توحید الأفعال في معارف الإمام الحسين وسيرته

من إمامةبيديا

التمهيد

المراد من «التوحيد الأفعالي»، هو أنَّ كلَّ ما يقع في العالم من العلل والمعلولات، والأسباب والمسببات، يقع بإرادة الله تعالى، في حدوثه وبقائه وتأثيره، فكلُّ شيءٍ قائمٌ به، وهو القيوم المطلق، ولا حول ولا قوة ولا تأثير إلا به وبإذنه[١].

فكلُّ فعلٍ في الوجود سواء كان فعلاً طبيعيًّا أم اختياريًّا، وسواء صدر من موجود مجرد أم من موجود مادي، إلا ويقع بإرادته تعالى في حدوثه وبقائه، وهذا هو معنى أنَّ لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى.[٢]

كلمات الإمام الحسين(ع) حول التوحيد الأفعالي

عند إجراء مسح لكلمات الإمام الحسين(ع) في المقام نجد أنَّها على صنفين:

الصنف الأول: كلماته(ع) التي تفيد التوحيد الأفعالي

وهذه الكلمات له (ع) التي تفيد التوحيد الأفعالي، وأنَّ نظام الخلق منسوب إلى الله تعالى من دون واسطة، ومن كلماته(ع) في هذا المجال:

  1. كلماته(ع) التي تدلُّ على التوحيد الذاتي أو الصفاتي، وأنَّ جميع الأشياء قائمة به تعالى، ولازم هذه الكلمات هو التوحيد الأفعالي، من قبيل قوله(ع): « فَسُبحانَ الله ِ الواحِدِ الحَقِّ الأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذي لَم يَلِد ولَم يولَد ولَم يَكُن لَهُ كُفُوا أحَدٌ»[٣]. فهذه المقولة تتحدث عن كونه تعالى منزَّهٌ لا يحتاج إلى أيِّ شيء. وقوله(ع): « لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ»، يتحدَّث عن كونه تعالى لا معبود سواه، وأنَّه غير محتاج إلى غيره.
  2. كلماته(ع) التي تفيد بأنَّه تعالى الملك المطلق والفعال لما يشاء، وله القدرة والمشيئة المطلقة، من قبيل قوله(ع) في دعاء عرفة: « وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ فَيُضَادَّهُ فِيمَا ابْتَدَعَ، وَلَا وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ فَيُرْفِدَهُ فِيمَا صَنَعَ، سُبحانَهُ سُبحانَهُ سُبحانَهُ! لَو كانَ فيهِما آلِهَةٌ إلَا الله ُ لَفَسَدَتا وتَفَطَّرَتا». وقوله(ع): « الحَمدُ للهِ الَّذي لَيسَ لِقَضائِهِ دافِعٌ». وقوله(ع): « فَلا كافِيَ لَنا سِواكَ، ولا رَبَّ لَنا غَيرُكَ»، وقوله(ع): « ورَزَقتَني مِن أنواعِ المَعاشِ وصُنوفِ الرِّياشِ»، وقوله(ع): « يا مَنْ دَعَوْتُهُ مَرِيضاً فَشَفانِي وَعُرْياناً فَكَسَانِي وَجائِعاً فَأَشْبَعَنِي وَعَطْشاناً فَأَرْوانِي وَذَلِيلاً فَأَعَزَّنِي وَجاهِلاً فَعَرَّفَنِي وَوَحِيداً فَكَثَّرنِي وَغائِباً فَرَدَّنِي وَمُقِلّاً فَأَغْنانِي وَمُنْتَصِراً فَنَصَرَنِي وَغَنِيّاً فَلَمْ يَسْلُبْنِي، وَأَمْسَكْتُ عَنْ جَمِيعِ ذلِكَ‌ فَابْتَدَأَنِي»، وقوله(ع): « يَا مَنْ اخْرَجَ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ، يا مَنْ فَلَقَ الْبَحْرَ لِبَني اسْرائيلَ فَأَنْجَاهُمْ وَ جَعَلَ فِرْعَوْنَ وَ جُنُودَهُ مِنَ الْمُغْرَقينَ». وقوله(ع): « وأنتَ الَّذي هَدَيتَهُم حَيثُ استَبانَت لَهُمُ المَعالِمُ»[٤]. فهذه الكلمات واضحة في التوحيد الأفعالي، وأنَّه لا مؤثر في الوجود إلا الله.

