جارية بن قدامة السعدي التميمي
نبذة
جارية بن قدامة السعدي التميمي يكنى «أبا أيوب».
كان من صحابة الإمام الذين ناصروه في إقامة أعمدة الدولة، وعاضدوه في درء عادية المغيرين.
كان من الأبطال الأشاوس من الذين يقل نظيرهم، وكان الإمام يرسله لحل المشاكل المستعصية في أرجاء الدولة: المشاكل السياسية والعسكرية والنضالية.
وكان كفؤاً للأعمال التي تناط به، والتي كان ينوء تحت أعباءها الباهضة غيره.
كان ذو مواهب خلاقة في الشؤون الحربية والنضالية، موهوباً في اخماد لهيب المنشقين على الدولة.
وابن قدامة في نفس الوقت يعتبر سيداً من سادات بني تميم، وزعيماً من زعمائهم الذين ضحوا في سبيل الإمام بالغالي والرخيص، وبكل ما تملك به ذات أيديهم بعد أن ظهر لهم الرشد من الغي، والنهار من الليل، والنور من الظلام، والحقيقة من الزخرف المطلي أو المجاز.
بعد أن ظهر لهم رصيد الإمام الثر فى الإسلام، رصيده في نواياه وأهدافه العليا تماما كما انجلى لهم أهداف مناوئية وشانئيه، وإحتمائهم برصيد الجاهلية والحقد والطمع.
كان ابن قدامة يجله قومه، وينصاعون لأوامره، ويرتدعون عما يحظره عليهم حتى أن الأحنف بن قيس - هو الآخر من صحابة الإمام- كان يدعوه ب «عمي» وهذه الدعوة معبرة عن مشاعر ابن قيس تجاه السيد الزعيم، تجاه مواهبه ومزاياه. وكل هذا بعد أن لمع نجمه في الدولة، وارتقت به الأسباب. وكان ابن قدامة يسكن البصرة ويمارس الحياة الاجتماعية كسيد من سادات بني تميم.
ولما ان انتشرت أخبار الناكثين ومسيرتهم باتجاه البصرة ومطاردة الإمام لهم حتى شعر أن هناك حركة مقبلة على مدينته، ولابد أن يكون لقدميه موضعا في هذه الحركة: فإما أن يختار جانب الناكثين المنشقين على السلطة الشرعية، وأما أن يتجه إلى الإمام وينضم في صفوفه ويكون تحت رايته، ولكن بداهة ابن قدامة واتجاهاته النفسية الخيرة والأضواء الفكرية التي كانت تضئ له الطريق وتنير له الهدف قادته إلى جانب الإمام، فأصبح منافحاً عن قضية الدولة العليا الأمر الذي لم يكد الإمام يصل إلى مشارف البصرة مع جيشه اللجب حتى استقبل الإمام مع جماعة كبيرة من بني تميم ثم عاضده ضد الأهواء والانحرافات التي أثار نقيعها الناكثون.
ومن هذا اليوم أخذ نجم ابن قدامة يسطع والحادثة التالية وهي أولى الحوادث التي يطالعنا التاريخ من حياة ابن قدامة تعبر عن مكانة ابن قدامة لدى الإمام، وهو لا يزال في فجر الدولة.
كانت ثلة من بني تميم غير منحازة إلى الإمام، وتعاضد الناكثين وهناك فريق ثاني يتزعمه الأحنف بن قيس كان قد ابتعد بنفسه عن ميدان الصراع في معركة الجمل.
اتخذ خطة عدم الانحياز لأحد الفريقين، وكانت الثلة الأولى لا تزال بعد اطفاء نائرة الجمل تبث إعلام مسموم ضد الدولة الفتية، وتشيع في أوساط الناس الأخبار الكاذبة عن مسيرة السياسة العلوية الأمر الذي امتعض عبد الله بن عباس، وهو محافظ مدينة البصرة من قبل الإمام، والقائم على الأمن في المدينة، والمسؤول عن شؤون المدينة، ولم تكد الرياح تلقى إلى مسامعه كلمات هذه الثلة الشائئة من بني تميم وإعلامها المرصود ضد الدولة الفتية حتى راح يشن حربا كلامية شعواء ضد هذه الثلة التي لم تؤدبها المعركة الجملية، فكان ينعتها «بأنصار عسكر» و«حزب الشيطان».
ولم يكتفي ابن عباس بالحرب الباردة حتى قام بحملة تصفية في مراكز المحافظة، وأجهزة الدولة في المدينة من هاتيك العناصر المناوئة، وكان الاعلام المعادى ينفخ في لهيب حملة ابن عباس ضد هذه الثلة من بني تميم، ويعمم حملته -أي حملة ابن عباس- ضد بني تميم كلها الأمر الذي شاع في أوساط المدينة أن المحافظ الجديد قد تنكر لبني تميم كلها، وأقص بنيها ورجالاتها عن المناصب، وأبعد بعضها عن مرافقته، وحينما شاهد ابن قدامة وغيره من رجالات بني تميم التي توالي الإمام وتعاضد دولته الفتية هذه الحملة العباسية من قبل محافظ المدينة ضد الثلة التميمية امتعضوا أشد الامتعاض وكتبوا إلى الإمام يشكون محافظ المدينة عبد الله بن عباس وحملته ضد بني تميم.
ولما بلغ رسالة جارية بن قدامة وفريقه إلى الإمام، وألقى نظرة عليها كتب إلى ابن عباس محافظ المدينة الكتاب التالي:
«أَمَّا بَعْدُ، فَانٍ خَيْرُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ أَعْمَلُهُمْ بِطَاعَتِهِ فِي مَا عَلَيْهِ وَلَهٍ، وَأَقْوَلَهُمْ بِالْحَقِّ وَانٍ كَانَ مُرّاً أَلَا وَانْهَ بِالْحَقِّ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ، فَلْتَكُنْ سَرِيرَتِكَ كعلانيتك وَلْيَكُنْ حُكْمِكَ وَاحِداً وَطَرِيقُكَ مُسْتَقِيماً، وَاِعْلَمْ أَنَّ اَلْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ اَلْفِتَنِ فَحَادِثْ أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَاُحْلُلْ عُقْدَةَ اَلْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ لِبَنِي تَمِيمٍ وَغِلْظَتُك عَلَيْهِمْ وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلاَّ طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلاَ إِسْلاَمٍ وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً وَقَرَابَةً خَاصَّةً نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا وَمَأْزُورُونَ عَلَى قَطِيعَتِهَا فَارْبَعْ أَبَا اَلْعَبَّاسِ رَحِمَكَ اَللَّهُ فِيمَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ وَيَدِكَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَإِنَّا شَرِيكَانِ فِي ذَلِكَ وَكُنْ عِنْدَ صَالِحِ ظَنِّي بِكَ وَلاَ يَفِيلَنَّ رَأْيِي فِيكَ وَاَلسَّلاَمُ»[١].
ثم ان ابن قدامة وهو الطموح إلى أن يأخذ مكانته في الدولة، وبعد أن شاهد الحرب الكلامية الباردة رحل هو وفريقه إلى عاصمة الإمام، وهناك رنا الإمام إليه، وشهد في ملامحه الرجولة والقوة والاخلاص والتفاني، والغيرة الدينية، وبالتالي النية الصادقة للنضال في سبيل الله تعالي.
ولما عزم الإمام مقارعة الأموي شرع في تكتيب الكتائب، وجمع الذخيرة والعتاد، ودعوة الجنود من البلدان للتجمع في العاصمة، وهنا سأل الإمام(ع) جارية عن وجهة نظره فقال: أقول هذا جمع حشره الله لك بالتقوى، ولم تستكره فيه شاخصا، ولم تشخص فيه مقيماً[٢]، والله لولا ما حضرك فيه من الله لغمك سياسته، وليس كل من كان معك نافعك ورب مقيم خير من شاخص، ومصراك خير لك، وأنت أعلم.
ولم تكد أن تنشب معركة صفين حتى عقد الإمام لواء كتيبة كبيرة من جنوده الذين ينتمون إلى «سعد» و«رباب» التميميتين، ولابن قدامة البطل المغوار[٣].
ويجب أن نلفت النظر هنا إلى أن الإمام كان دائما يسلم المناصب في أجهزة الدولة سواء في الجيش أو وزارة المالية أو الاقتصاد أو وزارة الثقافة والتعليم أو وزارة الداخلية أو الذين كان الإمام يرسلهم إلى البلدان كمسؤلين ومحافظين عن تلك البلدان أو غيرها من مرافق الدولة، فإن الإمام دائماً كان يسلم هاتيك المناصب الحساسة، وحتى المناصب ذات المسؤولية الضئيلة أو البسيطة إلى رجال أكفاء ذوي مواهب وقدرات، قد نشأوا في وسط الامة، وعاشوا همومها. ان معظمهم كانوا من سواد الشعب المغمورين، وكان ابن قدامة مغمورا في بني تميم، ولكن كفاءته السياسية والحربية، ومقدرته الذاتية والمعنوية حدى بالإمام(ع) أن يأخذ بضبعه، ويسوده على رؤوس الامة حتى أن رئيس بني تميم الأحنف بن قيس أصبح يشير إلى ابن قدامه بعد أن أخذ الإمام بضبعه، وطارت به كفاءته وإخلاصه لله ولرسوله وللإمام ولدولة الإسلام، أقول أصبح الأحنف بن قيس يشير بالبنان إلى ابن قدامة، ويشيد به في النوادي، ويدعوه ب «عمي»، وينوه بابن قدامة بأنه الزعيم والرئيس لبني تميم.
هذا ولا ننسى أن الإمام إتباعا لسياسة معينة فوض بعض القيادات في الدولة إلى بعض زعماء العشائر، ولهذا الاختيار عوامل أهمها:
- تأليف القلوب والمشاعر.
- اثارة مشاعرهم للالتفاف حول دولته.
- درء عادية شرهم.
- الكفاءات التي كانوا يتمتعون بها في مجال عملهم ومسؤوليتهم.
وبالتالي فإن سيرة الإمام ومنهاجه في الحكم كانت تأخذ الطريق على إنحرافات هؤلاء الزعماء وزيغهم إن كان هناك إنحراف أو زيغ.
كان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قائد من قادة الجيش للعدو في صفين، وكان شجاعا يخوض المعركة غير هيّاب، وينشد الشعر مفتخرا مزهوا بشجاعته وفي ذات يوم من أيام المعارك نزل عبد الرحمن إلى المعترك، وأخذ يتقدم في صفوف الجيش العلوي، ويقصف قصفا شاعرا أن ليس أحد يقف له بالمرصاد، وإذا به يستقبله جارية بن قدامه في شجاعته الباسلة وتحديه، وينشد:
| أثبت لصدر الرمح يابن خالد | أثبت لليث ذي فلول حارد | |
| من أسد خفان شديد الساعد | ينصر خير راكع وساجد | |
| من حقه عندي كحق الوالد | ذاكم علي كاشف الأوابد |
ثم تصاولا تصاول الفحلين، والتحمت بينهما معركة ضارية، ولما كانا كلاهما قرنا للآخر فإنهما تركا الطعان، وخلفا الساحة، وعاد كل منهما إلى قاعدته.
كان معاوية طامعا للقطر المصري وكان يحاول جاهدا أن يسيطر عليه، ويستخرجه من يد ولاة الإمام خاصة وأن القطر يقع على حدود سلطانه، وفي نفس الوقت فإنه شرى ضمير ابن العاص لمعاضدته على أن يجعل ولاية مصر له -أي لابن العاص -، وفي تجاه هاتيك العوامل حاول إلى أن بلغ هدفه رغم الأسباب اللئيمة التي توصل إليها، وقتل عامل الإمام على مصر محمد بن أبي بكر.
وبعد هذا طمع الطاغية في البصرة رغم الشقة البعيدة بينه وبينها الا ان الغدر السياسي يستسهل الصعاب، ويستهين بالمتاعب لأن الغدر السياسي يتوصل إلى الهدف من مكان قريب.
هذا على نقيض السياسة المؤمنة الرشيدة فإن الشقة بينها وبين الهدف سيكون بعيدا رغم قرب الهدف، وذلك لأن الغدر السياسي يتخذ بقاعدة «الغاية تبرر الواسطة»، ولكن السياسة الرشيدة تتخذ قاعدة «ليس لك على المؤمنين، والعزل، والأطفال سبيل».
ومن منطلق القاعدة الأولى سار الأموي حثيثا للسيطرة على البصرة، فدعي أحد كبار قادته، وهو عبد الله بن عمرو الحضرمي، وأصدر إليه بالتعليمات، والتوجه إلى البصرة.
قال الأموي له وهو يرسم له خطة الهبوط على البصرة، وفي أي حي من الأحياء ينزل، وأية قبيلة أو عشيرة يصادقها أو يعاديها: «واحذر ربيعة، وأنزل في مضر، وتودد الأزد» أنه يأمره أن ينابذ ربيعة لأنها توالى الإمام، وتعادي الخيانة، ويأمره أن يحتمي بمضر لأن قسما منها تعادي الإمام، أما الأزد فهي تقع على مفترق الطرق، فالتودد أو الاحسان إليها هو السبيل لجرها إلى صفوفه.
