المعاد في نهج البلاغة

من إمامةبيديا

تمهيد

قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولَى»[١].

هنا يجري الحديث عن الأصل الخامس من أصول الدين وهو المعاد، وبحث المعاد من أكثر الأمور التي عني بها الإمام (ع) في كلمه، في خطبه وكتبه وكلماته القصار، فنجده يذكر المعاد ويذكِّر به في كل مناسبة لذلك.

وحديث المعاد مترامي الأطراف وهو يتعلق بأحاديث عن الدنيا والآخرة ويتصل بموضوع الجنة والنار والبرزخ والبعث والنشور وأمور كثیرة هي في مجموعها من عالم الغيب الذي إنما نأخذ ما نعلم من تفصيلاته من القرآن الكريم ومن أحاديث رسول الله والأئمة عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.[٢]

أولاً: تعريف المعاد

التعريف اللغوي

المعاد لغةً: البعث يوم القيامة.

التعريف الاصطلاحي

واصطلاحاً يعرِّفُهُ علماء الكلام بأنه الوجود الثاني للأجسام وإعادتها بعد موتها وتفرقها[٣].

وهذا نصٌ على أن المعاد يتعلق بإعادة الأجسام وليس إعادة الأرواح فقط كما يعتقد آخرون. في الكلمة التي افتتحنا بها هذا البحث يقول (ع)[٤]:

«عَجِبْتُ لِمَنْ أَنْكَرَ اَلنَّشْأَةَ اَلْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى اَلنَّشْأَةَ اَلْأُولَى».

فالإمام (ع) يتعجب أن ينكر الإنسان النشأة الآخرة وهي المعاد في حین أنه يرى النشأة الأولى التي هي الخلق والحياة في الدنيا، فقد خُلِقَ الإنسان وقد أتى عليه حین من الدهر لم يكن شيئًا مذكوراً، فمن الممكن والأَولى أن يعاد خلقه بعد أن أصبح رفاتاً، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا[٥].

وفي هذا المجال يشیر الإمام إلى ناحية أخرى وهي ما عرَّفَ به علماء الكلام المعاد -كما ذكرنا- فيقول (ع)[٦]:

«حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ اَلْأُمُورُ وَتَقَضَّتِ اَلدُّهُورُ وَأَزِفَ اَلنُّشُورُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ اَلْقُبُورِ وَأَوْكَارِ اَلطُّيُورِ وَأَوْجِرَةِ اَلسِّبَاعِ وَمَطَارِحِ اَلْمَهَالِكِ سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً يَنْفُذُهُمُ اَلْبَصَرُ»: فيمكث الإنسان دهوراً في البرزخ، حتى إذا أزف (أي قرب) النشور، يخرج البشر من أماكن شتى كانوا متفرقین فيها، فبعضهم كان في قبر وبعضهم أكلته الطيور في أوكارها وبعضهم أكلته السباع في أوجرتها (أي جحورها) أو في أماكن ومطارح أخرى يموت فيها البشر كقيعان البحار وغيرها، فيخرج الجميع مهطعن (أي مسرعین، وهو تعبیر قرآني) فيكونون في سیرهم كالرعيل أي القطعة من الخيل فلا ينفرد أحد عن الآخر بسبب سرعتهم فيكونون كلهم بین يدي الله تعالى يراهم ويحيط بهم وذلك تعببر الإمام «يُنْفِذُهُمُ البَصرَ».[٧]

ثانياً: سير الإنسانية

فقد أعطى الإمامُ نبذةً مختصرةً وهي جامعة لسير الإنسانية ابتداءً وانتهاءً. فمن ذلك قوله (ع)[٨]:

«عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اِقْتِدَاراً وَمَرْبُوبُونَ اِقْتِسَاراً»:

فقد خلقهم بقدرته وهو مهيمن عليهم بهذه القدرة، وهذا لا يعني أنهم مجبورون على الأعمال بل القسر هنا هو من ناحية الخلق من الأساس، كما يقول الشيخ محمد جواد مغنية بأن الإنسان مخیرٌ ظاهراً مسیرٌ باطناً، وهذا لا يعني الجبر في شيء بل يعني أن أساس الخلق كان قسراً ولم يكن باختيار الإنسان، فالإنسان لم يختر أن يأتي للدنيا ولا يختار كيف يخرج منها ولم يختر أن يكون له عقل، بل إن كوننا مختارين في أعمالنا هو في حد ذاته أمر قسري علينا لا خيار لنا فيه.

«وَمَقْبُوضُونَ اِحْتِضَاراً وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً وَكَائِنُونَ رُفَاتاً»: فالله تعالى يقبض أرواحنا ويحضرها إليه، وأما أجسادنا فتوضع في الأجداث أي القبور، ثم بعد ذلك ينقلب سیر الإنسانية فتتحلل هذه الأجساد وتصبح رفاتاً تحت التراب.
«وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً وَمَدِينُونَ جَزَاءً وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً»:

وتلك مرحلة أخرى من سیر الإنسانية، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ[٩]، وقوله تعالى في موضوع التمييز بین الناس في الحساب كل بعمله: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ[١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ[١١]، فكلٌّ مدينون ومجزيون بأعمالهم، إن خیراً فخیر وإن شرًّا فشر ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى[١٢].

«قَدْ أُمْهِلُوا فِي طَلَبِ اَلْمَخْرَجِ وَهُدُوا سَبِيلَ اَلْمَنْهَجِ وَعُمِّرُوا مَهَلَ اَلْمُسْتَعْتِبِ وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ اَلرِّيَبِ وَخُلُّوا لِمِضْمَارِ اَلْجِيَادِ... فِي مُدَّةِ اَلْأَجَلِ»:

ولله الحق أن يعاتبهم ويحاسبهم فقد أمهلهم وأعطاهم الحياة وأعطاهم الاختيار وأوضح لهم الطريق ومكَّنهم من التنافس في المضار نحو الخیرات والمكارم لنيل الجنة.[١٣]

ثالثاً: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ[١٤]

وفي هذا المجال نلاحظ قوله (ع)[١٥]:

«حَتَّى إِذَا بَلَغَ اَلْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاَلْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ وَأُلْحِقَ آخِرُ اَلْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اَللَّهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ».

ومن أقواله (ع):

«تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ»[١٦].

فهم مجموعون جميعاً أولهم وآخرهم في عرصة واحدة ومجمع واحد، فبعدذلك البِلى والتحلل في التراب أو في أحشاء الحيوان أو في قاع البحار يشاء الله تعالى أن يعيد الناس من جديد فيكون ذلك الموقف الرهيب:

«أَمَادَ اَلسَّمَاءَ وَفَطَرَهَا وَأَرَجَّ اَلْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَنَسَفَهَا وَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلاَلَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلاَقِهِمْ وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفْرِيقِهِمْ ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لِمَا يُرِيدُ مِنْ مُسَاءَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا اَلْأَعْمَالِ وَخَبَايَا اَلْأَفْعَالِ وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَيْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلاَءِ وَاِنْتَقَمَ مِنْ هَؤُلاَءِ...».

وميَّزهم بأعمالهم فريقین: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ[١٧]، وعندها «لا يظعَنُ النُزَّالُ» أي لا يرتحلون بل يقيمون فيقال لأهل الجنة: خلود، ويقال لأهل النار: خلود.

وقال (ع)[١٨]:

«يومٍ تَشْخَصُ فيهِ الأبصارُ، وتُظلِمُ له الأقطارُ... يَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ اَلْأَبْصَارُ وَتُظْلِمُ لَهُ اَلْأَقْطَارُ ... وَيُنْفَخُ فِي اَلصُّورِ فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ وَتَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَةٍ وَتَذِلُّ اَلشُّمُّ اَلشَّوَامِخُ وَاَلصُّمُّ اَلرَّوَاسِخُ فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً وَمَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً فَلاَ شَفِيعٌ يَشْفَعُ وَلاَ حَمِيمٌ يَنْفَعُ وَلاَ مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ»: وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً[١٩].[٢٠]

رابعاً: عدل وعفو ومداقَّة

يتحدث الإمام (ع) عن هذا العدل والعفو والتدقيق في الحساب في عدة مواطن، فمن ذلك:

قوله (ع) في كتابٍ كتبه إلى محمد بن أبي بكر[٢١]:

«فَإِنَّ اَللَّهَ تَعَالَى يُسَائِلُكُمْ مَعْشَرَ عِبَادِهِ عَنِ اَلصَّغِيرَةِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَاَلْكَبِيرَةِ وَاَلظَّاهِرَةِ وَاَلْمَسْتُورَةِ فَإِنْ يُعَذِّبْ فَأَنْتُمْ أَظْلَمُ وَإِنْ يَعْفُ فَهُوَ أَكْرَمُ».