ولا يخفى أنَّ النصوص الحسينية تلتقي مع نصوص قرآنية كثيرة في إثبات المدلول ذاته، من قبيل قوله سبحانه: ﴿قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[٥] . وقوله سبحانه: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[٦] . وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ[٧].[٨]

الصنف الثاني: كلماته (ع) في تأثير العوامل الطبيعية بأنحائها المختلفة

كلماته(ع) التي تفيد أنَّ العوامل الطبيعية لها أنحاء متعددة من التأثير، ومن هذه الكلمات:

  1. الكلمات التي تدلُّ على وجود صانع وخالق غير الله تعالى، كقوله(ع) في دعاء عرفة: « وَلا كَصُنْعِهِ صُنْعُ صانِعٍ»، فوصف صنعه بأنَّه لا نظير له يدلُّ على وجود صانعين وخالقين غيره، لكنهم لا يشابهونه تعالى في صنعه، نظير قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[٩].
  2. الكلمات التي تشير إلى استناد أفعال المخلوقات إلى نفسها، من قبيل قوله(ع) في دعاء عرفة: « يَا إلهي، أغنِني بِتَدبيرِكَ لي عَن تَدبيري، وبِاختِيارِكَ عَنِ اختِياري». وقوله(ع): « إِلى‌ مَنْ تَكِلْنِي، إِلَى الْقَرِيبِ يَقْطَعُنِي، أَمْ إِلَى الْبَعِيدِ يَتَجَهَّمُنِي‌، أَمْ إِلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ لِي، وَأَنْتَ رَبِّي وَمَلِيكُ أَمْرِي». وقوله(ع): « أنَا الَّذي أخطَأتُ، أنَا الَّذي أغفَلتُ، أنَا الَّذي جَهِلتُ، أنَا الَّذي هَمَمتُ، أنَا الَّذي سَهَوتُ، أنَا الَّذِي اعتَمَدتُ، أنَا الَّذي تَعَمَّدتُ، أنَا الَّذي وَعَدتُ، أنَا الَّذي أخلَفتُ، أنَا الَّذي نَكَثتُ، أنَا الَّذي أقرَرتُ». وقوله(ع): « لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ». وهذه الكلمات تلتقي مع النصوص القرآنية التي تسند التأثير إلى الأسباب الطبيعية، كقوله سبحانه: ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[١٠]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ[١١].

فهذه النصوص القرآنية والنصوص الحسينية تشير بوضوح وصراحة إلى تأثير الأسباب الطبيعية، وتُبيّن تأثير الرياح والماء في حركة الطبيعة، كما أنَّ هناك آيات أُخرى تنسب الآثار إلى فواعل طبيعية أُخرى في نظام الوجود وفي إطار حركة المادة، مثل: الكواكب والنجوم، والجبال والبحار، وغير ذلك.

على أنَّ المسألة لا تقتصر على الفواعل والأسباب الطبيعية فقط، بل تنسب النصوص القرآنية بصراحة آثاراً متعددة إلى أفعال الموجودات الاختيارية وبقية الموجودات كالملائكة، كما يقول سبحانه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ[١٢]. وعن الملائكة يقول: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا[١٣]. ونحوها من النصوص القرآنية.

وعليه؛ فكيف الجمع بين صنف من النصوص القرآنية والحسينية التي تحصر الخلق والتأثير بالله تعالى، وبين الصنف الآخر من النصوص التي تتحدث بصراحة عن تأثير الفواعل الطبيعية والاختيارية؟ وهذا ما يتضح في البحث الآتي.[١٤]

الجمع بين كلمات الإمام الحسين(ع)

ذكر آنفاً أنَّ كلمات الإمام الحسين(ع) بصنفيها – أي: الكلمات التي تحصر التأثير بالله تعالى، والصنف الآخر الذي يتحدث عن تأثير الفواعل الطبيعية الأخرى – لها نظائر في القرآن الكريم؛ وقد برزت لذلك عدَّة وجوه ونظريات في حلِّ ما يتوهَّم من التنافي بين النصوص القرآنية، ونحن لا نريد الخوض في تفصيل هذه النظريات بقدر بيان النظرية الحقَّة، لكن لا بأس بإعطاء لمحة مختصرة عن تلك النظريات التي تبنَّاها بعض أعلام المسلمين: [١٥]

