؤتى ولا يأتي؛ فامضوا بنا إليه فانقصفوا نحوه وأفضوا إليه، فألفوه في حائط له عليه تبان وهو يتركل على مسحاته ويقرأ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾[١٣٧]، إلى آخر السورة، ودموعه تهمي على خديه؛ فأجهش الناس لبكائه فبكوا، ثم سكت وسكتوا، فسأله عمر عن تلك الواقعة، فأصدر جوابها؛ فقال عمر: أما والله لقد أرادك الحق، ولكن أبي قومك فقال: يا أبا حفص خفض عليك من هنا ومن هنا ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً﴾[١٣٨]، فوضع عمر إحدى يديه على الأخرى، وأطرق إلى الأرض وخرج كأنما ينظر في رماد»[١٣٩]
الموضع الآخر الذي اعترف فيه عمر بالنص على الإمام علي(ع) يعود إلى حديث الدواة والقلم، حيث أقر بأن النبي الأكرم(ص) كان يريد في ذلك المجلس تسمية الإمام علي للخلافة، فمنعته من ذلك، على ما مر توضيحه في تحليله في فصل نقد الشبهات المتقدمة.
روي عن ابن عباس أيضاً قال: دخلت على عمر يوماً؛ فقال يا ابن العباس، لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة، حتى نحلته رياء! قلت: من هو؟ فقال: هذا ابن عمك - يعني علي - قلت: وما يقصد بالرياء أميرُ المؤمنين؟ قال: يرشح نفسه بين الناس للخلافة! قلت: وما يصنع بالترشيح؟! قد رشحه لها رسول الله(ص) فصرفت عنه.
وهنا لا بد من التدقيق في جواب عمر، إذ إنّه لم ينكر أصل الترشيح وانتخاب النبي له، وإنما أخذ يبرر استبعاد الإمام علي(ع) عن الخلافة! حيث كان جوابه على ما رواه ابن أبي الحديد المعتزلي السني، أنه قال: «إنه كان شاباً حدثاً، فاستصغرت العرب سنه»[١٤٠].
وعليه فإن الخليفة الثانى فى هذا الجواب لم ينكر أصل ادعاء ابن عباس القائل بانتخاب الإمام علي(ع) للإمامة والحكم من قبل رسول الله، وإنما عمد إلى تبرير فعلته يوم السقيفة، حيق قدّم أبا بكر على الإمام علي، وقد نسب ذلك إلى العرب زاعماً أنهم أبوا أن يتولى عليهم حدث السن.
وقد ردّ عليه ابن عباس هذا التبرير فى ذات المجلس، ولكن الذي يهمنا هنا ونحن بصدده هو اعتراف الخليفة الثاني بأصل تنصيب الإمام علي(ع) من قبل النبي الأكرم(ص) .
روى أبو بكر الأنباري في أماليه: «أن علي(ع) جلس إلى عمر في المسجد وعنده ناس، فلما قام عرض واحد بذكره، ونسبه إلى التيه والعجب؛ فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، والله لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الأمة وذو سابقتها وذو شرفها؛ فقال له ذلك القائل: فما منعكم يا أمير المؤمنين عنه؟».
ويتضح من سؤال هذا السائل أن أذهان المسلمين في صدر الإسلام لم تكن بعيدة عن وجود النص النبوي على الإمام علي بالخلافة، ولذلك لم ينكر عمر وجود النص، وإنما تذرّع بذات الإسطوانة القديمة وهي صغر سنه، مع إضافة شيء آخر هو أبعد ما يكون عن أخلاق الإمام علي(ع)، إذ قال: «كرهناه على حداثة السن، وحبّه بني عبد المطلب»[١٤١].
وفي حوار آخر جرى بين عمر بن الخطاب وابن عباس، قال عمر: «يا ابن عباس، أما والله إن كان صاحبك هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله، إلا أنا خفناه على اثنتين. قال ابن عباس: فجاء بمنطق لم أجد بداً معه من مسألته عنه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سنه، وحبه بني عبد المطلب»[١٤٢].
