نقاش:إعجاز القرآن في علم الكلام
إعجاز القرآن
أنزل الله تعالى أكثر من آية قرآنية للاعلان والاعلام بأن القرآن الكريم هو المعجزة الدالة على صحة ادعاء محمد للنبوة، وهو الحجة المثبتة لصحة نبوته (ص). وبطلبه من الإنس والجن عامة والعرب خاصة مجاراتهم له كان تحديه لهم المقارن لدعواه النبوة.
قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[١].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[٢]
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾[٣].
وتتمثل مادة الإعجاز في بلاغة القرآن وأسلوبه، في بيانه ونظمه. ذلك أن لكل أسلوب أدبي خصائصه الفنية التي يفترق ويمتاز بها عما سواه من الأساليب الأدبية الأخرى.
وتتمثل كيفية إعجازه بأن من يسمعه أو يقرأه من بلغاء العرب وأدبائهم ومتذوقي ألوان الفن الأدبي العربي يدرك أن أسلوب القرآن الكريم يمتاز بخصائص ترتفع به عن مستوى ما يمكن أن يأتي به أبلغ البلغاء من البشر.
أي أن من يسمعه أو يقرأه يحكم بأنه ليس من كلام البشر، وبذلك يكون دليلاً على أن تاليه عليهم - وهو بشر مثلهم - نبي من عند الله مرسل. فمن هذا الوجه طولب العرب بالاقرار والتسليم، ومن هذا الوجه تحيرت العرب فيما تسمع من كلام يتلوه عليهم رجل منهم تجده من جنس كلامها لأنه نزل بلسانهم لسان عربي مبين - ثم تجده مبايناً لكلامها. فهم يتبينون في نظمه وبيانه انفكاكه من نظم البشر وبيانهم من وجه يحسم القضاء بأنه كلام رب العالمين.
ويستخلص من هذا أمور:
- إن قليل القرآن وكثيره في شأن الإعجاز سواء.
- إن الإعجاز كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب، ثم في سائر لغات البشر، ثم في بيان الثقلين جميعاً: إنسهم وجنهم متظاهرين.
- إن الذين تحداهم بهذا القرآن قد أوتوا القدرة على الفصل بين الذي هو من كلام البشر والذي هو ليس من كلامهم.
- إن الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الإتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في أنفسهم أنه - خارج من جنس بيان البشر.
- إن هذا التحدي لم يقصد به الاتيان بمثله مطابقا لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرض، مما يعتلج في نفوس البشر.
- إن هذا التحدي للثقلين جميعاً إنسهم وجنهم متظاهرين، تحد ومستمر قائم إلى يوم الدين.
- إن ما في القرآن من مكنون الغيب، ومن دقائق التشريع، ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضي إلى الإعجاز، وان كل ما فيه من ذلك كله يعد دليلا على أنه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه المباينة كلام رب العالمين لا كلام البشر مثلهم [٤].
ولأن القرآن الكريم المعجزة الخالدة بخلود رسالة محمد (ص)، والمستمرة مع استمرارها، كما هو واضح من الآية الأولى المذكورة في أعلاه، قد يطرح السؤال التالي:
بم يتمثل إعجاز القرآن الكريم الآن، وقد ذهب العرب الفصحاء الذين استقبلوه أيام تنزيله وأدركوا بذوقهم الفطري أنه كلام الله تعالى لسموه في مستوى بيانه ونظمه فوق مستوى كلامهم؟
وممن أثار هذا التساؤل مالك بن نبي، قال في كتابه «الظاهرة القرآنية»:
إن لكل شعب هواية يصرف إليها مواهبه الخلاقة طبقا لعبقريته ومزاجه. فالفراعنة مثلا - كان لهم اهتمام بفنون العمارة والرياضيات، يدلنا عليه ما بقي بين أيدينا من آثارهم العظيمة، تلك الآثار التي أثارت اهتمام رجال العلم، مثل الأب «مورو» الذي خصص أحد كتبه لدراسة تصميم الهرم الأكبر، وما يتضمن من نظريات هندسية غريبة وخصائص رياضية وميكانيكية عجيبة. كما كان اليونان مغرمين بصور الجمال على ما أبدعه فن «فيدياس»، وبآيات المنطق والحكمة على ما جادت به عبقرية «سقراط». أما العرب في الجاهلية فقد كانت هوايتهم في لغتهم، فلم يقتصروا على استخدامها في ضرورات الحياة اليومية، شأن الشعوب الأخرى. وإنما كان العربي يفتن في استخدام لغته، فينحت منها صوراً بيانية لا تقل جمالاً عما كان ينحته فيدياس في المرمر، وما كانت ترسمه ريشة «ليوناردو فانسي» في لوحاته المعلقة في متاحف العالم الكبرى.