فقال ابن الحضرمي وهو يبدي الولاء والطاعة: «أنا سهمك في كنانتك وأنا من قد جربت، وعدو أهل حربك، فوجهني متى شئت».
وهكذا أبدى ابن الحضرمي الطاعة تماماً كالسهم المريش الذي أينما سدده الإنسان، فإنه يبلغ الهدف كالبرق الخاطف وكثيرا ما يخطئ الهدف، وسهم الأموي هذا سيخطئ الهدف كما سنرى.
سار ابن الحضرمي باتجاه البصرة مع بضعة من الجنود والأعوان، وكان محاولاً أن تكون مسيرته في خفاء، ومن وراء الستار حتى لا يثير ريبة أصحاب المخافر أو المسالح التي كانت تابعة لدولة الإمام، والتي كانت تحافظ على الأمن في الوطن الإسلامي، وخاصة المواطن النائية عن مركز الدولة.
كان ابن الحضرمي وجنوده وأعوانه يسيرون باتجاه البصرة متنكرين، كانوا منطوين على سر رهيب.
علما أن البصرة تقع في وسط الدولة العلوية أو تكاد. ولما بلغوا البصرة ساروا إلى حي بني تميم، وهم من مضر، وهناك نزلوا على الثلة التي كانت تناوئ الإمام، وتعاضد أعدائه، وكانت لها مراسلة مع العدو في تبييت مؤامرة ضد الدولة العلوية، وهناك وفي ديوان كبير اجتمع بنو تميم أصدقاء ابن الحضرمي، وأعداءه على السواء: الأصدقاء بدافع المعاضدة، والأعداء بدافع الفضول ومعرفة المؤامرة المبيتة، ولما اجتمع شمل كبار الشخصيات التميمية سواء الموالية أو المعادية لابن الحضرمي، خطبهم ابن الحضرمي ووعدهم ومناهم، وأثار فيهم عصبية الثارات والدماء.
ثم بعد هذا التمهيد دعاهم إلى معاضدته لمجالدة الحكومة، وأنهى ابن الحضرمي خطابه بأن قال: «وتذكروا ثأركم تشفوا صدوركم من عدوكم». ثم جلس وسكت ليرى أثر خطابه في القوة المعاضدة.
ولما ان أصغى الجمهور المجتمع إلى داعية الفرقة، داعية مناضلة السلطة الشرعية، داعية الحرب قام رجل حكيم أريب يدرك أبعاد رسول العدو، وإلى أي مهوى يحاول أن يزجهم فيه، ثم ماهي الأبعاد الخطيرة في هذه الدعوة، نهض يجيب الداعية ويلقمه حجرا، ويكشف عن المؤامرة للجمهور المستمع أو المعاضد، ويلمح إلى أيام الإمام مع الرسول (ص)، وأنها من أيام الله تعالى.
ان هذا الرجل الحكيم هو الضحاك بن عبد الله الهلالي، فقال في كل حماس ونشاط، وفي نبرات واضحة كاشفة، كأنما كانت كلماته الحمم واللهيب المستشري، قال وابن الحضرمي والجمهور يرنون إليه: «قبح الله ما جئتنا به، ودعوتنا إليه، جئتنا والله بمثل ما جاء به صاحباك: طلحة والزبير، أتيانا وقد بايعنا علياً، واجتمعنا له، وكلمتنا واحدة، ونحن على سبيل مستقيم، فدعوانا إلى الفرقة، وقاما فينا بزخرف القول حتى ضربنا بعضنا ببعض عدواناً وظلماً، فاقتتلنا على ذلك، وأيم الله ما سلمنا من عظيم وبال ذلك، ونحن الآن مجتمعون على بيعة هذا العبد الصالح الذي قد أقال العثرة، وعفا عن المسئ، وأخذ بيعة غائبنا وشاهدنا، أفتأمرنا الآن أن نختلع أسيافنا من أغمادها، ثم يضرب بعضنا بعضا ليكون معاوية أميراً، وتكون له وزيراً، ونعدل بهذا الأمر عن علي. والله ليوم من أيام علي مع النبي خير من بلاء معاوية وآل معاوية لو بقوا في الدنيا ما الدنيا باقية».
وهنا وبعد أن أنهى الهلالي خطابه القيم الذي وضع النقاط على الحروف، وكشف النوايا اللئيمة، وأشاد بالإمام وأيامه المجيدة. هنا ساد في ديوان المؤتمر ذهول، وانطلقت من هنا وهناك كلمات مؤيدة للهلالي، وأخرى شاجبة مستنكرة.
ثم ان الأحنف بن قيس زعيم بني تميم لما أصغى إلى كتاب معاوية يتلوه ابن الحضرمي، والداعية لمعاضدته. قال وهو يضرب المثل الشهير المعبر: «أما أنا فلا ناقة لي في هذا ولا جمل» ثم اعتزل القوم، ثم أن عمرو ابن مرجوم العبدي ناهض دعوة الشقاق، وأتى بدعوة الوفاق، وحذر الذين في قلوبهم مرض، وتسول لهم نفوسهم الايضاع في هذه الفتنه وقال: «أيها الناس الزموا طاعتكم، ولا تنكثوا بيعتكم، فتقع بكم واقعة، وتصيبكم قارعة، ولا تكن بعدها بقية. ألا انّي قد نصحت لكم، ولكن لا تحبون الناصحين».
ثم نهض في مؤتمر القوم المثنى بن مخربة[٤] العبدي، وقال موجها خطابه الذي يلهب بكلماته ظهر ابن الحضرمي بالسياط الحامية، وينوه في نفس الوقت بالإمام أمير المؤمنين(ع) إلى القوم: لا والذي لا إله إلا هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنأخذنك بأسيافنا وأيدينا، ونبالنا وأسنة رماحنا، أنحن ندع ابن عم نبينا، وسيد المسلمين، وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ. والله لا يكون ذلك أبدا حتى نسير كتيبة إلى كتيبة، ونفلق الهام بالسيوف.
ثم نهضت جماعة في المؤتمر مؤيدة لدعوة ابن الحضرمي، والقوا الخطب الداعية لمعاضدته، ثم بثوا الأعوان إلى ضواحي البصرة للألتفاف حول الراية المنشقة، وفي نفس الوقت أرسلوا الجباة إلى قرى البصرة، وجبؤها، وكان ابن الحضرمي حينما دخل البصرة متنكرا، ثم قام كما ذكرنا بإعداد ذلك المؤتمر في حي المنشقين من بني تميم.
كان محافظ البصرة من قبل الإمام هو عبد الله بن عباس، وكان قد سافر إلى العاصمة لتقديم التعازي إلى الإمام في إستشهاد محمد عامل مصر، وحينما حاول ابن عباس الرحلة إلى العاصمة سلم مقاليد المدينة لـ زياد بن عبيد، وكان زياد يمارس إدارة بعض شؤون المدينة، فإذا الأخبار تتلاحق عن اضطرابات تكاد تسود المدينة، فتساءل عن أسباب هذه الاضطرابات، ومن أين هي ناجمة فقال له عيون المحافظة بأن رجلا أقبل مع أعوان له من قبل معاوية، ونزل في حي جماعة بني تميم، ثم تلاحقت الأنباء تفيد بأن معظم المعارضين للدولة الفتية من رجال وموظفي العهد البائد أو المنتفعين بذلك العهد قد انضموا إلى راية ابن الحضرمي، وتفيد الأنباء أيضا بأن الكثير من المرتزقة ممن يميلون مع كل ريح هرعوا إلى صفوف ابن الحضرمي علهم يجدوا في هذه الدعوة مغنما.
كانت الأنباء مثيرة جدا الأمر الذي دبر زياد في الحفاظ على خزينة الدولة في المحافظة، وعلى المعنويات التي يجب أن تصان من أيدي العابثين والمنشقين، ولهذا السبب ولأسباب أخرى أرسل زياد إلى كبير حي الأزد «صبرة بن شيمان الأزدي» فاجتمعا، فقال له زياد: «يابن شيمان أنت سيد قومك، وأحد عظماء هذا المصر، فإن يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ذاك، أفلا تجيرني وتمنعني، وتمنع بيت مال المسلمين، فإنما أنا أمين عليه».
فاطرق ابن شيمان مفكراً: إنه يدرك خطورة ما يقدم عليه، ولكن هناك الشرف الباذخ الذي سيعقد فوق هامته، وهناك ترحيض ما نجم عن قومه أيام الجمل ضد الدولة الفتية، وفي نفس الوقت فإن إجارة ممثل الدولة مع خزانتها، وأعوانها في مركز قصر الامارة أو المحافظة ليس بالشيء الهيّن إذن فالأفضل على سيادة ممثل الدولة أن ينتقل إلى حي الأزد، ولهذا أنعم له وقال: «بلى، إن أنت تحملت حتى تنزل في داري منعتك».
لقد دعاه زعيم الأزد إلى حي الأزد الذي هو من الإحياء الكبيرة في البصرة حيث يمكن الدفاع عن ممثل الدولة، والحفاظ على خزانة الدولة، وصيانة أعوانها.
بادر زياد ممثل الدولة في المحافظة، وكانت الأنباء المنذرة بالعاصفة تترى، وقال: «إني فاعل» ثم وفي هدأت الليل حيث السكون مخيم على المدينة أو يكاد انسل زياد وأعوان الدولة، ومعهم خزانة الدولة، وبعض الأمتعة ذات الشأن مع بضعة مرافقين من الأزد أنسلوا باتجاه حي الأزد، ويكاد لا يسمع إلا حركة خفق النعال، وضرب سنابك الخيل، وهناك في حي الأزد اجتمع الأزديون على ممثل الدولة طالما ان زعيمهم قد أنعم بجواره في حي قومه. والجوار له شأنه العظيم لدى القوم والذي إذا خفر أو استهين به فإنه سيكون سبة الدهر لا يغسلها شيء.
وفي مسجد الحي صلى زياد صلاة الجمعة، واقتدى به الأزديون عن آخرهم إلا من كان له عذر. ارتقى ممثل الدولة ولسانها المنبر، وقال: يا معشر الأزد أنتم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي، وأولى الناس بي، وإني لو كنت في بني تميم، وابن الحضرمي فيكم نازلا لم أطمع فيه أبدا، وأنتم دونه، فلا يطمع ابن الحضرمي فيّ وأنتم دوني، وليس ابن بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين علي في المهاجرين والأنصار، وقد أصبحت فيكم مضموناً، وأمانة مؤداة...».
ثم ان زيادا كتب إلى رئيسه عبد الله بن عباس وكان لا يزال في العاصمة يشهد الاحتفالات التابينية لشهيد مصر محمد بن أبي بكر، كتب إليه بالانباء والمؤامرات التي تحاك في مقر محافظته، والاضطرابات التي نجمت عن هذه المؤامرات.
ولما ان تمت صياغة الرسالة أرسلها على جناح السرعة إلى عبد الله بن عباس الذي كان فارغ البال عن مشاهد الاضطرابات والمؤامرات المبيتة في مقر عمله، ولم يكد يصل البريد إلى العاصمة، وكان ممن يهتمون بشؤون الدولة وينافحون عنها حتى شام عن محل تواجد ابن عباس في العاصمة فوجده، فهرول نحوه فلما رنا ابن عباس إليه، وتفرس في ملامحه وهو يلهث، ولمح في يده رسالة مختومة بخاتم الدولة في محافظته حتى أحس ان هناك شراً مبيتاً، استلم الرسالة وفضها على عجل، وألقى نظرة في ثنايا سطورها حتى شعر أن الأرض تدور حوله، وتكاد الهموم أن ينوء بها قلبه فاليوم المنصرم كانت مصر لقمة سائغة في فم الذئب واليوم محافظته يطوف حولها ذلك الطائف الذي لا يكاد يشبع جوعته شيء.
لقد أسف على تركه لمقر محافظته، ذهل ابن عباس قليلا عن واجبه في المبادرة، ولكنه ما ان صحى من ذهوله أو من أفكاره حتى بادر بالكتاب إلى الإمام أمير المؤمنين(ع)، فلما رآه الإمام، رآه ملتاع الضمير، ممتقع اللون في نبراته اضطراب، وبيده رسالة. استلم الإمام الرسالة، وألقى عليها نظرة فاحصة، وكانت انباء احداث البصرة قد لاكتها الألسن، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فهرع شبث بن ربعي إلى الإمام وقال وهو يتوهج عصبية وحقداً على الأزد - ازدعمان -، ويفيض قلبه حناناً وعطفاً على بني تميم لا لشيء إلا للعصبية القبلية، العصبية التي اترعت كيانه، ولم يدع فيه سماحة الإسلام وتعاليم الإمام.
قال غاضبا: «يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فاعدهم إلى طاعتك، ولزوم بيعتك، ولا تسلط عليهم ازدعمان البعداء البغضاء، فإن واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم».
وهكذا فإن واحدا من بني تميم، وهم من مضر، والإمام أيضا يجمعه معهم «مضر» الجد الأعلى للمضريين عرب الشمال، ولو كان منشقا منحرفا خير من عشرة من غيرهم، ولو كانوا متعاطفين مع دولة الإمام، ومعاضدين للإسلام.