فمن جانب نجد الإحاطة التامة من الله تعالى بأعمال العباد والدقة في تسجيل جميع شؤونهم ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[٢٢]، والتعبیر بالعباد تعبیر مهم وله مدلوله وهو أن الله تعالى هو المولى والناس عبيده فهو إذن يملك أمر مساءلتهم وحسابهم على أعمالهم صغيرها وكبيرها وظاهرها وباطنها وتلك هي الدقة في رصد الأعمال لأنه تعالى مطلع على كل شيء ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ[٢٣]، فإنْ عذَّبَ اللهُ تعالى عباده فذلك هو العدل لأنه إنما يعذبهم بأعمالهم، وإِنْ عفا عنهم فهو العفوُّ الكريم.

إذن ففي ذلك مشهد وشأن من شؤون المعاد والقيامة، ونلاحظ أن في مجموع ذلك وما سيأتي أيضاً حكماً وأدلةً عقليةً توجب أن يكون المعاد حقًّا وأنه لا بد منه، وإلا لما كان هناك عدلٌ وانتظام ولكان القويُّ في هذه الحياة الذي يظلم ويفتك لا يُؤخَذُ منه الحق للضعيف المظلوم وهذاخلاف العدل والحكمة الإلهية، وتضييعٌ لحقوق الإنسان من النفس والمال والحريات.[٢٤]

خامساً: صورتان للنعيم والجحيم

تحدث الإمام عن نعيم الجنة وعن جحيم النار في مواطن عديدة، فمن ذلك قوله (ع):

«وَاِعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اَللّٰهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ اَلْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ اَلظُّلَمِ وَيُخَلِّدْهُ فِيمَا اِشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ اَلْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اِصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ وَزُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ»[٢٥]:

فالجنة فيها ما لا عینٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد وصفها الإمام (ع) بهذه العبارات الكبیرة، وإن أمر الجنة وما تحويه لدليل على عِظَمِ تكريم الله تعالى للإنسان لو وعى الإنسان ذلك، وإذا كانت الجنة بهذا المستوى من النعيم والتكريم الإلهي وبما فيها من المقربین، وقد أرادها الله تعالى لعباده - فما الذي يجدر بالعباد أن يصنعوا؟

«فَبَادِرُوا اَلْمَعَادَ وَسَابِقُوا اَلْآجَالَ فَإِنَّ اَلنَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ اَلْأَمَلُ وَيَرْهَقَهُمُ اَلْأَجَلُ وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ اَلتَّوْبَةِ».

وبعد أن أشار الإمام إلى الجنة وما يجدر بالإنسان أن يصنعه لينال ذلك التكريم - يشیر الإمام (ع) إلى جحيم النار بقوله:

«وَاِعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا اَلْجِلْدِ اَلرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى اَلنَّارِ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ اَلدُّنْيَا فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ وَاَلْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ وَاَلرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ضَجِيعَ حَجَرٍ وَقَرِينَ شَيْطَانٍ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى اَلنَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ»: والإمام هنا يتحدث عن أشياء محسوسة ندركها ولكنا قدنغفل عنها، فهو يذكِّرنا بها لكي تكون أكثر حجة وتأثیراً فينا، فقد جَرَّبَ الإنسان مقدار تحمله لمصائب الدنيا وضعفه أمامها، فالشوكة تدميه، وجسده ضعيف لا يقوى على الآلام فكيف يصنع بألم النار وشدة العذاب وأهوال الجحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ[٢٦]، ومالكٌ خازنُ النار لا يحتاج لإشعالها حتى تضطرب بل إنه إذا غضب عليها اضطربت وتأججت وحطَمَ بعضها بعضاً.

ثم يخاطبُ الإمام كبار السن بشكل خاص لضعفهم وقرب أجلهم عادة، بقوله:

«أَيُّهَا اَلْيَفَنُ اَلْكَبِيرُ اَلَّذِي قَدْ لَهَزَهُ اَلْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا اِلْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ اَلنِّيرَانِ بِعِظَامِ اَلْأَعْنَاقِ وَنَشِبَتِ اَلْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ اَلسَّوَاعِدِ»: فهو يذكر هذا الشيخ ضعيف البدن بأطواق النار التي تطوِّقُه، وبالجوامع (الأغلال) التي تأكل لحم سواعده، وهذا ما لا يحتمله الإنسان، فلو تدبر فيه لم يُقدِم على المعصية.

فقد جمع الإمام (ع) ذكر الجنة ونعيمها وذكر الجحيم وعذابها، وما ينبغي للعباد أن يصنعوه، ثم ختم بقوله:

«أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَاَللّٰهُ اَلْمُسْتَعٰانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ اَلْوَكِيلُ».

وقال(ع)[٢٧]:

«فَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلْجَنَّةِ مِنْ عَامِلِهَا وَمَنْ أَقْرَبُ إِلَى اَلنَّارِ مِنْ عَامِلِهَا وَإِنَّكُمْ طُرَدَاءُ اَلْمَوْتِ إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ وَهُوَ أَلْزَمُ لَكُمْ مِنْ ظِلِّكُمْ اَلْمَوْتُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيكُمْ وَاَلدُّنْيَا تُطْوَى مِنْ خَلْفِكُمْ فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحَرُّهَا شَدِيدٌ وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ وَلاَ تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ...»: فالتسابق مُتاحٌ للجميع وبإمكان كل فرد أن ينال الجنة بعمله، كما أنه له الخيار أن يدخل النار بعمله أيضاً.

وقد عبر الإمام (ع) عن عذاب النار بأنه جديد وذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ[٢٨]، وإن النار ليس فيها رحمة من جهة العذاب لأن من فيها لا يستحق ذلك.[٢٩]

سادساً: نومتان عن الجنة والنار مرديتان

قال (ع)[٣٠]:

«أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا».

فهناك من يطلب الجنة ولكنه في مجال العمل لا يعمل للوصول إليها بل ينام عن ذلك أو أن الجنة نظراً لما فيها من النعيم العظيم والتكريم ينبغي أن لا ينام من يطلبها لأنها تستحق العمل الدائم من أجلها، فمن يعشق شيئًا دنيويًّا نجده يحرص على نيله وإذا كان موعده قريباً نجد أنه لا ينام شوقاً إليه وخوفاً من أن يفوته غداً.

وكذلك فإن النار بما فيها من أهوال كيف ينام من يريد الهرب منها، فإن من يحذر من أمر دنيوي نجده قلقاً مضطرباً خائفاً فلا ينام بسبب ذلك أو أنه يستميت في سبيل التخلص منه والبعد عنه.

وهاتان النومتان عن الجنة والنار هما النومتان المرديتان فإن نتيجتهما الهلاك والحرمان من نعيم ليس فوقه نعيم.[٣١]

سابعاً: الخير والشر الحقيقيان

قال (ع)[٣٢]:

«مَا خَيْرٌ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ اَلنَّارُ وَمَا شَرٌّ بِشَرٍّ بَعْدَهُ اَلْجَنَّةُ وَكُلُّ نَعِيمٍ دُونَ اَلْجَنَّةِ فَهُوَ مَحْقُورٌ وَكُلُّ بَلاَءٍ دُونَ اَلنَّارِ عَافِيَةٌ».

وما أروع أمیر المؤمنین في فكره وهديه وقولِه وعملِه، فهو يبین (ع) هنا أن جميع ما في الدنيا من نعيمٍ وملكٍ ومالٍ يُؤتاهُ الإنسان، فيكون كفرعون أو قارون أو معاوية أو يزيد أو هذه النماذج من الماضین والباقین الذين نالوا من الدنيا أكبر النعيم وتحكموا بها، ومع ذلك حينما يكون عاقبة كل ذلك إلى النار ينكشف الواقع وأن ما كانوا عليه لم يكن نعيماً حقيقيًّا بل نعيماً زائفاً ولم يكن خیراً حقيقيًّا، وإن هذا النعيم كله تُنسيهِ حالةٌ واحدةٌ ولحظاتٌ قليلة في نارِ جهنم ومشهدٌ واحدٌ من مشاهد القيامة.