وقد روى ابن عباس هذه الحادثة مستغرباً منطق عمر بن الخطاب،حيث رآه بعيداً كل البعد عن الاقناع، واعترض عليه بشكل واضح وصريح.
كما ورد الاعتراف والإقرار بوجود النص على إمامة الإمام علي(ع) عن غير الخليفة الثاني من كبار الصحابة وبعبارة أدق: هناك كثير من الصحابة الذين رووا النص عن النبي الأكرم(ص) بخلافة الإمام علي وإمامته، وقد تقدم أن ذكرنا تفصيل ذلك في الفصل الرابع، وعليه نحيل القارئ الكريم إلى ذلك الفصل.
اعترف ابن أبي الحديد المعتزلي شارح نهج البلاغة بعد بيان هذه الموارد بدلالتها على النص، حيث قال: «ما أراها إلا تكاد تكون دالة على النص»[١٤٣]. ولكنه وقع بين محذورين؛ فإما أن يأخذ بظاهر النصوص، ولازم ذلك القول بقول الشيعة والأخذ بمذهبهم، وبين توجيه سلوك الصحابة الذين أعرضوا عن جميع هذه النصوص، لذلك لجأ إلى أبي جعفر يحيى بن محمد أبي زيد، كي يخرجه من حيرته، وسوف نذكر تبريراته ضمن تبرير الفصل بين النصوص النبوية وتقسيمها إلى دينية ودنيوية، وسوف نقوم هناك بنقد هذه التبريرات.
القاضي عبد الجبار المعتزلي من كبار علماء المعتزلة، وله مؤلفات قيمة، مثل: (المغني في أبواب التوحيد والعدل)، و(شرح الأصول الخمسة) في الإمامة والإمام بعد رحيل النبي الأكرم(ص)، وقد صرّح قائلاً: «إن مذهبنا أن الإمام بعد النبي علي بن أبي طالب»[١٤٤].
الأمر الآخر أن بعض المعتزلة يفضلون الإمام علي(ع) على الخليفة الأول، ولكنهم يذهبون إلى عدم اشتراط تقديم الأفضل على المفضول في الإمامة والخلافة، حيث يقولون: «فأما عندنا: إن أفضل الصحابة أمير المؤمنين علي، ثم الحسن والحسين» [١٤٥].[١٤٦]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ انظر: انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٧، ص ٣٣؛ الفخر الرازي، الأربعين، الفصل الرابع، ص ٧٦؛ التفتازاني، شرح المقاصد، ج ٥، ص ٢٦٢؛روزبهان، دلائل الصدق، ج ٢، ص ٢١ - ٣٣.
- ↑ (أما الإمام علي فلم تأته الخلافة بمعنى الحكومة، ولا هو طالب بها أو طالب بها أو سعى إليها)، انظر: آخرت وخدا هدف بعثت، ص ٤٥؛وانظر أيضاً: الدكتور الحائري اليزدي، حکمت وحكومت، ص ١٤٤؛ أحمد القبانجي، خلافة الإمام علي بالنص أم بالنصب، ص ٢٢. ومن الجدير معرفته أن السيد عبد العلي بازركان (نجل المهندس مهدي بازركان) يعترف بجهود الإمام علي(ع) في المطالبة بالسلطة كما نجد ذلك في کتابه (شوری وبیعت حاکمیت خدا در مردم)، ص ٦٧ .
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٥٦، وج ٢٠، ص ١٤٧؛ ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٢٦؛ الإمامة والسياسة، ج ١، ص ١٢؛ كتاب سُليم بن قيس، ص ١٤٦؛ أعلام النساء، ج ٤، ص ١١٤؛ ابن هشام، سيرة ابن هشام، ج ١، ص ٢٣٨.
- ↑ انظر: تاريخ الطبري، ج ٣، ص ٢٠٧؛ ابن كثير، السيرة النبوية، ج ٤، ص ٤٩٥ .
