الرياء
تمهيد
«الرّياء» من الرّؤية، و«السّمعة» من السّماع، والمراد منهما في هذا العلم طلب الرفعة عند النّاس بما يعرض عليهم من الأفعال والأقوال حيث يُخيّل إليهم أنّه لا يعمل إلّا لله، فله منزلةٌ عاليةٌ عنده تعالى ومن المعلوم انّ ذلك يتوقّف على القصد والنيّة وذلك القصد قد يكون ملكة وهو المراد هنا وقد لا يكون ملكة وهو وان كان من المحرّمات الكبيرة عقلًا وشرعاً إلّا انّه ليس مورد البحث هنا.
فالبحث فعلًا في الرّياء والسمعة الّذَين ينشئان من الملكة.
وتلك الرذيلة كسائر الملكات مقولة بالتشكيك والمرتبة الضعيفة منها خدعةً بعرض خير الخصال عليهم مع الاعتقاد بالمبدأ الواحد الأحد وبالمعاد. فهو مع عقد القلب على معتقدات المسلمين يعمل الخيرات رياءً وسمعة ويطلب بذلك منزلةً عند النّاس وهذا هو موضوع البحث وعليه يترتّب الذّنب العظيم الّذي هو في حدّ الكفر بالله تعالى وبطلان العمل اجماعاً من الاعلام. وما يترائى من المرتضى من ذهابه إلى صحّة العمل مع عدم الثواب عليه فمضافاً إلى كونه خرق الإجماع فلا يُلتف إليه، لا يُعبأ به لأنّه كلام مجمل لا يُعلم مراده.
قال الله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[١].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾[٢].
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾[٣].
وهذه المرتبة ايضاً مقولة بالتشكيك وهي على ثلاثة أقسام وان شئت قلت على ثلاث مراتب:
- ان يأتي بالعمل لله تعالى ولكن المحرّك والدّاعى هو طلب المنزلة في قلوب النّاس بارائة العمل عليهم أو اسماعه لهم فهي من باب الدّاعى على الدّاعى، فالدّاعى هو الرّئاء والسمعة لا أصل العمل. ولمّا كان هذا العمل مصداق الرّئاء والسمعة عرفاً، فهو المنهىّ عنه في الآيات والرّوايات السالف ذكرها آنفاً، ففيه مضافاً إلى فساده، ذنب عظيم. وادّعاء انّ هذا ليس مصداقاً للآيات والروايات ضعيف جدّاً بل يمكن ان يدّعى انّ هذه المرتبة هي الشائعة عند المرائيّين فهو الفرد الأجلى من الرئاء، وغيرها من المراتب غير شائعةٍ عندهم.
- ان يأتي بالعمل لله تعالى وللنّاس، فهو مع انّه يأتي بالعمل لاسقاط التكليف والتقرّب إلى الله تعالى، ينوى به التقرّب إلى النّاس ايضاً فالعمل فاسد وصاحبه مشرك، وفي كثيرٍ من الروايات عُدَّ هذا العامل مشركاً منها قول أبي جعفر (ع): «لَوْ أَنَّ عَبْداً عَمِلَ عَمَلاً يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اَللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اَلدَّارَ اَلْآخِرَةَ فَأَدْخَلَ فِيهِ رِضَى أَحَدٍ مِنَ اَلنَّاسِ كَانَ مُشْرِكاً.» [٤]
- ان يأتي بالعمل للتقرّب إلى النّاس ورضاهم من غير دخلٍ للقرب إلى الله فيه فالعامل كافرٌ كما قد عُدَّ في جملةٍ من النصوص منهم، منها قول الصادق (ع) عن أبيه (ع): «أَنَّ رَسُولَ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ سُئِلَ فِيمَا اَلنَّجَاةُ غَداً فَقَالَ إِنَّمَا اَلنَّجَاةُ فِي أَنْ لاَ تُخَادِعُوا اَللهَ فَيَخْدَعَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ يُخَادِعِ اَللهَ يَخْدَعْهُ وَ يَخْلَعْ مِنْهُ اَلْإِيمَانَ وَ نَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ قِيلَ لَهُ فَكَيْفَ يُخَادِعُ اَللهَ قَالَ يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَهُ اَللهُ ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَاتَّقُوا اَللهَ فِي اَلرِّيَاءِ فَإِنَّهُ اَلشِّرْكُ بِاللهِ إِنَّ اَلْمُرَائِيَ يُدْعَى يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةِ أَسْمَاءٍ يَا كَافِرُ يَا فَاجِرُ يَا غَادِرُ يَا خَاسِرُ حَبِطَ عَمَلُكَ وَ بَطَلَ أَجْرُكَ فَلاَ خَلاَصَ لَكَ اَلْيَوْمَ فَالْتَمِسْ أَجْرَكَ مِمَّنْ كُنْتَ تَعْمَلُ لَهُ.»[٥]
وقد أشرنا إلى اطلاق المشرك على هذا العامل أيضاً في عدّةٍ من الروايات، كما في هذا الحديث الشريف.
فهو كافر لانّه لم يرد الله تعالى بل أراد غيره من المخلوقين ومشرك لانّه كمن يعبد الأصنام، وعبدة الأصنام مشركون لأنّهم أرادوا قرب الله تعالى ولكنهم بما جعلوا الأصنام وسيلة لهم فقد أشركوا في عملهم، كما يُشاهد في هذا العامل.
وأمّا المرتبة الوسطى من الرّياء، فهي ان يخدع الله بان يريد القرب إليه تعالى بعمله مع انّه لم يكن له تعالى، وهذا حال كثير من النّاس بما يحكم عليهم الجهل المركّب.