وأما من ينال بلاءً وشرًّا دنيويًّا فيُظْلَم، ويُنهَب ويُشتَم ويُشَهَّرُ به ويُفترَى عليه ويُحتقَرُ وهو في رثِّ الثيابِ وليًّا من أولياءِ اللهِ تعالى لو أقسم على اللهِ لأبرَّ قَسَمَه، ومع كل ذلك البلاء الذي يناله فإن ذلك ليس شرًّا حقيقيًّا، لماذا؟ لأن وراءه نعيم الجنة وهو النعيم والخیر الحقيقي ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ[٣٣]

إذن نحن نؤمن ونؤكد بأن هذه المشاهد وهذه الحقائق عن المعاد يجب أن تبقى في أذهاننا وتخالط مشاعرنا لأن الارتباط بالمعاد له أكبر الأثر في سیر الإنسان نحو الله تعالى ونيل رضوانِهِ وجنانِهِ.

وفي نفس الوقت نلتمس جانباً آخر غیر الخوف من الآخرة وهو جانب من الألطاف الإلهية ألا وهو التمسك بولاء أمیر المؤمنین (ع) والتزام نهجه وسیرته، وإن ما ينال المؤمن بسبب هذا الولاء، من البلاء والمضايقة في عمل أو دراسة أو في سائر الأمور، لا لشيءٍ إلا لأنه يوالي محمداً وآلَ محمد، فكل ذلك البلاء يهون ما دام الإنسان على الحق وما دامت عاقبته إلى النعيم.

ولذلك أحببتُ أن أختم هذا الدرس الشريف بذكر بعض من آثار الولاء لأولياء الله تعالى، محمدٍ وآلِ محمد، وبعضٍ من آثار العداء والبعد عنهم.

«وَإِنَّ عَلَى اَلْكَوْثَرِ أَمِيرَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَفِي يَدِهِ عَصَاءٌ مِنْ عَوْسَجٍ يَحْطِمُ بِهَا أَعْدَاءَنَا فَيَقُولُ اَلرَّجُلُ مِنْهُمْ إِنِّي أَشْهَدُ اَلشَّهَادَتَيْنِ فَيَقُولُ اِنْطَلِقْ إِلَى إِمَامِكَ فُلاَنٍ فَاسْأَلْهُ أَنْ يَشْفَعَ لَكَ فَيَقُولُ تَبَرَّأَ مِنِّي إِمَامِيَ اَلَّذِي تَذْكُرُهُ فَيَقُولُ اِرْجِعْ وَرَاءَكَ فَقُلْ لِلَّذِي كُنْتَ تَتَوَلاَّهُ وَتُقَدِّمُهُ عَلَى اَلْخَلْقِ فَاسْأَلْهُ إِذْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرُ اَلْخَلْقِ أَنْ يَشْفَعَ لَكَ فَإِنَّ خَيْرَ اَلْخَلْقِ حَقِيقٌ أَنْ لاَ يُرَدَّ إِذَا شَفَعَ فَيَقُولُ إِنِّي أَهْلِكُ عَطَشاً فَيَقُولُ زَادَكَ اَللَّهُ ظَمَأً وَزَادَكَ اَللَّهُ عَطَشاً قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَكَيْفَ يَقْدِرُ عَلَى اَلدُّنُوِّ مِنَ اَلْحَوْضِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ قَالَ وَرِعَ عَنْ أَشْيَاءَ قَبِيحَةٍ وَكَفَّ عَنْ شَتْمِنَا إِذَا ذَكَرَنَا وَتَرَكَ أَشْيَاءَ اِجْتَرَأَ عَلَيْهَا غَيْرُهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِحُبِّنَا وَلاَ لِهَوًى مِنْهُ لَنَا وَلَكِنْ ذَلِكَ لِشِدَّةِ اِجْتِهَادِهِ فِي عِبَادَتِهِ وَتَدَيُّنِهِ وَلِمَا قَدْ شُغِلَ بِهِ نَفْسُهُ عَنْ ذِكْرِ اَلنَّاسِ فَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُنَافِقٌ وَدِينُهُ اَلنَّصْبُ وَاِتِّبَاعُهُ أَهْلَ اَلنَّصْبِ وَوَلاَيَةَ اَلْمَاضِينَ وَتَقْدِيمُهُ لَهُمَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ»[٣٤].

هذا حال عدو آل محمد، فماذا عمن يوالي محمداً وآل محمد:

«وَأَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَائِمٌ عَلَى اَلْحَوْضِ يُصَافِحُهُ وَيَرْوِيهِ مِنَ اَلْمَاءِ وَمَا يَسْبِقُهُ أَحَدٌ إِلَى وُرُودِهِ اَلْحَوْضَ حَتَّى يَرْوِيَ ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ مِنَ اَلْجَنَّةِ مَعَهُ مَلَكٌ مِنْ قِبَلِ أَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ اَلصِّرَاطَ أَنْ يَذِلَّ لَهُ وَيَأْمُرُ اَلنَّارَ أَنْ لاَ يُصِيبَهُ مَنْ لَفَحَهَا شَيْءٌ حَتَّى يَجُوزَهَا وَمَعَهُ رَسُولُهُ اَلَّذِي بَعَثَهُ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ»[٣٥].[٣٦]

المعاد ركن الإيمان وعنصر الالتزام

واستكمالاً لركائز (الأخلاق) وأثافيه نختم هذا التمهيد بحديث (المعاد) ودوره الفاعل في تقويم السلوك وسبيل الاستقامة.

فالإنسان إذا وقر في قلبه أنه بعد دنياه هذه وما حفلت به وما اجرح فيها واقترف قادم على ربه فيوفيه حسابه فإما السعادة أو الشقاء فلابد له من مراقبة ما يصدر عنه من قول أو فعل أوترك.

ومادة بحثنا هذه هي مادة الكتاب المستقاة من هدي إمام الأمة ورباني الأئمة في (نهج البلاغة).

وقد أفاض (ع) المقال في ذلك وبثَّه درراً في كلمه وجواهر حكمه في خطبه الطوال ونبذه القصار.

ولا يسعني استيفاء ذلك كله ولا توفيته حقه من الشرح، فهو من الكثرة والوفرة مالو جمع ورتب لكان السفر النفيس والمعدن الثر ولكني ملتقط منه شذرات ومن بحره لآلئ.

وتنوعت جهات حديث الإمام (ع) وأساليبه فترغيب، وترهيب، ودقة تصوير لمراحل ومواقف ومشاهد يعيشها ابن آدم وينتقل عنها إلى أشد منها حتى يقر في مأواه بعد العرض الأكبر على مولاه.

أعاننا الله على لقاه وجعلها ساعة رضاه.

وإلى الله ترجع الأشياء

«أَنْتَ الْأَبَدُ فَلَا أَمَدَ لَكَ وَأَنْتَ المُنْتَهَى فَلَا مَحِيصَ عَنْكَ وَأَنْتَ المَوْعِدُ فَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ بِيَدِكَ نَاصِيَةُ كُلِّ دَابَّةٍ وَإِلَيْكَ مَصِیرُ كُلِّ نَسَمَةٍ»[٣٧].

يوم القيامة

«وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللهُ فِيهِ الْأَوَّلِینَ وَالْآخِرِينَ لِنِقَاشِ الِحِسَابِ وَجَزَاءِ الْأعْمَاَلِ»[٣٨].

هول الموت

ويصور الإمام (ع) بأدق تصوير وأبلغ تعبیر هول سكرات الموت وتصرم الحياة الأولى الدنيا وغصص انتقال المرء إلى مشارف الحياة الثانية وبرزخها في هموم وغموم وكمد وأحزان مما لا يوصف كنهه ولا تعرف حقيقته.

والإمام (ع) ممنوح المواهب ممدود بالغيب محيط بالأسرار مطلع على الحقائق، «وَإِنَّ لِلْمَوْتِ لَغَمَرَاتٍ هِيَ أَفْظَعُ مِنْ أَنْ تُسْتَغْرَقَ بِصِفَةٍ أَوْ تَعْتَدِلَ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الدُّنْيَا»[٣٩].

