أبو أيوب الأنصاري

نبذة

كان أبو أيوب الأنصاري الخزرجي في الطليعة من المسلمين الأنصار، وبايع رسول الله (ص) في العقبة الثانية وهو شاب ممتلئ حيوية ونشاطاً وقد ناهز الثلاثين من ربيعه، ومن هذه الليلة المباركة التي انعقدت «بيعة الاسلام والنصرة» لمع نجم أبي أيوب وأخذ مكانته في صفوف المسلمين الأوائل من أهل يثرب، ثم ان الخصائص النفسية التي كان يتمتع بها والتي ابدتها مسيرة الحياة هي التي خولته لأن يتخذ مكانته الكريمة في صفوف الأنصار.

وهناك في ضاحية يثرب القى عصى الترحال ريثما يلحقه الإمام فتى الاسلام العظيم، وفي خلال أيام أزمع الرسول المفدى ان يدخل يثرب، ركب ناقته والقى زمامها على جرانها، وكانت الجموع الحاشدة من احياء يثرب تستقبله بحفاوة بالغة، وتدعوه إلى النزول بين ظهرانيها، وتمسك على زمام الناقة مستبشرة جذلة لترى مدى موقع هذه الدعوة من قلب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن الرسول – ومن هذه اللحظات الأولى كان يفتح امام أهل يثرب معالم عالم الغيب، ويلقى عليهم الدرس الأول عن نشاط عالم الغيب، العالم الغير المرئي - ليعي المسلمون الجدد مسيرة الرسالة وارتباطها بالسماء، وليكون هذا الدرس الأول أوالبادرة الأولى علما أومقياساً للمسلمين في تصرفاتهم، ومن هذه اللحظة تجاه رسول الله (ص)، فلا يملون عليه ما تجيش به مشاعرهم أوعواطفهم، كان رسول الله يجيب الداعين المتلهفين الممسكين على زمام الناقة ويقول: «خلوا سبيلها فانها مأمورة فعلى باب من بركت فأنا عنده». مر رسول الله في حي بني سالم بن عوف، وحي بني بياضة وحي بني ساعدة مر رسول الله في هذه الأحياء وكل حي يستقبله ويمسك على زمام ناقته ويقول في لهفه جياشة: هلم يا رسول الله إلى العدد والعدة والقوة انزل بين اظهرنا، فيردد الرسول عليه الصلاة والسلام: خلوا سبيلها فانها مأمورة، ثم مر رسول الله بحي بني عدي بن النجار أخوال الرسول الكريم وكانت الجموع تسير خلف رسول الله لترى أين يكون مقام الرسول عليه الصلاة والسلام، ولما بلغت إلى هذا الحي أخذت القلوب تلهث بانبهار اليس هذا الحي أخوال رسول الله فلابد أن دعوتهم ستلقى من الرسول الكريم بالترحاب والتهليل، وهنا وفي هذا الحي استقبله الأخوال وهم على يقين ان ابن اختهم رسول الله سيتخذ حيهم مقاماً ومنزلاً، فقالوا ووجوههم مشرقة بالبشرى: هلم الينا الى أخوالك يا رسول الله.

كانت عيون المسلمين من الأحياء شاخصة إلى فم الرسول لترى الكلمات التي ستحسم الأمر، قال رسول الله في هدوء والبسمة المشرقة تلف شفتيه: خلوا سبيلها فانها مأمورة. وهكذا سار الموكب حتى بلغ الى فسحة كبيرة في حي مالك بن النجار، وهنا شاهد الناس والدهشة تملأ ملامحهم والحسرة تأخذ بمجامع قلوبهم، شاهدوا الناقة قد بركت وهنيئة التفتت هنا وهناك، ثم انبعثت من مكانها والرسول الكريم لا يحرك ساكنا ملقى الزمام على الجران، ليكون الأمر السماوي ساري المفعول في محجته الحكيمة انبعثت الناقة وطافت الساحة ثم عادت إلى مبركها الأول الذي انطلقت منه، فبركت فيه ثم تحلحلت في مناخها ورزمت، وهذا يعني ان هذا المكان هو نهاية مطاف الناقة في سكك يثرب وشوارعها، في افنيتها وساحاتها، وان الأمر أمرها بالبروك هنا، وان منزل رسول الله ومسجده سيكون هنا في هذه الساحة من حي بني النجار.

وعلى مقربة من مبرك ناقة رسول الله كانت دار أبي أيوب الأنصاري الشاب المتحمس للاسلام والمفدى لرسول الله، وان كان فقيراً في ذات يده، نزل رسول الله الناقة وهرع الشاب المتحمس الطيب الكريم يشق طريقه من وسط الجموع المتجمهرة المتلهفة حتى وصل إلى رحل الضيف العظيم، وادخله داره وسار رسول الله وفتاه الإمام والعيون ترمقهما بالحب الطافح حتى دخلا دار أبي أيوب الأنصاري.[١]

من هو أبو أيوب

هو الشاب الفقير الذي يسكن هو وزوجته وطفل يحبو واُم عجوز في دار مشيدة من طابقين، ولها ثلاث غرف غرفة يسكنها هو وزوجته في الطابق الثاني، وغرفة تقع تحت غرفة الاسرة المباركة، والتي أضافت فيه رسول الله وغرفة تقطنها أم أبي أيوب، وذكر: انه لم يكن في يثرب أفقر من أبي أيوب الأنصاري، وفي ذات يوم شعر أبو أيوب أنه ليس من المناسب أن يقطن الرسول الكريم في غرفة الطابق الأول، والتي يقع فوقها مباشرة غرفة أبي أيوب واسرته، شعر الشاب المؤمن بوخز في الضمير وحياء في العواطف، وزاد هذا الشعور تلهفاً حدوث انكسار جرة، واوشكت مياهها المتدفقة أن تناسب من ثنايا الخلل وصدوع السقف إلى غرفة الرسول العظيم، وربما انهمارها أو تقاطرها عليه، لولا تعاون أم أيوب وأبي أيوب في القاء قطيفة على المياه المنسابة على الأرض، ومسحاها حتى نشف الماء الأمر الذي نزل أبو أيوب مشفقا والحياء يجلل وجهه، وطلب من الرسول الكريم أن ينتقل إلى الطابق الثاني، وفي نفس الوقت تنتقل أسرة أبي أيوب إلى الطابق الأول إلى غرفة الرسول، وقبل رسول الله هذه اللفتة وانتقل هو وفتاه الإمام إلى الغرفة في الطابق الثاني.

وكانت أسرة أبي أيوب تعمل الطعام للرسول الكريم وفتاه الإمام، أو كانت الاسر الانصارية ترسل وجبات الطعام الى الضيفين الكريمين، وكان الرسول الكريم وفتاه الإمام إذا ما تناولا الطعام وبقى بقية من وجبة الطعام، فإنه كان يرسلها إلى أبي أيوب واسرته فكان أبو أيوب يحرص اشد الحرص على هذه البقية الباقية من طعام رسول الله، فيتتبع أثر أصابع رسول الله في الطعام، ويتناول الطعام من موضع آثار أصابع الرسول (ص)، ليكون شفاء وبركة ونوراً، وفي ذات ظهيرة ارسلت أسرة أبي أيوب مائدة الطعام إلى الضيفين الكريمين، ولكن لما كان الإمام مدعواً أوساعيا لعمل يخص الرسول أو الدعوة الرسالية فإن الرسول كان وحده على مائدة الطعام، ولما حاول الرسول الكريم من تناول الطعام، فإذا به يعافه ولا يتناول منه شيئاً ويرسل المائدة إلى الاسرة، ويأتي أبو أيوب لتناول البقية الباقية من الطعام كعادته المحببة، فإذا بدهشة تطبع ملامحه ان الطعام هو كحاله لم يتناول منه شيئاً أترى ان الرسول لم يعجبه هذا الطعام؟ أولم يتذوقه الامر الذي هرع نازلاً إلى الضيف صلوات الله عليه وعلى آله فقال أبو أيوب والدهشة لا تزال بادية في قسمات وجهه وعيناه تعبران عن مشاعره: كنت ترسل إلي الطعام فانظر فاضع أصابعي حيث أرى أثر أصابعك، حتى كان هذا الطعام؛ فقال الرسول الكريم: أجل ان فيه بصلاً فكرهت ان أكل من أجل الملك.

ثم استدرك الرسول قائلاً: وأما أنتم فكلوا. وفي ثنايا تواجد «رسول الله»(ص) عند مضيفه الشاب أمر بأقامة دعائم «مسجد الاسلام» الذي هو أول مسجد شيد في الاسلام في بساطة في الهندسة، ولكن على محتوى عظيم في المعنويات والاهداف، ثم شيدت المساجد على نفس الطراز مع اختلاف في الحجم والجمال والمحتوى في الاقطار الاسلامية وعلى امتداد الاجيال والعصور، ثم أمر ببناء بيوته المتآخمة للمسجد، وعلى مدار شهر واحد من بقاء الرسول الكريم ضيفاً عند أبي أيوب الانصاري كان أبو أيوب يراقب أعمال رسول الله ونشاطاته وسيرته حتى يحتذيها وتصبح لديه دروساً يعيها ويقتدي بها، وتكون نبراساً في حياته ومنهاجاً في سلوكه، كان الرسول (ص) وهو في دار أبي أيوب إذا ما بلغت الشمس في مسارها إلى كبد السماء ولاحت الظهيرة، قام الرسول واسبغ الوضوء، ثم توجه إلى الصلاة في الدار وركع أربع ركعات، وترك كل نشاط أوعمل كان يزاوله، وان كان نائماً استيقظ في تلك الساعة المحددة كأنما ملك يوقظه، ثم أدى الصلاة في توجه خاشع متبتل، وكانت هذه الظاهرة تشغل فكر أبي أيوب، ولم يكن يجد فرصة سانحة يسأل رسول هذه العبادة، وكانت هيبة رسول الله (ص) تمنعه من المبادرة من اللحظة الأولى في السؤال عن هذه العبادة في ظروفها الخاصة هذه إلى ان أراد الرسول الكريم ان ينتقل من دار أبي أيوب إلى داره الخاصة، عندئذ جمع أبو أيوب الانصاري شجاعته الأدبية وسأل رسول الله: يا رسول الله مكنت عندي شهراً ووددت انك مكثت أكثر من ذلك فنقبت عن عملك كله، فرأيتك إذا زالت الشمس أوزاغت، فإن كان في يدك عمل الدنيا رفضته وأخذت في الصلاة. فقال رسول الله(ص)، وهو يكشف عن فلسفة هذه الظاهرة وفي نفس الوقت يفتح أبو اب الغيب للمؤمنين، ويلقى الأضواء عليها: ان أبو اب السماء يفتحن في تلك الساعة، فلا يرتجن أبو اب السماء وأبو اب الجنة حتى تصلى هذه الصلاة، فاحببت أن يصعد إلى ربي في تلك الساعات خير وإن يرفع عملي في أول العابدين.[٢]