النظرية الأولى: للأشاعرة

حيث ذهبوا إلى أنَّ الله تعالى هو الفاعل لكلِّ شيء بلا واسطة، وقد انطلق الأشاعرة في نظريتهم هذه من تحكيم بعض النصوص القرآنية، كقوله تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ[١٦]، ونحوها مما يشاركها في المضمون، فالله فاعل لكلِّ موجود ولآثاره وأفعاله بلا واسطة، ولا توجد أدنى مدخلية لشيء غير الله تعالى، فيقولون بعدم وجود علاقة بين النار والإحراق، أو بين شرب الماء والارتواء، أو بين الأكل والشبع، فالماء ليس هو الذي يروي الإنسان، وليس الماء علَّة للإرواء، والنار ليست علَّة للإحراق، بل جرت عادة الله على أن يسدَّ ظمأ الإنسان بعد شرب الماء[١٧].

ونحن لا نريد الخوض في مناقشة الأشاعرة، لكن نشير إلى أنَّ أهمَّ ما يرد عليهم أنَّه يلزم أن يكون الإنسان مجبوراً، وبذلك يبطل الثواب والعقاب، مضافاً إلى أنَّ قول الأشاعرة بتعطيل نظام السببية والعلية يتساوق مع تقويض منظومة الفكر الإسلامي عقيدةً وفروعاً؛ لأنَّ السببية هي محور التفكير العقلي، ومع إلغاء وإنكار العلاقة بين الدليل والمدلول، وإنكار قانون العلية والمعلولية العام لا يثبت أيُّ مدَّعٍ، بما في ذلك ما يدعيه الأشاعرة أنفسهم، وعليه يؤدي بهم إلى إغلاق الطريق لإثبات الصانع (جلَّ وعلا) وإثبات النبوة والكتاب، ولا تصل منظومة الفكر إلى إثبات توحيد الخالقيَّة، بعد أن أُغلق الطريق لإثبات الله والنبوة والكتاب، فادعاء الأشاعرة هنا وإن التقى مع مدلول بعض الآيات، إلا أنَّها تتعارض مع مدلول طائفة أخرى تتحدث عن الوسائط ونظام السببية، وأنَّ لهذه الوسائط والأسباب تأثيراً ملحوظاً لا يمكن إنكاره وجدانيًّا ولا حسيًّا.[١٨]

النظرية الثانية: للمعتزلة

وهذه النظرية على عكس نظرية الأشاعرة، فقد لاحظ أعلام المعتزلة أنَّ ظواهر الآيات القرآنية تلتقي مع الفطرة والوجدان في وجود قانون السببية، وأنَّ لكلِّ شيءٍ سببًا، ومما يؤكد ذلك هي التجربة الحسية التي تثبت حاكمية هذا القانون في نظام الوجود. ومن هنا؛ انتهت المعتزلة إلى نظرية مغايرة للقراءة الأشعرية، حيث تصوَّر المعتزلة أنَّ إثبات الفاعلية لله سبحانه معناه نفي فاعلية الأسباب الطبيعية، ولمَّا كانت فاعلية الأسباب الطبيعية أمرًا وجدانيًّا تجريبيًّا ثابت فقد لجأوا إلى نفي فاعلية الله.

وعلى هذا الأساس؛ اختار المعتزلة الإيمان بفاعلية الأسباب الطبيعية وإنكار الفاعلية الإلهية، وذلك من خلال الإيمان بأنَّ الأسباب الطبيعية تحتاج إلى الله في حدوثها فقط، أما في بقائها وإيجادها للأشياء فهي مستغنية عنه سبحانه.

والذي دفعهم للقول بذلك هو تصحيح مسألة الثواب والعقاب، حيث ذكروا أنَّه لو كان فاعل الفعل هو الله تعالى كما يقول الأشاعرة، لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والجنة والنار، ومعنى ذلك بطلان الرسل والشرائع السماوية. ولأجل تصحيح الثواب والعقاب لا بدَّ أن يكون العبد مستقلاً في فعله. مضافاً إلى أنَّه لو كان الله تعالى هو فاعل الأفاعيل جميعاً _ وبعض أفعال الإنسان من الظلم والشرِّ _ يلزم أن ننسب الظلم إليه تعالى وهو محال؛ لأنَّه تعالى منزَّه عن كلِّ ظلم وجور. وعليه لا بدَّ؛ أن يكون العبد مستقلاً بفعله عن الله[١٩].