وذلك ما امتاز به خاصة أولياء الله تعالى ومن ثم لا يقوى على الإنباء بتلكم الأحوال والأهوال والعالم سواهم.

وهو القائل- سلام الله عليه- ضمن الإشادة بنجباء عباد الله: «وَإِنَّ لِلذِّكْرِ لَأَهْلاً أَخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلً فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَلَ بَيْعٌ عَنْهُ يَقْطَعُونَ بِهِ أَيَّامَ الَحَيَاةِ وَيَهْتِفُونَ بِالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِینَ وَيَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَيَأْتَمِرُونَ بِهِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيَتَنَاهَوْنَ عَنْهُ فَكَأَنَّمَا قَطَعُوا الدُّنْيَا إِلَی الْآخِرَةِ وَهُمْ فِيهَا فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَكَأَنَّمَا اطَّلَعُوا غُيُوبَ أَهْلِ الْبَرْزَخِ فِي طُولِ الْإِقَامَةِ فِيهِ وَحَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهِمْ عِدَاتِهَا فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا حَتَّى كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَ مَا لَا يَرَى النَّاسُ وَيَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ»[٤٠].

وقال (ع) في خطبة كهذه: «وَاذْكُرْ قَبْرَكَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مَمَرَّكَ وَكمَا تَدِينُ تُدَانُ وَكَمَا تَزْرَعُ تَحْصُدُ وَمَا قَدَّمْتَ الْيَوْمَ تَقْدَمُ عَلَيْهِ غَداً فَامْهَدْ لِقَدَمِكَ وَقَدِّمْ لِيَوْمِكَ فَالَحَذَرَ الَحَذَرَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِیر»[٤١].

«أي ولا يخبرك أحد على حقائقها كالعارف بها العالم بكنهها»[٤٢].

فلنصغ إلى كشفه ووصفه بأرواحنا وعقولنا وقلوبنا، يقول (ع):

«فَغَیْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ المَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَتَغَیَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ. ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَیْنَ أَحَدِهِمْ وَبَیْنَ مَنْطِقِهِ، وَإِنَّهُ لَبَیْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَيَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةً مِنْ عَقْلِهِ، وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ أَفْنَى عُمْرَهُ، وَفِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّ حَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لَمِنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا، وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ المَهْنَأُ لِغَیْرِهِ، وَالْعِبءُ عَلَى ظَهْرِهِ. وَالمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونُهُ بِهَا، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ المَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَزْهَدُ فِيَما كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ، وَيَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ! فَلَمْ يَزَلِ المَوْتُ يُبَالِغُ فِي جَسَدِهِ حَتَّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَیْنَ أَهْلِهِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَلاَ يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ: يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وجُوهِهِمْ، يَرَى حَرَكَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَلاَ يَسْمَعُ رَجْعَ كَلاَمِهِمْ. ثُمَّ ازْدَادَ المَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَیْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ. لاَ يُسْعِدُ بَاكِياً، وَلاَ يُجِيبُ دَاعِياً. ثُمَّ حَمَلُوهُ إِلَ مَخَطٍّ فِي الْأَرْضِ، فَأَسْلَمُوهُ فِيهِ إِلَی عَمَلِهِ، وَانْقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ»[٤٣].

وكم له- سلام الله عليه- من بيان معبّر، وتصوير يجسّد تلكم النقلة المفزعة.

«دَهِمَتْهُ فَجَعَاتُ المَنِيَّةِ فِي غُبَّرِ جِمَاحِهِ وَسَنَنِ مِرَاحِهِ فَظَلَّ سَادِراً وَبَاتَ سَاهِراً فِي غَمَرَاتِ الْآلَامِ وَطَوَارِقِ الْأَوْجَاعِ وَالْأَسْقَامِ بَیْنَ أَخٍ شَقِيقٍ وَوَالِدٍ شَفِيقٍ وَدَاعِيَةٍ بِالْوَيْلِ جَزَعاً وَلَادِمَةٍ لِلصَّدْرِ قَلَقاً وَالمَرْءُ فِي سَكْرَةٍ مُلْهِثَةٍ وَغَمْرَةٍ كَارِثَةٍ وَأَنَّةٍ مُوجِعَةٍ وَجَذْبَةٍ مُكْرِبَةٍ وَسَوْقَةٍ مُتْعِبَةٍ»[٤٤].

البرزخ والقبر ووحشته

  1. ذوو الميت يسلمونه إلى قبره ويعودون: «ثُمَّ أُدْرِجَ فِي أَكْفَانِهِ مُبْلِساً وَجُذِبَ مُنْقَاداً سَلِساً ثُمَّ أُلْقِيَ عَلَى الْأَعْوَادِ رَجِيعَ وَصَبٍ وَنِضْوَ سَقَمٍ تَحْمِلُهُ حَفَدَةُ الْوِلْدَانِ وَحَشَدَةُ الْإِخْوَانِ إِلَی دَارِ غُرْبَتِهِ وَمُنْقَطَعِ زَوْرَتِهِ وَمُفْرَدِ وَحْشَتِهِ»[٤٥].
  2. حساب القبر: «حَتَّى إِذَا انْصَرَفَ المُشَيِّعُ وَرَجَعَ المُتَفَجِّعُ أُقْعِدَ فِي حُفْرَتِهِ نَجِيّاً لِبَهْتَةِ السُّؤَالِ وَعَثْرَةِ الِمْتِحَانِ»[٤٦].

وحكايته عن هول ذلك العالم تأخذ بالألباب ومجامع القلوب: «سُلِّطَتِ الْأَرْضُ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَأَكَلَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ وَشَرِبَتْ مِنْ دِمَائِهِمْ فَأَصْبَحُوا فِي فَجَوَاتِ قُبُورِهِمْ جَمَاداً لَا يَنْمُونَ وَضِمَاراً لَا يُوجَدُونَ»[٤٧].

إلى آخر ما بلغ به من معالم دار الكربة والغربة وضيقها وشدة محنها وفجائع شجونها.

وهي الخطبة العجيبة التي قالها بعد تلاوته ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ[٤٨].

ويعجبني جدّاً نقل ما قاله الشارح ابن أبي الحديد لكشفه عن الحقيقة وبيان الحق الصراح: «من أراد أن يعظ ويخوف ويقرع صفاة القلب ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرفها بأهلها فليأت بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح وإلا فليمسك فإن السكوت أستر والعي خیر من منطق يفضح صاحبه، ومن تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه (والله ما سن الفصاحة لقريش غیره)، وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلي عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدي بن الرقاع: قلم أصاب من الدواة مدادها

فلما قيل لهم في ذلك، قالوا: إنا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن.

وإني لأطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الأسود والنمور وأمثالها من السباع الضارية ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحما ولم يريقوا دماً...»[٤٩].

ولا يعنيني هنا دقة تشبيهه من ذكر الفُتّاك الشجعان والنُّسّاك الرهبان أو مقاربته بالمسيح بن مريم الإلهي.

ثم أردف قائلاً: «وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسین سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة، ما قرأتها قط إلا وأحدثت عندي روعة وخوفاً وعظة وأثرت في قلبي وجيباً وفي أعضائي رعدة ولا تأملتها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودي وخيلت في نفسي، فقال: إني أنا ذلك الشخص الذي وصف (ع) حاله»[٥٠].

وختم حديثه بتجي الإمام وامتيازه على كافة الوعاظ وفصحاء الخطباء وعلل تفاعله وانبهاره:

«وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه فلم أجد لشئ منه مثل تأثیر هذا الكلام في نفسي فاما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحة ويقينه كان ثابتا وإخلاصه كان محضا خالصا فكان تأثیر قوله في النفوس أعظم وسريان موعظته في القلوب أبلغ»[٥١].

الصراط وخطر الانزلاق

«وَاعْلَمُوا أَنَّ مَجَازَكُمْ عَلَى الصَّرَِاطِ وَمَزَالِقِ دَحْضِهِ وَأَهَاوِيلِ زَلَلِهِ وَتَارَاتِ أَهْوَالِهِ»[٥٢].