سُئل أمير المؤمنين (ع) عن عظيم الشقاق، قال: «رَجُلٌ تَرَكَ اَلدُّنْيَا لِلدُّنْيَا فَفَاتَتْهُ اَلدُّنْيَا وَ خَسِرَ اَلْآخِرَةَ وَ رَجُلٌ تَعَبَّدَ وَ اِجْتَهَدَ وَ صَامَ رِيَاءً لِلنَّاسِ فَذَاكَ حُرِمَ لِذَاتِ اَلدُّنْيَا مِنْ دُنْيَانَا وَ لَحِقَهُ اَلتَّعَبُ اَلَّذِي لَوْ كَانَ بِهِ مُخْلِصاً لاَسْتَحَقَّ ثَوَابَهُ فَوَرَدَ اَلْآخِرَةَ وَ هُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ مَا يَثْقُلُ بِهِ مِيزَانُهُ فَيَجِدُهُ ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾[٦]»[٧]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾[٨].
بل كثير من النّاس يخدعون الله مع علمهم بقيح خداع الله، نعوذ بالله من الرّذائل، ولا تتوهّم انّه غير سائغ في الناس، لاتّفاق الوحي والحديث على الإخبار عن شيوعه فيهم.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾[٩]
«عَنِ اَلصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: أَنَّ رَسُولَ اَللهِ صَلَّى اَللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ سُئِلَ فِي مَا اَلنَّجَاةُ غَداً فَقَالَ إِنَّمَا اَلنَّجَاةُ فِي أَنْ لاَ تُخَادِعُوا اَللهَ فَيَخْدَعَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ يُخَادِعِ اَللهَ يَخْدَعْهُ وَ يَخْلَعْ مِنْهُ اَلْإِيمَانَ وَ نَفْسَهُ يَخْدَعُ لَوْ يَشْعُرُ فَقِيلَ لَهُ وَ كَيْفَ يُخَادِعُ اَللهَ قَالَ يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَ اَللهُ بِهِ ثُمَّ يُرِيدُ بِهِ غَيْرَهُ فَاتَّقُوا اَللهَ وَ اِجْتَنِبُوا اَلرِّيَاءَ»[١٠]
والسرّ في ذلك انّ الرّذيلة - أيّ رذيلة كانت - تستقرّ في النّفس بعد رسوخها فيها فتصير ستراً وحجاباً لنفس الامر والواقع فهو صمّ بكم عمي لايتعقّل ولا يدرك الواقع بل يعمل على شاكلته فالكذّاب يكذب مع علمه بانّ مخاطبه يعلم انّه يكذب، والمرائي يعمل مع علمه بانّ الله تعالى يعلم حاله، والظّالم يرى نفسه محقّاً مع علمه بانّ النّاس يعلمون عدم استحقاقه وهكذا في غيرها من الرذائل.
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾[١١]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾[١٢].
وأمّا المرتبة الشديدة من الرّئاء فهو النّفاق وهو ان يتظاهر بالإيمان حال كونه يعمل لغير الله طلباً للمنزلة في قلوب النّاس وهو أسوء حالًا من الكافر.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾[١٣].
وهم الّذين انزل الله فيهم آيات في اوّل سورة البقرة ويظهر من تلك الآيات انّ المنافق أسوء حالًا واضرّ وجوداً من الكافر وانزل الله فيهم سورة سمّيت بالمنافقين كما قد انزل الله تعالى في مطاوي القرآن آيات كثيرة أخرى فيهم ومن تلك الآيات ما يدلّ على انّهم يخادعون الله والّذين آمنوا وذلك برئائهم في أعمالهم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾[١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾[١٥]
وما أصاب الإسلام من المنافقين ويصيب منهم هو اضرّ ممّا نال وينال من الكافرين والمشركين كما يُشاهد في عصرنا هذا.
تنبيهات
التنبيه الأول
قد اشتهر انّ الرئاء باعتبار الحكم ينقسم باقسام خمسة، وهي الحرام والمكروه والمباح والمستحبّ والواجب.
أمّا الحرام، فقد مضى ذكره وهو طلب المنزلة في قلوب النّاس بعرضه عليهم عمل خير كالصّلوة واجبةً أو مستحبّةً والانفاق كذلك، وهو الّذي سلب الوحىُ الإيمانَ عن صاحبه ثمّ أخبر عن سوء ختامه بقوله فويلٌ....
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾[١٦]
وأمّا المكروه، فهو طلب المنزلة عند النّاس بعرض عمل مكروه عليهم كاظهار الفقر - سيّما مع غناه - قولًا أو عملًا بحسب ملبسه أو مسكنه أو نحو ذلك مع انّ الإسلام كتاباً وسنّةً نهى تنزيهاً عنه وأمر ندباً باظهار الغناء.
قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾[١٧]
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾[١٨]
وفي روايات كثيرة نهى تنزيهاً عن اظهار الذلّة والمسكنة والسؤال من غير احتياج بل استفادة الحرمة من بعضها ليس ببعيدٍ، فلذا اتّفق الأصحاب على عدم قبول شهادة السّائل بالكفّ.
ومن المعلوم، انّ الحرمة فيما إذا كان اظهار المسكنة أو الذلّة والسؤال موجباً لذلّته وإلّا فليس بحرام وعلى كلّ حال انّ اظهار الفقر مكروه بلا اشكال إلّا ان يترتّب عليه عنوان آخر فيحرّمه أو يرجّحه، فراجع الروايات واجمع بينها.
وأمّا المباح، فهو طلب المنزلة في قلوب النّاس بأمر مباح كالفصاحة والبلاغة في الكلام سيّما إذا لم يكن فصيحاً بليغاً والتزيّن باللّباس والدّار ونحو ذلك سيّما إذا لم يكن أهلًا لذلك التّجمّل فهو المرائي الّذي يريد طلب المنزلة بمثل هذه الأمور المباحة.
وأمّا المستحبّ من الرّئاء، فهو طلب المنزلة بعرض عمل مرغوب فيه عقلًا وشرعاً كالنّظافة والخلق الحسن ونحوهما سيّما إذا كانتا على وجه التصنّع.