وأبرز ما يرد عليهم أن كلَّ مخلوق محتاج إلى الله تعالى حدوثاً وبقاءً، وليس في الحدوث فقط، وسيأتي توضيحه عند بيان نظرية الشيعة الإمامية.[٢٠]

النظرية الثالثة: نظرية الشيعة الإمامية

وحاصل هذه النظرية: أنَّ الفاعل الحقيقي هو الله تعالى، لكنه أعطى القوة والقدرة لمخلوقاته، فهو الذي أعطى السببية للنار كما أعطى لها الوجود، فهي تؤثر بإذن وتقدير منه سبحانه، وأنَّ يدي هي التي تحمل الكتاب، لكن بواسطة القوة التي أفاضها الباري تعالى، ويمكن أن نقول: إنَّ هذه التفاحة حلوة، لكن لا نقول هي التي أوجدت حلاوتها بنفسها، بل الله تعالى أودع فيها الحلاوة، وأنَّ الماء يروي الظمأ، لكن لا نقول: إنَّ الماء هو الذي أوجد هذه الخاصية لنفسه، بل الله تعالى هو الذي أوجد فيه خاصية الإرواء.

وبهذا البيان يرتفع التنافي بين الصنفين من كلمات الإمام الحسين(ع)؛ الصنف الدالِّ على حصر الخالقية والفاعلية بالله تعالى، والصنف الدالِّ على صحة تأثير المخلوقات بعضها في بعض، ووجه الجمع هو أنَّ الله تعالى هو المؤثر الحقيقي، ولا مؤثر سواه، لكن أعطى المخلوقات القدرة على التأثير أيضاً، وتأثير المخلوقات إنَّما هو بإذن الله تعالى، وهذا هو قانون العلية العام الجاري في النظام الكوني.

والحاصل: إنَّ الله تعالى هو المؤثر في جميع الأفعال ولا مؤثر سواه، وهذا ما تؤكده أدعية أهل البيت(ع)، لا سيَّما أدعية الإمام الحسين(ع) كدعاء عرفة، حيث يؤكد أنَّ الأفاعيل تنسب إلى الباري تعالى، ومن الواضح أنَّ هذا التأكيد في الأدعية على نسبة الأفاعيل إلى الله تعالى يركِّز حالة التوحيد الحقيقي، ويبعد الإنسان عن الشرك، الذي كثيراً ما يُبتلى به، وخصوصاً في الجانب العملي حينما يتعامل مع الأمور وكأنَّها عائدة إلى المخلوقات، لكن هذه الأدعية تنبِّه الإنسان إلى أنَّ المؤثر الحقيقي هو الله تعالى، وأنَّ أيَّ شيءٍ إذا كان فيه تأثير، فإنَّ تأثيره بقوة الله ومشيئته، وهو الذي يوجد هذه القدرة في التأثير في الأشياء؛ ولذلك ورد أنَّ الدعاء يردُّ القضاء ولو كان مبرماً، ومعنى ذلك أن يرده وفقاً للأسباب الطبيعية والسنن الكونية الحاكمة في هذا الكون، فإذا دعا العبد وكان صادقاً في دعائه، ويقول: يا إلهي، ارزقني أو اشفني... معناه: ياربِّ ويا إلهي، أنت الذي جعلت هذه العلل والأسباب مؤثرة، وأنت الذي أعطيتها القدرة على التغيير والفعل والتبديل، وأنا ألجأ إليك في دعائي، فالدعاء متفرِّع عن التوحيد الأفعالي، وهذه الأدعية والمناجاة الشريفة عن أهل البيت(ع) التي جاءت لمختلف حالات الإنسان النفسية، ولمختلف الأمكنة والأزمنة، كلُّها تركِّز على معنى التوحيد الأفعالي، بمعنى أنَّ جميع الأفاعيل منسوبة إلى الله تعالى، نعم تُنسب إلى المخلوقات؛ لأنَّ المخلوقات واقعة في طول سلسلة فاعلية الله تعالى[٢١].