يا للعصبية وإيحاءاتها المهلهلة، وهنا انبرى مخنف بن سليم، وهو من رجال الأزد، ومن المعاضدين للامام، وقد سمع نبرات العصبية من فم ابن ربعي ضد قومه يرد عليه ويلقمه حجراً: «إن البعيد البغيض من عصى الله وخالف أمير المؤمنين، وهم قومك، وإن الحبيب القريب من أطاع الله ونصر أمير المؤمنين، وهم قومي، وأحدهم خير لأمير المؤمنين من عشرة من قومك».
إذن واحد من الأزد أفضل من عشرة من قوم ابن ربعي، وذلك لأن الواحد الأزدي ينافح عن الإمام، والعشرة من قوم ابن ربعي مفضولون وخفيفوا الميزان لأنهم مناوؤن للدولة، هذا في ميزان الأزدي، وأما في ميزان ابن ربعي ومقياسه فإن الواحد من قوم الإمام ولو كان منحرفاً أفضل من عشرة من الأزد ولو كانوا منضمين إلى جانب الدولة.
وهذه العصبية المتهرئة شاعت في صفوف الناس في العاصمة، فهذا ينافح عن الأزدي، وذاك عن التميمي المضري، ومسار الدفاع والهجوم كلاهما مسار العصبية التي جاء الإسلام لتنحيتها عن حياة الناس، عن مشاعرهم وأحاسيسهم، عن تفكيرهم واتجاهاتهم، ومن هذا المنطلق قام الإمام فتى الإسلام، ومعلم الامة، وشيخها المهذب والمهذب، وخطب الناس وفيهم ابن ربعي الذي تكلم عن لسان العرف السائد في بعض النفوس، خطب زاجراً ومعلماً، وقد أوضعوا في العصبية القومية في هذا الوقت الحرج الذي يتطلب التعاهد والتكاتف: «مه ... تناهوا أيها الناس، وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي، ولتجتمع كلمتكم، والزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره، وكلمة الاخلاص التي هي قوام الدين، وحجة الله على الكافرين، واذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متفرقين متباغضين، فألف بينكم بالإسلام، فكثرتم وتحاببتم، فلا تفرقوا بعد إذ أجتمعتم، ولا تباغضوا بعد إذ تحاببتم.
وإذا رأيتم الناس بينهم النائرة، وقد تداعوا إلى العشائر والقبائل، فاقصدوا لهامهم ووجوههم بالسيوف حتى يفزعوا إلى الله وكتابه، وسنة نبيه، فأما تلك الحمية [فإنها] من خطوات الشيطان فانتهوا عنها لا أباً لكم تفلحوا وتنجحوا».
ثم ان الإمام دعا زعماء بني تميم في عاصمته واستنفرهم: أن يذهب أحدهم إلى البصرة ويطفئ ناثرة القوم الذين عاضدوا المتآمرين: ابن الحضرمي وأعوانه ضد الدولة، ولكن الزعماء وقد أرهقتهم المعارك الثلاثة الجمل وصفين والنهروان طأطأوا برؤوسهم، ولم ينصاعوا (للكلمة المسموعة ثم انفضوا، وفي خلال أيام كان الإمام يدعوهم ويذكرهم بالنائرة التي الهبها الجماعة منهم ولكن الزعماء كأنما تواصوا ان ينفلتوا من هذا الواجب الملقى على عاتقهم أو أنهم شعروا بفداحة المسؤلية التي ستلقى على عواتقهم. أليس الإمام يدعوهم لمناهضة قومهم من بني تميم، ان العواطف والوشائج بين تميم البصرة، وتميم العاصمة كانت تعرقل خطة الأنقياد للتعاليم.
ولما شعر الإمام بإيغالهم في التهاون خطبهم خطبة أيقظتهم من رقادهم، وأشاحت عن أبصارهم الغشاوة. قال الإمام وقد أدرك ما يختلج في ضميرهم من السلامة والعافية من دخول معترك ضد قومهم إذا لم يفيئوا إلى الحق، وهناك الصلات والوشائج التي تربط الفريقين، ومن هذا المنطلق تعرض الإمام لأيام المعارك في مطلع الإسلام حيث كان المسلمون يخوضون حرباً ضد آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وأعمامهم الذين كانوا سادرين في العتمة لم يفيئوا إلى صوت الحق، قال(ع): «لَيْسَ مِنَ اَلْعَجَبِ أَنْ يَنْصُرَنِي اَلْأَزْدُ وَ يَخْذُلَنِي مُضَرُ . وَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَقَاعُدُ تَمِيمِ اَلْكُوفَةِ بِي، وَ خِلاَفُ تَمِيمِ اَلْبَصْرَةِ عَلَيَّ، وَ أَنْ أَسْتَنْجِدَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ مَا يَشْخَصُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنْهَا فَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اَلرَّشَادِ، فَإِنْ أَجَابَتْ وَ إِلاَّ فَالْمُنَابَذَةُ وَ اَلْحَرْبُ. فَكَأَنِّي أُخَاطِبُ صُمّاً بُكْماً لاَ يَفْقَهُونَ حِوَاراً، وَ لاَ يُجِيبُونَ نِدَاءً، كُلُّ ذَلِكَ جُنُباً عَنِ اَلْبَأْسِ وَ حُبّاً لِلْحَيَاةِ. [وَ] لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَ أَبْنَاءَنَا وَ إِخْوَانَنَا وَ أَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾[٥]، وَ مُضِيّاً عَلَى اَللَّقَمِ، وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ اَلْأَلَمِ، وَ جِدّاً فِي جِهَادِ اَلْعَدُوِّ. وَ لَقَدْ كَانَ اَلرَّجُلُ مِنَّا وَ اَلْآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلاَنِ تَصَاوُلَ اَلْفَحْلَيْنِ، يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَهُ كَأْسَ اَلْمَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَ مَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا. فَلَمَّا رَأَى اَللَّهُ صِدْقَنَا، أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا اَلْكَبْتَ، وَ أَنْزَلَ عَلَيْنَا اَلنَّصْرَ، حَتَّى اِسْتَقَرَّ اَلْإِسْلاَمُ مُلْقِياً جِرَانَهُ، وَ مُتَبَوِّئاً أَوْطَانَهُ. وَ لَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ، مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ، وَ لاَ اِخْضَرَّ لِلْإِيمَانِ عُودٌ. وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَتَحْتَلِبُنَّهَا دَماً، وَ لَتُتْبِعُنَّهَا نَدَماً».
ولم يكد يخلص الإمام إلى هذه النبؤة أو التحذير من سياق الخطبة حتى كانت بعض الضمائر الحية قد استيقظت من رقادها، نهض أعين بن ضبيعة المجاشعي التميمي وتقدم إلى الإمام وقال: «إنا إن شاء الله أكفيك يا أمير المؤمنين هذا الخطب، وأتكفل لك بقتل ابن الحضرمي أو إخراجه من البصرة».
فأشار الإمام إليه أن يتهيأ للذهاب إليها، فاعد ابن ضبيعة المجاشعي العدة، ورافقه بضعة من إخوانه. ونرى أن الإمام لم يرسل معه بفيلق من الجنود. ترى لماذا؟
إن العامل في ذلك هو ان ابن ضبيعة كان رسولا من قبل الإمام قبل أن يكون قائدا من قبله إلى تميم البصرة. إنه رسول الدعوة إلى الرشاد، فإذا فاءت الجماعة الضالة إلى الحق، وانفض المعاضدون للعدو عن مناصرته وحمايته، فلماذا اذن يرسل الإمام الجنود، ثم ان ابن ضبيعة لو احتاج إلى عضيد فهناك في المدينة المضطرب حبلها الجنود من الأزد، ومن غيرهم فبامكان رسول الإمام أن يستعين بهم في قمع الخارجين على سلطان الدولة.
ثم ان الإمام لو أرسل رسول حرب قبل أن يكون رسول سلام لكانت هذه الرسالة حادية بالخارجين على التلاحم، والاستماتة في سبيل الأهداف المعتمة. سار ابن ضبيعة رسول الإمام مع بضعة نفر من رفاقه باتجاه البصرة ثم وبعد ساعات من رحلة ابن ضبيعة أرسل الإمام رسالة إلى زياد بن عبيد المتكفل بحفظ الأمن في البصرة، وفي هذه الرسالة يصدر تعاليمه إلى القائم مقام عامله، ويرسم الخطط، ويعطي صورة كاملة عن المسيرة.
وإليك نص الرسالة: «بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اَللَّهِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ، عَلِيٍّ إِلَى زِيَادِ بْنِ عُبَيْدٍ: سَلاَمٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ لِيُفَرِّقَ قَوْمَهُ عَنِ اِبْنِ اَلْحَضْرَمِيِّ، فَارْقَبْ مَا يَكُونُ مِنْهُ، فَإِنْ فَعَلَ وَ بَلَغَ مِنْ ذَلِكَ مَا يُظَنُّ بِهِ، وَ كَانَ فِي ذَلِكَ تَفْرِيقُ تِلْكَ اَلْأَوْبَاشِ، فَهُوَ مَا نُحِبُّ، وَ إِنْ تَرَامَتِ اَلْأُمُورُ بِالْقَوْمِ إِلَى اَلشِّقَاقِ وَ اَلْعِصْيَانِ، فَانْهَدْ بِمَنْ أَطَاعَكَ إِلَى مَنْ عَصَاكَ فَجَاهِدْهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتَ فَهُوَ مَا ظَنَنْتُ، وَ إِلاَّ فَطَاوِلْهُمْ وَ مَاطِلْهُمْ، فَكَأَنَّ كَتَائِبَ اَلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَظَلَّتْ عَلَيْكَ، فَقَتَلَ اَللَّهُ اَلظَّالِمِينَ اَلْمُفْسِدِينَ، وَ نَصَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ اَلْمُحِقِّينَ وَ اَلسَّلاَمُ».
بلغ ابن ضبيعة مع صحبه مشارف البصرة، وكان الهزيع الأخير من الليل لا يزال ضارباً أطنابه على المدينة الهادئة الساكنة، ولم يكد الفجر ينبلج عن وجه المدينة المكفهر حتى كان أبن ضبيعة وصحبه في حي الازد، وعند زياد يتبادلون الاراء والخطط في القضاء على هذه الخارجة: أما على الطريقة السلمية، وإن لم تنجع الطريقة توسلوا بالسيف، خرج ابن ضبيعة إلى رحله، وهناك أرسل الدعاة إلى زعماء الخارجين من بني تميم على الدولة، والمعاضدين لابن الحضرمي يدعوهم أن يحضروا عنده، وما اجتمع شمل الزعماء خطبهم رسول الإمام أمير المؤمنين(ع) فقال: «يَا قَوْمُ عَلَى مَا ذَا تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، وَ تُهَرِيقُونَ دِمَاءَكُمْ عَلَى اَلْبَاطِلِ مَعَ اَلسُّفَهَاءِ وَ اَلْأَشْرَارِ؟ وَ إِنِّي وَ اَللَّهِ مَا جِئْتُكُمْ حَتَّى عَبَأْتُ إِلَيْكُمُ اَلْجُنُودَ، فَإِنْ تُنِيبُوا إِلَى اَلْحَقِّ نَقْبَلْ مِنْكُمْ، وَ نَكُفَّ عَنْكُمْ، وَ إِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ وَ اَللَّهِ اِسْتِيصَالُكُمْ وَ بَوَارُكُمْ».
ولم يسمع الزعماء هذا التهديد المبطن بالدعوة إلى الرشاد حتى تصوروا أو تخيلوا كأنهم خاضوا معركة خاسرة، وإن جثثهم لقى على الأرض، وارتسمت امامهم صورة الجيوش التي أعدت لهم، وتكاد أن تندفع نحوهم. دارت في خواطرهم صور من الأهوال حتى اقشعرت جلودهم، واهتزت قلوبهم وسمع رسول الإمام وهم يقولون بنبرات مرتجفة: «بل نسمع ونطيع... بل نسمع ونطيع».
وهكذا انضم الزعماء إلى صف الإمام، ولم يبق هناك مع ابن الحضرمي الا قلة من غوغاء بني تميم، وجماعة من خوارج النهر أو قل ذويهم وأفراد أسرهم من أخ أو أب أو عم أو ممن دخل عليهم الثكل من جراء المروق، وثلة من الذين خسروا مناصبهم ومنافعهم أو أموالهم المصادرة في هذا العهد الجديد. إن هؤلاء كلهم انضموا تحت راية ابن الحضرمي.
ولم يكد ينبلج الصباح صباح اليوم الثاني حتى كنت ترى رسول الإمام وفريقه، ورسول الضلال وجماعته كلا منهما يقف في مواقعه، مواقع الكفاح فناشدهم رسول الإمام أمير المؤمنين ان يفيئوا إلى الحق، وإن يتخذوا السبيل الأقوم، سبيل الامة التي انصاعت للحق، والتفت تحت راية الإمام، وفي نفس الوقت ألقى رسول الإمام بالقنبلة المروعة لقلوبهم وجوانحهم حتى تفئ إلى كلمة الدولة.