وأمّا الواجب من الرّئاء، فهو كالتّقيّة الّتي أمر بها الائمّة الطّاهرون (ع) حتّى قال الصادق (ع): «لاَ دِينَ لِمَنْ لاَ تَقِيَّةَ لَهُ»[١٩]
وليست التقيّة إلّا عرض العمل مثل الصّلوة طبقاً لفتوى المخالفين ورأيهم طلباً للمنزلة عندهم ولو لعدم تعرّضهم له.
هذا خلاصة ما ذهب إليه الأصحاب من تقسيم الرّئاء باعتبار الاحكام، تقريراً وتحريراً وتوضيحاً منّا، ولكنّه للنّظر فيما اشتهر مجال واسع.
لانّه اوّلًا: انّ مقسم الرّئاء في هذا التّقسيم هو الرّئاء اللّغوى لا الرّئاء المصطلح عليه في علم الأخلاق، والرّئاء المصطلح عليه وهو ضدّ الاخلاص يختصّ بالخير قولًا وفعلًا ولا يأتي في الأمور المكروهة والمرغوبة فيها عقلًا والمباحة، بل يمكن ان يقال انّها بحسب الاصطلاح مختصّةٌ بالتّعبّديات المشروطة بقصد القربة.
فمن البعيد صدق الرئاء على التوصّليات الّتي لا تبطل بالرئاء فيها ؛ فتأمّل.
وثانياً: انّ هذا التقسيم تكون بحسب تعلّق الصّفة بحال متعلّق الموصوف لا بالموصوف يعنى انّ متعلّق الرّئاء يكون مكروهاً أو مباحاً أو مستحبّاً أو واجباً لا نفس الرّياء.
فالرّئاء في التّقيّة لا يكون بواجب بل الواجب هو الصّلوة طبقاً لفتوى المخالفين، والرّئاء في النّظافة ليس بمستحبّ بل النّظافة نفسها خلوة أو جلوة تكون مرغوباً فيها عقلًا وشرعاً.
والرّئاء في التّعفّف ليس بمستحبّ وكذلك الرّياء في الفقر ليس بمكروه بل التّعفّف مرغوب فيه والذّلّة مرغوب عنه.
والرّئاء في التّلبّس والتّزيّن ليس بمباح بل المباح هو التّلبّس بالبسة فاخرة والتّزيّن بما يكون زينة.
فالرّئاء في غير العبادات لا يكون له حكم اصلًا بل انّه وسيلة لطلب المنزلة عند الناس، وطلب المنزلة ليس بواجب ولا بمستحبّ ولا بمكروه بل هو مباح كطلب المال إلّا ان يترتّب عليه عنوان آخر خارج عن محلّ الكلام.
وبالجملة، انّ تقسيم الرّئاء باعتبار الأحكام الخمسة بالواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام ليس له وجه، ولعلّ من أبدى هذا التقسيم نظر إلى متعلّق الرّئاء لا إلى نفس الرّئاء.
التنبيه الثاني
قد اشتهر انّ الرّئاء قد يكون بالقول كتغليظ الألفاظ في الصّلوة وكالمداومة على الأذكار المندوبة بمرئى النّاس أو الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر عندهم، فلا اشكال في حرمة ذلك وفساد العمل.
وقد يكون في العمل كطول الرّكوع والسّجود واطعام الفقراء والانفاق عليهم، فلا اشكال في فساد العمل وحرمته.
وقد يكون في البدن كصفر اللّون وخفض الجناح وطول اللّحية ونحو ذلك وكالتّخشّع والتّأدّب في الصّلوة، فلا اشكال في حرمته وفساد العمل أيضاً.
وقد يكون في الزّىّ كلبس البسة محقّرة والتّعمّم والتّحنّك ونحو ذلك، فلا اشكال في الحرمة كما انّ الظّاهر فساد العمل لرجوع ذلك إلى الوصف للصّلوة فيسرى الرّئاءالصّلوة.
وقد يكون في الأعمال الخارجة عن العمل كالصّلوة في اوّل الوقت أو في المسجد أو في الجماعة ونحو ذلك، فلا اشكال في حرمة العمل وبطلان الصّلوة لرجوع ذلك كلّه إلى وصف العمل.
نعم، لو كان الرّئاء في مقدّمات العمل أو بعد العمل فهو حرام قطعاً إلّا انّه لا يوجب فساد العمل بمعنى لزوم الإعادة أو القضاء عليه، إلّا انّه يظهر من القرآن وبعض الرّوايات بطلان العمل كالمنّ والأذى بعد العمل، بمعنى عدم ترتّب الثواب عليه بل لا يبعد ترتّب العقاب عليه كذلك.
قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[٢٠]
وعن أبي جعفر (ع) انّه قال: «اَلْإِبْقَاءُ عَلَى اَلْعَمَلِ أَشَدُّ مِنَ اَلْعَمَلِ قَالَ وَ مَا اَلْإِبْقَاءُ عَلَى اَلْعَمَلِ قَالَ يَصِلُ اَلرَّجُلُ بِصِلَةٍ وَ يُنْفِقُ نَفَقَةً لِلَّهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ فَتُكْتَبُ لَهُ سِرّاً ثُمَّ يَذْكُرُهَا فَتُمْحَى وَ تُكْتَبُ لَهُ عَلاَنِيَةً ثُمَّ يَذْكُرُهَا فَتُمْحَى فَتُكْتَبُ لَهُ رِئَاءً.»[٢١]
قال العلّامة المجلسي في مرآة العقول مذيّلًا على هذه الرّواية: أي: تبطل ثوابه بل يعاقب عليه، وكذا في البحار في ذيل الرّواية[٢٢]
وهذا من موارد الحبط الّذي اتّفق عليه الآيات والرّوايات بل ادّعى العلّامة المجلسي قدس سره في البحار تواتر الرّوايات عليه[٢٣]
التنبيه الثالث
مسئلة الحبط والتّكفير مسئلة كلاميّة مفصّلة خارجة عن هذا البحث إلّا انّه لا بأس بالتعرض لها على نحو الايجاز.