إذاً خلاصة هذه النظرية هو أنَّ الفعل يُنسب في آن واحد إلى الله تعالى ويُنسب إلى فاعله المباشر أيضاً، فالإرواء من الظمأ كما يُنسب إلى الله تعالى كذلك يُنسب إلى الماء، لكن هذه النسبة بنحو الطولية لا بنحو العرضية، فيكون الله تعالى فاعلاً بعيداً، والماء هو الفاعل القريب.

ولذا قال الإمام الحسين(ع): « ولكِنَّهُ المالِكُ لِما مَلَّكَهُم، وَالقادِرُ لِما عَلَيهِ أقدَرَهُم»[٢٢]، حيث يُصرّح الإمام الحسين(ع) بأنَّ الأسباب المؤثرة في العالم، إنَّما الله تعالى هو الذي ملّكها وأقدرها، وهذا من عطائه ومنِّه؛ ولذا يقول تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً[٢٣].

ومن هذا المنطلق نفهم قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ[٢٤]، بمعنى أنَّ الأشياء في هذا العالم بينها علاقة ضرورية قائمة على أساس العلية والمعلولية، لكن هذه الأشياء الطبيعية لا تعمل على نحو الاستقلال، بل الله تعالى هو الذي أوجد فيها القدرة على التأثير، وهذا ما يُشير إليه الطباطبائي بقوله: «بيَّن القرآن الشريف على ما يُفهم من ظواهره، قوانين عامة كثيرة... لكنّها جميعاً قوانين كلية ضرورية، إلا أنَّها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها، بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم. وإذا كانت هذه الأحكام العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته، فمن البين أنَّ فعله تعالى لا يُجبره تعالى على مؤدّى نفسه، ولا يغلبه في ذاته، فهو سبحانه القاهر الغالب... وبعبارة أخرى: ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنَّما هو أثر التمليك الذي ملّكه الله إياها، ولا معنى لأن يملك شيء بالملك الذي ملّكه الله بعينه منه تعالى شيئاً، فهو تعالى مالك على الإطلاق»[٢٥].

هكذا تتبنّى مدرسة أهل البيت(ع) رأياً في الفواعل الطبيعية يُفيد أنَّ هناك طولية في الفاعلية، وهذا ما يقتضيه الجمع بين الآيات، فالله سبحانه أوجد بعض الأفعال مباشرةً بلا واسطة، وبعضاً مع الواسطة، بالمعنى الذي يُفيد أنَّ لهذه الواسطة أثراً في إيجاد الفعل، لكن بإقدار الله، وهذا الإقدار لا يستقلّ بالأثر، بل هو محتاج إلى الله سبحانه حدوثاً وبقاءً. فالله سبحانه لا يمنح القدرة للسبب الطبيعي ثمَّ ينعزل، بل تتّسم العلاقة بالدوام؛ لأنَّ ذلك السبب قائم به حدوثاً وبقاءً.

والنتيجة المتحصّلة من الصنفين المتقدّمين من كلمات الإمام الحسين(ع)، تنتهي إلى أنَّ مدلول الصنف الأول من كلماته(ع) التي نسبت خلق كلّ شيء إلى الله، يُفيد بأنَّ الله تعالى هو المؤثر بنحو الاستقلال، وأمّا الصنف الثاني من الكلمات، فيُفيد بأنَّ كلّ فعل يصدر من فاعله الطبيعي، ولكن بإذن الله تعالى، أي: إذنه التكويني، وليس الإذن التشريعي، وهذا هو مقتضى التوحيد الأفعالي الذي تذهب إليه الإمامية، وهذا فيما يخص الفواعل الطبيعية غير الاختيارية، كفعل النار والماء ونحو ذلك. أما بالنسبة للأفعال الاختيارية فقد ذهبت الشيعة الإمامية إلى نظرية الأمر بين الأمرين مقابل نظرية الجبر.