فالشعر العربي - كما قال أخي الأستاذ محمود شاكر في مقدمة هذا الكتاب «يعني الظاهرة القرآنية» -: «كان حين أنزل الله القرآن على نبيه (ص) نوراً يضئ ظلمات الجاهلية، ويعكف أهله على بيانه عكوف الوثني للصنم، ويسجدون لآياته سجدة خاشعة لم يسجدوا مثلها لأوثانهم قط، فقد كانوا عبدة البيان قبل أن يكونوا عبدة الأوثان، وقد سمعنا من استخف منهم بأوثانهم، ولم نسمع قط منهم من استخف ببيانهم».[٥]
ملازمة صفة إعجاز القرآن عبر العصور والأجيال
هذه «بيّنا» صورة الظروف النفسية التي نزل فيها القرآن فكان لإعجازه أن ينفذ إلى الأرواح - بصفة عامة في زمن النزول - على هذه السبيل، أي بما ركب في الفطرة العربية من ذوق وبيان.
ثم تغيرت هذه الظروف مع تطورات التاريخ الإسلامي، وفاض طوفان العلوم في أواخر عهد بني أمية والعهد العباسي، فصار إدراك جانب الإعجاز في القرآن بالمعنى الذي حددناه - لغة واصطلاحا - من طريق التذوق العلمي، أكثر من أن يكون من طريق الذوق الفطري [٦].
وهنا تواجهنا مشكلة الإعجاز في صورتها الجديدة بالنسبة لهذا المسلم - أعني بالنسبة لأغلبية المثقفين ثقافة أجنبية، بل وربما بالنسبة لذوي الثقافة التقليدية في ظروفهم الثقافية والنفسية الخاصة، فلا بد إذن من إعادة النظر في القضية في نطاق الظروف الجديدة التي يمر بها المسلم اليوم، مع الضرورات التي يواجهها في مجال العقيدة والروح.
وعلى رغم ما يبدو في القضية من تعقد، بسبب موقفنا التقليدي إزاءها فاني أعتقد أن مفتاحها موجود في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾[٧]، فإذا اعتبرنا هذه الآية على أنها حجة يقدمها القرآن للنبي كي يستخدمها في جداله المشركين فلا بد أن نتأمل محتواها المنطقي من ناحيتين:
- فهي تحمل أولا إشارة خفية إلى أن تكرار الشئ في ظروف معينة يدل على صحته، أي أن سوابقه في سلسلة معينة تدعم حقيقته ك «ظاهرة» بالمعنى الذي يسبغه التحديد العلمي على هذه الكلمة. فالظاهرة: هي «الحدث الذي يتكرر في نفس الظروف مع نفس النتائج».
وهي تحمل في مدلولها ثانيا ربطا واضحا بين الرسل والرسالات خلال العصور، وأن الدعوة المحمدية يجري عليها أمام العقل ما يجري على هذه الرسالات.
ومن هذا نستخلص أمرين:
- إنه يصح أن ندرس الرسالة المحمدية في ضوء ما سبقها من الرسالات.
- كما يصح أن ندرس هذه الرسالات في ضوء رسالة محمد (ص) على قاعدة أن «حكم العام ينطبق على الخاص قياسا، وحكم الخاص ينطبق على العام استنباطا».
ولا مانع إذن من أن نعيد النظر في معنى «الإعجاز» في ضوء منطق الآية الكريمة.
وحاصل هذا: إننا إذا اعتبرنا الأشياء في حدود الحدث المتكرر أي في حدود الظاهرة، فالإعجاز هو:
- بالنسبة إلى شخص الرسول: الحجة التي يقدمها لخصومه ليعجزهم بها.
- وهو بالنسبة إلى الدين: وسيلة من وسائل تبليغه.[٨]
صفات أخرى للإعجاز والمعجزة
وهذان المعنيان للإعجاز يضيفان على مفهومه صفات معينة:
- إن الإعجاز - ك «حجة» - لا بد أن يكون في مستوى إدراك الجميع، وإلا فاتت فائدته، إذ لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق إدراك الخصم، فهو ينكرها عن حسن نية أحيانا.