اشتهر بين المتكلّمين من الإماميّة بطلان الحبط والتّكفير، بمعنى بطلان عملٍ بعملٍ آخر من العقاب أو الثّواب فهذا لا يجوز عندهم عقلًا وشرعاً.
قال الخواجة نصير الدّين في التّجريد في بحث المعاد: والاحباط باطل لاستلزامه الظّلم ولقوله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره [٢٤]
ومراده من استلزام الظّلم، انّ الحبط يستلزم ان يكون المطيع بعد العصيان كالعاصى الّذي لم يطع الله اصلًا وهذا ظلم.
وفيه، انّه لو فرضنا انّ العصيان كالنّار الّتي تحرق المال وكالسّيل الّذي يهدم البناء فالمطيع بعد العصيان يكون بلا مال وبلا بناء فهو يساوى المعدم وهذا ليس بظلم اصلًا.
وبهذا يجاب عن الآية الشّريفة لانّ المثاب يرى يوم القيامة ثواب عمله ما دام العمل له باقياً بل يظهر من الآية الشريفة انّه يرى نفس ما يعمل، لا جزائه وهذا من باب تجسّم العمل الّذي مرّ الكلام فيه سابقاً وأمّا لو عصى واحبط ما عمله فليس له عمل حتّى براه.
والعجب انّ هذا المحقّق الّذي يُعدّ مفخر الشّيعة ذهب قبل هذا الفصل بجواز الموافات، بانّ نيل الثواب على عمل مشروط بعدم وقوع معصية بعده كما أنّ نيل العقاب عليه مشروط بعدم وقوعها بعدها.
قال: ويجوز توقّف الثّواب على شرط وإلّا لاثيب العارف بالله تعالى خاصّة وهو مشروط بالموافاة لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[٢٥] وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾[٢٦]. [٢٧]
وفيه، انّه يرد عليه نفس ما يرد على الحبط والتّكفير طابق النّعل بالنّعل.
ولقد أجاد العلّامة المجلسي قدس سره موجزاً في المجلّد الخامس ومفصّلًا في المجلّد الثّامن والستّين من البحار، حيث استفاد مغزى الحقّ الحقيق بالتصديق من الآيات والرّوايات بعد جعل كلام النصير وغيره من المتكلّمين من النزاع اللّفظى فراجع وتأمّل [٢٨]
ولقد أفاد سيّدنا الأستاذ قدس سره في الميزان في المقام ما هو فوق المراد فراجع[٢٩]
أقول: يظهر من القرآن الكريم ظهوراً لا يقبل التّأويل ومن الرّوايات الّتي ادّعى حامل روايات أهل البيت - العلّامة المجلسي - تواترها: انّ بعض الحسنات يُكفّر بعض السّيّئات وانّ بعض السّيّئات يُحبط بعض الحسنات.
فالحبط والتّكفير في الجملة على نحو القضايا المهملة وعلى نحو القضايا الحقيقيّة لا بالجملة كانّهما من ضروريّات القرآن والرّوايات ونحن هيهنا نشير إلى بعض تلك الموارد.
وقبل ذلك ينبعى ان نشير إلى قانون يستظهر من القرآن وروايات أهل البيت (ع) وهو تأثير اعمال العباد الصالحة والطالحة تأثيراً بيّناً في أنفسهم تارة وفي مجتمعهم سيّما في أقربائهم أخرى ومن اظهر الآيات في ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾[٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[٣١] وقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾[٣٢].
وفي تجسّم العمل ثالثة وفي كون الاعمال نعماً في الجنّة ونقماً في السّقر رابعة.
وفي آيات كثيرة دلالة على الوجهين ايضاً ومن أظهرها:
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾[٣٣].
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾[٣٤].
وقوله تعالى في موارد عدّة بعد ذكر نقمات السّعير: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[٣٥].
وجملة القول انّ لاعمالنا من الأقوال والافعال والافكار أثراً هامّاً في أنفسنا من حيث السّعادة والشّقاوة، ان خيراً فخيراً وان شرّاً فشرّاً وفي مجتمعنا كذلك، هذا بحسب الدّنيا.
وفي الآخرة لها تأثير في تجسّمها وظهورها لنا أو علينا وفي كونها مصوِّراً لحيوتنا الاخرويّة فان كانت خيراً فهي نعم لنا وان كانت شرّاً فهي عذاب اليم.
إذا تقرّر هذا فنقول: يظهر من القرآن الكريم وروايات أهل البيت (ع) وجود الحبط والتّكفير في كلّ نشأة من النّشآت الأربعة.
أمّا نشأة النّفس، فقال الله تعالى: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾[٣٦].
فترى انّ الآية الشريفة ونظائرها الكثيرة تدلّ على انّ الله تعالى كما يمحق الباطل ويحقّ الحقّ، يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء.
قال تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾[٣٧]
وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾[٣٨].
فكذلك يكفّر الظّلمات بالنّور ويحبط النّور بالظّلمات ويخرج المؤمن من الظّلماتالنّور ويخرج الكافر والفاسق من النّور إلى الظّلمات.
وأمّا نشأة الحياة الجماعيّة فقد دلّت آيات كثيرة على الحبط والتّكفير فيها ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[٣٩]
وقوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾[٤٠]
وأمّا النّشأة البرزخيّة التّجسّميّة، وبعبارة أخرى نشأة بروز الاعمال الصّالحة أو الطّالحة وظهورها فآيات الحبط والتّكفير الكثيرة واردة فيها ومن تلك الآيات:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٤١]
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٤٢]
وأمّا نشأة الجنّة والنّار فبالضّرورة إذا حبطت أعمالهم فمأواهم النّار كما يدلّ على ذلك غير واحد من آيات حبط الاعمال وكذلك إذا كفّرت سيّئاتهم فمأواهم الجنّة كما يدلّ على ذلك غير واحد من آيات تكفير السيّئات.