إن رسول الإمام ذكرهم ما استهم النفس ومعترك طموحها وأحقادها، والحياة ومتطلباتها، ذكرهم بالتجربة المرة التي خاضوها في معركة الجمل وكيف إنهم خرجوا منها خافضي الرؤس أذلة، ولولا سماحة الإسلام، وفقه الإمام لكانوا الآن في المنسيين، ولم تنجم تلك المعركة إلا عن نكث البيعة والطاعة وخرق القوانين المرعية، وهؤلاء البقية الباقية تحاول أن تسير على نفس الخط وقد جربت ما جربت، وأيم الله لو سارت ليحتلبنها دماً وليتبعنها ندماً.
قال رسول الإمام: «يَا قَوْمُ لاَ تَنْكُثُوا بَيْعَتَكُمْ، وَ لاَ تُخَالِفُوا إِمَامَكُمْ، وَ لاَ تَجْعَلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلاً، فَقَدْ رَأَيْتُمْ وَ جَرَّبْتُمْ كَيْفَ صَنَعَ اَللَّهُ بِكُمْ عِنْدَ نَكْثِكُمْ بَيْعَتِكُمْ وَ خِلاَفِكُمْ».
ولكن الغوغاء وجماعة رسول الضلال لم يكن منها أمام دعوة رسول الإمام السلمية سوى رشقه بالشتائم والسباب، وهجره بالقول المقذع، وهي في خلال ذلك ترتجف من المصير المرتقب تماماً كما كان مصيرها يوم الجمل بل أدهى وأمر. اذن الشتائم والسباب لم تطلقها جماعة الغوغاء الا تنفيثاً عن لواعج أشجانها، وعن الخوف الذي ألقي بثقله على صدورها.
اذن أدى رسول الإمام المحنك رسالته على أفضل وجه، فرأى أن يخلي الساحة لجماعة ابن الحضرمي علهم يفيئوا إلى الحق، وقد رأى بوادر الاندفاع باتجاهه، وهذا الليل قد أرخى سدوله، وألقى -أو يكاد- سرادقه على المدينة، وعلى ساحة المعترك الكلامي.
ذهب رسول الإمام إلى مقره، وهناك تمدد على سريره، وهو قرير العين على نجاح رسالته، وقد لمح أضوائه، ولما كان المناخ في المدينه حارا مشبوب الحرارة، وفي نفس الوقت فإن المناخ النفسي السائد أيضا كان ملتهبا مشبوب الأوار.
لما كان هذا المناخ مسيطرا على أجواء المدينة، وعلى أجواء النفوس وخاصة على صاحبنا المجاشعي رسول الإمام الذي كان يتزعم رسالة السلام الأمر الذي نزع صاحبنا ثيابه وهو في جنح الليل، فأمسى عرياناً عله يخفف نفسه بعض حرارة الجو، وحرارة الهياج الفكري الذي لفه وهو يحاول عن جاهدا بعودة السلام إلى ربوع المدينة، وإلى أحياء قومه ونفوسهم.
كان الرجل الساعي للسلام خالى الفكر تماماً من أن يكون هناك من يطارده أو قد وضع الكمين في سبيله وسبيل مساعيه. نعم كان المجاشعي يفكر في كل شيء سوى التفكير في أن يكون هناك من يغتاله أو يغتال مساعيه في السلام. تمدد الرجل على سريره وتخلل جفونه طائف النوم.
لندعه ينام ونذهب إلى الساحة التي تجمهرت فيها الجماعة المعادية للنظام، إن هذه الجماعة لما سمعت كلمات رسول الإمام، وتهديده المبطن كان في خلال الجماعة نفر يصر على إثارة الفتنة مهما كلفه الأمر، إن هذا النفر لم يعجبه السلام الذي حمل رايته المجاشعي، انحاز النفر إلى النجوى ثم تبادلوا الرأي في كيفية القضاء على المجاشعي، وعلى مساعيه الحميدة وأخيرا قر رأيهم على إغتيال رسول السلام، ولكن كيف يغتالوه، وهناك الحراس الذين يحرسون خبائه، فقال أحدهم وكان الشرر يتطاير من عينيه: دعوا الأمر حتى ينتصف الليل حتى إذا شعر الحراس إن الأمن يكاد يسيطر على منطقتهم، وإن النوم يخالط أهدابهم في هذه اللحظة الحاسمة انهضوا إلى المجاشعي عدوكم وما إن انتهى من كلامه حتى صدقه رفاقه.
لقد انتصف الليل، وأقبل السحر بنسيمه العليل حتى أن الحرس حمل النسيم إليهم النوم.. هوم الحرس، ولا يكاد يسمع في المكان حركة أو نأمة إلا أن يكون هناك أصداء كلاب تنبح هنا وهناك، وفي هذه اللحظة خرج النفر الغادر من مكمنه، ونقدم رويدا رويدا باتجاه خباء المجاشعي، والظلام يلف المكان، وما كاد النفر أن يقترب من الخباء حتى استيقظ بعض الحرس، وهرت بعض الكلاب، وتدافع النفر المغتال وحدث في هذه اللحظة ضوضاء، فاستيقظ المجاشعي مرعوباً، فأحس أن هناك سيوفاً تكاد أن تطيح برأسه أو تبعج بطنه، فبادر خبائه منفلتاً هارباً، فطارده النفر الغادر حتى ضربوه بسيوفهم وقتل، ومضى شهيداً إلى ربه، وهو يسعى للسلام، وفي الصباح انتشر الخبر، فكتب ابن عبيد إلى الإمام: «أما بعد يا أمير المؤمنين فإن أعين قدم علينا بجد ومناصحة، وصدق يقين، فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثهم على الطاعة، وحذرهم الخلاف، ثم نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه فوافقهم عامة النهار، فهال أهل الخلاف تقدمه، وتصدع عن ابن الحضرمي كثير ممن كان يريد نصرته، فكان كذلك حتى أمسى فأتى رحله فبيته نفر من هذه الخارجة، فأصيب رحمه الله تعالى، فأردت أن أناهض ابن الحضرمي فحدث أمر قد أمرت رسولي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين، وقد رأيت إن رأى أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة فإنه نافذ البصيرة، ومطاوع في العشيرة، شديد على عدو أمير المؤمنين، فإن يقدم يفرق بينهم باذن الله ... والسلام».
كتب ابن عبيد إلى الإمام برسالته هذه وهو يسعى أن يناهض الثلة الباقية مع ابن الحضرمي، ولكن الأزد المعاضدين للامام وصلتهم رسالة شفوية من الثلة التميمية المعاضدة لابن الحضرمي تقول: «والله ما عرضنا لجاركم إذ أجرتموه، ولا لمال هو له، ولا لأحد ليس على رأينا، فما تريدون إلى حربنا، وإلى جارنا».
وكانت هذه الرسالة الشفوية اقعدت الأزد من خوض النضال ضد الثلة الباقية طالما ان حرمة الجوار اشعرت الأزد بالتأني عن معركة دامية، ولكن الدم المراق: دم المجاشعي من يتحمل نتائجه، يبدو ان الثلة سكتت عن قصة الأغتيال أو أنها نفت عن نفسها أن تكون ضالعة في تلك الجريمة النكراء. ولم تكد رسالة البصرة تصل إلى الإمام، ويلم بجوانب الأنباء حتى دعا جارية بن قدامة وقال له: «يَا اِبْنَ قُدَامَةَ تَمْنَعُ اَلْأَزْدَ عَنْ عَامِلِي وَ بَيْتِ مَالِي وَ تُشَاقُّنِي مُضَرَ وَ تُنَابِذُنِي، وَ بِنَا اِبْتَدَأَهَا اَللَّهُ بِالْكَرَامَةِ، وَ عَرَّفَهَا اَلْهُدَى، وَ تَدْعُو إِلَى اَلْمَعْشَرِ اَلَّذِينَ حَادُّوا اَللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ أَرَادُوا إِطْفَاءَ نُورِ اَللَّهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى عَلَتْ كَلِمَتُهُ عَلَيْهِمْ وَ أَهْلَكَ اَلْكَافِرِينَ». فقال ابن قدامة في نبرات حاسمة حازمة: «يا أمير المؤمنين ابعثني إليهم، واستعن بالله عليهم». فقال الإمام أمير المؤمنين(ع): «قَدْ بَعَثْتُكَ إِلَيْهِمْ، وَ اسْتَعَنْتُ بِاللهِ عَلَيْهِمْ». ثم ان الإمام زود ابن قدامة برساله شديدة اللهجة إلى الخارجين، وإلى أهل البصرة عامة.
حزم ابن قدامة أمره، وخرج بصحبة خمسين جندياً من بني تميم إلى البصرة، وكان يصحبه صديق من أصدقائه يطلق عليه كعب بن قعين اليماني، وهو شديد الولاء للامام ولدولته.
قال ابن قعين وهو يحاول أن يكشف عن نوايا ابن قدامة متسائلاً: «إن شئت سرت معك، وإن شئت ملت إلى قومي». فقال ابن قدامة في حماس الجندي الباسل المضحي بنفسه وبرصيده المعنوي: «بل سر معي، وانزل منزلي، فوالله لوددت أن الطير والبهائم تنصرني عليهم فضلا عن الانس».
وبهذه الحماسة والولاء والفكرة المشعة سار ابن قدامة باتجاه البصرة رابط الجأش، وفي خطوات ثابتة، ومعه رسالة الإمام وهذا نصها: قالب:متن حديث[٦].
ولم يكد ابن قدامة يصل إلى البصرة هو وجنده الخمسون حتى خف إلى مقر ابن عبيد وفي حي الأزد، وهناك رحب به ابن عبيد ثم انفردا في مكان، وتشاورا في الأمر ثم قرار أيهما على شيء.
وكان الناس من الأزد، ومن الذين نهدوا للحق من الخارجين قد تسامعوا بهبوط رسول الإمام: ابن قدامة وهو الشهير في البطولة والدهاء في حيهم، فتسارعوا وتدافعوا نحو المسجد.
وخرج ابن قدامة من لدن ابن عبيد وهو يقول محذراً: «إحذر على نفسك، واتق أن تلقى ما لقي صاحبك القادم قبلك».
وكان كبار الأزد قد توافدوا، وفي مقدمتهم صبرة بن شيمان لاستقبال الزعيم المطاع: «ابن قدامة» رحبوا به أفضل ترحيب ثم سار الموكب إلى المسجد حيث لم شمل الأزديين وغيرهم من أهل البصرة، وهناك استقل ابن قدامة المنبر ثم رمى بطرفه إلى الحشد المحتشد في المسجد ليسمع إلى رسول الإمام وانباء رسالته، ثم قال في نبرات هادئة وهو يشيد بالأزد، وينوه بتضحياتها في سبيل الإمام ودولته، في سبيل الصالح العام بعد أن اكفهرت النوايا: «جزاكم الله من حي خيرا ما أعظم عناءكم، وأحسن بلاءكم، وأطوعكم الأميركم، وقد عرفتم الحق إذ ضيعه من أنكره، ودعوتم إلى الهدى إذ تركه من لم يعرفه».
ثم ان أبا قدامة بعد هذا التمهيد تلى عليهم رسالة الإمام، وكانت المسامع كلها مرهفة، والمشاعر كلها ساكنة، وتكاد دقات القلوب أن تتوقف خوفاً أن تفوت عليها كلمة من كلمات الإمام، ولم يكن يسمع هناك في المسجد صوت أو نامة إلا ذلك الصوت المجلجل المعبر عن سطور الإمام وإرادته التي خطها في ثنايا الرسالة.
ولما ان انتهى ابن قدامة ممثل الإمام من تلاوة الرسالة نهض سيد الأزد صبرة بن شيمان وقال معبرا عن لسان قومه: «سمعنا وأطعنا، ونحن لمن حارب أمير المؤمنين حرب، ولمن سالم أمير المؤمنين سلم. إن كفيت يا جارية قومك بقومك فذاك، وإن أحببت أن ننصرك نصرناك».
ثم ارتج جنبات المسجد بآيات التأييد والترحيب شكرهم ابن قدامة ثانية ولفت نظرهم إلى أنه لا يحتاج إلى جنود أو قوة بل انه وحده سيكفي أمر المهرج ابن الحضرمي.
ثم ان مفاهيم رسالة الإمام التي كانت مشحونة تارة لينا وتارة شدة انتشرت هذه المفاهيم في صفوف الناس في المدينة، وتناقلتها الألسن، وتسامعها الخارجون.
إن كلمات الإمام الملتهبة أخذت مسارها في قلوب المعارضين فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى انسل الكثير ممن التفوا حول ابن الحضرمي وهم يأملون مغنماً أو منصباً، ولم يبق مع ابن الحضرمي إلا القله القليلة من بني تميم، والثلة من المنتفعين في العهد السابق والمطرودين في العهد الجديد.