- ومن حيث كونه وسيلة لتبليغ دين: أن يكون فوق طاقة الجميع.
- ومن حيث الزمن: أن يكون تأثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة إليه. وهذه الصفة الثالثة تحدد نوع صلته بالدين الصلة التي تختلف من دين إلى آخر باختلاف ضرورات التبليغ.
فهذا هو المقياس العام الذي نراه ينطبق على معنى الإعجاز في كل الظروف المحتملة بالنسبة إلى الأديان المنزلة. فإذا قسنا به في نطاق رسالة موسى (ع) - مثلا - نرى أن الله اختار لهذا الرسول معجزتي اليد والعصا.
وإذا تأملناهما وجدناهما ك «حجة» يدعم الله بها نبيه يتصفان بأنهما:
- ليستا من مستوى العلم الفرعوني الذي كان من اختصاص اشخاص معدودين يكونون هيئة الكهنوت، بل كانت المعجزة في كلتا صورتيها من مستوى السحر الذي يقع أثره في إدراك الجميع عن طريق المعاينة الحسية دون إجهاد فكر.
- هاتان المعجزتان تتصلان بتاريخ الدين الموسوي لا بجوهره، إذ ليس لليد أو العصا صلة بمعاني هذا الدين ولا بتشريعه، فهما على هذا مجرد توابع للدين، لا من صفاته الملازمة له.
- ودلالة هاتين المعجزتين على صحة الدين محدودة بزمن معين إذ لا نتصور مفعول اليد والعصا كحجة إلا في الجيل الذي شاهدهما أو الجيل الذي بلغته تلك الشهادة بالتواتر من التابعين وتابعي التابعين، أي أن مفعوله لا يكون إلا في زمن محدد لحكمة أرادها الله.
ولو فكرنا في هذه الحكمة لوجدناها أنها تتفق مع حقائق نفسية وحقائق تاريخية سجلها الواقع فعلا، هي:
- إن القوم الذين يدينون اليوم بدين موسى - أي اليهود يفقدون - لأسباب نفسية لا سبيل لشرحها هنا - نزعة التبليغ بحيث لا يشعرون بضرورة تبليغ دينهم إلى غيرهم من الأمم - أي الأميين كما يقولون - حتى إننا إذا استخدمنا لغة الاجتماع قلنا: إن الإعجاز قد ألغاه في هذا الدين عدم الحاجة إليه.
- إن مشيئة الله قد قدرت أن يأتي عيسى رسولا من بعد موسى، وأتي الدين الجديد لينسخ الدين السابق، فينسخ طبعا جانب الإعجاز فيه حيث تزول الحجة بزوال ضرورتها التاريخية. ثم أتى عيسى بالدين الجديد وبما يتطلب هذا الدين من وسائل لتبليغه، أي بما يتطلب من حجة فأتى بإعجازه الخاص بالمعنى المحدد لغة واصطلاحا كما سبق، فكان لعيسى إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله.
ولسنا بحاجة أن نكرر بالنسبة إلى الدين الجديد ما قدمنا من اعتبارات عامة بالنسبة إلى خصائص الإعجاز في الدين السابق حيث إن القضية تتعلق هنا وهناك بالتركيب النفسي الذي عليه الإنسان من حيث هو إنسان يدرك الأشياء بعقله مع ما في عقله من عجز عن إدراك حقيقة الدين مباشرة إن لم يكن هناك حجة خاصة تسند تلك الحقيقة لدى عقله في صورة إعجاز.
فالأسباب تتكرر وإنما يتغير شكلها نظراً لما حدث من تطور في الظروف النفسية والاجتماعية حول الدين الجديد في البيئة التي ينشر فيها عيسى دعوته، تلك البيئة التي تشع عليها الثقافة اليونانية والرومانية.
ولكن دلالة ما أوتي عيسى من إعجاز ستزول أيضا مع زوال موضوعها ولنفس الأسباب التي ألغت جانب الإعجاز في دين موسى حيث يأتي بعد عيسى رسول جديد ودين جديد يلغيان الدين السابق دين عيسى (ع) فيلغي ضرورة التدليل على صحة الإنجيل.