هذا، مضافاً إلى انّ نعم الجنّة ونقم النّار كما مرّ الكلام فيهما ليس إلّا نفس اعمالهم، فقوله تعالى: «نكفّر عنهم سيّئاتهم»، وقوله تعالى: «وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون» كما يشمل صور الأعمال البرزخيّة المجسّمة بما يناسب العمل يشمل نعم الجنّة ونقم الجحيم بالفحوى ولاأقلّ من اشتماله عليهما بالمساواة.
هذا، مع انّك لو تأمّلت في آيات الحبط والتكفير ترى فيها اشعاراً بحبط تلك النّشأة الرّابعة وتكفيرها ايضاً ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[٤٣]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤٤]
وفي حبط الأعمال بعد الموت في الدّنيا كما تدلّ عليه هذه الآية الشّريفة ابهامٌ لم نجد من يكشف النقاب عن وجهه لانّ حبط الأعمال الدّنيويّة بعد الموت لا معنى له ظاهراً إلّا ان يقال انّ الآيات الشّريفة مشعرة بانّ الارتداد كما يحبط ما للمرتدّ من الاعمال البرزخيّة التّجسّميّة يحبط ما له في الجنّة من حورها وقصورها وجنّاتها الّتي فضّل الله تعالى عليه بأعماله الصالحة، كما انّ تبديل السّيّئات بالحسنات في الآية الشريفة لو لم يكن ظاهراً في انّ الله تعالى بتوبة عبده يكفّر ما تهيّأ العبد في السّقر بتوبته وبأعماله الصالحة ويفضّل عليه في الجنّة فيهبه من قصورها وحورها وجنّاتها وسائر نعمها، ما لا يحصيه إلّا هو ؛ فلاأقلّ من اطلاقها وشمولها لذلك سيّما بمعونة روايات مستفيضة في ذلك وسيأتي ذكر روايات يحكى عن أمر الله تعالى بارسال الترياق لاعدام العقارب والحيّات البرزخيّة أو النّاريّة.
وروايات دالّة على انّ الله تعالى نهى عن تقديم العبد ما يحرق ويخرّب ويعدم ما غرس أو بنى في الجنّة بأعماله الطّالحة وذلك ليس إلّا التكفير والحبط.
أو يقال: انّ قوله تعالى: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾[٤٥] يفهم منه معنى آخر وهو انّ الارتداد يوجب الحبط وأمّا لو رجع عن ارتداده قبل الموت فيرجع الله تعالى إليه ويعطيه ما قد حبط منه وهذا قوىّ جدّاً واستقرّ عليه رأينا، ومن ذهب إلى انّ توبة المرتدّ غير مقبولة فليس له وجه، وتفصيل ذلك موكولٌ إلى الفقه.
واعتَذر إليكم للخروج عن موضوع الكتاب وطوره.
وبعد اللّتيا والّتى، فلا اشكال في دلالة آياتٍ كثيرة وروايات وفيرة على الحبط والتكفير في بعض الاعمال.
أمّا الحبط، فلمثل الكفر والشّرك والنّفاق بعد الإسلام وتدلّ عليه آيات منها:
قوله تعالى: ﴿َ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾[٤٦]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾[٤٧]
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[٤٨]
ولمثل المنّ والأذى بعد العمل وكذلك الرّئاء بعده.
قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾[٤٩]
ولمثل طلب الدنيا وبثّ الهمّ عليها.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[٥٠]
ولمثل الفرار من الزّحف بأيّ نحو كان.
قال تعالى: «يا ايّها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ولا تبطلوا اعمالكم». «٢»
ولمثل سوء الأدب في محضر الرسول (ص) بحيث يوجب ايذائه، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[٥١]
وهذه الآيات لها ظاهر وباطن فظاهرها يدلّ على لزوم مراعاة الأدب بأيّ نحو كان بحضرة الرسول وأهل بيته (ع) حيّاً وميّتاً.
وباطنها يدلّ على وجوب التّسليم بأيّ نحو كان قِبَل قوانينهم وأوامرهم واجبة كانت أو مستحبّة، وضعيّة كانت أو تكليفيّة.
ويختلج بالبال انّ مثل هذه الآيات الشّريفة نزلت لبيان هذا المعنى فلا يكون من البواطن بل هو من الظّواهر الّتي سيقت الآيات له وبعبارة أخرى انّ المعنى الأوّل ليس إلّا قنطرة يوصلنا إلى المعنى الثّانى كالكنايات والمجازات الّتي اخترنا في علم أصول الفقه كونها كذلك يعنى انّ الكنايات والمجازات تفيد معناها من باب القنطرة فالمتكلّم بهما أراد من اللّفظ المعنى الموضوع له حقيقة ثمّ القرينة تذهب بالمخاطب إلى المعنى غير الموضوع له فالمعنى الموضوع له يراد من اللّفظ الكنائي أو المجازىّ حقيقة وواقعاً ولكن الكلام سيقت لافهام شيء آخر وهو المعنى الكنائي أو المجازى.
ونظير ذلك في الذكر الحكيم كثير جدّاً.
والمختار أنّ تلك الآيات ليست من باب المجاز والكناية حتّى تفيد معنىً ثمّ تُظهِر معنىً آخر، بل المراد منها وجوب التسليم عند الرسول وخلفائه من الأئمّة المعصومين (ع) ووالى الحكم الإسلامي وعلماء الأمّة الصالحين ؛ هذا هو المنزّل له في تلك الآيات السائقة بظاهرها لبيان عدم جواز التقدّم - عملًا كان أو نظراً - على النّبى وخلفائه الخاصّة والعامّة فلا يجوز لأحدٍ التقدّم عليهم بالإفراط في عملٍ أو رأى أو التأخّر عنهم بالتفريط فيهما، والإفراط والتفريط هما الغالب على عموم الناس ؛ والاستقامة على الصّراط المستقيم مشكل جدّاً.