- ↑ انظر: أبو الحسن علي المسعودي، التنبيه والإشراف، ص ٢٥٠؛ ابن واضح اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ص ١٢٦ ؛ البلاذري، أنساب الأشراف، ج ١، ص ٥٨٦ ؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٢٥؛ ابن الجوزي، تذكرة الخواص، ص ٦٠ . ولا بد من التذكير بأن بعض هذه المصادر أشار إلى هذا الخبر بلفظ (قيل)، مما يدل على ضعفه.
- ↑ انظر: ابن حزم، الفصل، ج ٤، ص ٢٣٥ .
- ↑ كتاب سُليم بن قيس، ص ١٤٦ - ١٤٨؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٤١٩؛ وأيضاً: موسوعة الإمام علي بن أبي طالب، ج ٣، ص ٥٠ فما بعد.
- ↑ السقيفة وفدك، ص ٦١ .
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٤٧، وج ١١، ص ١١٤.
- ↑ انظر: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٤١٩.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٧ .
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١١، ص ١٤؛ أعلام النساء، ج ٤، ص ١١٤ .
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١١، ص ١٤؛ الطبرسي، الاحتجاج، ج ١، ص ١٨٨.
- ↑ المزيد من الاطلاع على آراء المتكلمين الشيعة، انظر: السيد المرتضى، الذخيرة، ص ٤٧٤ ؛ ابن نوبخت، الياقوت، ص ٨٢؛ الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد، ج ٢، ص ٢٠٠؛ المحقق اللاهیجی، گوهر مراد، ص ٤٩٠.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٥٨-٣٦٣.
- ↑ انظر: شرح المقاصد، ج ٣، ص ٤٩٨؛ شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٨٦ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢٦ .
- ↑ المحمودي، نهج السعادة، ج ٥، ص ٢١٩؛ كتاب سُليم بن قيس، ص ٢١٦، ح ١٢؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٠، ص ١٥، وج ٢٩، ص ٤١٩؛ مستدرك الوسائل، ج ١١، ص ٧٦.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٥.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١١٩؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٣٠٧.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب رقم: ٦٢؛ مناقب الخوارزمي، ص ٣١٣؛ فرائد السمطين، ج ١، ص ٣٢٠، رقم ٢٥١؛ تاريخ مدينة دمشق،ج٤٢، ص ٤٣٤؛ لسان الميزان، ج ٢، ص ١٥٦؛ كنز العمال، ج ٥، ص ٧٢٤ .
- ↑ انظر: نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٣٣.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١٦١ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٦٣-٣٦٨.
- ↑ الإبانة، ص ١٤٨ ؛ البغدادي: كتاب أصول الدين، ص ١٤٩.
- ↑ مناقب الخوارزمي، ص ٣١٣، الفصل ١٦؛فرائد السمطين، ج ١، ص ٣٢٠، رقم ٢٥١؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢ ص،٤٣٤؛كنز العمال، ج ٥، ص ٧٢٤.
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب: رقم ٦٢ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ١١٩؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٣٠٧.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم ٣؛وانظر أيضاً: موسوعة الإمام علي، ج ٣، ص ٦٠ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٨٣-٣٧٤.
- ↑ انظر: الطبقات الكبرى، ج ٣، ص ٦١ ؛ كنز العمال، ج ٥، ص ٧٣٢؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٦٦ ؛ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٧٥٠؛ مؤسسة الإمام علي، ج ٣، ص ٩٧.
- ↑ انظر: القاضي عبد الجبار المعتزلي، المغني، كتاب الإمامة، ج ٢٠؛ ابن حزم، الفصل، ج ٣، ص ١٥؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٢٥٦-٢٧١، ج ١، ص ١٨٩، ج ١٨، ص ٤١٥ ؛ أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص ٢٣.