والتقوى عدة السلامة: «فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِهِ وأَوَجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ وَقَدَّمَ الَخْوْفَ لَأِمَانِهِ وَتَنَكَّبَ المَخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكِ إِلَی النَّهْجِ المَطْلُوبِ وَلَم تَفْتِلْهُ فَاتِلاَتُ الْغُرُورِ وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْأُمُورِ»[٥٣].

والعاقبة للمتقين: «ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى وَرَاحَةِ النُّعْمَى فِي أَنْعَمِ نَوْمِهِ وَآمَنِ يَوْمِهِ وَقَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً وَقَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً وَبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ وَرَغِبَ فِي طَلَبٍ وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ فَكَفَى بِالَجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً وَكَفَى بِالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالً وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِیراً وَكَفَى بِالْكِتَابِ حَجِيجاً وَخَصِيماً»[٥٤].

البعث والنشور

«حَتَّى إِذَا تَصَّرَمَتِ الْأُمُورُ وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ وَأَزِفَ النُّشُورُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ وَأَوْجِرَةِ السَّبَاعِ وَمَطَارِحِ المَهَالِكِ سِرَاعاً إِلَی أَمْرِهِ مُهْطِعِینَ إِلَی مَعَادِهِ رَعِيلاً صُمُوتاً قِيَاماً صُفُوفاً يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الِسْتِكَانَةِ وَضَرَعُ الِسْتِسْلَامِ وَالذِّلَّةِ قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ وَانْقَطَعَ الْأَمَلُ وَهَوَتِ الْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً وَأَلَجَمَ الْعَرَقُ وَعَظُمَ الشَّفَقُ وَأُرْعِدَتِ الْأَسْمَاَعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَی فَصْلِ الْخِطَابِ وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ وَنَكَالِ الْعِقَابِ وَنَوَالِ الثَّوَابِ»[٥٥].

وصور قدرة الجبار يوم تبدل الأرض غیر الأرض وبرز الخلق لخالقهم جميعاً فقال (ع): «حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَالْأَمْرُ مَقَادِيرَهُ وَأُلْحِقَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَوَّلِهِ وَجَاءَ مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ أَمَادَ السَّمَاَءَ وَفَطَرَهَا وَأَرَجَّ الْأَرْضَ وَأَرْجَفَهَا وَقَلَعَ جِبَالَهَا وَنَسَفَهَا وَدَكَّ بَعْضُهَا بَعْضاً مِنْ هَيْبَةِ جَلَالَتِهِ وَمَخُوفِ سَطْوَتِهِ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهَا فَجَدَّدَهُمْ بَعْدَ إِخْلَقِهِمْ وَجَمَعَهُمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ»[٥٦].

ويوفّيهم جزاءهم فمنهم شقي وسعيد: «ثُمَّ مَيَّزَهُمْ لَمِا يُرِيدُهُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْ خَفَايَا الْأَعْمَالِ وَخَبَايَا الْأَفْعَالِ وَجَعَلَهُمْ فَرِيقَیْنِ أَنْعَمَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَانْتَقَمَ مِنْ هَؤُلَاءِ فَأَمَّا أَهْلُ الطَّاعَةِ فَأَثَابَهُمْ بِجِوَارِهِ وَخَلَّدَهُمْ فِي دَارِهِ حَيْثُ لَا يَظْعَنُ النُّزَّالُ وَلَا تَتَغَیَّرُ بِهِمُ الَحَالُ وَلَا تَنُوبُهُمُ الْأَفْزَاعُ وَلَا تَنَالُهُمُ الْأَسْقَامُ وَلَا تَعْرِضُ لَهُمُ الْأَخْطَارُ وَلَا تُشْخِصُهُمُ الْأَسْفَارُ وَأَمَّا أَهْلُ المَعْصِيَةِ فَأَنْزَلَهُمْ شَرَّ دَارٍ وَغَلَّ الْأَيْدِيَ إِلَی الْأَعْنَاقِ وَقَرَنَ النَّوَاصِيَ بِالْأَقْدَامِ وَأَلْبَسَهُمْ سَرَابِيلَ الْقَطِرَانِ وَمُقَطَّعَاتِ النِّیرَانِ فِي عَذَابٍ قَدِ اشْتَدَّ حَرُّهُ وَبَابٍ قَدْ أُطْبِقَ عَلَى أَهْلِهِ فِي نَارٍ لَهَا كَلَبٌ وَلَجَبٌ وَلَهَبٌ سَاطِعٌ وَقَصِيفٌ هَائِلٌ لَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا وَلَا يُفَادَى أَسِیرُهَا وَلَا تُفْصَمُ كُبُولُهَا لَا مُدَّةَ لِلدَّارِ فَتَفْنَى وَلَا أَجَلَ لِلْقَوْمِ فَيُقْضىَ»[٥٧].

وقال (ع) في أهوال الطامّة وشدائد يوم القيامة بعد وصيته بالاعتصام بالتقوى وأمره بمبادرة الموت وغمراته وبيانه لروعات الفزع وظلمة اللحد: «فِي مَوْقِفٍ ضَنْكِ المَقَامِ وَأُمُورٍ مُشْتَبِهَةٍ عِظَامٍ وَنَارٍ شَدِيدٍ كَلَبُهَا عَالٍ لَجَبُهَا سَاطِعٍ لَهَبُهَا مُتَغَيِّظٍ زَفِيرُهَا مُتَأَجِّجٍ سَعِيرُهَا بَعِيدٍ خُمُودُهَا ذَاكٍ وُقُودُهَا مَخُوفٍ وَعِيدُهَا عَمٍ قَرَارُهَا مُظْلِمَةٍ أَقْطَارُهَا حَامِيَةٍ قُدُورُهَا فَظِيعَةٍ أُمُورُهَا»[٥٨].

تربية وهداية وتذكير وإصحار بالحقائق

وقد أفاض إمام الأمة وربانيها وهاديها- صلوات الله على روحه الطيبة- المقال في كافة شؤون المعاد وإعداد العبد للقاء الرب فأخذ في إثارة كل ما يحقق الغاية ويهدي السبيل من التبصیر بالدنيا واغتنام الفرصة واستثمار العمر العزيز والفرصة المتاحة بالتماس ما يقرب العبد بمولاه في دنياه وأخراه.

وهديه- كما أسلفت- ممتد واسع في كلمه وثنايا خطبه مما لا يسعني استيعابه لضيق مجال البحث وخطته عن ذلك:

ولكنّي آخذ بطرف منه وجامع من شذراته:

بذل العمر فيما يجمل لئلا يكون حجة

  1. «فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهِمْ فَانْتَبَهُوا وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدًى وَمَا بَیْنَ أَحَدِكُمْ وَبَیْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلَّا المَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِ المُدَّةِ وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الَجَدِيدَانِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ وَإِنَّ قَادِماً يَقْدُمُ بِالْفَوْزِ أَوِ الشِّقْوَةِ لَمسْتَحِقٌّ لِأَفْضَلِ الْعُدَّةِ فَتَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً فَاتَّقَى عَبْدٌ رَبَّهُ نَصَحَ نَفْسَهُ وَقَدَّمَ تَوْبَتَهُ وَغَلَبَ شَهْوَتَهُ فَإِنَّ أَجَلَهُ مَسْتُورٌ عَنْهُ وَأَمَلَهُ خَادِعٌ لَهُ وَالشَّيْطَانُ مُوَكَّلٌ بِهِ يُزَيِّنُ لَهُ المَعْصِيَةَ لِيَرْكَبَهَا وَيُمَنَّيهِ التَّوْبَةَ لِيُسَوِّفَهَا إِذَا هَجَمَتْ مَنِيَّتُهُ عَلَيْهِ أَغْفَلَ مَا يَكُونُ عَنْهَا فَيَا لَهَا حَسْرَةً عَلَى كُلِّ ذِي غَفْلَةٍ أَنْ يَكُونَ عُمُرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً وَأَنْ تُؤَدِّيَهُ أَيَّامُهُ إِلَی الشِّقْوَةِ نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا تُبْطِرُهُ نِعْمَةٌ وَلَا تُقَصَّرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ غَايَةٌ وَلَا تَحُلُّ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ نَدَامَةٌ وَلَا كَآبَةٌ»[٥٩].
  2. وقال (ع) في خطبة أخرى: «فَلْيَقْبَلِ امْرُؤٌ كَرَامَةً بِقَبُولِهَا وَلْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا وَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ فِي قَصِیرِ أَيَّامِهِ وَقَلِيلِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ بِهِ مَنْزِلاً فَلْيَصْنَعْ لُمِتَحَوَّلِهِ وَمَعَارِفِ مُنْتَقَلِهِ فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَتَجَنَّبَ مَنْ يُرْدِيهِ وَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلاَمَةِ بِبَصَرِ مَنْ بَصَّرَهُ وَطَاعَةِ هَادٍ أَمَرَهُ وَبَادَرَ الْهُدَى قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُهُ وَتُقْطَعَ أَسْبَابُهُ وَاسْتَفْتَحَ التَّوْبَةَ وَأَمَاطَ الَحَوْبَةَ فَقَدْ أُقِيمَ عَلَى الطَّرِيقِ وَهُدِيَ نَهُجَ السَّبِيلِ»[٦٠].