وهكذا تأتي رسالة الرسول الأمين، ولكنها تتسم بصفة خاصة عما سبقها من الرسالات إذ أنها الحلقة الأخيرة في سلسلة البعث. ويأتي محمد «خاتم الأنبياء» كما ينوه بذلك القرآن، ويشهد به مرور الزمن منذ أربعة عشر قرناً.
وما كانت هذه الميزة التاريخية في الدين الجديد، دون أن يكون أثرها في كل خصائصه وفي نوع إعجازه على وجه الخصوص حيث إن حاجة التبليغ ستبقى مستمرة فيه، سواء من الناحية النفسية لأن كل مسلم - بعكس اليهودي - يحمل في نفسه «مركب التبليغ»، أم من الناحية التاريخية، لأن الدين الجديد - الإسلام - سيكون دين آخر الزمن، أي الدين الذي لا يعقبه دين سماوي آخر، بل ولا يأتي دين بعده بصور مطلقة، كما تشهد بذلك القرون، حتى أن حاجة الإسلام إلى وسائل تبليغه ستبقى ملازمة له من جيل إلى جيل، ومن جنس إلى جنس، لا يلغيها شئ في التاريخ، وهذا يعني أن هذه الوسائل يجب ألا تكون مثل الأديان الأخرى، مجرد توابع يتركها الدين في الطريق عبر التاريخ بعد مرحلة التبليغ مثل اليد عند موسى أو عصاه التي لم يبق لها أثر حتى في متاحف العالم، كما بقيت عصا «توت عنخ آمنون» الذهبية.
وعليه يجب أن يكون إعجاز القرآن صفة ملازمة له عبر العصور والأجيال، وهي صفة يدركها العربي في الجاهلية بذوقه الفطري كعمر (رض) أو الوليد بن المغيرة، أو يدركها بالتذوق العلمي كما فعل الجاحظ في منهجه الذي رسمه لمن جاء بعده. ولكن المسلم اليوم قد فقد فطرة العربي الجاهلي وإمكانيات عالم اللغة في العصر العباسي. وبرغم هذا فإن القرآن لم يفقد بذلك جانب الإعجاز لأنه ليس من توابعه، بل هو من جوهره. وإنما أصبح المسلم مضطراً إلى أن يتناوله في صورة أخرى بوسائل أخرى، فهو يتناول الآية من حيث تركيبها النفسي الموضوعي أكثر مما يتناولها من ناحية العبارة، فيطبق في دراسة مضمونها طرق التحليل الباطن. وإذا كانت هذه الضرورة ملحة بالنسبة للمسلم الذي حاول تعقيد عقيدته على أساس إدراك شخصي لقيمة القرآن ككتاب منزل فإنها أكثر إلحاحا بالنسبة لغير المسلم الذي يتناول القرآن كموضوع دراسة أو مطالعة. فهذه في مجملها الأسباب التي دعتنا إلى تطبيق التحليل النفسي بخاصة لدراسة القرآن كظاهرة [٩].
ولكن الشيخ محمود شاكر يذهب إلى أن الإعجاز القرآني لا يزال كما كان مرتبطا بالأسلوب البياني والنظم البلاغي، وسيبقى هكذا، لأن المقارنة بين الأسلوب القرآني وأساليب العرب في إنتاجهم الأدبي ممكنة وجارية حتى الآن، وذلك لبقاء الشعر الجاهلي الذي يمثل قمة النضج للأسلوب الأدبي العربي قائماً عندنا ومدونا وفي متناول المراجعة. قال: فإذا صح أن الإعجاز كائن في رصف القرآن ونظمه وبيانه بلسان عربي مبين وأن خصائصه مباينة للمعهود من خصائص كل نظم وبيان تطيقه قوى البشر في بيانهم، لم يكن لتحديهم به معنى إلا أن تجتمع لهم وللغتهم صفات بعينها:
- أن اللغة التي نزل بها القرآن معجزاً، قادرة بطبيعتها هي، أن تحتمل هذا القدر الهائل من المفارقة بين كلامين:كلام هو الغاية في البيان فيما تطيقه القوى. وكلام يقطع هذه القوى ببيان ظاهر المباينة له من كل الوجوه.
- أن أهلها قادرون على إدراك هذا الحجاز الفاصل بين الكلامين. وهذا ادراك دال على أنهم قد أوتوا من لطف تذوق البيان، ومن العلم باسراره ووجوهه قدرا وافرا يصح معه أن يتحداهم بهذا القرآن، وأن يطالبهم بالشهادة عند سماعه أن تاليه عليهم نبي من عند الله مرسل.