- ↑ الملفت في البين أن عمر بن الخطاب نفسه قد جعل المناط فيما لو تعادلت الكفة بين المرشحين، بأن انقسم أعضاء الشورى على أنفسهم ثلاثة ثلاثة، كأن يقوم اثنان منهم على انتخاب شخص، واثنان آخران علی انتخاب شخص آخر، كان الترجيح للكفة التي يكون فيها عبد الرحمن بن عوف، وأمر عمر بن الخطاب بقتل الثلاثة الآخرين إن أصروا على المعارضة. ومن خلال توليفة الشورى يتضح بالالتفات إلى كون عبد الرحمن بن عوف صهراً لعثمان وابن عم لسعد أنهما سيتفقان على عثمان، وبذلك يستبعد الثلاثة الآخرون بمن فيهم علي بن أبي طالب(ع) . وهذا ما صرح به الإمامعلى(ع) بنفسه وكذلك ابن عباس وآخرون (انظر: نهج البلاغة، الخطبة الثالثة؛ موسوعة الإمام علي، ج ٣، ص ١١٨ و١٢٧).
- ↑ المراد من الجريمة هنا في الحد الأدنى ما قام به عثمان بن عفان من الانفاق العبثي للأموال، وتوزيع موارد بيت المال على أقربائه وأفراد حاشيته، الذي بلغ في بعض الموارد حدود الاستهتار، حتى كان ذلك واحداً من أسباب النقمة والثورة الشعبية عليه والتي أدّت إلى مقتله على ما هو مسجل في المصادر التاريخية.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ١٨٩، وج ١٠، ص ٢٨٥؛ موسوعة الإمام علي(ع)، ج ٣، ص ١١٩ .
- ↑ انظر: كنز العمال، ج ٥، ص ٧٢٤، ح ١٤٢٤٣؛ الصواعق المحرقة، ب ١١؛ مناقب الخوارزمي، ص ٢١٣ .
- ↑ انظر: الطبرسي، الاحتجاج، ج ١، ص ١٩٧ ؛ الغدير، ج ١، ص ١٦٠، وج ٣، ص١٣٣.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٧٤-٣٨٠.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٩٢.
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٧، ص ٣٤؛ الفخر الرازي، الأربعين، الفصل الرابع، ص ٧٦؛ شرح المقاصد، ج ٥، ص ٢٦٢؛ دلائل الصدق، ج ٢، ص ٢١ و٣٣؛ أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي، ص ٢٣.
- ↑ انظر: مهدي حائري يزدي، حكمت وحکومت، ص ١٤٤؛ مهدي بازركان، آخرت وخدا هدف بعثت، ص ٤٥.
- ↑ وقد سبق أن حدث ما يشبه هذا الموقف بعد موت عمر بن الخطاب. حيث جعل عمر - الخلافة بعده الشورى مؤلفة من ستة أشخاص. وفي هذه الشورى انسحب الزبير لصالح الإمام علي(ع)، وانسحب طلحة لصالح عثمان، وانسحب سعد بن أبي وقاص لصالح عبد الرحمن بن عوف. ثم انسحب عبد الرحمن من المنافسة حاملاً معه رصيده سعد بن أبي وقاص ليمثل بذلك بيضة القبان ترجح الكفة التي يرجحها، وهنا أقبل أولاً على الإمام علي(ع) وقال له: أبايعك على أن تتبع كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة الشيخين إلا أن الإمام رفض الشرط الأخير وألزم نفسه بالعمل بكتاب الله وسنة رسول الله فقط. ومن هنا مال عبد الرحمن إلى عثمان بن عفان ليعرض عليه البيعة بنفس الشروط، وهذا ما وافق عليه عثمان بن عفان فأصبح هو الخليفة. (انظر: شيخ الإسلام، ترجمة نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٣).
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٩١.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٩١. ولمزيد من التوضيح انظر: مرتضى المطهري، امامت ورهبري، ص ١٣٩-١٤٠؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٧، ص ٣٤.
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٣.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٧، ص ٢٨.
- ↑ سورة الدخان، الآية ٤٩.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٧، ص ٢٨ - ٢٩ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٣.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٨٠-٣٨٦.
- ↑ انظر: الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٣٤٤.