رسول الله (ص) ضيف أبي أيوب... ولماذا؟

  1. طالما ان الرسول الكريم بعث لتغيير المقاييس الاجتماعية في أبعادها، ومن هذه المقاييس التي بعث الرسول لأزاحتها عن المجتمع هي المقاييس الجاهلية عن الغنى والفقر، الغنى المالي والفقر المادي، فالغني له مكانته الاجتماعية وان كان فقيراً في مكارم الأخلاق والفضائل النفسية والشخصية، والفقير تنبوعنه العيون في المحافل ولا يهتم به أحد وان كان ممتلكاً لناصية المواهب النفسية والفضائل الخلقية، ومن هذا المنطلق جاء الرسول (ص) لتغيير هذه المقاييس الاجتماعية عن الغنى والفقر، أوالغني والفقير، المقاييس التي لها في العقول والنفوس والتربية والثقافة مكانتها ورصيدها، وأول هذا التغيير من جانب الرسول (ص) كان تغييراً عملياً، فنزل ضيفاً على أفقر أهل يثرب أبي أيوب الأنصاري، لئلا يكون الفقر مدعاة للمهانة والسخرية إذا كان إلى جانب الفقر الخُلق والخصائص النفسية والفكرية المضيئة.
  2. ثم ان الايمان والكفر ليس يتبعان مقاييس الغنى والفقر، فإذا كان غنيا كان مؤمنا، وإذا كان فقيراً كان كافراً... كلا...، بل الفقير المؤمن له مكانته في دولة الاسلام، والغني الكافر يكون مطروداً من شرعة الاسلام، فإذا ما اجتمع الايمان مع الغنى فهناك التواضع والبذل والتضحية، وإذا اجتمع الفقر مع الانحراف والكفر فهو مباءة الفساد والجريمة؛ فالغنى في ذاته ليس له رصيد في الاسلام إذا لم يرافقه المقاييس الا اسلامية الكريمة، والفقر في ذاته ليس مستنقعا للمهانة والازدراء والسخرية إذا لم يرافقه مصادر الشر والاجرام.
  3. ثم ان يثرب مدينة رسول الله (ص) اضحت بعد هجرة الرسول الكريم اليها وهجرة المهاجرين مجتمعا يقسوعليها الفقر المادي حيث ان مصادر البلدة المادية كانت تسد حاجة قسم من أهلها قبل الاسلام والقسم الآخر كان يصارع الفقر، ولما ان هاجر الرسول العظيم والمهاجرون إلى البلدة امست البلدة لا تسد حاجة المسلمين عامة: الانصار - أصحاب البلدة -، والمهاجرين الذين هاجروا إلى البلدة الأمر الذي اشتدت الحاجة والفقر المادي والغذائي بصورة هائلة حتى ان الزهراء بنت رسول الله وزوجة الإمام(ع) كانت تشكوالجوع والمرض إلى أبيها، وكان الإمام فتى الرسالة والرسول يعمل عند بستاني في مقابل حفنة تمر أوصاع شعير، ومن أجل هذه الظاهرة - ظاهرة الفقر المادي والغذائي - جائت آيات في القرآن الكريم تشيد بالمتفقين والمطعمين من أهل البيت ومن الناس عامة، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا[٣]. فإذا كان أهل البيت وأسرة الرسول عليهم الصلاة والسلام على هذا المستوى المادي والغذائي الشحيح، فما بالك بالناس بالمهاجرين بالضعفاء، وفعلاً نرى ان هناك في مسجد الرسول الكريم جماعة من الفقراء الذين لا مال لهم ولا أسرة وأطلقت على نفسها «أصحاب الصفة»، فكانت تعيش وتنام في المسجد، وكان الوحي الكريم يرى مستقبل البلدة على هذا المستوى الشحيح في الموارد المالية والغذائية الأمر الذي حاول أن يخفف معنويا عن الفقراء مخلفات الفقر وآثاره وبصماته، وفي نفس الوقت حاول أن يغير تصورات الاغنياء خاصة والناس عامة عن الفقر والفقير، ويضع مكان تلك التصورات المدلهمة المكفهرة والجاهلية تصورات مشعة مضيئة كريمة، لتسير الحياة حسب نطاق مقاييس الاسلام الخالصة، الوحي الكريم في محاولته هذه التغييرية سير الناقة حتى بركت على باب دار أبي أيوب الأنصاري وأمر الرسول بالنزول ضيفا عليه ليكون التغيير عمليا قبل أن يكون تغييراً يتتبع دساتير القرآن الكريم حول مقاييس الفقر والغنى أوالفقير والغني. ان هذا التغيير العملي مضافاً إلى التغيير الدستوري في تصورات الناس رفع الرسول الكريم والوحي الهادي شأن المؤمن الفقير، وحط من شأن الغني المتعجرف أوالكافر.
  4. ان زعماء الأحياء من الأنصار في يثرب كانت تتسابق إلى أن يحل عندها الرسول العظيم ضيفاً، لتكتسب من وراء ضيافة رسول الله (ص) مكانة أدبية واجتماعية، ولو ان رسول الله نزل ضيفاً على زعيم من زعماء الأحياء لوقع هناك تنافس، ثم تراشق بالكلمات النابية بين الزعماء وبين الزعيم المضيف، وبين الأحياء وبين الحي الذي نزل فيه الرسول الكريم ضيفاً، وبالتالي، فإن نفوس الزعماء ومشاعرهم كانت تنهار معنوياتها في مظاهرة الرسول الكريم ومعاضدته ومناصرته الأمر الذي كان يخبوذلك الحماس المشبوب والنشاط المتوهج الذين كان الزعماء اليثربيون يشعرون بهما أبان مطلع الرسول الكريم على يثرب وبالتالي، فإن الاسلام كان يخسر طاقات زعماء الأحياء الحديثي الاسلام في مناصرة الاسلام أوقل، فإن ذلك النشاط وذلك الحماس المضحي كان على أقل تقدير يفتر وتصبح المعنويات باهتة. ثم انه لوأن الرسول الكريم نزل ضيفاً على أحد زعماء الأحياء لأحب الزعيم أن يملي على الرسول آراءه وهذا ما ينافي خط الرسالة والرسول، ولكن الوحي الحكيم الذي كان يستشف المستقبل ساق الناقة إلى أرض يتيمين، ثم إلى بيت أبي أيوب الأنصاري أفقر أهل يثرب، وأمر رسوله العظيم بالقاء عصى الترحال في داره ضيفاً الأمر الذي اثلج هذا التصرف النبيل صدور الزعماء وغير نوعاً ما أسلوب تفكيرهم وتفكير الناس عامة عن الرسول والرسالة وعن مناهج وتعاليم الاسلام المقبلة.
  5. وبكلمة أخيرة فإن رسول الله (ص) نفسه كانت مشاعره وعواطفه الفياضة تميل إلى الفقراء وتحنوعليهم لأنهم أقرب إلى الايمان والفضائل الإنسانية، وهل قامت أعمدة الاسلام إلا بسواعد هؤلاء الفقراء في المجال المادي والأغنياء وأصحاب الثراء وذوي الطاقات الخلاقة والمواهب البناءة في المجال المعنوي.

وهكذا كانت مشيئة الله تعالى في هجرة رسوله المفدى إلى يثرب، وفي بروك الناقة في المكان المحدد في تغيير التصورات الجاهلية عند الزعماء والأغنياء، وحظى أبو أيوب الأنصاري بضيافة رسول الله، وأية حظوة أكبر من هذه الحظوة التي حظى بها هذا الرجل الفقير في المال، الكبير في الخصال وكانت دار أبي أيوب الأنصاري شهيرة بين أهل المدينة وبين أهل الأمصار يأمها الوافدون من الأقطار الاسلامية إلى قرون وأجيال البيت الذي نزل فيه ضيفاً أعظم رجل عرفته الإنسانية، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين.

ثم أن أبا أيوب الأنصاري شهد «بدراً» أولى معارك الاسلام المظفرة، وشهد مع الرسول القائد جميع المعارك التي دارت بين الكفر والايمان، والحق والباطل وكان مفعماً بالحماس والنشاط يهرع إلى المعركة كأنما يزف إلى بيت عرسه، كان رجل جهاد ونضال كان رجل معارك وحروب كان يعشق الحق ويهفوإلى ارساء دعائم العدل، إلى نشر تعاليم الإسلام، فكان يدخل الحروب ضد من يناوئ هاتيك التعاليم ويعيق مسيرة أرساء دعائم العدل.