ومما ينبغي الالتفات إليه هو أنَّ نظرية الأمر بين الأمرين محكومة أيضاً بقانون العلة والمعلول والأسباب والمسببات، وهو قانون عامّ يشمل كلّ سبب من الأسباب في هذا العالم، سواء أكانت طبيعية أم اختيارية، كما سيتضح.[٢٦]

فروع التوحيد الأفعالي في كلمات الإمام الحسين(ع)

يتفرّع التوحيد الأفعالي إلى عدد من الفروع، منها:

الفرع الأول: التوحيد في الربوبية

قال الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة: « فَلا كافِيَ لَنا سِواكَ، ولا رَبَّ لَنا غَيرُكَ»[٢٧] . وفي فقرة أخرى من الدعاء ذاته قال(ع): « وَأشهَدُ بِالرُّبوبِيَّةِ لَكَ، مُقِرّاً بِأَنَّكَ رَبِّي». وفي فقرة ثالثة: « أنتَ رَبّي وَمَليكُ أمري».[٢٨]

الربُّ في اللغة والاصطلاح

التعريف اللغوي

كلمة الربّ في الأصل: هي التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حدّ التمام، يقال: ربّه وربّاه وربيّه. فالربّ مصدر مستعار للفاعل، ولا يُقال: الربّ مطلقاً إلا لله تعالى المتكفّل بمصلحة الموجودات، نحو قوله: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ[٢٩]. أما إذا أُضيفت كلمة الربّ، فحينئذٍ يمكن أن تُستعمل في الباري تعالى وفي غيره، فيقال: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ[٣٠] و﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ[٣١]، ويقال: ربّ الدار، وربّ الفرس، ونحو ذلك[٣٢].

فالربوبية ترجع إلى التدبير والتربية، ومعنى التدبير: هو الإتيان بالشيء عقب الشيء، ويُراد به ترتيب الأشياء المتعددة المختلفة ونظمها، بوضع كلّ شيءٍ في موضعه الخاصّ به؛ لأجل حصول الغرض والفائدة، ويقال: دبّر أمر البيت، بمعنى نظّم أُموره والتصرفات العائدة إليه، بحيث أدى إلى صلاح شأنه وتمتّع أهله بالمطلوب من فوائده.

التعريف الاصطلاحي

فتدبير العالم: بمعنى نظم أجزائه نظماً جيداً متقناً بحيث يتوجه كلّ شيءٍ إلى غايته المقصودة منه، وهي آخر ما يمكنه من الكمال الخاصّ به، وتدبير الكل هو إجراء النظام العامّ العالمي بحيث يتوجه إلى غايته الكلية، وهي الرجوع إلى الله وظهور الآخرة بعد الدنيا[٣٣].

وهذا المعنى استُعمل في كلمات الإمام الحسين(ع) بشكل كبير، لا سيما في دعاء عرفة، حيث يشير(ع) إلى كيفية تدبير الله تعالى، وأنّه تعالى يرعى الإنسان ويدبّر أمره، ابتداءً من خلقه من تراب وما يلحقه من مراحل النشوء كمرحلة السكن في الأصلاب، ومن ثمَّ الولوج في الرحم، إلى كيفية تهيئة الرحم بشكل يتلاءم مع تلك المرحلة، ثمَّ مرحلة الخروج من الرحم، وإيجاد ما يناسبها من أجواء، وما يتبعها من مراحل أخرى، وكلّ هذه العناية والرعاية هي نوع من التدبير، وهو معنى الربوبية، كما هو واضح لمن تأمل في دعائه الشريف(ع): « اللهُمَّ إنّي أرغَبُ إلَيكَ، وأشهَدُ بِالرُّبوبِيَّةِ لَكَ، مُقِرّا بِأَنَّكَ رَبّي، وأنَّ إلَيكَ مَرَدِّي، ابتَدَأتَني بِنِعمَتِكَ قَبلَ أن أكونَ شَيئا مَذكوراً، وخَلَقتَني مِنَ التُّرابِ ثُمَّ أسكَنتَنِي الأَصلابَ... ثُمَّ أسكَنتَني في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ، بَينَ لَحمٍ وجِلدٍ ودَمٍ، لَم تُشَهِّرني بِخَلقي، ولَم تَجعَل إلَيَّ شَيئا مِن أمري. ثُمَّ أخرَجتَني إلَى الدُّنيا تامّا سَوِيّا، وحَفِظتَني فِي المَهدِ طِفلاً صَبِيّا، ورَزَقتَني مِنَ الغِذاءِ لَبَنا مَرِيّا، وعَطَفتَ عَلَيَّ قُلوبَ الحَواضِنِ»[٣٤].