- أن البيان كان في أنفسهم أجل من أن يخونوا الأمانة فيه، أو يجوزوا عن الانصاف في الحكم عليه. فقد قرعهم وعيرهم وسفه أحلامهم وأديانهم، حتى استخرج أقصى الضراوة في عداوتهم له. وظل مع ذلك يتحداهم، فنهتهم أمانتهم على البيان عن معارضته ومناقضته. وكان أبلغ ما قالوه: وقد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا.. ولكنهم كفوا ألسنتهم فلم يقولوا شيئاً. هذه واحدة. وأخرى: إنه لم ينصب لهم حكماً، بل خلى بينهم وبين الحكم على ما يأتون به معارضين له ثقة بانصافهم في الحكم على البيان، فهذه التخلية مرتبة من الإنصاف لا تدانيها مرتبة.
- أن الذين اقتدروا على مثل هذه اللغة، وأتوا هذا القدر من تذوق البيان، ومن العلم بأسراره، ومن الأمانة عليه، ومن ترك الجور في الحكم عليه، يوجب العقل أن يكونوا كانوا قد بلغوا في الإعراب عن أنفسهم بألسنتهم المبينة عنهم مبلغاً لا يدانى.
وهذه الصفات تفضي بنا إلى إلتماس ما ينبغي أن تكون عليه صفة كلامهم، إن كان بقي من كلامهم شئ، فالنظر المجرد أيضا يوجب أمرين في نعت ما خلفوه:
- أن يكون ما بقي من كلامهم شاهدا على بلوغ لغتهم غاية من التمام والكمال والاستواء حتى لا تعجزها الإبانة عن شئ مما يعتلج في صدر كل مبين منهم.
- أن تجتمع فيه ضروب مختلفة من البيان، لا يجزئ أن تكون دالة على سعة لغتهم وتمامها، بل على سجاحتها أيضا، حتى تلين لكل بيان تطيقه ألسنة البشر على اختلاف ألسنتهم.
فهل بقي من كلامهم شئ يستحق أن يكون شاهدا على هذا، ودليلا.
نعم، بقي «الشعر الجاهلي».
وإذن.! إذن ينبغي أن نعيد تصور المشكلة وتصور المشكلة وتصويرها، فإن النظر المجرد والمنطق المتساوق والتمحيص المتتابع، كل ذلك قد أفضى بنا إلى تجريد معنى «إعجاز القرآن» مما شابه وعلق به، حتى خلص لنا أنه من قبل النظم والبيان. ثم ساقنا الاستدلال إلى تحديد صفة القوم الذين تحداهم، وصفة لغتهم، ثم خرج بنا إلى طلب نعت كلامهم، ثم التمسنا الشاهد والدليل على الذي أدانا إليه النظر، فإذا هو «الشعر الجاهلي».
واذن، فالشعر الجاهلي هو أساس مشكلة «إعجاز القرآن» كما ينبغي أن يواجهها العقل الحديث. وليس أساس هذه المشكلة هو تفسير القرآن على المنهج القديم، كما ظن أخي مالك، وكما يذهب إليه أكثر من بحث أمر إعجاز القرآن على وجه من الوجوه.
ولكن الشعر الجاهلي قد صب عليه بلاء كثير، آخرها وأبلغها فساداً وإفساداً ذلك المنهج الذي ابتدعه «مركليوث» لينسف الثقة به، فيزعم أنه شعر مشكوك في روايته وأنه موضوع بعد الإسلام. وهذا المكر الخفي الذي مكره مركليوث وشيعته وكهنته، والذي ارتكبوا له من السفسطة والغش والكذب ما ارتكبوا كما شهد بذلك رجل من جنسه هو «آربري»، كان يطوي تحت أدلته ومناهجه وحججه إدراكاً لمنزلة الشعر الجاهلي في شأن إعجاز القرآن لا إدراكاً صحيحا مستبينا، بل إدراكاً خفياً مبهماً، تخالطه ضغينة مستكينة للعرب والإسلام.