ولما أخى رسول الله بين المسلمين آخى بينه وبين مصعب بن عمير، وكان الرسول الكريم يختار في مؤاخاته النظير إلى النظير، النظير في الخصائص والمواهب والنفسيات إلى النظير في نفس الخصائص والمواهب والنفسيات حتى يكون هناك الانسجام والتلاحم بين النفسيتين، وكان في كل مواطن المؤاخاة يختار رسول الله صلّى الله عليه وآله الإمام الفتى أخاً له ويقول (ص) مشيراً إلى فتاة المختار: هذا أخي.[٤]

من الحديث

  1. عن أبي أيوب الأنصاري قال: «قال رسول الله (ص): ان الرجلين ليتوجهان إلى المسجد فيصليان فينصرف أحدهما وصلاته أوزن من أحد، وينصرف الآخر وما تعدل صلاته مثقال ذرة، فقال أبو حميد الساعدي: وكيف يكون ذلك يا رسول الله. قال: إذا كان أحسنهما عقلاً. قال: وكيف يكون ذلك. قال: إذا كان أورعهما عن محارم الله وأحرصهما على المسارعة إلى الخير وإن كان دونه في التطوع. قال أبو أيوب الأنصاري: جاء رجل إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله علمني وأوجز. فقال (ص): إذا قمت في صلاتك، فصل صلاة مودع، ولا تكلمن بكلام تعتذر منه، واجمع اليأس لما في أيدي الناس»[٥].
  2. قال أبو أيوب الأنصاري: ما صليت وراء نبيكم إلا سمعته حيث ينصرف من صلاته يقول: اللهم اغفر لي خطأي وذنوبي كلها، اللهم أنعمني وأحيني وأرزقني وأهدني لصالح الأعمال والأخلاق، فإنه لا يهدي لصالحها إلا أنت ولا يصرف عن سيئها الا أنت.
  3. عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله (ص): أيعجز أحدكم أن يقرأ ليلته بثلث القرآن. كان صحابة الرسول (ص) ملتفون حوله فلما سمعوا الرسول يحرضهم على قراءة ثلث القرآن اشفقوا أن يأمرهم الرسول (ص) أمراً مؤكداً تماماً كالأمر بالصوم والصلاة، إن الصوم والصلاة واجبة، فإذا كانت هناك قراءة ثلث القرآن واجبة وكان وقتها المحدد هو الليل ترى من يستطيع أن يقرأ ثلث القرآن وهو يستغرق ساعات طويلة ويستغرق مساحة كبيرة من القرآن الكريم، وأنني لأخال أن بعض الصحب لما سمع «ثلث القرآن» ووقته المحدد «الليل» شعر بالنعاس ينتابه، الليل وقت الاستراحة والاستلقاء، وقت تصفية المتاعب من كدح النهار، وقت النوم، احس البعض إنه لوبدء في القرأة فإنه لا يكاد ينتهي من قسم ضئيل جداً من «ثلث القرآن» حتى يكون النوم قد خالط أجفانه.

ثم يا ترى من يقوم يعمل في النهار لوقضوا ساعات الليل في تلاوة القرآن ولوثلثاً منه، ثم ان هناك الكثير من الصحابة أميون لا يقرأون، وإذا قرأوا القرآن فعن ظهر خاطر وعن صدور حافظة، وهناك من يحفظ القليل من القرآن لا يكاد يبلغ ٠٠/١٠

إن كل هذه الخواطر والأفكار مرت في ذهن الصحابة الذين كانوا في منتدى الرسول الكريم الأمر الذي أشفقوا واتخذوا جانب الصمت ليروا النتيجة، ولكن الرسول كرر عليهم ثانية وثالثة: أيعجز أحدكم أن يقرأ ليلته بثلث القرآن، ولكن الصحابة الذاهلين اتخذوا السكوت ملاذاً، ولكن الرسول العظيم والمعلم الأكبر، لم يدع صحبه في ذهو لهم من «واجب» كما حسبوه هو فوق طاقتهم، فقال في نبرات حانية هادءة: فإنه من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ[٦]، فقد قرأ ليلته ثلث القرآن[٧].

وما ان الصحب الملتف حول الرسول هذه الكلمات الظليلة حتى انجابت عنهم تلك الخواطر المستعيصة، وذهب عنهم ذهو لهم وعاد إليهم تفكيرهم المستقيم عن سماحة الاسلام، سماحته في العطاء، إن سورة التوحيد تعادل في الأجر والثواب قراءة ثلث القرآن... سماحة وأي سماحة... ومنهاج وأي منهاج يأخذ بيد الإنسان نحوالنور والتقى والحياة الهنيئة الظليلة.

وكان أبو أيوب الأنصاري أبداً يتتبع خطوات نبيه العظيم، ويعالج نفسه على الاقتداء بالرسالة النبوية وتطبيق سلوكه وتصرفاته حسب تعاليم النبي في المجالات كلها، كان الأنصاري يرى كثيراً رسول الله يشيد بالإمام وبمواهبه الكبرى وخصائصه واتجاهاته الملهمة ويوليه اهتمامه ويمنحه حبه وتقديره، حتى أن أبا أيوب رأى الرسول قد جعل الإمام مقياساً للحق، فمن أتبعه كان على الحق ومن ناوئه - على أي شكل أوصورة كانت المناوئة - كان على الباطل، على جرف هار متداع، سمع أبو أيوب الأنصاري رسول الله يقول وهو يخطب في غدير خم وفي مناخ صعب وظروف قاسية: «أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَ لَسْتُ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اَللَّهِ قال إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وعليٌّ مولى من كنت مولاه».

ثم يراه يدعو للإمام ولمن يصادقه ويعاضده ويواليه ويناصره: «اَللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ».

وقال أبو أيوب الأنصاري: أمرني رسول الله بقتال القاسطين والمارقين والناكثين.

ومن خلال هذه الأحاديث الرسالية التي تنيط الزعامة بعد وفاته عليه الصلاة والسلام بإمام الامة (ع) سار أبو أيوب بعد التحاق الرسول (ص) بالرفيق الأعلى في الخط الذي عينه الرسول الكريم، وأعطى ملامحه ومعالمه وسماته البارزة، فسار يتبع الإمام ويصدر في نشاطاته من خلال قرارات الإمام؛ ثم اننا لم نر لأبي أيوب الأنصاري نشاطاً ملحوظاً بعد وفاة رسول الله الأمر الذي نذهب إلى أنه كرس جهو ده في الزراعة والري، وفي المسجد حيث كان يلقى الدروس المتوخاة من الرسالة الاسلامية، وبالتالي ينصرف إلى العبادة والتهجد.

وقبيل عهد الإمام بالسلطة والخلافة بأيام جاء مؤذن المدينة سعد القرظ إلى الإمام وكانت المدينة تهتز تحت أقدام الثوار، وقال للامام متلهفاً: من تكون له الإمامة في الصلاة حتى يأتم به جمهو ر الناس، ففكر الإمام هنيئة ثم أشار على أبي أيوب الأنصاري الصحابي الشهير بين المسلمين وقال: ادع خالد بن زيد، فهرول المؤذن إلى خالد بن زيد مغتبطا بهذا الإمام المتبتل المتهجد ودعاه إلى إمامة الناس في صلاة الجماعة والفرح بادي على وجهه، ولكن أبا أيوب أبى هذا العرض من المؤذن حيث أنه مؤذن فحسب وليس أن ينصب أويقيل أئمة الجماعة، ولكن المؤذن المشبوب المشاعر بادر أبا أيوب قائلاً وبنيرات حاسمة: إن علي بن أبي طالب هو الذي اختارك ان تكون أماماً للصلاة حتى يأتم بك الناس، ولم يكد يسمع الأنصاري هذا الاسم الجليل الذي كان يهتف به المسلمون الذين وفدوا إلى المدينة من أقطارهم، لم يكد أبو أيوب هذا الاسم حتى ارتسم على ملامحه الرضى والقبول لهذه الدعوة، ثم شرع أبو أيوب يصلي بالناس اماماً ومن هذا اليوم ذاع بين الناس واشتهر إن اسم أبي أيوب الأنصاري هو خالد بن زيد، وقبل اليوم لم يكن الناس يعرفون هذه الشخصية المجاهدة التقية سوى بكنيته أبي أيوب، ثم إن هذه الإمامة استمرت إلى أن تولى الإمام زمام السلطة والخلافة، فلما نهد الإمام من المدينة إلى البصرة لقمع الخارجين على السلطة الشرعية الذين اشتهروا في التاريخ ب «الناكثين».

لما نهد الإمام جعل على محافظة المدينة أبا أيوب الأنصاري، مضت على أبي أيوب الأيام والأسابيع وهو يدير شؤن المدينة المضطرمة الأجواء، ولكن نفسه كانت تهفو إلى الأمام، إلى الانضمام في صفوف جيشه، أليس أنبأه رسول الله (ص) بهذا اليوم وأمره بالانضمام إلى الجيش المقاتل للناكثين، فما عليه سوى أن ينضم إلى هذا الجيش الذي يقوده الإمام، يجب أن تتحقق نبؤة الرسول الكريم ويجب أن يطيع أبو أيوب رسول الله (ص)، نصب أبو أيوب «المحافظ» على المدينة نائباً عن نفسه، ثم سارع للألتحاق بالإمام أمير المؤمنين(ع) والأنضمام إلى جيشه.[٨]

الأنصاري قائد كتيبة الأنصار

وفي هذا الجيش لم يترك الإمام أبا أيوب بدون منصب، إن أبا أيوب الميمون النقيبة المنافح عن الإمام والذي يعتبر شيخ الأنصار لابد أن تفوض إليه كتيبة من كتائب الجيش اللجب يسودها وتمشى تحت رايته الأمر الذي نرى أبا أيوب قد فوض إليه الإمام قيادة كتيبة الأنصار، والتي كان في غمارها جنود لا ينتمون إلى الأنصار، نحن نشهد فرسان الأنصار وهم نحوألف فارس يدخلون البصرة وعلى رأسهم شيخهم القائد أبو أيوب الأنصاري، يصف لنا هذا المشهد الجليل شاهد عيان، وهو المنذر بن الجارود، فيقول: فورد البصرة نحوألف فارس يقدمهم فارس على فرس اشهب عليه قلنسوة وثياب بيض متقلداً سيفاً ومعه راية، فقلت من هذا فجائني الجواب: صاحب الراية هو أبو أيوب الأنصاري وهؤلاء الجنود هم الأنصار وغيرهم.