- ↑ انظر: تاریخ ابن خلدون، ج ٢، ص ٩١؛ الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٤٥٠؛ تاریخ الطبري، ج ٢، ص ٦١١ .
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢٠، ص ٢٢١؛ وانظر أيضاً: ابن حزم الظاهري، الفصل، ج ٣، ص ١٥ .
- ↑ انظر: محمد واعظ زادة الخراساني، فصلية كتاب نقد، العدد: ١٩، صيف عام ه_ ش، ص ٢٤؛ مجلة نهج البلاغة، العدد: ٤ البلاغة، العدد ٤ و٥، ص ١٧٧. علينا التذكير هنا بأننا سنذكر بعض عباراته ضمن التبرير الرابع في فصل التبريرات والتخريجات.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٨٦-٣٨٩.
- ↑ انظر: جامع أحاديث الشيعة، ج ٧، ص ٣٠٧.
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢٠، ص ٢٢١؛ مجله هفت آسمان، العدد: ٣٠ مقال: (راه کارهاي تحكيم وحدت إسلامي).
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٧، ص ٢٩٨؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، أبواب صلاة الجماعة، ب ٥، ح ٩، وج ٨، ص ٣٠١.
- ↑ انظر: الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد، ج ٢، ص ٣٢٣.
- ↑ الشيخ المفيد، سلسلة مؤلفات المفيد، ج ٢٠، ص ٦٩، كتاب الفصول المختارة.
- ↑ يقول الإمام الخميني: (لقد شارك الإمام علي(ع) في صلاة جماعتهم مدة ثلاثة وعشرين سنة حفاظاً على مصالح المسلمين العالية، وقام بمتابعتهم لوجود مصلحة في ذلك لا تدانيها مصلحة أخرى). انظر: صحیفه امام، ج ٣، ص ٢٤١، بتاريخ: ١٠ / ٩ / ١٣٦٥ ه_ ش .
- ↑ انظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٢٨٥؛الباب: ١ - ٥؛ جامع أحاديث، الشيعة، ج ٧، ص ٢٦٤ - ٢٨٥ .
- ↑ لم يتحدّد في نص الرواية من هو الشخص الذي يروي عنه سماعة هذه الرواية، ولكن حيث أنه ثقة ولا يروي عن غير الإمام (وكان معاصراً للإمامين جعفر الصادق وموسى الكاظم عليهما السلام)، فقد اعتبر العلماء روايته.
- ↑ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج ٨، ص ٣٠١؛ أبواب صلاة الجماعة، الباب: ٥، ح ١٠.
- ↑ أبواب صلاة الجماعة، الباب: ٥، ح ٩ .
- ↑ عبد الحسين شرف الدين، أجوبة مسائل جار الله، ص ٦٦ ؛ وانظر أيضاً: محمد رضا حكيمي، مشعل اتحاد، ص ٢٦.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٩٠-٣٩٥.
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢٠، ص ١٠٦ و٢٢١؛ ابن حزم الظاهري الفصل، ج ٣، ص ١٥.
- ↑ انظر: السيد أحمد موثقي، استراتژي وحدت، ج ١، ص ١٢٥.
- ↑ انظر: الذهبي، تلخيص المستدرك، ج ٣، ص ١٤٢ .
- ↑ انظر: البيهقي، سنن البيهقي، ج ٧، ص ٦٤ .
- ↑ انظر: العقيلي،الضعفاء، ج ٢، ص ٣٣١؛ ابن عدي، الكافي في الضعفاء، ج ٧، ص ١٥٨١.
- ↑ انظر: المصدر أعلاه، ج ٥، ص ٣٣٧.
- ↑ انظر: سلسلة مؤلفات الشيخ المفيد، ج ٧، ص ٨٦؛ المسائل السروية. كما ذهب ابن شهر آشوب وأبو سهل النوبختي إلى إنكار الأصل التاريخي لهذا الحديث.