وفي خلال المناورات التي قام بها ابن قدامة لاستمالة قومه وعطفهم على الحق كان ابن عبيد يثير في نفوس الأزد الحمية ويطريهم، ويكيل لهم المديح، ويشيد بهم، وينوه بسيدهم، ويثير فيهم الحماس للسير قدما الإطفاء لهيب الفتنة، ولئلا يتقاعسوا عن دعمهم وحمايتهم كما لمس ذلك منذ قليل قبل أن تأتي رسالة الإمام المهددة، ونحن نعلم أن التنوية والمديح تملأ الجوانح العربية المغرمة بالفخر والإشادة فتبذل قصارى جهدها في التضحية والدفاع والدعم والحماية.
قال ابن عبيد في صوت المعتز بحماية الأزد: «يا معشر الأزد إن هؤلاء كانوا أمس سلما فأصبحوا اليوم حربا، وإنكم كنتم حربا فأصبحتم اليوم سلما، وإني والله ما أخترتكم إلا على التجربة، ولا أقمت فيكم إلا على التأمل، فما رضيتم إلا ان اجرتموني حتى نصبتم لي منبراً وسريراً، وجعلتم لي شرطاً وأعواناً، ومنادياً وجمعة، فما فقدت بحضرتكم شيئاً إلا هذا الدرهم لا أجبيه، فإن لم أجبه اليوم أجبه غداً إن شاء الله. واعلموا إن حربكم اليوم معاوية أيسر عليكم في الدين والدنيا من حربكم أمس علياً(ع)، وقد قدم عليكم جارية بن قدامة وإنما أرسله علي(ع) ليصدع أمر قومه. والله ما هو بالأمير المطاع، ولا بالمغلوب المستغيث، ولو أدرك أمله في قومه لرجع إلى أمير المؤمنين، وأنتم الهامة العظمى، والجمرة الحامية فقدموه إلى قومه فإن اضطر إلى نصركم فسيروا إليه إن رأيتم ذلك».
وبعد تلك الموازنة بين الحق الذي يتبعه الأزد اليوم حيث يوالون الدولة، ويمدون بد الدعم للدولة، وبين الباطل الذي كان الأزد يوضعون فيه فقد دعموا فيه معركة الأحقاد، والطامعين الناكثين في معركة الجمل.
بعد تلك الموازنة بين الحق والباطل والتي ارتسمت في خلالها معالم الأسف والألم على وجوه الأزد نهض صبرة بن شيمان سيد الأزد يبدد اخطاء الماضي، ويبني الدعم الجديد من اليوم. قال: «...إني والله لو شهدت قومي يوم الجمل رجوت أن لا يقاتلوا علياً، وقد مضى الأمر بمافيه، وهو يوم بيوم، وأمُر بأمر، والله إلى الجزاء بالاحسان أسرع منه إلى الجزاء بالسيء، والتوبة مع الحق، والعفو مع الندم، ولو كانت هذه فتنة لدعونا القوم إلى ابطال الدماء، واستئناف الأمور، ولكنها جماعة دماؤها حرام، وجروحها قصاص، ونحن معك فقدم هواك نحب لك ما أحبت».
وهنا اقتنص زياد الداهية بن عبيد الفرصة، وزف إلى الخطيب المصقع هذه الكلمة المعبرة عن إعجابه وإكباره للسيد العاقل: «ما أظن في الناس مثل هذا».
كانت اللقاءات بين ابن قدامة وبين زعماء قومه تجري على قدم وساق، وقد قطف ابن قدامه من لقاءاته هذه الثمار الجنية حيث استطاع أن يبدد معظم الملتفين حول ابن الحضرمي، وهي من المكاسب السياسية التي حصل عليها ابن قدامة في المراحل الأولى من تحركه كممثل للامام، وقائد الرفاقه المعاضدين ضد المعارضين.
وبعد أن تم الاعداد لمواجهة ابن الحضرمي وهو في القلة القليلة من أصحابه ارتاح ضمير جارية، وأدرك أن الأجواء السياسية في المدينة هي في صالح الدولة الأمر الذي أرسل إلى ابن عبيد وجماعته أن ينتقل إلى مبنى المحافظة، ويأخذ خزانة الدولة والأمتعة لتعود هيبة الدولة إلى المدينة، وفي نفس الوقت يقع في صفوف الطاغية الخوف والرعب والحذر.
وعندما شاهد الطاغية ابن الحضرمي أن معظم المعاضدين والمؤيدين قد انفضوا من حوله، وتخلوا عن تأييده بادر إلى إعلان الحرب ضد القائد قبل أن يستفحل دائه، وتهرب القلة القليلة المؤيدة له أيضا، ومن هذا المنطلق أعد وجعل على رأس الجيش - إن صح التعبير - «ابن السوداء: عبد الله بن خازم السلمي»، وفي نفس الوقت كان جارية يقود جيشه المكون من بني تميم، ومن الأزد. التحم الفريقان في قتال مرير، ولكن لما كان الرعب قد سيطر على جيش ابن الحضرمي فإن الكثير من وحدات الجيش قد انسلت من صفوفه هاربة الأمر الذي لم يبق مع ابن الحضرمي وقائد جيشه ابن السوداء سوى ٧٠ جنديا.
وكان ابن قدامة البطل المغوار يخوض في حماس ملتهب المعركة الفاصلة، وكان يعاضده في هذه المعركة صديقه الكريم «شريك بن الأعور الحارثي» كانت معركة ضارية، واستطاع ابن قدامة وصديقه الحارثي أن يلقيا الفرار في صفوف ابن الحضرمي، وبالتالي انجاز ابن الحضرمي مع جنوده السبعين إلى دار سنبل السعدي، وكانت داراً كبيرة تشبه القلعة، ولما الجأه ابن قدامة إلى هذا الانحياز طوق ابن قدامه الدار من جهاتها وحاصرها.
وفي خلال الحصار أرسل إلى ابن الحضرمي وجنوده صديقه «ابن السوداء» رسولاً يدعوهم إلى الاستسلام ولكن ابن الحضرمي والجنود السبعين لم يستجيبوا لابن قدامة وأصروا على القتال، وفي غضون الحصار جاءت أم عبد الله السلمي الشهير بابن السوداء وكانت سوداءً ثم هتفت بابنها ثم كررت الهتاف ثم النداء ثم الصراخ إلى أن أشرف عليها ابنها من فوق سطح الدار أو القلعة، وكان يأبى ان يستجيب لنداء أمه أو يكلمها، ولكن اصرار الام اضطرته إلى الاستجابة لنداءها، وحينما أشرف عليها تساءل مزمجراً كأنه أعصار: «ما لك». هتفت في بساطة الأم وقد أشرق وجهها لمرأى ابنها: «يا بني أنزل إلىّ».
ولكن ابنها ابن السوداء أبى هذه الدعوة، وكان الجنود، والناس المتجمهرون ينظرون إلى هذا الحوار بين الابن والأم، وحينما أبى الابن الاستجابة لامه والنزول إليها غضبت الام فكشفت عن شعرها، والقت قناعها جانبا، وقالت في شدة الأم وغضبتها المحتوية على الشفقة والعطف: «يا بني والله لتنزلن أو لأتعرين».
انه إنذار الأم التي لا تكاد تقف عن هدفها، وحينما شاهد «ابن السوداء» أمه قد كشفت عن شعرها، وهو يعرف أمه في شدتها وصرامتها وكلمتها المؤكدة المنفذة ثم سمعها تقول بلهجة المسيطرة على الموقف: «يا بني والله لتنزلن أو لأتعرين».
ثم رأى يديها نهوى إلى ثيابها لتتعرى أمام جمهور الناس وهي في لوثة الغيض والغضب، وجنون الحب ناداها الابن: يا أماه دعى ... دعى ذلك نزلت ... جئت» ثم هبط من السلم في حركة غاضبة لا شعورية حتى التقى بأمه، وهنا عاد إلى أمه هدؤها، فلاثت على شعرها القناع، وأخذت بيد ابنها وذهبت به من خلال زحمة الجنود والسيوف والحراب.
ولكن تتساءل لماذا لم يلق ابن قدامة القبض على ابن السوداء وكان مركزه ذلك المركز القيادي، ويأتيك الجواب: ان ابن قدامة كان قد منح الأمان لكل جنود أو مؤيدي ابن الحضرمي ما خلا مشعل الفتنة، ومثير النار ابن الحضرمي نفسه، ومن هذا المنطلق حينما انصاع ابن السوداء لامه، وهبط إليها لم يتعرض له ابن قدامة أو أحد من جنوده فذهب ابن السوداء بصحبت أمه آمنا، سربه، وكان ابن قدامة يكرر النداء تلو النداء، والهتاف وراء الهتاف أن ينزل الجنود على الأمان، ولكن لم يكن هناك مجيب لهذه الدعوة الكريمة الأمر الذي ثار ابن قدامة وغضب غضبة الليث الجريح، وهتف بجنوده: «علي بالنار».
إذن عزم ابن قدامة أن يحرق على الخارجين أعداء الله المصرين على العدوان الدار، وهكذا حمل الجنود حزم الحطب ووضعوه على باب دار سنبل، ولما تراكم الحطب كالجبال، واشتمل الدار من جهاتها أمر بالقاء النار فيه، وما هي إلا لحظات، وكان الجو جوا قائظا حارا مشبوب اللهيب حتى سرى النار إلى أكوام الحطب فالتهبت السنة النار، وتصاعد الدخان، فأخذت النيران الهائلة تغزو الدار، وكان الدخان قد شاع في الدار وسرادقها وصالاتها وغرفها، وما هي الا ساعات حتى احترق الطاغية رسول الطاغية ابن الحضرمي، وطواغيته السبعين واحترقت الدار عليهم، وانقضت الجدران فهلكوا جميعا، وقد حاصرتهم النار والدخان فماتوا خنقا وحرقا أو ماتوا تحت الانقاض.
ومن هذا اليوم اشتهر ابن قدامة في السنة الشانئين ب «المحرّق» ثم أرسلت المحافظة رسالة إلى الإمام تزف إليه الأنباء: «أما بعد فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قدم من عندك فناهض جمع ابن الحضرمي بمن نصره وأعانه من الأزد، ففضّه وأضطره إلى دار من دور البصرة في عدد كثير من أصحابه فلم يخرج حتى حكم الله بينهما، فقتل ابن الحضرمي وأصحابه، منهم من أحرق بالنار، ومنهم من ألقي عليه الجدار، ومنهم من هدم عليه البيت من أعلاه، ومنهم من قتل بالسيف، وسلم منهم نفر أنابوا وتابوا، فصفح عنهم، وبعدا لمن عصى وغوى. والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته». وكان حامل الرسالة إلى الإمام رجل اسمه: ظبيان بن عمارة.
وحينما بلغت الرسالة إلى الإمام والمتضمنة البشرى إلى الإمام ودولته الرائدة. استبشر الإمام وتلى الرسالة على الشعب ثم ان الإمام قرّظ ابن قدامة، وأثنى على الأزد، وعاب البصرة وأخبر عن مستقبلها الرهيب، وقال: «أنها أول القرى خراباً إما غرقا وإما حرقا حتى يبقى مسجدها كجؤجؤ سفينة» ثم إن الإمام التفت إلى ظبيان ورمقه، ورأى الدهشة الممزوجة بالألم تلف ملامحه، فقال له(ع): «أَيْنَ مَنْزِلُكَ مِنْهَا». فقال ظبيان: «مكان كذا وكذا». فقال الإمام: «عَلَيْكَ بضواحيها، عَلَيْكَ بضواحيها».[٧]
جارية وبسر
أرسل معاوية بسر بن أرطاة ليغير على مملكة الإمام، مملكة الإسلام، ويعيث فيها فسادا ونهبا وقتلا، ويشيع فيها الخوف والذعر والارهاب. وهذا في عام ٤٠ للهجرة أي قبل استشهاد الإمام بشهور قلائل، وجهزه بجيش مكوّن ب ١٦٠٠ جندي ومرتزق ممن شحنت قلوبهم بالبغضاء والاحن للامام وأمته ممن اشترك من آبائهم وإخوانهم وأقربائهم أو هم أنفسهم في معارك صفين، وعبّوا المنايا من سيوف الإسلام مما جعل الجنود يبادرون إلى إشاعة الذعر في صفوف المسلمين الذين يوالون دولة الإمام، ويناصرونها، وعندما أراد بسر وجنوده أن يخلفوا معاوية وسلطانه الدموي راح معاوية يزود قائده بتلك التعاليم الحمراء في مواجهة أمة الإمام في غارته على اليمن عن طريق البلدين الآمنين مكة والمدينة. قال معاوية: لا تنزل على بلد أهله على طاعة «عليّ» إلا بسطت عليهم لسانك حتى يروا أنهم لا نجاة لهم منك، وإنك محيط بهم، ثم اكفف عنهم وادعهم إلى البيعة لي، فمن أبى فاقتله، سر حتى تمر بالمدينة واطرد الناس، وأخف من مررت به، وانهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يدخل في طاعتنا، فإذا دخلت المدينة فأرهم إنك تريد أنفسهم، واخبرهم إنه لا براءة لهم عندك حتى إذا ظنوا إنك موقع بهم، فاكفف عنهم ثم سر حتى تدخل مكة ولا تعرض فيها لأحد وارهب الناس فيما بين المدينة ومكة، واجعلهم شرودات حتى تأتي صنعاء والجند.