ويبدوان هذا المشهد كان بعد أن خاضت الكتيبة بقيادة أبي أيوب الأنصاري معركة الجمل في غمار خوض كتائب الإمام هذه المعركة.

ثم ان أبا أيوب الأنصاري شهد معركة صفين، وكان أبداً يتلو هذه الآية الكريمة المهيبة بالجهاد والحاثة على المعارك الفاصلة في سبيل الله والاسلام المحمدي العلوي: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا[٩] ثم يردف ويقول: «فلا أجدني إلا خفيفاً أو ثقيلاً» ومن هذا المنطلق كانت نفس أبي أيوب الجهادية تهفو إلى معاناة المعارك الدائرة بين الحق والباطل، بين الإمام العدل وبين المدعي الطليق، بين الخط المحمدي وبين الخط المشوب بالأطماع.

إن أبا أيوب وجد نفسه في دولة الإمام حراً في الانضمام إلى الجيوش المجاهدة وابداء مواهبه النضالية والارتواء من هو ايته المفضلة في الجهاد تحت راية الإمام، تماماً كما كان تحت راية رسول الله، وفي معركة صفين خرج أبو أيوب الأنصاري فوقف على جواده في ساحة المعركة ونادى بأعلى صوته: هل من مبارز. إنها دعوة تهزّ افئدة الابطال، إنها دعوة تنبعث من أعماق مشاعر رجل صحب رسول الله الصحبة المخلصة المضحيّة في سبيل اقامة صرح الاسلام، واليوم يدعوالعدوإلى المبارزة دعوة متحدية، فمن صرح يخرج إليه من ابطال جند العدووقد عرفه بعضهم أنه أبا أيوب الأنصاري الأمر الذي لاذ الابطال إلى السكون وطأطأوا برؤسهم حياءاً من الجنود ولم يكد يرى جنود العدوتصرف قادتهم المريبة الذاعرة حتى لاذواهم أيضاً بالاختفاء عن الدعوة المتحدية، ولما لم يجب أحد أبا أيوب دعوته الحاسمة حتى ثارت ثائرته ومشى الدم في عروقه فاضحى كأنه شاب مقاتل متحمس نشط، فما هي إلا هنيئة وكان جنود العدوينظرون إليه وأفئدتهم خاوية، والابطال يرمقونه وقد عرفوه إنه صحابي رسول الله الذي كان يوليه حبه وتقديره، فعافوا ان يصيبوه بسوء أويجندلهم هو، فيكون النار موئلهم وهم لا يقاتلون الا في سبيل الترف والمال والجاه والعمر الأطول، ما هي إلا هنيئة حتى حمل أبو أيوب، وهو مدجج بسلاحه راكبا جواده على جنود معاويه، فلم يقف أحد في وجهه وطاروا كالجراد المنتشر حتى وصل الأنصاري المقاتل الجليل إلى مضرب معاوية، ولم يكد يشاهد تضعضع كتائبه حتى لمح رجلاً مدججا راكبا فرساً يضرب بسيفه في حسم وقوة، يميناً وشمالاً حتى لم يقف في وجهه أحد من كتائبه، ولا «الحرس الخاص» المخول إليه حراسة مركز القيادة، ولما شاهد معاوية هذه الظاهرة المرعبة وقد كاد ان يدخل الرجل المدجج مضربه، وهو ثائر فائر شاهر للسيف ضارب به، أقول لم يكد الأموي يشهد هذا الشجاع العلوي حتى طار على وجهه من الباب الخلفي لمركز قيادته، وانهزم بقية القادة الذين كانوا يتناولون شؤن المعركة معه، وقد باغتهم هذا الرجل الكمي.

وقف أبو أيوب هنيئة ينظر إلى الهاربين، ويجدد قواه وطاقاته، وإذا به يحمل عليه جماعة من الجنود المعدِّين أوالمتهيثين لمثل هذه اللحظات الحاسمة، فناضلهم وجرح العديد منهم، ثم انسل من بين الكتائب عائداً إلى معسكره، وهو يلهث من هذه المعاناة النضالية الهادفة، وعاد معاوية إلى فسطاطه ممتقع اللون وجمع حرسه الخاص وبعض قادة الكتائب، وهم على علم بأسباب هذا الاجتماع الطارئ، ووجه إليهم هذا الكلام المشبع باللوم والتأنيب الممض، وبنبرات لاهئة منقطعة: لا يزال الفارس من أصحاب علي يحمل حتى يصل إلى فسطاطي وأنتم واقفون كان أيديكم مغلولة.

فانبرى رجل من قادة حرسه، وهو مترفع بن منصور وقال: ليفرخ روعك، لا حملن على عسكر علي... ثم إنه أسرع إلى لأمته وسلاحه ثم ركب فرسه واتجه نحومعسكر الأمام وهو يمني نفسه أن يصيب الرجل الذي روّع معاوية وكتائبه، سار ابن منصور وهو ينافح جنود الإمام وإذا بأبي أيوب يبصره من خلال الجنود، فيسرع ويحمل على ابن منصور ويضرب عنقه ضربة قاضية بالسيف، فترتمي الهامة إلى جانب وبدنه إلى جانب، وينظر الجنود إلى هذه الضربة وصاحبها، فيكبرون اعجاباً بالساعد الذي أطار هذه الجمجمة من قاعدتها، ويتجمهرون حول جندي الأمام أبي أيوب الأنصاري وكلهم يثنون على هذه الشجاعة الفذة الثناء العاطر والمفعم بالتقدير والحب.[١٠]

أبو أيوب والحملة الاعلامية

كان مناوؤا الإمام ومعارضوه قد قاموا بشن حملة إعلامية ضد الإمام في سبيل إثارة البلبلة في صفوف الامة والتشكيك في قلوب السذج من الناس مستهدفين ضعضعة دولة الإمام والقاء الحواجز والعوائق في طريق مشاريع الإمام (ع) والتشكيك في الحروب التي يخوضها الإمام ضد الوثنيين القدماء، لقد روجت الحملة الاعلامية المعادية: ان الإمام (ع) يخوض في دماء المسلمين مستهدفاً مصالحه الشخصية، وان الإمام جيش الجيوش لضرب المسلمين؟! في الجمل وصفين، أليس الذين قتلوا بسيوف الجيش العلوي كانوا مسلمين؟ ولكن هذه الحملة الإعلامية التي كادت أن تعشعش في قلوب البسطاء في التفكير من الناس، وحتى أصحاب الشهرة منهم وتأخذ عليهم مجال التفكير الواضح المشرق المضئ، حتى تصدى لها الصحابي الجليل المخلص للاسلام والمسلمين أبو أيوب الأنصاري صاحبنا في الترجمة، ولكن كيف كان لون أوطبيعة هذا التصدي.

إن طبيعة هذا التصدي كان نابعاً من الحقائق التي كشفها الوحي لرسول الله (ص)، ومن ثم نشر رسول الله في جموع صحابته، وواحد منهم هو أبو أيوب الأنصاري هذه الحقائق الخطيرة على مستقبل الاسلام.

إن الله سبحانه وتعالى كان يعلم الأحداث التي ستقع على الساحة الإسلامية ضد الاسلام وضد التوحيد ولكن في لباس الإسلام ورداء شعار الإسلام والتوحيد، كان الله سبحانه وتعالى يعلم المواجهات التي ستنطلق من العناصر المناوءة للإسلام، ولمسيرة التعاليم الاسلامية القيمة، وكان الله سبحانه وتعالى يعلم ان الكثير من المسلمين ستخدعهم المظاهر البراقة والشارات التي يحملها كبار الشخصيات المناوءة لسلطان الاسلام وهيمنته، كان الله سبحانه يعلم المواجهات المسلحة التي ستنجم بين الذين يمثلون الاسلام وتعاليمه، ويمثلون روح الإسلام وانطلاقه نحوالاهداف العليا، وبين الذين يمثلون الأحقاد والمطامع والوثنية الجاهلية والمصالح الشخصية، ومن هذه الرؤية الواضحة لمستقبل الاسلام أوحى الله تعالى إلى نبيه العظيم عليه الصلاة والسلام بكل مصادر هذه الأحداث الهدّامة والشريرة، نص الوحي على مواصفات الأحداث وشخصياتها، ولكن الوحي لم يعين الشخصيات بالاسم، إن الوحي في نفس الوقت عين بصورة صريحة بان الممثل للاسلام ولهيمنة الإسلام هو الإمام علي (ع)، وان الإمام هو الذي سيواجه هذه التحديات المناوءة للاسلام ولسلطانه الممثل في الإمام.

نعم إن طبيعة تصدي أبي أبو ب الأنصاري لهذه الحملات المشبوبة بالحقد والدس، كانت من أفضل طرق التصدى، أفضل مناهج كشف المؤامرات الإعلامية، وفضح الاندفاعات المتسترة، ان طريقة أبي أيوب في التصدي للإعلام المشبوب ضد الاسلام الممثل في سلطة الإمام فتى الاسلام، ان طريقة أبي أيوب كانت في نشر الأحاديث التي سمعها من رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، واذاعت هذه الأحاديث المعبرة عن هذه المؤامرات المحبوكة، الأحاديث الأمرة بالتصدي لهذه المؤامرات ولوبالطريقة المسلحة.