- ↑ انظر: السيد ناصر حسين الموسوي الهندي، إقحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أم كلثوم؛ السيد علي الميلاني، تزويج أم كلثوم من عمر. يمكن قراءة هذين الكتابين في مكتبة أهل البيت الإلكترونية.
- ↑ انظر: آية الله السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، جواب استفتاء بتاريخ: ربيع الأول / ١٤٠٧ ه_ نقلاً عن: تاريخ تحليلي وسياسي إسلام، ج ٢، ص ٥٩.
- ↑ انظر: العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٤٢، ص ١٠٩؛ مرآة العقول، ج ٢٠، ص ٤٢، وج،٢١، ص ١٩٨ . هذا وقد ذهب صاحب (الأنوار المضيئة) - على ما نقل عنه - إلى القول بأن التي أرسلها الإمام علي إلى بيت عمر لم تكن ابنته، بل هي بنت يهودية اسمها أم كلثوم أيضاً (انظر: مرآة العقول، ج ٢١، ص ١٩٨، وج ٢٠، . ص ٤٢؛ بحار الأنوار، د ٤٢، ص ١٠٦).
- ↑ الشيخ المفيد، سلسلة المؤلفات، ج ٧، ص ٩١ .
- ↑ الشيخ المفيد، سلسلة المؤلفات، ج ٢، ص ٧٠.
- ↑ انظر: جامع أحاديث الشيعة، ج ٢٠، ص ٥٣٨.
- ↑ انظر: فروع الكافي، ج ٢، ص ١٤١، وج،٥، ص ٣٤٦؛ مرآة العقول، ج ٢٠، ص ٤٤ ؛ الإستغاثة، ص ٩٢؛ أعلام الورى، ص ٢٠٤.
- ↑ انظر: الشافي، نقلاً عن مرآة العقول، ج ٢٠، ص ٤٤ ؛ الشيخ المفيد، سلسلة المؤلفات، ج ٧، ص ٩٢؛ الشيخ الطوسي، التهذيب، ج ١٨، ص ١٦١ مرآة العقول، ج ٢٠، ص ٢٥
- ↑ هناك رأي يقول: إن النبي لوط إنما أراد تزويجهم من بنات أمته؛ لأن كل نبي هو أبو أمته، وليس مراده تزويجهم من بناته اللاتي هن من صلبه، ويؤيد ذلك أن الذين جاؤوا إليه يهرعون هم قومه كما هو صريح الآية، والظاهر من لفظ القوم أنهم كانوا كثر، في حين أن التاريخ ينقل أن لوط لم يكن لديه من البنات الصلبيات سوى اثنتان أو ثلاث، فكيف يمكنه أن يزوّجهن من هذا العدد من أفراد قومه الذين جاؤوا يهرعون إليه طلباً لارتكاب الفاحشة؟! المعرّب.
- ↑ سورة هود، الآية ٧٨.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٣٩٥-٤٠٣.
- ↑ انظر: عبد العزيز نعماني، مقال: (حضرت فاطمه زهرا از ولادت تا افسانه شهادت)، شهرية نداي إسلام، العدد: ٣ حوزه علمية أهل سنت زاهدان، وانظر: المصدر ذاته، العدد: ٩، ربيع عام ١٣٨١ ه_ ش، ص،٧١،كلمة إمام جمعة أهل السنة في زاهدان، سماحة الشيخ عبد الحميد مولوي؛ السيد أحمد،موثقي، استراتژي وحدت، ج ١،ص١٣٥.
- ↑ انظر: أسد الغابة، ج ٣، ص ٢٨٤ ؛ الطبقات الكبرى، ج ٦، ص ٧٦.
- ↑ انظر: شمس الدين الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج ٤، ص ١٣٤؛ جمال الدين المزي، تهذيب الكمال، ج ٢١، ص ٤٦٧ ؛ ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج ٧، ص ٤١١ ؛ أحمد البلاذري، أنساب الأشراف، ج ٢، ص ٩٢ .