وبالجملة، انّ التّسليم من الأمور الهامّة في علم الأخلاق سيّما التّسليم في التّشريع وقليل من عباد الله الصّالحين نالوا هذا المقام.
والنّاس قبال القوانين والشرايع أمّا خاضعين خاشعين وهم الاوحدىّ من النّاس وأمّا خاضعين غير خاشعين فهم مسلمون الّذين يثقل عليهم التّكاليف.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[٥٢].
والصّلاة في الآية الشريفة ليست إلّا من باب المثال فغير الخاشع يثقل عليه التكاليف إلّا ما يلائم نفسيّاته بل كثير منهم يأوّلون الأحكام حتّى كانوا يطلبون من الرسول (ص) توجيهها إلى ما يرضونه، وبعبارة أخرى يطلبون ديناً يلائم دنياهم ونفسيّاتهم بل يصرّحون بذلك من قديم الزمن إلى الآن.
قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾[٥٣].
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾[٥٤]
وأمّا التكفير فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[٥٥] ونظائره وان كانت ظاهرة في انّ مطلق الحسنة يكفّر مطلق السيّئة ولكن لا يمكن الالتزام بهذا المعنى لها عقلًا ولا شرعاً وان التزم به بعض المعتزلة.
كما انّ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾[٥٦] ونظائره تدلّ على انّ مطلق مخالفة الله والرّسول يحبط مطلق الحسنات ولكن لا يمكن الالتزام به عقلًا ولا شرعاً وان التزم به بعض المعتزلة حيث ذهبوا إلى انّ الإنسان أمّا مطيع فقط أو عاص فقط وليس له حالًا ثالثة فالطاعة تحبط العصيان كما أنّ العصيان يحبط الطّاعة، هذا مع انّ القرآن الكريم مع قطع النّظر عن ضرورة العقل والشّرع يخالف ذلك.
قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[٥٧]
فلابدّ من أن يقال كما مرّ تفصيل الكلام فيه، انّ التكفير كالحبط من الحقائق القرآنيّة الّتي دل الكتاب العزيز عليها، ولكن يدلّ عليها على سبيل المهملة لا القضايا الحقيقيّة.
فالوحي والأحاديث قد طابقا على انّ بعض الحسنات يُذهب بعض السيّئات.
فمثل الاجتناب عن الكبائر يذهب بعض السيّئات ويمحوه.
قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾[٥٨]
ومثل الصّلوات اليوميّة تكفّر بعض السيّئات.
قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[٥٩]
وفي روايات مستفيضة انّ قضاء حوائج النّاس يكفّر السيّئات.
وفي روايات مستفيضة انّ زيارة المشاهد المشرّفة والتوسّلات سيّما إقامة عزاء الحسين روحي وأرواح العالمين لمجالس تعزيته فداء كفّارة الذّنوب.
ولكن كلّ ذلك ليس إلّا على نحو القضايا الطبيعيّة المهملة لا الحقيقيّة.
نعم، ما يكون مكفّراً على نحو الاطلاق بضرورة القرآن والحديث والفقه والأخلاق - وبعبارة أخرى بضرورة الإسلام - هو التّوبة فهي تكفّر كلّ سيّئة حتّى الكفر والشّرك والنفاق والارتداد فضلًا عن الذنوب كبيرة أو صغيرة، قليلة أو كثيرة.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[٦٠]
فخلاصة القول في ذلك انّ الارتداد يحبط الحسنات كلّها فهو على سبيل القضايا الحقيقيّة وانّ التّوبة يكفّر السيّئات كلّها فهو ايضاً على سبيل القضايا الحقيقيّة.
وأمّا غيرهما فالحبط مسلّم على مبادئ الشريعة القويمة في الجملة والتكفير مسلّم عليها في الجملة أيضاً.
ومن تلك الجملة انّ الرّياء بعد العمل يحبط العمل المرائي فيه.
ومنها انّ الصّلوات اليوميّة تكفّر السيّئات في الجملة.
التنبيه الرابع
يترائى من روايات باب الرّئاء انّه أمر قصدىّ [٦١]، فالعامل هو الّذي يتوجّه إلى خلوص عمله أو كونه مشوباً فلذا تمسّك أهل البيت (ع) في تلك الرّوايات بقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾[٦٢].
فبناء عليه انّه لو أراد المرائي من عمله ترغيب النّاس إلى الخيرات أو تحذيرهم عن السيّئات فليس هو من الرّياء بل في روايات كثيرة التّرغيب إليه حيث يُعدّ من أحسن مصاديق الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر ومن تلك الرّوايات:
عن عبد الله بن بكير قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اَلرَّجُلُ يَدْخُلُ فِي اَلصَّلاَةِ فَيُجَوِّدُ صَلاَتَهُ وَ يُحَسِّنُهَا رَجَاءَ أَنْ يَسْتَجِرَّ بَعْضَ مَنْ يَرَاهُ إِلَى هَوَاهُ قَالَ لَيْسَ هُوَ مِنَ اَلرِّيَاءِ.» [٦٣]
التنبيه الخامس
انّ الرّياء هو اتيان العمل لغير الله أو بداعي غير الله كما مرّ الكلام فيه مفصّلًا.
وأمّا إذا اتى بالعمل لله وبداعي أمر الله ولكن يحبّ ان يحمده النّاس عليه، وبعبارة أخرى لم يصل إلى مرتبةٍ لسان حاله يقول: لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً فقد اختلفت الرّوايات في ذلك:
فجملةٌ منها تدلّ على كونه مرائياً مشركاً ولكن ريائه وشركه مغفور.
منها: عن أبي عبد الله (ع) سألته عن تفسير هذه الآية ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾[٦٤] قال: «مَنْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ حَجَّ يُرِيدُ مَحْمَدَةَ اَلنَّاسِ، فَقَدْ اِشْتَرَكَ فِي عَمَلِهِ وَ هُوَ مُشْرِكٌ مَغْفُورٌ.»[٦٥].