قال الخطيب البغدادي: ان علقمة والأسود أتيا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقالا له: إن الله أكرمك بنزول محمد (ص) وبمجئ ناقته تفضلاً. من الله تعالى وإكراماً لك حتى أناخت ببابك دون الناس جميعاً، ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب أهل لا إله إلا الله، فقال: يا هذا ان الرائد لا يكذب أهله، إن رسول الله أمرنا بقتال ثلاثة مع علي، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فأما الناكثون فقد قاتلناهم – وهم أهل الجمل – وأما القاسطون فهذا منصرفنا عنهم، وأما المارقون، فهم أهل الطرفاوات، وأهل السعيفات، وأهل النخيلات، وأهل النهروانات، والله ما أدري أين هم ولكن لابد لنا من قتالهم إن شاء الله تعالى، ثم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية، وأنت إذ مع الحق والحق معك، يا عمار إن رأيت علياً سلك وادياً، وسلك الناس كلهم وادياً، فاسلك مع علي، فإنه لن يُدليك في ردى ولن يخرجك من هدى قلنا: يا هذا حسبك رحمك الله، حسبك رحمك الله»[١١].

وذات قاد أبو أيوب الأنصاري خيلاً له إلى مزرعة كان له صلات مع أهلها، فلما أن جاء إلى المرزعة ولم يكد يصل إليها حتى تسامع الناس به، فاجتمعوا عنده ومعهم هدايا إلى صحابي رسول الله (ص)، وكان الشيطان الأعلامي قد نفث في قلوبهم التشكيك حول نزاهة حروب الأمام وجيشه المظفر الأمر الذي رأوا إن هذا الصحابي بيده ناصية كشف هذ التشكيك الأمر الذي وجّهو ا إليه السؤال بصورة ناقدة، فقالوا في نبرات عاتبة: يا أبا أيوب قاتلت المشركين بسيفك هذا مع رسول الله ثم جئت تقاتل المسلمين؛ فرمقهم الصحابي الجليل رمقة مستوعبة، ثم تذكر حديث رسول الله المنذر والحاث على القتال ضد الناكث والقاسط والمارق، فقال: إن النبي (ص): أمرني بقتال القاسطين والمارقين والناكثين، فقد قاتلت الناكثين والقاسطين، ثم أن أبا أيوب لم يكشف له الأيام بعد هو ية المارقين ومن هم إلا أنه سمع بعض ملامح الساحة التي تقع فيها المعركة فأضاف: وإنا نقاتل إنشاء الله بالسعفات، بالنهروانات، بالطرفات، وما أدري اني هي.

ولما كان التشكيك ساري المفعول بين جمهو ر الناس عن هذه الحروب بين اسلام الإمام، ووثنية الأموي الأمر الذي كان مثار جدل بين الناس، وخاصة إن الإعلام المناوئ كان يضرم اللهيب الأعلامي، كان أبو أيوب أينما توجه أوحلّ بين أظهر الناس كان الناس يلقون عليه نفس السؤال ونفس العتاب. عن مخنف بن سليم قال: أتينا أبا أيوب الأنصاري، فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله، ثم جئت تقاتل المسلمين؟، فقال: أمرني رسول الله صلّى الله عليه وآله، بقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين[١٢].

إذن قتال الفرقاء الثلاثة فريضة ربانية لا مندوحة عنها لأحدٍ من الناس. جاء نفر من الأنصار إلى العاصمة وكانوا في رحلة طالت، فلما عادوا كانت ملامحهم قد تغيرت من وعثاء الرحلة، ولما بلغوا العاصمة حاولوا أن يسلموا على الإمام أمير المؤمنين (ع) وهو خليفة المسلمين ومعلمهم ومربيهم، فخيبت بهم رواحلهم حتى أناخوا على باب المسجد الأعظم، وكان الإمام فيه، ثم مشوا إلى الإمام واشواق الحب تحدوهم، فقالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

فقال الإمام متسائلاً وشاهد الملامح قد تغيّرت والعمائم المكورة تكويراً مبعثراً ومختلطاً قد غطت قسماً من ملامحهم قال: من القوم، فقالوا: مواليك يا أمير المؤمنين، فرمقهم الإمام في ابتسامة ضاحكة ولمح الدهشة قد ارتسمت في وجوه وزراءه وأصدقائه الأمر الذي أراد الإمام أن يكشف عن اكتناه هؤلاء الموالي، والموالي هم الفرس والترك، وبصورة عامة الموالي هم الذين دخلوا الاسلام واعتنقوه من غير العرب، الأمر الذي القى هذا السؤال عليهم: من أين؟ وأنتم عرب.

فقالوا وهم يعنون ما يقولون: سمعنا رسول الله يوم غدير خم وهو آخذ بعضدك ويقول: أيها الناس ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟، قلنا بلى يا رسول الله، قال: إنَّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وعلي مولى من كنت مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

وهنا عرف الجمهو ر المحيط بالإمام المقصود من كلمة «المولى»، و«الموالي» التي رددها الأنصار، قال أمير المؤمنين (ع): «أنتم تقولون ذلك» قالوا وظهر على ملامحهم الجد: «نعم». قال: «وتشهدون عليه، قالوا: نعم، وهنا ولما تجلى الحق لمن جهله، قال الإمام أمير المؤمنين (ع): «صدقتم». وكان واحد من الذين شهدوا هذا المشهد الفريد حاول ان يعرف القوم بصورة أوضح الأمر الذي انطلق وراءهم يسعى حتى لحق رجلا منهم، فقال له متسائلاً: من أنتم يا عبد الله، فقال الرجل في بساطة وقد أعجله رفاقه: نحن رهط من الأنصار، ثم أشار إلى راحلة كانت قد ركبها شيخ قد جللته اللحية البيضاء الناصعة وتبدوعليه معالم الانهاك والمعاناة، فقال: وهذا أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله (ص)، ولم يكد الرجل يسمع هذا الاسم حتى هرول إليه ومعالم البشري مرتسمة على قسمات وجهه، وأخذ بيد الشيخ مصافحاً ومسلماً، ومعبرأ عن مشاعره وعواطفه النبيلة تجاه صاحب رسول الله (ص)[١٣].[١٤]

معركة النهروان

ولما خرج الإمام مع كتائب الاسلام لخوض معركة النهروان ضد المارقين عن الاسلام والمنشقين عن صفوف المسلمين كان أبو أيوب الأنصاري في طليعة الجيش يهفوا إلى المعركة المقبلة التي حلم بها والتي أمره رسول الله أن يخضوها ضدهم، إذن دخوله في غمار هذه الحروب تكون النبؤة الرسالية قد تحققت، ولكن أبا أيوب لم يكن متسرعاً إلى اشعال وهج الحرب، ولا إلى حض الإمام إلى إنارة الضوء الأخضر، بل خطب أبو أيوب وخطب كبار صحابة الإمام أمير المؤمنين (ع)، وخطب أمير المؤمنين (ع) وبينوا لهم أن طريقهم هو طريق منحرف وان نهجهم هو نهج منحرف، مساره إلى التيه والضلال، وكانت حجج الإمام مشرقة، واضحة، مضيئة أنارت الدرب لكثير من المنشقين فأهتدوا وعادوا إلى صفوف الإمام، ولكن من المنشقين بعد اشراقة الحجج استحبوا التيه والضلال والظلام، فهملجوا فيه حتى صرعهم ضلالهم، ان من الذين خطب الخوارج كان أبو أيوب الأنصاري، وكانت الخطب على نهج المناظرة، والسؤال والجواب، قال في نبرة مشبعة بالعاطفة والمشاعر النبيلة: عباد الله أنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها، ليست بيننا وبينكم فرقة، فعلام تقاتلوننا؟ فقالوا: إنا لوتابعناكم اليوم لحكمتم غداً.

وأيُّ جواب هذا، العباد والبلاد يحتاجان إلى دولة تحكم وتنظم الحياة، وتسير شؤن الناس، ولكن أبا أيوب لما هذا الجواب المهلهل لم يجبهم مباشره، بل دعائهم إلى التريث والصلح قائلاً: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل، ثم لما لم تنجع الحجج المشرقة المضيئة تلك القلوب القاسية الجاسية التي اغلقت دون الحجج، ودون الأنوار الكاشفة لطريق الهدى والنور، لما لم تنجع الحجج والبراهين اندلعت نار الحرب فخاضها أبو أيوب الانصاري في قوة وشدة وقلب رابط الجأش، وقد تذكر في معمعة النضال حديث رسول الله أو وصيته له أن يقاتل المارقين مع الإمام أمير المؤمنين (ع)، فزاد نشاطه والتهب أوار حماسه، رغم شيخوخته التي ناهزت الستين أوالسبعين، فجندل في المعركة: زيد بن حصين، ثم جندل زعيماً من زعماء المنشقين، وذلك إن أبا أيوب لمح في المعركة الثائرة الهائجة صديقه صعصعة بن صوحان - الصحابي الكريم والأثير عند الإمام - قد نهد إلى حرقوص بن زهير السعدي، وهو من كبار زعماء المنشقين، فلم يدع صديقه يقتحم ويقاتل المارق العنيد، بل ساعد صديقه وكلاهما شهرا السيف في وجه حرقوص فضرباه ضربات باطشة صارعة، وكان نصيب أبي أيوب في هذه المشاركة أن ضرب رجل حرقوص فابانها ثم تابع ضربته تلك، ثم إن أبا أيوب شهد في المعركة عبد الله بن وهب الراسبي، وكان من كبار زعماء المارقين، وكان قبل أن يذوق الموت الأحمر قد قتل هانئ بن حاطب الأزدي، وزياد بن خصفة، فاستشهدا على يديه وكلاهما من كبار أصحاب الإمام، ومن ذوي الشأن في الدولة الأمر الذي كان أبو أيوب بطل الجهاد يدور في المعركة في عنفوان الحماس عله يظفر على ابن وهب ليذيقه حرا لسيف ونار الضلال والانحراف إلى ان شهده يقاتل كالمجنون المستميت، فحمل أبو أيوب عليه كالشهاب المنقض فاهو ى بسيفه على كتفه، فأبان يده، وقال أبو أيوب وهو يصر على أسنانه وقد أبان عدوه الألد: بوء بها إلى النار يا مارق، ولكن ابن وهب المارق لم يفقد صوابه في لحظة الموت، وقال في جهل الضلال وهو يحاول أن يرد الكلمة والضربة: ستعلم أينا أولى بها صليا، فقال أبو أيوب في يقين الإيمان: وأبيك أني لأعلم، وكان صعصعة بن صوحان في هذه المعركة الثائرة الهائجة شهد صديقه الأعز أبا أيوب الأنصاري يجالد ابن وهب ويناظره، فلم يدع صديقه وحده يفوز بالنصر الأكيد على زعيم المارقين بل نهد إليهما وعاجل ابن وهب وضربه ضربةً باطشة فأبان بها رجله ثم بادره بطعنة ثانية في بطنه، فما هي الا لحظات حتى انجلى الغبار عن ابن وهب صريعاً لقى على الثرى يتخبط في دماءه وجهله وضلاله، ثم إن ابن صوحان.... عن جواده واحتز رأس رئيس المارقين وحمله هو وصديقه أبو أيوب وأتيا به إلى الأمام ليزفا إليه البشارة الكبرى عن نهاية المعركة، وهنا وأوشكت المعركة على نهايتها أصدر أمره إليهما: ان يطلبا له ذا الثدية وهو زعيم آخر من زعماء الخوارج المنشقين[١٥].