الطباع السوء وإضلال الشيطان ودعوة الرحمن

«آثَرُوا عَاجِلاً وَأَخَّرُوا آجِلاً وَتَرَكُوا صَافِياً وَشَرِبُوا آجِناً كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَی فَاسِقِهِمْ وَقَدْ صَحِبَ المُنْكَرَ فَأَلِفَهُ وَبَسِئَ بِهِ وَوَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ وَصُبِغَتْ بِهِ خَلاَئِقُهُ ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لَا يُبَالِي مَا غَرَّقَ أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِ الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ أَيْنَ الْعُقُولُ المُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى وَالْأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَی مَنَارِ التَّقْوَى أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ للهِ وَعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وَتَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ وَرُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ وَأَقْبَلُوا إِلَی النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ وَدَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا وَوَلَّوْا وَدَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وَأَقْبَلُوا»[٦١] .

الدنيا والآخرة ضدّان ما قرّب من إحداهما أبعد عن الأخرى

  1. «إِنَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ عَدُوَّانِ مُتَفَاوِتَانِ وَسَبِيلَانِ مُخْتَلِفَانِ فَمَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا وَتَوَلَّاهَا أَبْغَضَ الْخِرَةَ وَعَادَاهَا وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَمَاشٍ بَيْنَهُمَا كُلّمَاَ قَرُبَ مِنْ وَاحِدٍ بَعُدَ مِنَ الْآخَرِ وَهُمَا بَعْدُ ضَرَّتَانِ»[٦٢].
  2. «مَرَارَةُ الدُّنْيَا حَلَوَةُ الْآخِرَةِ، وَحَلَاوَةُ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ»[٦٣].
  3. «وَرُوِيَ أَنَّهُ (ع) قَلَّمَا اعْتَدَلَ بِهِ المِنْبَرُ إِلَّا قَالَ أَمَامَ الْخُطْبَةِ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللهَ فَمَا خُلِقَ امْرُؤٌ عَبَثاً فَيَلْهُوَ وَلَا تُرِكَ سُدًى فَيَلْغُوَ وَمَا دُنْيَاهُ الَّتِي تَحَسَّنَتْ لَهُ بِخَلَفٍ مِنَ الْآخِرَةِ الَّتِي قَبَّحَهَا سُوءُ النَّظَرِ عِنْدَهُ وَمَا المَغْرُورُ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الدُّنْيَا بِأَعْلَى هِّمَّتِهِ كَالْآخَرِ الَّذِي ظَفِرَ مِنَ الْآخِرَةِ بِأَدْنَى سُهْمَتِهِ»[٦٤].

أبناء الدنيا والآخرة

  1. «أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ حَذَّاءَ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ اصْطَبَّهَا صَابُّهَا، أَلَا وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَنُونَ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ وَلَدٍ سَيُلْحَقُ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَداً حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ»[٦٥].
  2. «قَدْ شَخَصُوا مِنْ مُسْتَقَرِّ الْأَجْدَاثِ وَصَارُوا إِلَی مَصَايِرِ الْغَايَاتِ لِكُلِّ دَارٍ أَهْلُهَا لَا يَسْتَبْدِلُونَ بِهَا وَلَا يُنْقَلُونَ»[٦٦].
  3. «رَائِدٌ أَهْلَهُ وَلْيُحْضِرْ عَقْلَهُ وَلْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَإِلَيْهَا يَنْقَلِبُ»[٦٧].

ولافت تعبیره (ع): «فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ»، فما معنى ذلك والحال أن ابن آدم مخلوق الدنيا؟.

وقد فسر الشيخ مغنية ذلك ب (أي خلق من أجلها كما قال الإمام في مكان آخر: «فما يصنع بالدنيا من خُلق للآخرة» ولا يستقيم المعنى إلا إذا فسرنا (قدم) ب (خلق)»[٦٨].

أما ابن أبي الحديد المعتزلي فقد شرح ذلك: «قد قيل: إن الله تعالى خلق أرواح البشر قبل أجسادهم، والخبر في ذلك مشهور والآية أيضاً، وهي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ[٦٩] ويمكن أن يفسر على وجه آخر، وذلك أن الآخرة اليوم عدم محض، والإنسان قدم من العدم وإلى العدم ينقلب، فقد صح أنه قدم من الآخرة ويرجع إلى الآخرة[٧٠].

وما ذكره لا يخلو من تعسف وتكلف، ويبدو من ارتكازه على القول (بعدم خلق الجنة).

أما المیرزا حبيب الله الخوئي فقد رأى: «لأن الإنسان مبدؤه الحضرة الإلهية وهو سبحانه المبدء وإليه المنتهى وهو غاية مراد المريدين ومنتهى سیر السايرين»[٧١].

وهو الرأي الوجيه معتضداً بأن الروح من أمر الله ولها النعيم الباقي بعد فناء الجسد والنعيم الخالد في جنة الله فقد خلقت للبقاء لا للفناء فاللائق بها استكمالاً لغايتها كما بدأت نفحة ونفخة من روح الله.

وقد شرح ذلك السيد محمد تقي النقوي وذكر رأي المشائيين والإشراقيین في هيمانية النفس وروحانيتها، وقرر أن مجيء الإنسان من عالم الغيب هو مجيء نفسه وروحه لا مجيء بدنه فإنه من عالم المادة ومبدئه التراب[٧٢].