و معاوية قائده أن يقضي على كل من يوالي الإمام ودولته، سار بسر وهو حالك قسمات الوجه، عاقد بين حاجبيه، عاقد النية على تنفيذ التعاليم الحمراء، وهو الظمآن إلى الدماء والدموع. سار جيش الذعر والارهاب باتجاه مكة والمدينة، وفي مدينة رسول الله صعد بسر منبر رسول الله، وفتح فمه بالسباب والشتائم يكيلها لأصحاب رسول الله: «شاهت الوجوه إن الله ضرب مثلاً قرية كانت أمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً... كان بلدكم مهاجر النبي ومنزله، وفيه قبره... فلم تشكروا نعمة ربكم».
ثم خاطب الأنصار قائلاً: «أبناء العبيد أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفي غليل صدور مؤمنين، والله لأدعنكم أحاديث كالامم السالفة» ثم دعاهم إلى بيعة معاوية فهرعوا إلى البيعة، ولقلوبهم وجيب، ولوجوههم حلكة ليل الارهاب. وأحرق بسر دوراً للأنصار صحابة رسول الله (ص)[٨].
مثل دار زرارة بن جرول، ورفاعة بن رافع الزرقي، ودار عامل المدينة من قبل الإمام أبي أيوب الأنصاري.
ثم ان بسرا أخذ يسير باتجاه مكة، وفي طريقه هاجم الناس والمسافرين في أموالهم وأمتعتهم، وأشاع فيهم القتل والجراح، ولما ترامت الأخبار إلى مسامع أهل مكة خرجوا بقضهم وقضيضهم إلى ضواحيها وذكرهم بسر بأصحاب الفيل يرميهم ربهم بحجارة من سجيل، ولكن بسرا هددهم وجمعهم وخطبهم وسبهم، وهكذا كان السباب والوقيعة هي أداة التعبير، ثم أخذ منهم البيعة ورحل عنهم باتجاه اليمن، وفي مساره في البادية التقى ببني كنانة، وكان عبيدالله بن العباس صهرهم قد خبأ فيهم ابنيه الصبيين: عبد الرحمن، وقثم، فتسرب خبرهما إلى بسر فتتبعهما حتى ظفر بهما، كان قلبه يضطرم غيظا على أبيهما، وكان الشيطان قد اتخذ عرشه على قلبه القاسي، وما هي إلا لحظات حتى كان سيفه الباتر يمر من ثنايا أوداج الصبيين الطريين فراحا يسبحان في دمائهما وبرائتهما، فكانت أم الصبيين السيدة جويرية بنت قرظة الكنانية، وقد سمعت بالحادثة الرهيبة، فغشى عليها ثم لما عاد إليها صحوها كان عقلها في ذهول وراحت تنشد:
| هامن أحس بابني اللذين هما | كالدرتين تشظى عنهما الصدف | |
| هامن أحس بابني اللذين هما | سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف | |
| هامن أحس بابني اللذين هما | مخ العظام فمخى اليوم مزدهف | |
| نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا | من قتلهم ومن الافك الذي اقترفوا | |
| أنحى على ودجي ابني مرهفة | مشحودة وكذاك الاثم يقترف | |
| من دل والهة حتى مسلبة | على صبيين ضلا إذ مضى السلف |
ثم إن بسرا تتبع رجالاً وقتلهم فصاحت امرأة كنانية مغتاضة، وقد أوجع قلبها مقتل الشهيدين الصغيرين: «هذه الرجال تقتلها، فعلام تقتل الولدان، والله ما كانوا يقتلون في جاهلية، ولا في إسلام والله ان سلطانا لا يشتد الا بقتل الضرع الضعيف، والمدرهم الكبير، ورفع الرحمة، وقطع الارحام لهو سلطان سوء».
ثم واصل بسر وجيشه العاتي السير باتجاه اليمن، وفي صنعاء كانت المجازر، ولما ان مر من نجران اجتمع المسيحيون وعلى وجوههم الذعر، وفي قلوبهم الاضطراب ليصغوا إلى خطاب مبعوث الدمار والدماء، فقال: «يا معشر النصارى، وأخوان القرود، أما والله لئن بلغني عنكم ما أكره الأعردن عليكم بالتي تقطع النسل، وتهلك الحرث، وتخرب الديار، فمهلا مهلا».
ثم سار الموت من نجران يختطف زعماء البادية المؤيدة للامام ودولته من أضراب أبي كرب الهمداني توالت أنباء بسر وجيشه الأحمر إلى الإمام(ع)، قندب الناس إلى دفع عادية الظالمين، ولما كانت الشقة بعيدة بين العاصمه، وبين اليمن، والمفروض على الجيش الذي يرسله الإمام أن يقطع الفيافي بعد الفيافي المجدبة، أن يقطع القيظ المتأور، ويتحمل المشاق المرهقة، ويخرج من ظل البساتين المورقة الوارفة، والحدائق الغناء، والأنهار المتدفقة، والجداول الخرارة، ومن الأسر الحانية الرائية نحو الربع الخالي عابرا إياه باتجاه جيش المنايا.
علما ان الرحلة لم تكن رحلة وانية ممتعة بل رحلة عليها الاسراع، والسير المغذ، ومن هذه المسارات الخارجية والنفسية كان الجنود لا تطيب نفوسهم لهذه الرحلة المرهقة الأمر الذي كانت نفوسهم وانية عن الاستجابة لدعوة الإمام مما دعا الإمام إلى القول: «أتريدون أن اخرج بنفسي في كتيبة تتبع كتيبة في الفيافي والجبال. ذهب والله منكم أولوا النهى والفضل الذين كانوا يدعون فيجيبون، ويؤمرون فيطيعون لقد هممت ان أخرج عنكم فلا أطلب بنصركم ما اختلف الجديدان».
كان الإمام أمير المؤمنين يدعو الناس للتعبئة العامة ضد الطاغية معاوية حتى بلغه هذا الخبر فخطب الناس قائلاً: «أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا اَلنَّاسُ! إِنَّ أَوَّلَ فُرْقَتِكُمْ، وَ بَدْءَ نَقْصِكُمْ، ذَهَابُ أُوْلِي اَلنُّهَى وَ أَهْلِ اَلرَّأْيِ مِنْكُمْ، اَلَّذِينَ كَانُوا يُلْقَوْنَ فَيَصْدُقُونَ، وَ يَقُولُونَ فَيَعْدِلُونَ، وَ يُدْعَوْنَ فَيُجِيبُونَ، وَ أَنَا وَ اَللَّهِ قَدْ دَعَوْتُكُمْ عَوْداً وَ بَدْءاً وَ سِرّاً وَ جِهَاراً وَ فِي اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ، وَ اَلْغُدُوِّ وَ اَلْآصَالِ، فَمَا يَزِيدُكُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً وَ إِدْبَاراً. أَ مَا تَنْفَعُكُمُ اَلْعِظَةُ وَ اَلدُّعَاءُ إِلَى اَلْهُدَى وَ اَلْحِكْمَةِ؟! وَ إِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَ يُقِيمُ أَوَدَكُمْ، وَ لَكِنِّي وَ اَللَّهِ لاَ أُصْلِحُكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِي، وَ لَكِنْ أَمْهِلُونِي قَلِيلاً، فَكَأَنَّكُمْ وَ اَللَّهِ بِامْرِئٍ قَدْ جَاءَكُمْ، يَحْرُمُكُمْ وَ يُعَذِّبُكُمْ، فَيُعَذِّبُهُ اَللَّهُ كَمَا يُعَذِّبُكُمْ. إِنَّ مِنْ ذُلِّ اَلْمُسْلِمِينَ وَ هَلاَكِ اَلدِّينِ، أَنَّ اِبْنَ أَبِي سُفْيَانَ يَدْعُو اَلْأَرَاذِلَ وَ اَلْأَشْرَارَ فَيُجَابُ، وَ أَدْعُوكُمْ وَ أَنْتُمُ اَلْأَفْضَلُونَ اَلْأَخْيَارُ، وَ تَدَافَعُونَ، مَا هَذَا بِفِعْلِ اَلْمُتَّقِينَ. إِنَّ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ وُجِّهَ إِلَى اَلْحِجَازِ، وَ مَا بُسْرٌ لَعَنَهُ اَللَّهُ؟ لِيَنْتَدِبَ إِلَيْهِ مِنْكُمْ عِصَابَةٌ حَتَّى تَرُدُّوهُ عَنْ سُنَنِهِ».
وهنا سكت الناس لا ينبسون ببنت شفة، فاهتبل أبو بردة بن عوف الأزدي، وهو من الشانئين هذه الفرصة فقام فقال: «إن سرت يا أمير المؤمنين سرنا معك».
فقال(ع): «اَللَّهُمَّ مَا لَكُمْ مَا سَدَدْتُمْ لِمَقَالِ اَلرُّشْدِ [أَ] فِي مِثْلِ هَذَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْرُجَ؟! إِنَّمَا يَخْرُجُ فِي مِثْلِ هَذَا، رَجُلٌ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ فُرْسَانِكُمْ وَ شُجْعَانِكُمْ، وَ لاَ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَدَعَ اَلْجَنَدَ وَ اَلْمِصْرَ وَ بَيْتَ اَلْمَالِ وَ جِبَايَةَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْقَضَاءَ بَيْنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ اَلنَّظَرَ فِي حُقُوقِ اَلنَّاسِ، ثُمَّ أَخْرُجَ فِي كَتِيبَةٍ أَتْبَعُ أُخْرَى فِي فَلَوَاتٍ وَ شُغُفِ اَلْجِبَالِ، هَذَا وَ اَللَّهِ اَلرَّأْيُ اَلسَّوْءُ. وَ اَللَّهِ لَوْ لاَ رَجَائِي اَلشَّهَادَةَ عِنْدَ لِقَائِهِمْ، لَوْ قَدْ حُمَّ لِي لِقَاؤُهُمْ، لَقَرَّبْتُ رِكَابِي، ثُمَّ لَشَخَصْتُ عَنْكُمْ، فَلاَ أَطْلُبُكُمْ مَا اِخْتَلَفَ جَنُوبٌ وَ شِمَالٌ، فَوَ اَللَّهِ إِنَّ فِرَاقَكُمْ لَرَاحَةٌ لِلنَّفْسِ وَ اَلْبَدَنِ».
ولما ان انتهى الإمام من خطابه أمام كبار رجال الدولة والضباط، وهي خطبة لاذعة مستثيرة نهض القائد البطل جارية بن قدامة وقال معبرا عن أحاسيسه القيمة تجاه خطبة الإمام، ومقدما نفسه لتحمل أعباء المسير نحو العابثين قائلا في صوت متهدج: «يا أمير المؤمنين لا أعدمنا الله نفسك، ولا أرانا الله فراقك». ثم قال في حزم: أنا لهؤلاء القوم فسر حني إليهم.
فأجابه الإمام: «فَتَجَهَّزْ فَإِنَّكَ مَا عَلِمْتُ مَيْمُونُ اَلنَّقِيبَةِ».
ثم قام إلى الإمام وهب بن مسعود الخثعمي، وكانت لكلمات الإمام الأثر الكبير في نفسه: «أنا انتدب إليهم يا أمير المؤمنين» فأنعم له الإمام داعيا له: «فانتدب بارك الله فيك»، وسار جارية بن قدامة إلى البصرة حسب تعاليم الإمام وضم منها ٢٠٠٠ جندي.
وانضم إلى الخثعمي ٢٠٠٠ جندي من العاصمة، وقال الإمام أمير المؤمنين(ع) يعرض عليهما تعاليمه: «أخرجا في طلب بسر بن أرطاة حتى تلحقاه، فأينما لحقتماه فناجزاء، فإذا التقيتما فجارية بن قدامة على الناس».
وهكذا القى الإمام قيادة المعركة إلى ابن قدامة، وزود الإمام ابن قدامة بهذه التعاليم القيمة، تعاليم الفروسية النابعة من عين صافية، فقال(ع): «اِتَّقِ اَللَّهَ اَلَّذِي إِلَيْهِ تَصِيرُ، وَ لاَ تَحْتَقِرْ مُسْلِماً وَ لاَ مُعَاهَداً، وَ لاَ تَغْصِبَنَّ مَالاً وَ لاَ وَلَداً وَ لاَ دَابَّةً، وَ إِنْ حَفِيتَ وَ تَرَجَّلْتَ، وَ صَلِّ اَلصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا»[٩].