ثم إن أبا أيوب الأنصاري بعد أن اشترك في حروب الإمام وإلى جانبه ضد الطامعين والانتهازيين والضالين عن اتجاهات الاسلام والسارين في التيه، وبعد ان اثلج صدره انه قام بواجبه ونفذ وصايا رسول الله عاد إلى المدينة ونهض هناك بأعباء منصب «محافظ» المدينة، وكانت المدينة يومئذ شاغرة من أهلها من أصحاب رسول الله حيث ان معظمهم التفوا حول الإمام وساروا في موكبه، واتخذوا مواقعهم على أرض الرافدين وفي عاصمة الإمام، إن معظم صحابة رسول الله عاضدوا الإمام وعاشوا معه في عاصمته الا النفر القليل الذين آثروا أن يبقوا في المدينة على الانضمام إلى صفوف الإمام، وإلا الشيوخ والمرضى الذين لم يستطيعوا ان يناصروا الإمام في معاركه، وان كانت قلوبهم تهفوا إلى الإمام وإلى المشاركة الجادة في جانب الإمام في حمل راية الاسلام والدفاع عن قضاياه ودولته الفتية، وكان الذئب الأموي قد بث ذئابه في أطراف مملكة الاسلام يغيرون على الأحياء الآمنة والمدن الهاجعة البعيدة عن معترك الصراع، أرسل الذئب الأموي ذئبا من كبار الذئاب كان يطلق عليه بُسر بن أرطاة وكان قاسي القلب فضاً، وكان ذئبا في أهاب إنسان، كان مسخاً في مشاعره واندفاعاته أرسله في كتيبة مكونة من (٢٦٠٠) جندياً مرتزقاً إلى مدينة رسول الله وأوصاه الذئب الأموي أن يقضى على كل العناصر المؤيدة لدولة الإمام والمناوءة لحكومة الذئاب ولما بلغت كتيبة الذئاب إلى مدينة رسول الله وكانت الأنباء تترى إلى أهلها بالجرائم البشعة التي ترتكبها كتيبة الذئاب في طريقها إلى المدينة، وكانت المدينة يومئذ غير محصنة سوى من بضعة جنود وشرطة كانوا يحافظون على أمن البلد، وسوى كونها مدينة لرسول الله صلّى الله عليه وآله، وكانت مهبط للوحي، كانت المدينة تحصنها المعنويات التي ألقى عليها ظلالها رسول الله (ص) والتي كانت مركزاً لرسالته وموطنا لضريحه، وهذه المعنويات كانت لها صدى هاماً في قلوب المسلمين عامة إلا القلوب الممسوخة، ولكن هاتيك المعنويات إنهارت امام الممسوخين، ففي خلال ساعات كانت مدينة رسول الله لقى مستباحاً للغزاة الحاقدين، وبعد الترويع والارهاب الذي شهده أهل المدينة من الغزاة، تسلق ذئب الكتيبة بُسر بن أرطاة منبر رسول الله صلّى الله عليه وآله، المنبر الذي كان منطلقا للاشعاع والفكر والهدى والنور أمسى ينزوعليه هذا المسخ، ألقي بسر على الجموع المحتشدة في المسجد التي احتشدت بدافع الرهبة والخوف أوبدافع الفضول، ألقى نظرة مشبعة بالحقد والكراهية، ثم هاج وماج في مشاعره الممسوخة وانطلقت كلماته كقذائف تلفح الآمنين بلهيبها، وتستهدف الابرياء بشظاياها، كان بُسر مندفعاً كالبركان يشتم ويقذع في القول ويتناول أصحاب رسول الله بالسباب، ويفعم قلوب أهلها بالرعب والارهاب، ويقول: يا معاشر أبناء العبيد، بني زريق وبني النجار وبني سالم وبني عبد الأشمل، أما والله لأوقعن بكم وقعة تشفى غليل صدور المؤمنين؟!.

أما والله لأدعنكم أحاديث كالأمم السالفة، ثم دعا إلى موالاة الطاغية، فألقى الشيوخ والمرضى والمتخلفين عن الإمام بأيديهم ووالوا وبايعوا والأرهاب قد أخذ مجاله، ثم أحرق دوراً من زعماء أصحاب رسول الله الذين والوا دولة الإمام وناوؤا «قطاع الطرق» مثل دار زرارة بن حرون الأنصاري، ورفاعة بن رافع الأنصاري، ودار محافظ المدينة أبي أيوب الأنصاري، ولما شعر أبو أيوب الأنصاري أن عيون بُسر قد خفت عن مكمنه حمل ما خف من الامتعة والتحقق بالإمام في عاصمته، وهرب من وجه العتاة، وفي العاصمة استنفر الإمام الناس للتأهب لحرب الطاغية وجيشه، ولكن هذا الاستنفار لم يلق الاهتمام من قبل الناس، فحاول الإمام محاولات شتى للنهو ض بالامة إلى مستوى المسؤلية في هذه الظروف الحاسمة، وأخيراً أثمرت محاولات الإمام، وانقادت الامة لتوجيهات الإمام وتأهبت لخوض معركة حاسمة ضد الطاغية، وكان أبو أيوب الأنصاري في عاصمة الإمام يصغى إلى الأمام وهو يهيب بالامة أن تستعد لخوض معركة حامية ثانية ضد الأموي، وشعر بتقاعس في النفوس الأمر الذي حمله على أن يخطب الناس في المسجد الأعظم ويقول في حماس المؤمن بأمامه وبقيادته: «أيها الناس إن أمير المؤمنين قد أسمع من كانت له أذن واعية وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم بكرامة لم تقبلوها حق قبولها، إنه ترك بين أظهركم ابن عم نبيكم، وسيد المسلمين من بعده، يفقهكم ويدعوكم إلى جهاد المحلين فكأنكم صمٌّ لا تسمعون أوعلى قلوبكم غلقٌ مطبوع عليها فأنتم لا تعقلون، أفلا تستحون، عباد الله أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس قد شمل البلاء وشاع في البلاد، فذوحق محروم، وملطوم وجهه وموطئ بطنه، وملقى بالعراء تسفى عليه الأعاصير لا يكنه من الحر والقر، وصهر الشمس، والضح إلا الأثواب الهامدة وبيوت الشعر البالية، حتى حياكم الله بأمير المؤمنين، فصدع بالحق ونشر العدل وعمل بما في الكتاب، يا قوم فاشكروا نعمة الله عليكم ولا تولوا مديرين ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. اشحذوا السيوف واستعدوا لجهاد عدوكم، فاذا دعيتم فأجيبوا وإذا أمرتم فاسمعوا، وأطيعوا وما أضمرتم عليه تكونوا بذلك من الصادقين».

ولما أثمرت جهو د الإمام في العودة إلى صفين في نهاية خلافته كتب الكتائب، وجيش الجيوش وعقد الألوية، وكان ممن عقد له لواء على كتيبة مكونة من عشرة آلاف جندي هو صاحبنا أبو أيوب الأنصاري، إلا أنّ الله تعالى مجده شاء أن يلحق الإمام بالرفيق الأعلى ويخلصه من صراعات الأرض مع الطامعين فيها، فاستشهد في محراب ابتهالاته صلوات الله عليه وسلامه.[١٦]

مرض أبي أيوب الأنصاري

وفي ذات يوم سمع نوف البكالي – وكان من كبار صحابة أمير المؤمنين (ع) - أن أبا أيوب الأنصاري يعاني من مرض ألم به فهرع إلى زيارة صديقه الحبيب الكريم عليه، ولم يكد يأخذ مجلسه حتى شاهد على صديقه الحبيب معالم المرض والألم فتنهد وعالج أشجانه وابتهل إلى الله في حرارة وإيمان وقال وتكاد الدمعة تتدمن عينيه: اللهم عافه واشفه. فردد الحاضرون: اللهم عافه واشفه، ولكن أبا أيوب الأنصاري الذي شفه المرض لم يكتف بذلك بل قال: لا تقولوا هذا، فقال أحدهم: وكيف نقول. قال: قولوا: اللهم إن كان أجله عاجلاً فاغفر له وارحمه، وإن كان آجلاً، فعافه واشفه واجره».