الخلق للآخرة لا للدنيا

  1. «عِبَادَ اللهِ، اللهَ اللهَ فِي أَعَزِّ الْأَنْفُسِ عَلَيْكُمْ وَأَحَبِّهَا إِلَيْكُمْ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَوْضَحَ لَكُمْ سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَنَارَ طُرُقَهُ فَشِقْوَةٌ لَازِمَةٌ أَوْ سَعَادَةٌ دَائِمَةٌ فَتَزَوَّدُوا فِي أَيَّامِ الْفَنَاءِ لِأَيَّامِ الْبَقَاءِ قَدْ دُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ وَأُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَحُثِثْتُمْ عَلَى المَسِیرِ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ كَرَكْبٍ وُقُوفٍ لَا يَدْرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسَّیْرِ أَلَا فَمَا يَصْنَعُ بِالدُّنْيَا مَنْ خُلِقَ لِلْآخِرَةِ وَمَا يَصْنَعُ بِالمَالِ مَنْ عَمَّا قَلِيلٍ يُسْلَبُهُ وَتَبْقَى عَلَيْهِ تَبِعَتُهُ وَحِسَابُهُ!»[٧٣].
  2. التقوى: «أَلَا فَصُونُوهَا وَتَصَوَّنُوا بِهَا وَكُونُوا عَنِ الدُّنْيَا نُزَّاهاً وَإِلَی الْآخِرَةِ وُلَّاهاً وَلَا تَضَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ التَّقْوَى وَلَا تَرْفَعُوا مَنْ رَفَعَتْهُ الدُّنْيَا»[٧٤].
  3. الزهّاد: «كَانُوا قَوْماً مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا فَكَانُوا فِيهَا كَمَنْ لَيْسَ مِنْهَا عَمِلُوا فِيهَا بِمَاَ يُبْصِرُونَ وَبَادَرُوا فِيهَا مَا يَحْذَرُونَ تَقَلَّبُ أَبْدَانِهِمْ بَیْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَيَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُعَظِّمُونَ مَوْتَ أَجْسَادِهِمْ وَهُمْ أَشَدُّ إِعْظَاماً لَمِوْتِ قُلُوبِ أَحْيَائِهِمْ»[٧٥]. «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَالْآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لَمِقَرِّكُمْ وَلَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَسْرَارَكُمْ وَأَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَلِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ إِنَّ المَرْءَ إِذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ مَا تَرَكَ وَقَالَتِ المَلَائِكَةُ مَا قَدَّمَ للهِ آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً وَلَا تُخْلِفُوا كُلّاً فَيَكُونَ فَرْضاً عَلَيْكُمْ»[٧٦].
  4. «وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّكَ إِنَّمَا خُلِقْتَ لِلْآخِرَةِ لَا لِلدُّنْيَا وَلِلْفَنَاءِ لَا لِلْبَقَاءِ وَلِلْمَوْتِ لَا لِلْحَيَاةِ وَأَنَّكَ فِي قُلْعَةٍ وَدَارِ بُلْغَةٍ وَطَرِيقٍ إِلَی الْآخِرَةِ»[٧٧].
  5. «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَعَلَ الدُّنْيَا لَمِا بَعْدَهَا وَابْتَلَى فِيهَا أَهْلَهَا لِيَعْلَمَ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَسْنَا لِلدُّنْيَا خُلِقْنَا وَلَا بِالسَّعْيِ فِيهَا أُمِرْنَا وَإِنَّمَاَ وُضِعْنَا فِيهَا لِنُبْتَلَى بِهَا وَقَدِ ابْتَلَانِي اللهُ بِكَ وَابْتَلَاكَ بِي فَجَعَلَ أَحَدَنَا حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ فَعَدَوْتَ عَلَى الدُّنْيَا بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَطَلَبْتَنِي بِمَا لَمْ تَجْنِ يَدِي وَلَا لِسَانِي وَعَصَيْتَهُ أَنْتَ وَأَهْلُ الشَّامِ بِي وَأَلَّبَ عَالِمُكُمْ جَاهِلَكُمْ وَقَائِمُكُمْ قَاعِدَكُمْ فَاتَّقِ اللهَ فِي نَفْسِكَ وَنَازِعِ الشَّيْطَانَ قِيَادَكَ وَاصْرِفْ إِلَی الْآخِرَةِ وَجْهَكَ فَهِيَ طَرِيقُنَا وَطَرِيقُكَ»[٧٨]. ولله جلال ابن أبي طالب فما أحلى كلمه وأروع حكمه، يعالج الموضوع الواحد مراراً وتكراراً بمنتهى الدقة وروعة التفنن وبكر القول ووجيز اللفظ ومتسع المعنى وعمق المضمون. فأعمل عقلك واصغ بقلبك إلى حكمة الحق وفصل الخطاب.
  6. «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا دَارٌ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا إِلَّا فِيهَا وَلَا يُنْجَى بِشَيءٍ كَانَ لَهَا ابْتُلِيَ النَّاسُ بِهَا فِتْنَةً فَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لَهَا أُخْرِجُوا مِنْهُ وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ وَمَا أَخَذُوهُ مِنْهَا لِغَيْرِهَا قَدِمُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ فَإِنَّهَا عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ كَفَيْءِ الظِّلِّ بَيْنَا تَرَاهُ سَابِغاً حَتَّى قَلَصَ وَزَائِداً حَتَّى نَقَصَ»[٧٩].

مناجاة النفس ومحاسبتها

  1. «عِبَادَ اللهِ زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا وَحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ وَانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَاعِظٌ وَزَاجِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا لَا زَاجِرٌ وَلَا وَاعِظٌ»[٨٠].
  2. وقال (ع) في رجال الله الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكره: «فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ فِي مَقَاوِمِهِمُ المَحْمُودَةِ وَمَجَالِسِهِمُ المَشْهُودَةِ وَقَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أَعْمَالِهِمْ وَفَرَغُوا لُمِحَاسَبَةِ أَنْفُسِهِمْ عَلىَ كُلِّ صَغِیرَةٍ وَكَبِیرَةٍ أُمِرُوا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا أَوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فيهَا وَحَمَّلُوا ثِقَلَ أَوْزَاِرِهمْ ظُهُورَهُمْ فَضَعُفُوا عَنِ الِسْتِقْلَالِ بِهَا فَنَشَجُوا نَشِيجاً وَتَجَاوَبُوا نَحِيباً يَعِجُّونَ إِلَی رَبِّهِمْ مِنْ مَقَامِ نَدَمٍ وَاعْتِرِافٍ»[٨١].

وختم خطبته الغراء بالقول الجامع: «فحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فإِنَّ غيرَها مِنَ الأَنْفُسِ لها حَسِيْبٌ غَيْرُكَ».

العجب من الركون إلى حقير الدنيا

وأطال الإمام (ع) الحديث عن الدنيا الفانية وأفاض في شؤونها المقال فيما بّصر به وأوقف على حقيقته:

«وَأُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا مَنْزِلُ قُلْعَةٍ وَلَيْسَتْ بِدَارِ نُجْعَةٍ قَدْ تَزَيَّنَتْ بِغُرُورِهَا وَغَرَّتْ بِزِينَتِهَا دَارُهَا هَانَتْ عَلَى رَبَّهَا فَخَلَطَ حَلَالَها بِحَرَامِهَا وَخَيْرَهَا بِشَرَّهَا وَحَيَاتَهَا بِمَوْتِهَا وَحُلْوَهَا بِمُرِّهَا لَمْ يُصْفِهَا اللهُ تَعَالَی لِأَوْلِيَائِهِ وَلَمْ يَضِنَّ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِ خَيْرُهَا زَهِيدٌ وَشَرُّهَا عَتِيدٌ وَجَمْعُهَا يَنْفَدُ وَمُلْكُهَا يُسْلَبُ وَعَامِرُهَا يَخْرَبُ».

«قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الْمَالِ فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الْآخِرَةِ وَالْعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الْآجِلَةِ».

ويشرح جنوح الغافلين إليها، وقلقهم من فواتها: «مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِیرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ وَلَا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِیرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ وَيُقْلِقُكُمُ الْيَسِیرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَیَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ»[٨٢].

المتقون جيران الله شرفهم بكرامته

  1. «وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ المُتَّقِینَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَلَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ وَأَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ المُتْرَفُونَ وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الَجَبَابِرَةُ المُتَكَبَّرُونَ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ المُبَلِّغِ وَالمَتْجَرِ الرَّابِحِ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِیرَانُ اللهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ»[٨٣].
  2. «وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَنَوَاصِيكُمْ بيِدِه وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ إِنْ أسْرَرْتُمْ عَلمِهُ وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لَ يُسْقِطُونَ حَقّاً وَلَا يُثْبِتُونَ بَاطِلاً وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَيُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ وَزُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ فَبَادِرُوا المَعَادَ وَسَابِقُوا الْآجَالَ»[٨٤].

حذار من الرصد ورقباء الأعمال

«اعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ وَحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وَعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ وَلَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ وَإِنَّ غَداً مِنَ الْيَوْمِ قَرِيبٌ»[٨٥].

مثلان رائع ومُروّع

فقد جاء كتابه الكريم وهديه القويم إلى ولده الإمام الحسن المجتبى حافلاً بالتربية الروحية العالية والحكم الراقية في كافة الشؤون المترامية، ومن جملة ما حفل به بيانه الحكيم وحكايته عمّا خبره وأحاط به من أمر الدنيا والآخرة فقال (ع) في ذلك تمهيداً: «يَا بُنَيَّ إِنِّ قَدْ أَنْبَأْتُكَ عَنِ الدُّنْيَا وَحَالِهَا وَزَوَ الِهَا وَانْتِقَالِهَا وَأَنْبَأْتُكَ عَنِ الْآخِرَةِ وَمَا أُعِدَّ لِأَهْلِهَا فِيهَا وَضَرَبْتُ لَكَ فِيهِمَا الْأَمْثَالَ لِتَعْتَبِرَ بِهَا وَتَحْذُوَ عَلَيْهَا».