ويظهر منها انّ تلك العبادات وإن لم تكن موصولةً إلى حضرة الله تعالى أو صالحةً للسّلوك إلى جنابه، ولكنّها ترفع التكليف وتسقطه.
نعم، انّ الطريق ادقّ وارقّ من الشّعر واشدّ حدّة واحراقاً من السيف والنّار.
عن أبي محمّد (ع) قال: «اَلشِّرْكُ فِي اَلنَّاسِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ اَلنَّمْلِ عَلَى اَلْمِسْحِ اَلْأَسْوَدِ فِي اَللَّيْلَةِ اَلْمُظْلِمَةِ.»[٦٦]
ولكن رفع التكليف وأدائه ليس بصعبٍ إذ الإسلام سمحة سهلة وعفو الله وفضله ورحمته أوسع من أن يكتب أو يقال بل إن يتصوّر وان يخطر ببال أحد والحمد لله ربّ العالمين.
التنبيه السادس
من عمل عملًا ثمّ رآه أحدٌ بعد فراغه عنه، فسرّ بذلك، فهل ذلك السّرور يفسد ذلك العمل كالرّياء بعد العمل أم لا؟
يظهر من بعض الرّوايات أنّه لا يضرّ.
منها: عن أبي جعفر (ع) قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ اَلرَّجُلِ يَعْمَلُ اَلشَّيْءَ مِنَ اَلْخَيْرِ فَيَرَاهُ إِنْسَانٌ فَيَسُرُّهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لاَ بَأْسَ، مَا مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَ يُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ فِي اَلنَّاسِ اَلْخَيْرُ، إِذَا لَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ لِذَلِكَ.» [٦٧]
ونظير ذلك السّرور باظهار أحدٍ خصاله الجميلة أو تعريفه بفعاله الحميدة، أو اظهار الخير علانية لرفع التّهمة أو دفع المذمّة عنه ونحو ذلك.
والإمام(ع) في هذه الرّواية الشّريفة القى كبرى كلّيّة ليُنطبق عليها جزئيّاتها وهي قوله (ع): إذا لم يكن صنع ذلك لذلك.
فالفرق بين الرّياء المبطل وغيره مستورٌ في هذه الكبرى الكلّيّة.
ولكن لا تنس انّ الإمام (ع) القى تلك الكبرى الكلّيّة لبيان حكم عامّة النّاس لا لخواصّه الّذين لهم قدمٌ في السّير والسّلوك وإرادة الوصول إلى مقام اللّقاء بطىّ المنازل السّبعة لأنّ السالك عليه أن يترك هذه الوساوس والخواطر الشيطانيّة، ليدركه نور الله الّذي لا محيص عنه في سلوك السبيل.
وبهذا يجمع بين الرّوايات.
فهذه الرّواية الشّريفة تدلّ على أنّه لا بأس بالمحمدة والسّرور وإرادة رفع التّهمة إذا لم يكن يصنع ذلك لذلك.
ورواية السّكونى ونظائرها تدلّ على انّ المرائي هو الّذي يحبّ ان يحمد في جميع أموره[٦٨]
فوجه الجمع هو الّذي تفضّل به علينا في رواية أخرى بقوله (ع): انّ مثل ذلك رياء مغفور [٦٩] وبقوله (ع) في هذه الرّواية: ما من أحد إلّا وهو يحبّ ان يظهر له في النّاس الخير، أي: ما من أحد من عموم النّاس لا من خواصّهم.
ونحو ذلك من الرّوايات التّى تدلّ على انّ الرّياء المفسد (وهو الرّئاء المصطلح عليه في الفقه) غير الرّياء الصّادّ للطّريق (وهو الرّياء المصطلح عليه في الأخلاق) ولكن يجب على من يريد السّير والسلوك ان يخلّى نفسه عن كليهما.
وتخلية النّفس عن الرّياء المصطلح في الفقه ليس بمشكل سيّما لمن اتّقى وآمن ايماناً قلبيّاً.
وأمّا التّخلية والتنزّه عن الرّياء الأخلاقي فمشكلةٌ جدّاً، تحتاج إلى الدّعاء والإنابة والتّوسّل والاجتناب عن مخالفة الله تعالى.
التنبيه السابع
قد ظهر ممّا حقّقناه في معنى الرّياء، انّ الرّياء بمراتبه يُعدّ من أقسام النفاق وهو الترفّع في قلوب النّاس بعرض خصال الخير عليهم ليخيّل إليهم أنّه ما يفعلها إلّا لله تعالى فالمنافق المرائي لا يريد إلّا تسخير قلوب النّاس بفعله حال كونه يظهرها خالصةً لوجهه الكريم.
فبناءً عليه لو فعل الخير لا لذلك بل لتسخير قلوب النّاس فهو ليس برياء بل كثيراً ما يُعدّ مطلوباً.
فمن يتعلّم العلم ويمارسه لقضاء حوائجه المادّية أو يحصل التميّز في فنٍّ لان يطلب به المال والرّئاسة والمنزلة في قلوب النّاس، أو من يجالس الكبراء لتحصيل الأبّهة في قلوب النّاس، أو من يجالس الفقراء لتسخير قلوبهم، وأمثال ذلك، فهذه الأفعال كلّها ليست برياء.
وبعبارة أخرى انّ طلب المنزلة والرفعة في هذه الأمثلة كطلب المال، فكما انّه ليس برئاء فكذلك طلب المنزلة ليس برئاء.
نعم، لو كان طلب المنزلة في قلوب النّاس خدعةً فهو كطلب المال من غير طريق الحقّ فهو حرامٌ ولكن حرمته ليست بما أنّه رئاء، بل بما أنّه خدعةٌ مع الناس.