وتنقسم الربوبية إلى قسمين: [٣٥]

الربوبية

  1. الربوبية التكوينية: وهي مختصة بنظام العالم التكويني من جهة تدبيره وتربيته، كما يقول الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة: « فَلا كافِيَ لَنا سِواكَ، ولا رَبَّ لَنا غَيرُكَ».
  2. الربوبية التشريعية: وتختص بالموجودات التي لها القدرة على الاختيار، وهي تشمل مسائل متعددة من قبيل إرسال الأنبياء، وإنزال الكتب السماوية وبيان الوظائف والتكاليف وتقنين الأحكام والقوانين؛ كل ذلك لأجل هدايتهم إلى الطريق الحقّ، كما يشير إلى ذلك الإمام الحسين(ع) في دعاء عرفة بقوله: « يَا مَولايَ... أنتَ الَّذي هَدَيتَ».

والأدلة التي تُساق على التوحيد في الربوبية التكوينية تثبت كذلك التوحيد في الربوبية التشريعية أيضاً؛ لأنَّ التشريع والتقنين هو نوع من التدبير؛ إذ إنَّ الشريعة تدبّر أمر الإنسان والمجتمع البشري، والتشريع هو نوع من الحكم والولاية على الأموال والنفوس، وبما أنَّ التدبير والحكم منحصرة بالله تعالى، فكذلك لا يوجد مَن له حقّ التشريع والتقنين إلا الله تعالى.[٣٦]

الأدلة على التوحيد في الربوبية في كلمات الإمام الحسين(ع)

قال: « سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا[٣٧] وَتَفَطَّرَتَا»[٣٨]. والمراد من الآلهة في الآية المزبورة هم الأرباب المتفرقون، ويستفاد ذلك من ضمّها إلى قوله سبحانه: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ[٣٩].

وهذا دليل عقلي، حاصله: لو فُرض وجود آلهة متعددة لتدبير العالم، فلا بدّ أنَّ المختلفين ذاتاً متباينين حقيقةً، وتباين حقائقهم يقتضي تباين تدبيرهم، فتتفاسد التدابير وتفسد السماوات والأرض.

ولإيضاح هذا الدليل نقول: إنَّ تصوّر تعدد الربّ المدبّر للكون على وجهين:

  1. الوجه الأول: إنَّ كلّ واحدٍ من الآلهة المدبّرة، يدبّر العالم بحسب ما يريد من دون أن تنازعه الآلهة الأخرى. ومن الواضح أنَّ هذا الفرض باطل؛ وذلك لأنَّ تعدد الآلهة المدبّرة يستلزم فساد العالم؛ لأنَّ تصرف كلّ إلهٍ بالعالم لا بدّ أن يكون بشكل منسجم ومتساوق معه، وذلك لما ثبت في محلّه عقلاً ونقلاً أنَّ كلاً يعمل على شاكلته[٤٠]، فلو كان الآلهة متعددين، فسيتصرف كلّ إلهٍ على شاكلته، والنتيجة أنَّ كلّ جزءٍ من العالم يرتبط بإله، فهذا الجزء يرتبط بإله وذاك بإله وهكذا. وحينئذٍ لا يترابط أجزاء العالم على نسق نظام واحد، ولا يسوده النظام الكلي العامّ، وهذا معناه فساد السماوات والأرض، حيث يأخذ كلّ إلهٍ بجزء، وهذا ما يشير إليه الطباطبائي في ذيل قوله تعالى: ﴿إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ[٤١]، حيث يقول: «حجة على نفي التعدد ببيان محذوره؛ إذ لا يتصور تعدد الآلهة إلا بتباينها بوجه من الوجوه، بحيث لا تتخذ في معنى ألوهيتها وربوبيتها، ومعنى ربوبية الإله في شطر من الكون، ونوع من أنواعه تفويض التدبير فيه إليه، بحيث يستقلّ في أمره من غير أن يحتاج فيه إلى شيء غير نفسه حتى إلى من فوّض إليه الأمر. ومن البين أيضاً أنَّ المتباينين لا يترشح منهما إلا أمران متباينان. ولازم ذلك أن يستقل كلّ من الآلهة بما يرجع إليه من نوع التدبير، وتنقطع رابطة الاتحاد والاتصال بين أنواع التدابير الجارية في العالم، كالنظام الجاري في العالم الإنساني عن الأنظمة الجارية في أنواع الحيوان والنبات، والبرّ والبحر، والسهل والجبل، والأرض والسماء، وغيرها، وكلّ منها عن كلّ منها، وفيه فساد السماوات والأرض وما فيهن»[٤٢]. إذن يستحيل تعدد الأرباب؛ لأنَّه يستلزم فساد النظام الكوني الذي نشاهده ونلمس انسجام وترابط أجزائه بوضوح، فهناك تلازم بين تعدد الآلهة وبين فساد العالم.
  2. الوجه الثاني: أن يكون أحد الآلهة حاكماً أعلى على الآلهة الأخرى، فيوحّد أعمالهم وينسقها ويلائم بينها. وهذا الوجه باطل أيضاً؛ لأنَّه يكون الإله الحاكم هو المدبّر، دون بقية الآلهة؛ لأنَّ الاستعلاء على الآلهة يستلزم أن تكون الآلهة الأخرى مغلوبة محتاجة محدودة، وكلّ ذلك من لوازم الموجودات الإمكانية، وينتج أنَّ الإله واحد لا متعدد، وهو خلف الفرض من تعدد الآلهة.