فطلب العافية والشفاء من الأسقام يأتي مع امتداد العمر وتأخير أجل الكتاب، وإذا كانت صفحات عمر الكتاب قد تمت فما هو هذا الدعاء: «اللهم عافه واشفه» ولكن يأتي دور هذا الدعاء مع امتداد في صفحات العمر، وهنا يكون الدعاء نابعاً من عالم الغيب: «اللهم عافه واشفه».

وفي ذات يوم، وكان أبو أيوب الأنصاري جالساً مفكراً مهتماً في حياته المالية والاقتصادية، رمى طرفه إلى عهد الإمام الزاهر الذي أسس على قواعد التقوى والسلطة القرآنية، فإذا بذلك العهد قد مضى من أعوام طويلة وجاء بدل ذلك العهد الذهبي عهد قامت دعائمه على الأثرة والسيطرة والدم المستباح والسيف الأهو ج، هذا العهد الذي طرد كل صحب الإمام عن ممارسة النشاط السياسي والمالي، تنهد أبو أيوب الصعداء وتمتم: ليت ذلك العهد يعود، إنه يذكرنا بعهد رسول الله.

ولكن «ليت» و«لعل» لا تحل مشكلته المستعيصة إنه شعر أن الشيخوخة تعوقه عن ممارسة الزراعة، وإن أرضه الزراعية تكاد تأخذ مسارها إلى الذبول وتعصف بها يد الإهمال، حيث إنه لا أحد هناك من يمد يد العون إلى هذا الشيخ، وإذا مدت، فسبيلها إلى انقطاع، قلب أبو أيوب الأمر على محاوره ظهراً لبطن، فرأى أن من الأفضل أن يرتاد الحاكم في دمشق، أليس له في في بيت المال حقوق، فَلِمَ لا يتقاضاها من الحاكم، ولم يكد يتجهز لارتياد البلد النائي حتى تذكر ما أنساه الدهر، وكادت هذه الذكرى تعرقل مسيرته لولا أن الأحلام راودته وأهابت به أن يسير في نفس الخط الذي عزم عليه، الأمر الذي انصاع للأحلام فسار، وهناك في دمشق لم يشعر هذا الصحابي الجليل الذي جللته الشيخوخة، والمجاهد الذي صارع قوي الكفر إبان فجر الإسلام، وهذه يد القدر جاءت به إلى الحاكم الذي كان إلى وقت قريب يصارع الحق بعد أن راش سهامه ضد الاسلام في فجره الأول، لم يشعر أبو أيوب بأية بوادر الحفاوة والاكرام، ولكنه غض الطرف، إنه جاء لمهمة، رنى الحاكم الأموي، وهو يستقل أريكة الحكم بطرفه نحوأبي أيوب، فمر في مخيلته كشريط كل الاحداث التي عاناه من هذا الصحابي، أليس هو صحابي الرسول وعضيد الإمام؟ أبتلغ الأموي ريقه على غصة، ثم قال: ما جاء بك يا أبا أيوب.

فقال أبو أيوب: «حاجتي عطائي، وثمانية أعبد يعملون في أرضي. وديناً قد أثقل كاهلي». ترى أنها حاجة ضئيلة، ضئيلة، خفيفة في كل المقاييس المالية والاقتصادية، دع عنك في مقاييس السلطان والخزانة المالية، إنها حاجة ضئيلة في مقاييس السلطان والمال المتراكم في خزائنه، ثم ان أبا أيوب لم يطالب الحاكم الا بعطائه، أي بحقوقه من بيت مال المسلمين، العطاء الذي احتجنه الحاكم دونه ودون الأوفياء للامام ولعهده الزاهر، أصغى الأموي إلى هذه الحاجة وهو الذي ينام على الملايين المكدسة، أصغى إلى أبي أيوب، ولكن الذكريات المرة التي لاحت له وهو يرنوإلى أبي أيوب آثارت فيه الغيض المكبوة، فقال متهكماً، غاضباً: أنسيت أفاعيلك بنا، تنحى عنا ليس لك عندنا شيء. ولكن أبا أيوب لم يجد مفراً من أن يواجه الحاكم بخطوط حكمه وحكم أسرته كما رسمها رسول الله، قال أبو أيوب وقد لفه الندم ان جاء إلى الرجل النكد المنكر: «إن رسول الله أخبرنا أنه سيصيبنا بعده أثرة» فقال معاوية ساخراً: وما أمركم به.

فقال أبو أيوب: «أمرنا ان نصبر حتى نرد عليه الحوض» فقال: «إذن فاصبروا»، وهنا تطاير الشرر والغضب من الشيخ الكبير – ومكانته تلك – من هذه المهانة الذليلة فقال في نبرات غاضبة: «والله لا كلمتك أبداً».

ثم نهض مسرعاً يحث الخطى علّه يبتعد من العتمة المنكرة التي أظلته بسوادها وأحقادها، ثم ان أبا أيوب لم يفت في عضده من هذه المواجهة من اللئيمة الحاقدة التي اصطدم بها في البلاط الأموي، وان عاتب نفسه على ارتياد هذا البلاط الذي عجم أهله من يوم ان كانوا حفاة يظلهم هجير من يوم وجوعها، بل انه راح يضرب الباب الذي مفتوح على مصراعيه، راح أبو أيوب إلى البصرة إلى صديقه ابن عباس الذي كان يومئذ يقطن البصرة حيث إنه - أي ابن عباس - كان حاكماً لهذه المدينة في عهد الإمام الزاهر، راح أبو أيوب إلى صديقه ورفيقه في دولة الإمام، وما أن لمحه ابن عباس حتى تهلل وجهه وانفرجت اساريره، وغمرته الفرحة لمرأى هذا الضيف الجليل، والصديق الوفي، والصحابي الذي انتخبه الله تعالى لتكون داره منتجعاً لرسول الله في الأيام الأولى من الهجرة المباركة، وأخذ يكرر وهو في نشوة الفرح: «مرحباً... مرحباً». ثم تعانقا عناقاً مشبوب الحرارة وقد كانت مرت شهو راً وأعواماً دون أن يرى أحدهما الآخر، ثم جلسا وراح ابن عباس يسأله عن حاله ورحلته وعن بصمات العهد الجديد، فتنهد أبو أيوب الصعداء، ثم سكت، وبعد هنيهة أخذ في سرد الانتقادات تلوالانتقادات لهذا العهد الذي لا يرى لصحب الرسول الأحرار إلا ولا ذمة، ثم اشترك ابن عباس في تأييده المطلق لصديقه الذي كان يتكلم عن نية صادقة مشبوبة الأوار، ثم لفهما الحديث عن عهد الإمام واتجاهاته وأهدافه الصاعدة نحوالعلم والعرفان، والمقارنة بين ذلك العهد المضئ وهذا العهد المظلم المعتم الذي لا يكاد المؤمن يرى مواقع أقدامه ومعالم أفكاره، ثم سار الحديث وئيداً طوراً ومشبوب الحرارة مفعم بالاهتياج طورا آخر إلى أن بلغ المرسى، فسأله ابن عباس عن أسباب الرحلة إلى البصرة مع الشقة البعيدة، ومع جلال السن والشيخوخة، فأجاب أبو أيوب في نبرات أسف يذكر رحلته إلى معاوية ومطالبته حقوقه من بيت مال المسلمين، والدين الذي عليه ومعالجته لقضاء هذا الدين، ثم هناك مزرعته المهجورة التي لا يكاد أحد يعينه على انماءها وهي مصدر ارتزاقه، فبادره ابن عباس قائلاً: «ثم ما كان جواب معاوية» قال أبو أيوب والأسف الممض قد لف ملامحه: «منعنى حقي، وتجهم في وجهي».

إن ابن عباس أدرك على ضوء كلمات أبي أيوب ومشاعره الجريحة التي احتوتها هاتيك الكلمات تفاصيل «مشكلة أبي أيوب» فبادر أولاً وسلمه مفتاح داره وقال وقد ارتسمت في مخيلته صورة ضيافة أبي أيوب للرسول العظيم: «لا صنعن بك كما صنعت برسول الله» ثم أضاف قائلاً وقد لفه الحماس والغيرة الاسلامية الحامية: «هذه الدار وما فيها من أمتعة وأثاث هي لك».

ثم قال: «كم عليك من الدين». قال: «عشرون ألفاً» فأمر ابن عباس أن تحمل إليه البدر وعد عشرين بدرة وفي كل بدرة تحتوى على ألفين، ويعني هذا ان البدر العشرين كانت تحتوى على أربعين ألفاً، ثم سلم الجميع إلى أبي أيوب الأنصاري صديقه الذي تجمعه به صلات المنهج والخط، كلاهما على منهج الإمام وخطه، صديقه هذا الذي اُهينت كرامته. ثم تسائل ابن عباس: «وكم غلام يكفي لمزرعتك ليقوموا بشؤنها». فقال أبو أيوب: «أربعة». فقال ابن عباس وقد انتباته أريحية الصداقة والقربي المنهجية: «لك عندي عشرون غلاماً». فشكر أبو أيوب ابن عم الرسول على البذل والايثار، ثم إن ابن عباس ودع صديقه وخرج من داره التي أهداها لصديقه بدلا أن يودعه أبو أيوب، طالما ان الدار اصبحت داره..[١٧]

الرواة عن أبي أيوب الأنصاري

روي عن أبي أيوب الأنصاري من الصحابة كل من:

  1. عبد الله بن عباس.
  2. زيد بن خالد الجهني.
  3. البراء بن عازب.
  4. أبي أمامة.
  5. مقدام بن معد يكرب.
  6. جابر بن سمرة.
  7. عبد الله بن يزيد الخطمي.