- ↑ انظر: أبو الفرج الإصفهاني، مقاتل الطالبيين، ترجمه إلى الفارسية: رسول محلاتي، ص ٨٠؛ السيد علي الحسيني الميلاني، امامت بلا فصل، ص ٢٣٥ ؛ علی لباف، معمای نام.
- ↑ أسرار آل محمد، ترجمه إلى الفارسية: محمد إسماعيل أنصاري زنجاني، ص ٤٣٥ .
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤٠٣-٤١٠.
- ↑ شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٦٧.
- ↑ أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة، ج ١، ص ٣٣٦ و٣٦٤ و٣٨٢.
- ↑ انظر: محمد برفي، سيماي علي از منظر اهل سنت، ص ١١٥.
- ↑ انظر: محمد جواد حجتي كرماني، صحيفة اطلاعات، بتاريخ: ٢٩ / خرداد / ١٣٧٩ ه_ ش محمد واعظ زاده خراساني، فصلية كتاب نقد، صيف عام ١٣٨٠ه_ ش، ص ٣١؛ سید جواد اد مصطفوي، مقال في كتاب وحدت، ص ١٤٣؛ مجلة مشكاة، العدد: ٢، ربيع عام ١٣٦٢ ه_ ش، ص ٥٨ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢١٩؛فيض الإسلام، ص ٧٢١؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٤، ص ٤٥٨ .
- ↑ إبراهيم بن محمد الثقفي، الغارات، ج ١، ص ٣٠٧؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٣، ص ٤٥٨ ؛ عبد الكريم بي آزار شيرازي، نشريه آرام، العدد الثالث.
- ↑ انظر: تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٧٤٦.
- ↑ انظر: ابن عساکر، تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٤، ص ٤٥٨ .
- ↑ نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢ و١١٩ ؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٣٤ .
- ↑ انظر: السيد عبد الزهراء الحسيني الخطيب، مصادر نهج البلاغة، ج ١، ص ٣٣٦.
- ↑ انظر: المجازات النبوية، ص ٤٠١، الحدیث: ٣١٧.
- ↑ انظر: بهج الصباغة، ج ٤، ص ٣٦٩ - ٣٧٣، ٦٧ و٤٠١ و٥١٩؛ وج ٦، ص ٣٦٩ و٣٧١ و٤٠ و٤٤٣، وج ٧، ص ٣٣٤ و٥٩٨، وج،٨ ص ٨٢، وج ٩، ص ٥٩ و٣٦٥ - ٤٤٨ و٤٨٠ - ٥٠٩، وج ١١، ص ٨٦ و٤٠٩ و٤٢٩ و٥٦٨، وج ١٢، ص ١٩ و٢٢ و٥٠٥ و٦٠١، و١٣، ص ٣٣٨، وج ١٤، ص ٢٢٤ و٢٦٥،(نقلاً عن: محمد صحتي سردرودي، مقال: گامي كوچك در شناخت اثري سترگ، المدرج ضمن كتاب: مشعل تجاويد، ص ٢٧١. كما تم تضمين هذا الجزء من هذه المقال في کتاب «مظلوم گمشده در سقیفه» الجزء الثاني، ص ٢٧٥ فما بعد).
- ↑ بهج الصباغة، ج ٩، ص ٤٨١.
- ↑ انظر: تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٧٤٦؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٤ ٤، ص ٤٥٨.
- ↑ انظر: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٣ - ٤ .
- ↑ انظر: صبحي الصالح، نهج البلاغة، الخطبة رقم: ٢١٩.
- ↑ انظر: الخوئي، شرح نهج البلاغة، ج ١٤، ص ٣٧٤.
- ↑ انظر: مصادر نهج البلاغة، ج ١، ص ٢٠٨.
- ↑ منهاج البراعة، ج ١٤، ص ٣٧٣؛ الشوشتري، بهج الصباغة، ج ٩، ص ٤٨١ - ٤٨٣ .
- ↑ الشيخ المحمودي، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، ج ٤، ص ١٨٩ .
- ↑ انظر: المصدر أعلاه؛ شرح الخوئي، ج ١٤، ص ٣٧٥.