وقال(ع): «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي بَعَثْتُكَ فِي وَجْهِكَ اَلَّذِي وَجَّهْتُ لَهُ، وَ قَدْ أَوْصَيْتُكَ بِتَقْوَى اَللَّهِ، وَ تَقْوَى رَبِّنَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَ رَأْسُ كُلِّ أَمْرٍ، وَ تَرَكْتُ أَنْ أُسَمِّيَ لَكَ اَلْأَشْيَاءَ بِأَعْيَانِهَا، وَ إِنِّي أُفَسِّرُهَا حَتَّى تَعْرِفَهَا، سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اَللَّهِ، حَتَّى تَلْقَى عَدُوَّكَ، وَ لاَ تَحْتَقِرْ مِنْ خَلْقِ اَللَّهِ أَحَداً، وَ لاَ تُسَخِّرَنَّ بَعِيراً وَ لاَ حِمَاراً، وَ إِنْ تَرَجَّلْتَ وَ حُبِسْتَ، وَ لاَ تَسْتَأْثِرَنَّ عَلَى أَهْلِ اَلْمِيَاهِ بِمِيَاهِهِمْ، وَ لاَ تَشْرَبَنَّ مِنْ مِيَاهِهِمْ إِلاَّ بِطِيبِ أَنْفُسِهِمْ، وَ لاَ تَسْبِي مُسْلِماً وَ لاَ مُسْلِمَةً، وَ لاَ تُظْلِمُ مُعَاهَداً وَ لاَ مُعَاهَدَةً، وَ صَلِّ اَلصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا، وَ اُذْكُرِ اَللَّهَ بِاللَّيْلِ وَ اَلنَّهَارِ، وَ اِحْمِلُوا رَاجِلَكُمْ، وَ تَأَسَّوْا عَلَى ذَاتِ أَيْدِيكُمْ وَ أَغِذَّ اَلسَّيْرَ حَتَّى تَلْحَقَ بِعَدُوِّكَ فَتُجْلِيَهُمْ عَنْ بِلاَدِ اَلْيَمَنِ وَ تَرُدَّهُمْ صَاغِرِينَ إِنْ شَاءَ اَللَّهُ، وَ اَلسَّلاَمُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اَللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ»[١٠].
سار جارية بجنوده من البصرة، وسار زميلة الخثعمي من العاصمة بجنوده ثم التقيا في أرض الحجاز، وهناك اتحدت الكتيبتان واضحت واحدة يقودها ابن قدامة، ومن منطلقنا هذا لا نرى للخثعمي دوراً أو ضوءاً أو إسماً في مسيرة الاحداث القادمة، وإنما اسم ابن قدامة هو الساطع حتى نهاية الشوط، ولهذا السبب سكت المؤرخون عن التعرض للخثعمي أو دوره في المعركة إنما دوره هو دور الجندي أو الضابط البسيط فيها.
كانت القيادة بيد ابن قدامة فأغذ السير باتجاه مؤامرات العدو وثقله الاستفزازي، سار إلى اليمن وفي طريقه لم يكن ليلبث في مدينة أو قرية بل كانت المحجة امامه واضحة، يسرع السير عليها نحو الهدف المنشود.
والجنود الذين كانوا تحت رايته إذا ما ضعف أحدهم أو نفقت راحلته أو نفذ زاده فان ابن قدامة كان سرعان ما يسعفه، ويقدم إليه نجدته الأمر الذي لم يبق في القافلة الحربية جندي يضمر عتابا أو إنتقادا على قائده العظيم، سار ابن قدامة وولاء الدولة يحدوه، وهدفه المنشود يحفزه حتى بلغ اليمن، وهناك كانت أنباء ابن قدامة تترى على المفسدين في الأرض، وكان الطاغية لا يزال يعيث فسادا في اليمن، ولما ان بلغ ابن قدامة صنعاء حاضرة اليمن حتى كان المنشقون قد تبددوا في الجبال والوديان والفدافد، يتلمسون لأنفسهم ستارا أو جحرا يضمهم عن عيون ابن قدامة، وفي نفس الوقت فإن عامة الشعب الموالية للدولة والتي شعرت بأن كرامتها قد أهيئت عندما وقد ابن أرطاة في جبروته الضعيف شعرت ان قوة تساندها فراحت تسد على الهاربين مسارب الطريق، وطفقت تذيقهم ألوان البرحاء، هؤلاء الهاربين الذين عبدوا الطريق لمعاوية وبغيه، ولقائده وعجرفته، عبدوا الطريق لكل هذه المآسي التي المت بالبلاد، وليس ببلاد اليمن فحسب بل وبالبلدان التي وقعت على طريق ابن أرطاة. وصل إلى ابن قدامة نبأ يفيد أن ابن أرطاة وجيشه لا يزالون يتواجدون في حضرموت الأمر الذي حمل ابن قدامة على تتبع ابن أرطاة، فلما سمع ابن أرطاة أنه سيقع بين فكي الأسد راح جاشه شعاعا، وهرب من المدينة محاولا أن يثبت أقدامه في ناحية من اليمن، ولكن ابن قدامه كان أسرع مبادرة، فإنه طفق يتتبع ابن أرطاة فأينما سمع بتواجده حتى يغذ السير باتجاهه مما ضاق الطاغية ذرعا بهذه المطاردات المستمرة فخرج من أرض اليمن ميسما الشام، ولكن ابن قدامة واصل مطارداته حتى لحق بابن أرطاة وجيشه المتهافت فالتحمت بين الفريقين معركة ضارية، وكاد ابن قدامة أن يقضي على خصمه لولا ان خصمه اتخذ الليل ستاراً وهرب مع جنوده من وجه القائد العلوي.
وهكذا يهرب ابن أرطاة ذو البأس الشديد على الصبيان وأهل المدن الآمنين العزل، هرب ابن أرطاة بعد أن قتل واحرق ثلاثين ألف إنسان.
رجع ابن قدامة إلى اليمن، إلى صنعاء ونظم أمورها السياسية والاجتماعية، وقمع المعارضين، وانتصر للشعب، واستتب الأمن والنظام ثم سار منها إلى أم القرى بيت الله الحرام، وفي طريقه حملت الأخبار إلى ابن قدامة نبأ مفزعا كاد أن ينوء تحت ثقله، يفيد النبأ ان الإمام أمير المؤمنين رئيس الدولة قد استشهد، ولكن ابن قدامة شعر في بدء الأمر ان النبأ لا يخرج عن كونه مفتعل قد افتعله الاعلام المعادى ليفتح ثغرة عن طريقه في صفوف جيشه، وبالتالي في صفوف الأمة، وهذا الشعور حدى بابن قدامة أن يتتبع حقائق المستجدات السياسية في العاصمة حتى يسير على ضوئها، وبعد التحريات التي أجراها ابن قدامة وخاصة عندما بلغ مكة عرف حقيقة استشهاد الإمام أمير المؤمنين(ع) الأمر الذي شعر أن الدنيا قد غامت حول ناظريه، فلا يكاد يرى يديه أو خطوة قدميه، عالج لواعج أشجانه، انه لا يزال في منتصف الطريق التصفوي، ان ناحية من كبرى النواحي في الوطن الإسلامي القت جرائها للدولة، وصفت من العناصر المناوئة.
أبعد هذه الجهود التي بذلها هو وجنوده يحمل البريد نبأ استشهاد الإمام وهو - أي ابن قدامة - لم يلتقي بالإمام بعد، ولم يقدم له تقريرا عن الأعمال التي نهض بتحقيقها، بل ولم تكتحل ناظريه بمرأه الجليل ولو للحظة واحدة.
إنها أحاسيس غمرت فؤاد اين قدامه، ولكنه بصفته قائد ومسؤل عن استتباب الأمن في اليمن، وفي الحجاز تماسك، ولم يظهر مشاعره وأحاسيسه بل سار يتحدى الأحاسيس العارمة، وراح يؤسس دولة الإمام الحسن بن علي(ع)، ومن هذا المنطلق فإن ابن قدامة ما ان بلغ إلى مكة حتى سار توا إلى بيت الله، وبعد أداء فريضة العبودية لله تعالى استقل المنبر، وتجمهر الناس، وتوافد المناصرون للامام ودولته إلى بيت الله، وهناك وبعد أن تجمع شمل الناس خطبهم ابن قدامة، وحثهم على البيعة، وكان نبأ استشهاد الإمام قد عمت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها الأمر الذي اعترضته جماعة كانت تضمر العداء سراً قائلة: «ومن نبايع، وقد ذهب أمير المؤمنين إلى ربه، ولا ندري ما صنع الناس بعد».
فقال ابن قدامة يسد عليها منافذ التفكير: «وما عسى أن يصنعوا الا أن يبايعوا الحسن بن علي. قوموا وبايعوا لمن بايع له أصحاب علي - ثم صاح ثانية -: قوموا فبايعوا».
وما ان سرى هذا الصوت في جمهور الناس حتى أندفع الناس إلى ابن قدامة تصفق على يديه تعطي يد البيعة والطاعة للدولة الجديدة، ولرئيسها الجديد، وإمامها الفذ. أما المتغطرسون من الملأ فإن منهم من لاذ إلى الفرار، ومنهم من بايع مكرها وخوفاً من سطوة ابن قدامة وجيشه المرابط على حدود البلد الأمين.
ثم ان ابن قدامة بعد هذه الاجراءات نهد من البلد الحرام المبارك مع الجيش باتجاه مدينة رسول الله، أخذت الأنباء تترى على «طيبة» ان ابن قدامة وجيشه ناهد باتجاهها مما دعا أبو هريرة وجماعته المعاضدة له إلى الاختفاء، والتواري عن عيون الناس.
كانت أصداء تقدم ابن قدامه باتجاه المدينة الطيبة قد أشاعت الطمأنينة في قلوب ساكنيها، وشعرت بالأفراح تعتلج في كيانها الأمر الذي ما ان وصل ابن قدامة على مشارف المدينة حتى سارع الناس يحدوهم الفرح والابتهاج لاستقباله، وبعد تبادل العواطف النبيلة دخل ابن قدامة المدينة في وسط استقبال حافل، وزار ضريح صاحب الرسالة(ص) ثم استقل المنبر، وراح يخطب الناس ويقول: «أيها الناس أن عليا رحمه الله يوم ولد، ويوم توفاه الله، ويوم يبعث حيا كان عبدا من عباد الله الصالحين، عاش بقدر، ومات بأجل، فلا يهنا الشامتين. هلك سيد المسلمين، وأفضل المهاجرين، وابن عم النبي. أما والذي لا إله إلا هو لو أعلم الشامت منكم لتقربت إلى الله عز وجل بسفك دمه، وتعجيله إلى النار. - ثم قال والغيض يكاد يأخذ مأخذه منه -: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه»[١١]. ثم نادى بأعلى صوته وقد استوعب نظره جمهور الناس: قوموا فبايعوا.
فقاموا الناس وبايعوا للحسن بن علي(ع)، ثم خف ابن قدامة والجيش يأمون العاصمة، وما ان أشرف ابن قدامه على العاصمة حتى خف في ثلة من أصدقائه إلى الإمام الحسن(ع) القائد الجديد للدولة، والذي بايعه أصحاب رسول الله، والناس عامة في العاصمة، وأرجاء العراق، وأمة الإسلام في الأقاليم.
وهناك وفي العاصمة التقى ابن قدامة بالعاهل الجديد وأعطى له يد البيعة والطاعة، وقدم له التعازي عن أبيه الإمام أمير المؤمنين(ع)، ثم حث ابن قدامة أمامه وقائده في نبرات حازمة، وفي نفس الوقت ضارعة: سر ... سر... يرحمك الله. . سر بنا إلى عدوك قبل أن يسار إليك».
أنها نصيحة مشبعة بروح الاخلاص وخاصة وإن الإمام الشهيد(ع) قد حشر الجنود والكتائب، وجيش الجيوش للنهوض لمقارعة ه «الأفعى» الأموي.
إذن ماهي المبررات التي تعيق عن تنفيذ برنامج الإمام وخطته، عبر العاهل الجديد عن هذه المبررات قائلا: «لو كان الناس كلهم مثلك سرت بهم، ولم يحمل علي الرأي شطرهم أو عشرهم».
إذن هناك الشك في أن يخلص «علية القوم» الخطة الإمام، الشك في أن يلقى هؤلاء الكبار ثقلهم وجهدهم وعصارة إخلاصهم في ساحة المعركة المرتقبة، ولو كان «علية القوم» على شاكلة ابن قدامة في إخلاصه وتفانيه لهان الأمر، ولنفذت الخطة الحربية في أقصر وقت، ولكن الرأي الذي أزجاه ابن قدامة للامام الحسن، ان هذا الرأي لا يتابعه عليه شطر أو عشر من علية القوم حسب تعبير الإمام العاهل الجديد. والأحداث التي تلت أثبتت نظرية الإمام الحسن(ع)، ورؤيته المستقبلية هذه.[١٢]
وفود ابن قدامة إلىٰ دمشق
وفي عهد معاوية وفد ابن قدامة، والأحنف بن قيس، والحنات بن يزيد عليه، وهناك وفي البلاط حاول الأموي أن يعطف قلبي ابن قدامة، وابن قيس على دولته، وإن يثير فيهما مشاعر الود، وأحاسيس الحب تجاء سلطته، وهو العارف بشخصيتهما ونفوذ كلمتهما في بني تميم، وهم يكونون شعبا كاملا، ولهم في المستقبل الدور الكبير في حياة الدولة في استقرارها أو اضطرابها، إذن دعه يعاملهما معاملة مفعمة بالاحترام والحفاوة والتكريم الأمر الذي أهدى لكل منهما منحة مالية كبيرة أما صديقهما الحتات بن يزيد فإنه أهداه منحة مالية أقل بكثير من رفيقيه، وعندما خرج الرفقة الثلاثة من البلاط حسبوا هداياهم فلاحظ الحنات ان منحته المالية قليلة بالنسبة إلى صاحبيه الأمر الذي هرع إلى البلاط فمثل امام معاوية ولم يكد يراه حتى الحتات فانطبعت على شفتيه بسمة ماكرة، وخطر له أن يجيبه الجواب المثير فقال في نبرة متجاهلة: ما جاء بك يا حتات، فأجابه الحتات في نبرة غاضبة: فضلت على محرقاً ومخذلاً[١٣].