وروى عنه من التابعين كل من:

  1. سعيد بن المسيب.
  2. سالم بن عبد الله.
  3. أبي سلمة.
  4. عطاء بن يسار، وغيرهم.[١٨]

وفاة أبي أيوب الأنصاري

وفي عام ٥١ أنضم أبو أيوب الأنصاري إلى جيش كان متوجها إلى بلاد الروم، وكان أبو أيوب يومئذ يجلله الشيب وشهيراً في صفوف الجيش أنه صاحب رسول الله، والصاحب الذي اختاره الله ليكون مضيفا لرسوله في فجر هجرته إلى يثرب، الأمر الذي كان الجنود يتبركون بمطلعه، ويستفتحون الحصون بنور ناصيته ويتفألون برفقته لهم ويرخصون الغالي في معركة التضحية والفداء. إن رفقته لهم كانت تلهب العزائم وتفجر الطاقات وتهدي النفوس باتجاه الخير والبشرى.

إن الشيخ الصاحب الطاعن في السن لم يشترك في المعارك على أرض الروم إلا لتعزيز الاسلام وتعزيز كيانه، ان نواياه الصادقة التابعة من قلب يفيض بالحب للإسلام والإجلال لرسوله ولكلمته كانت هي الحافز للانضمام إلى جيش الصائفة، إن أبا أيوب الأنصاري لم يفكر قط بالدولة القائمة واتجاهاتها وأهدافها بقدر ما كان يفكر بالإسلام وإعلاء شأنه وانتشاره في أرجاء العالم، وكان الجيش يخب في أرض الروم مقاتلاً حتى انتشرت في صفوفه نبأ وفاة أبي أيوب الأنصاري، كان نبأ وفاة أبي أيوب الأنصاري في صفوف الجيش له أثر كبير في معنوياته وكان الجنود يقدرون الأنصاري ويباركون خطواته معهم في معترك النضال ولكن بنأ وفاته أثار هذا التساؤل لدى الجنود: يا ترى ما الذي أوصى أبو أيوب في آخر لحظات من حياته وهو يكابد الشيخوخة ويعاني أمراضها ترى ما هي وصية أبي أيوب، وسرعان ما ذاعت الوصية بين الجنود والضباط مما أثار نشاط الجنود وحفزهم على التفاني في سبيل الوصية القيمة وتنفيذها على مسرح الواقع كانت وصية أبي أيوب الأنصاري وهو يرنوإلى الملأ الأعلى تقترب خطواته منه، ويرى الجيش ينحدر في أرض العدوولكن العوائق التي كان يقيمها جيش الروم كانت تصد جنود أبي أيوب الأنصاري من الزحف باتجاه العاصمة، الأمر الذي رسم خطة حافزة ومناهضة، قال أبو أيوب في وصيته: «سمعت رسول الله يقول: يدفن عند سور القسطنطينية رجل صالح من أصحابي»، ثم تمهل أبو أيوب قليلاً وقد رأى نفسه قد اشتد عليها وطئة المرض وهو يسير في صفوف الجنود في أرض الروم، رأى أبو أيوب أن هذه النبؤة الرسالية رنا فيها رسول الله إلى هذا اليوم من ثنايا حُجب الغيب، إذن من يا ترى يكون هذا الرجل الصالح الصحابي للرسول لابد أن يكون هو نفسه المعنيُّ بهذه الرؤية المستقبلية الملهمة للرسول عليه الصلاة والسلام، ثم إنَّ أبا أيوب القى الضوء على هذا الحديث قائلاً: «ورجوتُ أن أكونه»، ثم أوصى أن يدفن هناك في أرض الروم.

إذن دخول الأنصاري في معركة الصائفة وأنصياعه إلى صفوف جنودها كانت عن أحلام تراود الأنصاري أن يكون هو ذلك الرجل الصالح، ولربما وقع في روع أبي أيوب من لحظة النبؤة أنه هو المعنى بالحديث المستقبلي الأمر الذي خاض معركة الصائفة، وهو يشعر بأثقال الشيخوخة والأمراض التي اجتاحته، فأوصى بتلك الوصية الفذة النابعة من مشاعره تجاه الحديث المنبأ عن الغيب، والنابعة من نفسيته الرائدة الجهادية التي ترنوإلى المعارك والمشاركة فيها مشاركة أكيدة وحاسمه تماماً كما ترنوإلى رياض مزهرة خضراء.

إذن وصية أبي أيوب الأنصاري والتي كانت تضم على الحديث المنبأ عن هذا اليوم، قد شاع وذاع بين الجنود والضباط في صفوف الجيش، الأمر الذي ساد مضمون الحديث على الجيش فأخذ على نفسه العهد أن يسير قدماً، وجئمان الفقيد الراحل يحمله كراية مباركة امام كتائب الجنود، وسار الجنود مقاتلين وهم يستهدفون الوصول إلى أسوار العاصمة البيزنطية، وكان الجثمان يحفز الجنود ويلهب مشاعرهم ويؤجج عواطفهم الجهادية لبلوغ الغايه مهما كلفتهم من تضحيات، طالما ان نبؤة الرسول العظيم لم تتحقق بعد على أرض الواقع.

شارفت الكتائب أسوار القسطنطينية وهناك اشتد الصراع بين الفريقين الأمر الذي كادت أن تلحق هزيمة منكرة بجنود أبي أيوب الأنصاري مما دعاهم أن يسرعوا ويدفنوا الفقيد الغالي في أرض الروم على مشارف المدنية التاريخية، ثم تراجعوا تاركين وراءهم ضريح أبي أيوب الأنصاري، وكان الجنود قد أخذوا على الروم موثقا للحفاظ على تربة الصحابي الجليل، ولكن تلك الروح الطاهرة ألقت ظلالها على نفوس أهل الروم، الأمر الذي أمر ملكهم أن يشيد فوق الضريح قبة يزوره الناس زرافات ووحداناً وقد رأوا البركة من تلك النفس الكريمة، وفي نفس الوقت استهدفت السياسة البيزنطية إثارة عواطف المسلمين تجاهها، حتى أنهم كانوا إذا أجدبوا سارعوا إلى ضريح أبي أيوب وجأروا إلى الله عزوجل، وتشفعوا بأبي أيوب واستسقوا فكانوا يسقون، ويهطل عليهم المطر كأفواه القرب، مما زادت مكانة صاحب الضريح لدى أهل المدينة الذين لم يعتنقوا الاسلام بعد فكانوا يتعاهدون الضريح بالنظافة والترميم والبناء والتشييد[١٩]. وكانت وفاة أبي أيوب سنة ٥١ ه[٢٠].

ثم وبعد ان اعتنق الروم الاسلام، واجتاحت العقيدة أسوار القسطنطينية وسادت العقيدة هاتيك الربوع، شيد المسلمون مسجداً ومدرسة على مقربة من ضريح أبي أيوب الأنصاري، باسم «جامع أبي أيوب الأنصاري» و«مدرسة أبي أيوب الأنصاري» وكان للمدرسة نشاط ملحوظ سنة ٩٣٥ ه[٢١].

ولأبي أيوب في «المدينة» عقب[٢٢].[٢٣]

خواجه عبد الله الأنصاري

ومن أعقاب أبي أيوب هو الخواجة عبد الله الأنصاري، وهو حفيد من أحفاد أبي أيوب كان يعيش في القرن الخامس للهجرة وكان العلماء من والأدباء وحفاظ الحديث وهو : عبد الله بن أبي منصور محمد الأنصاري الشهير ب «خواجة عبد الله الأنصاري».

الطوسي عد «خالد بن زيد، مدني عربي خزرجي يكنى أبا أيوب الأنصاري من الخزرج» من أصحاب أمير المؤمنين (ع)[٢٤].

العلامة الحلي: أبو أيوب الأنصاري مشكور اسمه خالد[٢٥].

ابن داوود: أبو أيوب خالد بن زيد هو الأنصاري ل، ي [كش] عظيم الشأن[٢٦] و[٢٧].[٢٨]

المراجع والمصادر

  1.   السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ج١

الهو امش

  1. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٥٣-٥٥.
  2. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٥٥-٥٨.
  3. سورة الإنسان، الآية ٨-٩.
  4. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٥٨-٦٢.
  5. حلية الأولياء ١: ٣٦٢.
  6. سورة الإخلاص، الآية ١-٢.
  7. حلية الأولياء ٢: ١١٧، وجاء في الحلية بهذه العبارة:... فإنه من قرأ: «الله الواحد الصمد فقد قرأ ليلته ثلث القرآن» وهي كما ترى، فإننا نعلم أن «الله الواحد الصمد» ليست آية ولا سورة من القرآن وإنما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ هي سورة من القرآن، وهذه السورة تعادل الثلث لا «الله الواحد الصمد» ولربما كانت «الله الواحد الصمد» رمزاً عن سورة التوحيد.
  8. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٦٢-٦٦.
  9. سورة التوبة، الآية ٤١.
  10. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٦٦-٦٩.
  11. أعيان الشيعة ٢٩: ٨٦.
  12. أسد الغابة ٤: ٣٣.
  13. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ١: ٢٨٩، طبع مصر، ١٣٢٩.
  14. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٦٩-٧٣.
  15. أعيان الشيعة ٢٩: ٩٥.
  16. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٧٣-٧٩.
  17. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٧٩-٨٣.
  18. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٨٣.
  19. طبقات ابن سعد ٣: ٤٨٤.
  20. المعارف: ٢٧٤.
  21. شذرات الذهب ٨: ٢٠٦
  22. المعارف: ٢٧٤.
  23. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٨٣-٨٦.
  24. رجال الطوسي ١: ٤٠.
  25. رجال العلامة الحلي ١٩: ١٨٨.
  26. علامة ل، ي يعني أن أبا أيوب الأنصاري مذكور في رحال الطوسي من اصحاب رسول الله وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام ويعني من كش: رجال الكشي المعروف «باختيار معرفة الرجال» وقد لحصه وهذه شيخ الفقهاء محمد بن الطوسي.
  27. رجال ابن داوود ٥: ٢١٤.
  28. السيد ناصر الحسيني الطيبي، موسوعة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، ج١، ص ٨٧.