نعم، انّ ذلك كلّه غير مفيد للآخرة وغير معاضدٍ في السير إلى جنابه تعالى، بل كلّه يوم القيامة محبوط وبذلك أشار تعالى في آيات منها قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[٧٠]
وهم أهل النّار لانّهم لم يعملوا للآخرة بل ليس سعيهم إلّا للدنيا، وما يؤتى به للدنيا ليس في الآخرة إلّاكسرابٍ لا يثمن عن ضمأ.
وبالجملة العمل لو كان دنياويّاً، فلا فائدة فيه إلّا في الدنيا، وإن كان أخروياً فله أثرٌ بالغٌ هامٌ دنيىً وعقباً.
قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾[٧١]
نعم، قد يكون لعمل فائدة ترجع إلى المجتمع كابداء الكهرباء وكشف المكروب وبناء الابنية العامّة فهذا العمل يفيد صاحبه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾[٧٢] وقول رسول الله (ص): «من استنّ بسنّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن استنّ بسنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[٧٣] في الآخرة نصيب مشروطاً بانّه لم يرد الشرّ بذلك العمل.
التنبيه الثامن
انّ أهل القلوب كانوا يوصون تلامذتهم اوّلًا بالخلوص قائلًا: عليكم ثمّ عليكم ثمّ عليكم بالخلوص الّذي هو الإكسير للعمل، ولولا هذا الإكسير فلا قيمة للعمل اصلًا بل التراب أغلى منه!
ثمّ يذكّروهم مرّةً بعد أخرى انّ اخلاص العمل من الشّوائب والأوهام في غاية الصعوبة.
ومع الوصف كانوا يحذّرونهم عن شَرَكٍ من أَشراك الابليس وهو الوسوسة في الخلوص لانّها لجامٌ يلجم به الابليس من يريد السّير إلى الله تعالى، فكانوا يحذّرونهم عن ترك العمل بالخطورات القلبيّة وبالوسوسة الشيطانيّة، لانّهما ردمان يمنعان عن الأعمال الصالحة والثبات عليهما يسلّط على السالك الكسل والبطالة.
ولا كلام في أنّ هذه الحالة تفريط كما انّ ملكة الرّياء إفراط وكلاهما من المهلكات، عصمنا الله من الزلل ومن الإفراط والتّفريط في القول والفكر والعمل.[٧٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
- ↑ سورة النساء، الآية ٣٨.
- ↑ سورة الماعون، الآية ٤-٧.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٧، باب ١١٦، ح ٢٨
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٥، باب ١١٦، ح ١٩
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٢٣.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٣٠٠، ح ٣٨، باب ١٦
- ↑ سورة الكهف، الآية ١٠٣-١٠٤.
- ↑ سورة المجادلة، الآية ١٨.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٥، باب ١١٦، ح ١٩
- ↑ سورة الجاثية، الآية ٢٣.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ١٧٩.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٤٢-١٤٣.
- ↑ سورة الأنفال، الآية ٤٧.
- ↑ سورة الماعون، الآية ١-٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٧٣.
- ↑ سورة الضحى، الآية ١١.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٢١٧، باب التقيّة، ح ٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٢٩٦، باب الرياء، ح ١٦
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٢، باب ١١٦، ذيل ح ١٦
- ↑ بحار الأنوار، ج ٥، ص ٣٣٤، باب ١٨
- ↑ شرح التّجريد للعلّامة، ص ٣٢٧، ط المصطفوى قم.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٥.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥٤.
- ↑ شرح التجريد للعلّامة، ط المصطفوى قم، ص ٣٢٦، آخر المسئلة السّادسة من مسائل المعاد
- ↑ بحار الأنوار، ج ٥، ص ٣٣٢ - / ٣٣٤، وج ٦٨، ص ١٩٧ - / ٢٠٣
- ↑ الميزان، ج ٢، ص ١٦٧ - / ١٩١.
- ↑ سورة النحل، الآية ٩٧.
- ↑ سورة الأعراف، الآية ٩٦.
- ↑ سورة الروم، الآية ٤١.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ٣٠.
- ↑ سورة الحاقة، الآية ٢٤.
- ↑ سورة آل عمران، الآية ١٨٢.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٥٧.
- ↑ سورة الشورى، الآية ٢٤.
- ↑ سورة الرعد، الآية ٣٩.
- ↑ سورة النحل، الآية ١١٢.
- ↑ سورة هود، الآية ٥٢.
- ↑ سورة العنكبوت، الآية ٧.
- ↑ سورة هود، الآية ١٥-١٦.
- ↑ سورة الفرقان، الآية ٦٨-٧٠.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٦٥.
- ↑ سورة المائدة، الآية ٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
- ↑ سورة هود، الآية ١٦.
- ↑ سورة الحجرات، الآية ١-٥.
- ↑ سورة البقرة، الآية ٤٥.
- ↑ سورة يونس، الآية ١٥.
- ↑ سورة النساء، الآية ١٥٠-١٥١.
- ↑ سورة هود، الآية ١١٤.
- ↑ سورة محمد، الآية ٣٣.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٠٢.
- ↑ سورة النساء، الآية ٣١.
- ↑ سورة هود، الآية ١١٤.
- ↑ سورة الزمر، الآية ٥٣.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٨٥، باب ١١٦، ح ٦
- ↑ سورة القيامة، الآية ١٤-١٥.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٣٠١، باب ١١٦، ح ٣٩
- ↑ سورة الكهف، الآية ١١٠.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٣٠١، باب ١١٦، ح ٤٠.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٢٩٨، باب ١١٦، ح ٣١
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٢٩٧، باب الرّياء، ح ١٨.
- ↑ الكافي، ج ٢، ص ٢٩٥، باب الرّياء، ح ٨
- ↑ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٣٠١، باب ١١٦، ح ٤٠.
- ↑ سورة هود، الآية ١٥-١٦.
- ↑ سورة الإسراء، الآية ٨٤.
- ↑ سورة التوبة، الآية ١٢٠.
- ↑ بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٤، باب ٨، ح ٧٥
- ↑ حسين المظاهري، دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية، ج٣، ص ٥٣.