وهذا المستشرق وشيعته وكهنته كانوا أهون شأنا من أن يحوزوا كبيرا بمنهجهم الذي سلكوه، وأدلتهم التي احتطبوها لما في تشكيكهم من الزيف والخداع، ولكنهم بلغوا ما بلغوا من استفاضة مكرهم وتغلغله في جامعاتنا، وفي العقل الحديث في العالم الإسلامي، بوسائل أعانت على نفاذهم، ليست من العلم ولا من النظر الصحيح في شئ. وقد استطاع رجاله من أهل العلم أن يسلكوا إلى إثبات صحة الشعر الجاهلي مناهج لا شك في صدقها وسلامتها بلا غش في الاستدلال وبلا خداع في التطبيق وبلا مراء في الذي يسلم به صريح العقل وصريح النقل، إلا أنهم لم يملكوا بعد من الوسائل ما يتيح لهم أن يبلغوا بحقهم ما بلغ أولئك بباطلهم.
وقد ابتليت أنا بمحنة الشعر الجاهلي عندما ذر قرن الفتنة أيام كنت طالبا في الجامعة، ودارت بي الأيام حتى انتهيت إلى ضرب آخر من الاستدلال على صحة الشعر الجاهلي لا عن طريق روايته وحسب، بل من طريق أخرى هي ألصق بأمر إعجاز القرآن. فاني محصت ما محصت من الشعر الجاهلي حتى وجدته يحمل هو نفسه في نفسه أدلة صحته وثبوته، إذ تبينت فيه قدرة خارقة على البيان.
وتكشف لي عن روائع كثيرة لا تحد، وإذا هو علم فريد منصوب لا في آداب العربية وحدها، بل في آداب الأمم قبل الإسلام وبعد الإسلام. وهذا الانفراد المطلق، ولا سيما انفراده بخصائصه عن كل شعر بعده من شعر العرب أنفسهم، هو وحده دليل كاف على صحته وثبوته. ولقد شغلني إعجاز القرآن كما شغل العقل الحديث، ولكن شغلني أيضاً هذا الشعر الجاهلي وشغلني أصحابه فأدي بي طول الاختبار والامتحان والدراسة إلى هذا المذهب الذي ذهبت اليه، حتى صار عندي دليلا كافيا على صحته وثبوته. فأصحابه الذين ذهبوا ودرجوا وتبددت في الثرى أعيانهم رأيتهم في هذا الشعر أحياء يغدون ويروحون، رأيت شابهم ينزو به جهله وشيخهم تدلف به حكمته، ورأيت راضيهم يستنير وجهه حتى يشرق، وغاضبهم تربد سحنته حتى تظلم، ورأيت الرجل وصديقه، والرجل وصاحبته، والرجل الطريد ليس معه أحد، ورأيت الفارس على جواده، والعادي على رجليه، ورأيت الجماعات في مبداهم ومحضرهم، فسمعت غزل عشاقهم، ودلال فتياتهم، ولاحت لي نيرانهم وهم يصطلون، وسمعت أنين باكيهم وهم للفراق مزمعون.
كل ذلك رأيته وسمعته من خلال ألفاظ هذا الشعر، حتى سمعت في لفظ الشعر همس الهامس وبحة المستكين وزفرة الواجد وصرخة الفزع، وحتى مثلوا بشعرهم نصب عيني كأني لم أفقدهم طرفة عين ولم أفقد منازلهم ومعاهدهم ولم تغب عني مذاهبهم في الأرض ولا مما أحسوا ووجدوا، ولا مما سمعوا وأدركوا ولا مما قاسوا وعانوا، ولا خفي عني شئ مما يكون به الحي حيا في هذه الأرض التي بقيت في التاريخ معروفة باسم «جزيرة العرب».
وهذا الذي أفضيت إليه من صفة الشعر الجاهلي - كما عرفته - أمر ممكن لمن اتخذ لهذه المعرفة أسبابها بلا خلط ولا لبس ولا تهاو ولا ملل. وهذه المعرفة هي أول الطريق إلى دراسة شعر أهل الجاهلية من الوجه الذي يتيح لنا أن نستخلص منه دلالته على أنه شعر قد انفرد بخصائصه عن كل شعر جاء بعده من شعر أهل الإسلام.
فإذا صح ذلك - وهو عندي صحيح لا أشك فيه - وجب أن ندرس هذا الشعر دراسة متعمقة ملتمسين فيه هذه القدرة البيانة التي يمتاز بها أهل الجاهلية عمن جاء بعدهم، ومستنبطين من ضروب البيان المختلفة التي أطاقتها قوى لغتهم وألسنتهم. فإذا تم لنا ذلك فمن الممكن القريب يومئذ أن نتلمس في القرآن الذي أعجزهم بيانه خصائص هذا البيان المفارق لبيان البشر [١٠].