ثم ذكر المثل الرائع لمن كان على بصيرة من أمره وبينة: «إِنَّاَ مَثَلُ مَنْ خَبَرَ الدُّنْيَا كَمَثَلِ قَوْمٍ سَفْرٍ نَبَا بِهِمْ مَنْزِلٌ جَدِيبٌ فَأَمُّوا مَنْزِلاً خَصِيباً وَجَنَاباً مَرِيعاً فَاحْتَمَلُوا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ وَفِرَاقَ الصَّدِيقِ وَخُشُونَةَ السَّفَرِ وَجُشُوبَةَ المَطْعَمِ لِيَأْتُوا سَعَةَ دَارِهِمْ وَمَنْزِلَ قَرَارِهِمْ فَلَيْسَ يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَلَماً وَلَا يَرَوْنَ نَفَقَةً فِيهِ مَغْرَماً وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِمَّا قَرَّبَهُمْ مِنْ مَنْزِلِهِمْ وَأَدْنَاهُمْ مِنْ مَحَلَّتِهِمْ».

وعن المثل المروّع: «وَمَثَلُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا بِمَنْزِلٍ خَصِيبٍ فَنَبَا بِهِمْ إِلَی مَنْزِلٍ جَدِيبٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِمْ وَلَا أَفْظَعَ عِنْدَهُمْ مِنْ مُفَارَقَةِ مَا كَانُوا فِيهِ إِلَی مَا يَهْجُمُونَ عَلَيْهِ وَيَصِرُونَ إِلَيْهِ»[٨٦].

وبعد...

فقد أوقفنا وليّ الله والقائم بأمره وخازن علمه وترجمان قرآنه على حقيقة الدنيا وأوضاعها وتقلبها وأنها دار المكاره والغصص وموطن العمل والتدارك ومزرعة الآخرة، وبینّ- سلام الله عليه- ارتحال من فيها إلى عالم آخر ممتد لا ينقطع عبر مراحل وأهوال وسكرات وقبر وبرزخ حتى الوفود على جبار السموات والأرض يوم العرض الأعظم الأفظع على الله في ساحة عدل قضائه وحسابه وثوابه وعقابه وجسّد (ع) بفضل علمه وبلاغته الغيب شهوداً والبعيد قريباً والحقيقة عياناً ملموساً.

ولقد أطال وأطنب وكرّر وأوضح وشدد وأعذر وبشّر وأنذر، وخیر ختام إيراد ما كان كثیراً ما ينادي به أصحابه: «تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ وَأَقِلُّوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ فَإِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُوداً وَمَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا وَالْوُقُوفِ عِنْدَهَا وَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَاحِظَ المَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ وَكَأَنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَقَدْ نَشِبَتْ فِيكُمْ وَقَدْ دَهَمَتْكُمْ فِيهَا مُفْظِعَاتُ الْأُمُورِ وَمُعْضِلاَتُ المَحْذُورِ. فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا وَاسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى»[٨٧].

جعلنا الله ممن يستمع لدعوة الحق، ويعمل بالصدق، وختم بالصالحات أعمالنا، ورحمنا برحمته الواسعة، إنه الرب الكريم الغفور الرحيم.[٨٨]

المراجع والمصادر

  1. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة
  2. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة

الهوامش

  1. نهج البلاغة، الكلمة رقم ١٢٦.
  2. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٩٧.
  3. النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر، للمقداد السيوري/ ٨٦.
  4. نهج البلاغة، الحكمة رقم ١٢٦.
  5. سورة مريم، الآية ٦٧.
  6. نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
  7. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٩٧-٣٩٩.
  8. نهج البلاغة، الخطبة ٨٣.
  9. سورة الأنعام، الآية ٩٤.
  10. سورة يس، الآية ٥٩.
  11. سورة هود، الآية ١٠٥.
  12. سورة الأنعام، الآية ١٦٤.
  13. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٣٩٩-٤٠٠.
  14. سورة إبراهيم، الآية ٤٨.
  15. نهج البلاغة، الخطبة ١٠٩.
  16. نهج البلاغة، الخطبة ٢١.
  17. سورة الشورى، الآية ٧.
  18. نهج البلاغة، الخطبة ١٩٥.
  19. سورة طه، الآية ١٠٥-١٠٦.
  20. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٤٠٠-٤٠٢.
  21. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٢٧.
  22. سورة الكهف، الآية ٤٩.
  23. سورة ق، الآية ١٦.
  24. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٤٠٢-٤٠٣.
  25. نهج البلاغة، الخطبة ١٨٣.
  26. سورة التحريم، الآية ٦.
  27. نهج البلاغة، الكتاب رقم ٢٧.
  28. سورة النساء، الآية ٥٦.
  29. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٤٠٣-٤٠٦.
  30. نهج البلاغة، الخطبة ٢٨.
  31. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٤٠٦-٤٠٧.
  32. نهج البلاغة، الحكمة رقم ٣٨٧.
  33. سورة التوبة، الآية ٧٢.
  34. كامل الزيارات/ ١٠٢.
  35. كامل الزيارات/ ١٢٣.
  36. محسن علي المعلم، العقائد من نهج البلاغة، ص٤٠٧-٤٠٩.
  37. خطبة ١٠٩/ ١٥٨.
  38. خطبة ١٠٢/ ١٤٧.
  39. خطبة ٢٢١/ ٣٤١.
  40. خطبة ٢٢٢/ ٣٤٢- ٣٤٣.
  41. خطبة ١٥٣/ ٢١٤.
  42. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد٩/ ١٦٠.
  43. خطبة ١٠٩/ ١٦٠- ١٦١.
  44. خطبة ٨٣/ ١١٣.
  45. خطبة ٨٣/ ١١٣.
  46. خطبة ٨٣/ ١١٣.
  47. خطبة ٢٢١/ ٣٣٨.
  48. سورة التكاثر، الآية ١-٢.
  49. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد١١/ ١٥٢- ١٥٣.
  50. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد١١/ ١٥٣.
  51. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد١١/ ١٥٣- ١٥٤.
  52. خطبة ٨٣/ ١١١- ١١٢.
  53. خطبة ٨٣/ ١١١- ١١٢.
  54. خطبة ٨٣/ ١١٢.
  55. خطبة ٨٣/ ١٠٨- ١٠٩.
  56. خطبة ١٠٩/ ١٦١.
  57. خطبة ١٠٩/ ١٦١.
  58. خطبة ١٩٠/ ٢٨١- ٢٨٢.
  59. خطبة ٦٤/ ٩٥.
  60. خطبة ٢١٤/ ٣٣١.
  61. خطبة ١٤٤/ ٢٠١- ٢٠٢.
  62. خطبة ١٠٣/ ٤٨٦.
  63. خطبة ٢٥١/ ٥١٢.
  64. خطبة ٣٧٠/ ٥٤٠.
  65. خطبة ٤٢/ ٨٤.
  66. خطبة ١٥٦/ ٢١٩.
  67. خطبة ١٥٢/ ٢١٥.
  68. في ظلال نهج البلاغة٢/ ٣٨٩.
  69. سورة الأعراف، الآية ١٧٢.
  70. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد٩/ ١١٧.
  71. منهاج البلاغة٩/ ٢٤٣.
  72. مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة١١/ ٢٦- ٢٩ملخصاً.
  73. خطبة ١٥٧/ ٢٢١- ٢٢٢.
  74. خطبة ١٩٢/ ٢٨٤.
  75. خطبة ٢٣٠/ ٣٥٢- ٣٥٣.
  76. خطبة ٢٠٣/ ٣٢٠- ٣٢١.
  77. خطبة ٣١/ ٤٠٠.
  78. خطبة ٥٥/ ٤٤٦.
  79. خطبة ٦٣/ ٩٤.
  80. خطبة ٩٠/ ١٢٣.
  81. خطبة ٢٢٢/ ٣٤٢.
  82. خطبة ١١٣/ ١٦٧- ١٦٨.
  83. خطبة ٢٧/ ٣٨٣- ٣٨٤.
  84. خطبة ١٨٣/ ٢٦٦.
  85. خطبة ١٥٧/ ٢٢٢.
  86. خطبة ٣١/ ٣٩٦- ٣٩٧.
  87. خطبة ٢٠٤/ ٣٢١.
  88. محسن علي المعلم، الأخلاق من نهج البلاغة، ص ١٢٠.