فقال معاوية متخابثاً: اشتريت منهما دينهما، ووكلتك إلى هواك[١٤].
الرجل يشترى ضمائر الناس، ودينهم بأمواله.. ومن أين له هذه الأموال؟ إنها أموال الشعب ينثرها على الزعماء ليأمن جانبهم، ولكن هل ترى ان ابن قدامة وهو تلميذ الإمام، والمرتشف من رحيق تعاليمه يبيع أغلى ما يملكه في سبيل عرض زائل أم انه يأخذ هذه الهدايا المالية ثم يفرقها على فقراء بني تميم، اي انه يأخذ مال الشعب من مسيطر طاغية، ويفرقها على الشعب نفسه، ولكن الطاغية حاول أن يسكت الحتات الحريص على هذه الهدايا، والحريص على مساواته برفيقيه، ولكن الحتات لم يسكت بل قال في تحدي: وأنا أيضا فاشترى مني ديني.
والحتات هذا صحب الرسول الكريم، وأخى الرسول بينه وبين معاوية فلما مات الحتات صادر الأموي أمواله وممتلكاته، وعبر الأموي عن هذه المصادرة:
ان الحتات هو أخوه بمؤاخاة النبي، فهو وحده يرثه، فقال الشاعر منددا بهذه الوراثة أو المصادرة:
| أبوك وعمي يا معاوية أورثا | تراثا فيحتاز التراث أقاربه | |
| فما بال ميراث الحنات أكلته | ومير يراث صخر جامد لك ذائبه | |
| فلو كان هذا الأمر في جاهلية | علمت من المرء القليل خلائبه | |
| ولو كان في دين سوى ذاسننتم | لنا حقنا أو غص بالماء شاربه | |
| الست أعز الناس قوما وأسرة | وامنعهم جارا إذا ضيم جانبه | |
| وما ولدت بعد النبي وآله | كمثلي حصان في الرجال تقاربه | |
| وبيتي في جنب الثريا فناؤه | ومن دونه البدر المضئ كواكبه | |
| انا ابن الجبال الشم فى عدد الحصى | وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه |
قال ابن الأثير: وهي أكثر من هذا، وهي أحسن ما قيل في الافتخار[١٥].[١٦]
حلم الأحنف بن قيس
كان الأحنف بن قيس قد ذاع بين الناس صيته واشتهر بينهم بالحلم والأغضاء عن الاساءة، وفي ذات ليلة اجتمع ثلة من الشباب يسمرون تحت ظلال نور القمر في ليلة مقمرة.
تشعبت بهم الأحاديث والأساطير ثم جرى بهم الحديث إلى الحلم والحلماء، فقال أحدهم: أتذكرون الأحنف بن قيس. فقال الآخر: نعم انه شهير بالحلم حتى ان الناس يقولون ان أحدا لم يستطع إلى هذا الوقت أن يغضبه، وإن أوغل في الاساءة إليه، فقال ثالث وقد خطر له خاطر من خواطر الشباب مر في ذهنه: دعونا نجرب الرجل، فعند التجربة يكرم المرء أو يهان.
فقال السامرون في صوت واحد: وكيف نجرب أو نعرف، وما هي الوسيلة، فقال صاحب الفكرة: نمنح رجلا مغفلا ١٠٠٠ درهم ثم نرسله إلى الأحنف بن قيس، وهو في ناديه ثم يغاضبه، ويلطمه لطمة منكرة.
فقال السامرون: إنها فكرة رائعة، ولابد أن نعرف مدى حلم الأحنف أمام لطمة تصيبه من رجل مغمور، وهو في منتدى قومه.
وعلى أساس هذه الفكرة انفض السامرون، وذهب كل منهم إلى مضجعه، وهو يفكر في هذه التجربة ونتائجها، وفي الصباح أجتمع رفاق الليلة المقمرة وجمعوا قسما من المال، وأرجأوا القسم الآخر إلى لحظة تحقيق التجربة ثم بحثوا عن شاب مغفل وجرى حتى ظفروا به ثم صبوا في مسامعه خطتهم، ولوحوا له بالألف درهم كمكافئة، وكان مبلغاً ضخماً يومذاك، فسال لعاب الرجل أمام بريق الدراهم، ثم وسوسواله: ان الأحنف رجل حليم لا يعاقب على من يسى إليه مهما كان لون الأساءة، وكان الرجل قد تسامع من ذي قبل عن حلم الأحنف بن قيس، إذن فليفرخ روعه، وليطمأن باله إلى أن الأحنف سوف يسكت عن هذه اللطمة التي تصيبه من رجال مقامرون، ولكن الرجل يبدو أنه كان غريباً عن بني تميم لم يكن يعرف الأحنف في شخصه، ومن هو، وما هي ملامحه أو مميزاته.
دفع الشباب قسطا من المال إلى الرجل وأرجأوا القسط الباقي إلى أن تتم التجربة ثم آنئذ يدفعوه إلى الرجل، فقبل هذا بدوره.
كان الأحنف جالساً في منتداه، وقد حف به زعماء القبائل والشخصيات البارزة، انه يوم حفله يحتفل به، ويدعو الرؤساء إلى المشاركة في هذا الحفل أو المهرجان. دل الشباب على الأحنف وقالوا للرجل الشاب: هو ذاك الأحنف جالس، فاذهب وكن رابط الجأش .. إنه رجل حليم لا يسئ إليك.
ذهب الرجل في خطوات وليدة وهو متردد أيقدم أم يحجم، ولكن بريق الدراهم ورنينها كان يعشو بصره، ويبث في جوانحه الاقدام والشجاعة، وهكذا سار حتى بلغ منتدى القوم، والأحنف متوسطهم يصغي إلى أحاديث ضيوفه، ودخل النادي وحتى القوم وذهبت به قدماه باتجاه الأحنف، ويجلس أمامه، ولقلبه وجيب يكاد يسمعه من قرب منه.
قال له الأحنف: مالك جالس إمامي، فلم يجب الرجل، فكرر عليه القول، فشعر الرجل إن غضبة تنتابه، وإن بريق الدراهم تحدوه على العملية أو تحقيق التجربة، فبادر الأحنف في وسط دهشة الحاضرين بلطمة هائلة، لطمة كانت مباغتة، مباغتة للأحنف ولضيوف النادى. لم هذا التصرف الأهوج؟ وتحرك بعض الضيوف لرد الصاع بصاعات، ولكن الأحنف تماسك وأشار بالغاضبين أن يتريثوا عله يعرف سر هذه الاهانة التي لا مبرر لها فسأله في هدوء وعطف كبيرين، وبصوت يفيض منه الحنان: يابن أخي ما أردت إلى ذلك.
فقال الرجل: بايعت على أن الطم سيد بني تميم.
إذن أصبح حلمه موضع تندر ومتاجرة، ولو انه أغضى عن هذه الاساءة فلسوف تكشف له الأيام عن إساءات متتالية تردف بعضها بعضا، طالما إن حلمه أساء الشباب معرفته، واستخدامه.
هكذا فكر الأحنف في هذه الظاهرة إذن لا معدى أن من بحزم لهذه الأساءة ولو عن طريق غير مباشر حتى لا تنجم أخوات لها، وحتى يكون التصدي درسا للشباب، ولمن تسول له نفسه إلى الاساءة، ويطلب المغفرة من موضع الاساءة، فبادر الأحنف الشاب في نبرة غاضبة: ويحك لست بسيدهم، ولكن سيدهم جارية بن قدامة.
وبهذه الكلمات أوقع الأحنف الشاب المسى في الفخ، ولم يكد يسمع الشاب المسى هذه الكلمات من الأحنف بن قيس حتى اكتست ملامحه شحوب، ومعالم الأسى والأسف. إن العملية اذن اخطأت سيد بني تميم، فالأحنف ليس بسيدهم وإنما سيدهم هو جارية بن قدامة، وأين هو ابن قدامة؟ وأين مكانه أو مركز زعامته؟ دل الشاب المراهن على ابن قدامة، فهرول الشاب إليه، وهو يأمل أن يربح الدراهم، ويعيش الحياة هانئة طيبة رخية، وما أن بلغ إلى مركز زعامة ابن قدامة حتى دخل عليه في ديوانه، وهناك تأمل بضعة من رفاق ابن قدامة، وآخرين توافدوا عليه ضيوفاً.
دخل الشاب وحيى القوم تحية مضطربة معبرة عن إضطراب جوانحه ثم نهد في خطوات حذرة نحو ابن قدامة، وبدون تمهيد، وفي لمح البصر رفع يده وأرسلها هابطة على خد ابن قدامة، فدوت صفعة الشاب في القاعة وأنتبه لها الناس، وتساءلوا لم هذا الاعتداء الأثيم.
وانتابت ابن قدامة غضبة عاصفة لهذه البادرة الحمقاء، ولكنه تصبر حتى يعرف السبب أو الأسباب التي حدت بالشاب الأهوج على هذه المبادرة، فألقى عليه أسألة وعاضده ضيوفه، ورفاقه في هاتيك الأسألة حتى يعرفوا معرفة واضحة عن أسباب المبادرة، وهنا بدأ الشاب يكشف عن الأسباب التي حدت به إلى هذه المبادرة، وسمع الرفاق والضيوف ان الشاب قد بدأ في مبادرته تلك الأحنف بن قيس ثم ان الأحنف وفي حنكة ودهاء أرسل الشاب ليتسلم جزاءه الأكيد من ابن قدامة الشهير بعواصفه الغاضبة.
كان ابن قدامة يصغي، وهو مضطرم في داخله يكاد يحرق بلفحاته المعتدي المسيء كيانه وآماله، ولم يكد ينتهي الشاب من قصته حتى أمر ابن قدامة في لهجة حامية، وأشار إلى الشاب: «اقطعوا يده»[١٧].
ربما كان تهديدا أنصرف عنه بعد ذلك أو أنهم قادوا الشاب، وجرحوا بالمدية أصابعه حتى لا يعود إلى الاساءة، ولا يستغل الشباب السامرون حلم زعمائهم وساداتهم هذا الاستغلال المثير.
يقال إن ابن قدامة أدرك النبي(ص)، وقيل إنه لم يدركه عليه الصلاة والسلام، وعلى كلا القولين فإن أهل البصرة، وأهل المدينة رووا عنه هذا الحديث: عن الأحنف بن قيس، عن جارية بن قدامة قال: إن رجلا قال للنبي(ص): يا رسول الله قل لي قولا وأقلل لعلى اعقله. فلمحه رسول الله فرأى في وجهه امارات الغضب منطبعة كأن ملامح الغضب امست شارة من شارات وجهه، فأدرك الرسول الصفة المستهجنة المتغلغلة فيه الأمر الذي قال: «لا تغضب»، فأعاد عليه الرجل مرارا كلمته تلك: يا رسول الله قل لي قولا واقلل لعلي اعقله. كل ذلك ورسول الله يقول: «لا تغضب»[١٨].
كان رسول الله مؤيدا من عند الله تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾[١٩].[٢٠]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ مصادر نهج البلاغة، ٣: ٢٣٩ – ٢٤١.
- ↑ أي إن الإمام لم يكره أحدا على اللحوق بجيشه، ولم يحمل أحدا لينضم إلى معسكره، لا هو(ع) أكره الذي أحب الإقامة والدعة، ولا هو منع من خف إلى الإنضمام في جيشه.
- ↑ نصر: ٢٠٥.
- ↑ مخربة: على وزان مرحلة.
- ↑ سورة الأحزاب، الآية ٢٢.
- ↑ نهج السعادة، ٥: ١٦٣ – ١٦٦؛ مصادر نهج البلاغة، ٣: ٢٧٩.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ٩٨-١٢٦.
- ↑ تاريخ الطبري، ٥: ١٣٩ – ١٤٠.
- ↑ الغارات ٢: ٦٢٤، نهج السعادة ٢: ٣٦٥.
- ↑ نهج السعادة ٢: ٣٦٦، تاريخ اليعقوبي ٢: ١٨٩، الغارات ٢: ٦٢٨.
- ↑ تاريخ الطبري ٥: ١٣٩ - ١٤٠.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٢٦-١٣٧.
- ↑ محرقاً: يعني الأحنف بن قيس لأنه كان يخذل الناس عن أصحاب الجمل، ويدعو إلى الأنضواء تحت راية الإمام(ع) أو اعتزال المحاربين كما اعتزل هو.
- ↑ الاستيعاب ١: ٣٩٤.
- ↑ أسد الغابة ١: ٣٧٩.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٣٧-١٣٩.
- ↑ يراجع: شرح أدب الكاتب للجواليقي: ٩٥ طبعة القاهرة ١٣٥٠.
- ↑ أسد الغابة ١: ٢٦٣.
- ↑ سورة النجم: ٣-٤.
- ↑ السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج٢، ص ١٣٩-١٤٣.