وذهب السيد الطباطبائي إلى أن القرآن الكريم بصفته معجزة خالدة هو معجز في المعنى كما هو معجز في المبنى، قال في تفسير الآية: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[١١]:
وفي الآية تحد ظاهر، وهي ظاهرة في أن التحدي بجميع ما للقرآن من صفات الكمال الراجعة إلى لفظه ومعناه لا بفصاحته وبلاغته وحدها، فإن انضمام غير أهل اللسان إليهم لا ينفع في معارضة البلاغة شيئاً، وقد اعتنت الآية باجتماع الثقلين وإعانة بعضهم لبعض. على أن الآية ظاهرة في دوام التحدي، وقد انقرضت العرب العرباء أعلام الفصاحة والبلاغة اليوم فلا أثر منهم، والقرآن باق على إعجازه متحد بنفسه كما كان [١٢].
وخلاصة ما انتهى إليه مالك بن نبي في دراسته هي:
واستمرار ظاهرة تتكرر بنفس الكيفية يعتبر شاهداً علمياً يمكن استخدامه لتقرير مبدأ وجودها بشرط التثبت من صحة هذا الوجود بالوقائع المتفقة مع العقل ومع طبيعة المبدأ.
- وكما أن النبوة ظاهرة دينية إلهية تميزت بخصائصها التي بها تعرف وتنازعها سواها من النبوات عير الإلهية.
كذلك الوحي الإلهي المدون في الصحف والكتب - هو الآخر - يشكل ظاهرة دينية إلهية أخرى منذ صحف إبراهيم (ع) حتى قرآن محمد (ص)، وقد عبر عنها ب «الظاهرة القرآنية». فالصحف والكتب المنزلة من الله تعالى على أنبيائه ورسله لأنها ظاهرة، لها خصائصها الخاصة بها، ومعالمها التي تعرف بها وتمتاز بها عما سواها من الكتب غير الإلهية والأخرى المحرفة.
- إن المقارنة بين القرآن بغية معرفة أنه حلقة خاتمة في سلسلة ظاهرة الوحي الإلهي المدون «الظاهرة القرآنية» أو «ظاهرة الكتاب السماوي»، ينبغي أن تعتمد دراسة كتاب النبي الإسرائيلي «أرمياء»، وذلك لأن البروفسور مونتيه montet قد توصل في دراسته للوثائق الدينية في كتابه الموسوم ب «تاريخ الكتاب المقدس» إلى تجريد الكتاب المقدس من كل صفات الصحة التاريخية فيما عدا كتاب «ارمياء».
كما أن مجمع أساقفة نيقية قد ألغى كثيرا من أخبار الإنجيل مما زرع الشك حول ما تبقى منه. أما القرآن الكريم فقد امتاز بميزة فريدة هي أنه تنقل منذ نزوله حتى الآن دون أن يتعرض لأدنى تحريف أو ريب. وهذا ما يعطيه الصلاحية لئن يعتمد عليه في المقارنة كوثيقة تاريخية مطلقة الصحة.
وقد أنهت المقارنة مالك بن نبي إلى النتيجة التي هدف إليها من أن القرآن الكريم استمرار لظاهرة الوحي الإلهي المدون، كما أن نبوة نبينا محمد (ص) استمرار لظاهرة النبوة والبعث الإلهي للأنبياء والرسل [١٣].[١٤]
المراجع والمصادر
الهوامش
- ↑ سورة الإسراء، الآية 88.
- ↑ سورة هود، الآية 13-14.
- ↑ سورة البقرة، الآية 23-24.
- ↑ الظاهرة القرآنية: المقدمة للشيخ شاكر 24 - 25.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص297-300.
- ↑ الظاهرة القرآنية 62 - 64.
- ↑ سورة الأحقاف، الآية 9.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص300-301.
- ↑ الظاهرة القرآنية 66 - 71.
- ↑ الظاهرة القرآنية - المقدمة 26 - 32.
- ↑ سورة الإسراء، الآية 88.
- ↑ الميزان 13 / 201.
- ↑ يقرأ: كتاب الظاهرة القرآنية.
- ↑ عبد الهادي الفضلي، خلاصة علم الكلام، ص301-311.