- ↑ انظر: ابن ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة، شرح الخطبة رقم ٢١٩، ج ٢، ص ١٥٣؛ بحار الأنوار، ج ٣، ص ٥٧٤ .
- ↑ انظر: مرتضى مطهري، سيري در نهج البلاغة، ص ١٦٤.
- ↑ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٧٤٦، وقائع عام ٢٣ للهجرة.
- ↑ انظر: الشيخ علي البحراني، منار الهدى في إثبات النص على إثبات الأئمة الإثنى عشر النجباء، ص ٦٩١.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٣، ص ٥٧٤.
- ↑ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٣، ص ٥٦٨ .
- ↑ نهج البلاغة، الكتاب رقم ٦٢؛مناقب الخوارزمي، ص ٣١٣؛ فرائد السمطين، ج ١، ٣٢٠، رقم ٢٥١؛ تاریخ مدينة دمشق، ج ٤٢، ص ٤٣٤؛ لسان الميزان، ج ٢، ص ١٥٦ ؛ كنز العمال، ج ٥، ص ٧٢٤ .
- ↑ إبراهيم بن محمد الثقفي، الغارات، ج ١، ص ٣٠٧؛ العلامة محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج ٣٣، ص ٤٥٨.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٩٧.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٩٧.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٩٧.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٩٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٨.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١، ص ٩٧.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤١٠-٤٢٧.
- ↑ انظر: مير شريف الجرجاني، شرح المواقف، ج ٨، ص ٣٩٥؛ الباقلاني، تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل، ص ٤٥٠ ؛ ابن حزم، الفصل، ج ٤، ص ٩ - ١٧٠ .
- ↑ انظر: المغني، ج ٢، ص ١٢٣.
- ↑ مقالات الإسلاميين، ص ٢٨٦ .
- ↑ انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق، ص ٣٤٩ الغزالي، قواعد العقائد،ص ٢٢٦؛النووي شرح صحيح مسلم، حاشية النووي، ج ١٢، ص ٢٠٥؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج ٥، ص ٢١٩ .
- ↑ انظر: الكتب الكلامية، ذيل بحث الإمامة؛ وانظر أيضاً: علي أصغر رضواني، امام شناسي، ج ٢، ص ٦٣٤ - ٦٤٥.
- ↑ شرح مسلم، حاشية النووي، ج ١٢، ص ٢٠٤.
- ↑ أبو بكر أحمد الجواهري البغدادي، السقيفة، ص ٤١، بتحقيق ومقدّمة: محمد هادي الأميني.
- ↑ لا يخفى أن هذا الكلام لعمر وليس لأبي بكر، المعرّب. انظر: صحیح مسلم، ج ٣، ص ١٤٥٥، الحديث رقم: ١٨٢٣؛ تاريخ الطبري، ج ٢، ص ٧٥٠؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٦٥.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٩ - ٧٨.
- ↑ سورة القيامة، الآية ٣٦.
- ↑ سورة النبأ، الآية ١٧.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٧٩ - ٨٠.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٨٠.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٨١ - ٨٢.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ٢، ص ٥٧.
- ↑ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج ١٢، ص ٨٢
- ↑ المغني، ج ١، ص ٥١٦ . واستطرد قائلاً: إن الإمام عند المعتزلة بعد النبي الخلفاء الأربعة، وبعدهم يعود الأمر إلى اختيار الأمة. الأمر الآخر أنه على الرغم من اعتباره الإمام علي إماماً بعد النبي مباشرة، ولكنه يخالف الإمامية في اشتراط اتصافه بالعصمة والعلم بالغيب، والعلم اللدني فلايشترطها في الإمام . (انظر: المغني، ج٢٠، ص١٨).
- ↑ القاضي عبد الجبار المعتزلي، شرح الأصول الخمسة، ص ٧٦٧.
- ↑ محمد حسن قدردان قراملكي، الإمامة أجوبة الشبهات الكلامية، ص ٤٢٧-٤٣٩.