والحاصل مما أشار إليه الإمام الحسين(ع): هو أنَّ تعدد الآلهة والأرباب يستلزم فساد النظام الكوني الواحد، الذي يبسط بأواصره الارتباطية بين أجزاء الكون المترابط، كما يشير إليه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ[٤٣]. فهذا الكون ممتلئ الدلالة على أنَّ النظام الموجود هو النظام الأتقن الذي لا ينفذ إليه فساد ولا اضطراب، وهناك الكثير من النصوص القرآنية التي تشهد لهذه الحقيقة، والتي لا يسع المقام لذكرها، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ[٤٤].

فهاتان الآيتان تشيران بوضوح إلى أنَّ النظام الجاري في هذا العالم هو نظام واحد متّصل الأجزاء مرتبط الأبعاض.

إشكال: الوجدان يشهد بوجود الفساد في العالم

حاصل هذا الإشكال هو أنَّ العمد والأساس الذي ارتكز عليه الاستدلال على التوحيد في الربوبية، هو المقدمة التي تفيد بأنَّه لو تعدد الأرباب للزم الفساد للنظام الكوني، مع أنَّه قد ثبت في محلّه أنَّ النظام الكوني نظام منسجم ومترابط وليس فاسداً.

إلا أنَّ هذه المقدمة يمكن التأمل فيها؛ وذلك لما نلمسه بالوجدان من وجود الفساد في هذا العالم، وبنحو لا يمكن لأيّ عأقلٍ أن ينكره؛ وذلك لما نشاهده من تزاحم الأسباب والعلل بعضها مع بعض، وهذا ما يشير إليه الطباطبائي في تقريره لإشكال الفساد، حيث يقول: «فإن قلت: يكفي في تحقق الفساد ما نشاهده من تزاحم الأسباب والعلل وتزاحمها»[٤٥]. فضلاً عن تصريح النصوص القرآنية والروائية المتضافرة التي تؤكّد وجود الفساد في هذا العالم، كقوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ[٤٦].

جواب الإشكال:

لكي يتضح الجواب ينبغي بيان أنواع الفساد؛ لأنَّ الفساد على نوعين:

  1. النوع الأول: الفساد الذي ينشأ من تزاحم العلل الواقعة تحت سلطنة مدبّرٍ واحدٍ. وهذا النوع من الفساد مما لا خلاف في وقوعه، ولا يلزم منه اختلال النظام وفساده، بل إنَّ مثل هذا الفساد من لوازم النظام الأحسن؛ لأنَّ حصول التزاحم والتدافع _ كما نشاهده في الحالات الاجتماعية والسياسية هو أمر لا يضر بانسجام ووحدة النظام الكوني، بل إن هذا النوع من التزاحم هو الذي يؤدي إلى إخراج الأشياء من القوة إلى الفعل؛ إذاً هذا النوع من الفساد مما لا إشكال فيه، وليس هو الفساد الذي يؤدي إلى اختلال نظام العالم.
  2. النوع الثاني: الفساد الذي ينشأ من تعدد الأرباب، فإن مثل هذا الفساد يتسبب في حصول التناقض والتضاد بين أجزاء النظام الكوني، مما يؤدي إلى اختلال نظام العالم الذي خلقه الله تعالى وفق النظام الأحسن، وهذا هو الفساد المنفي في محل الكلام.[٤٧]

الفرع الثاني: التوحيد في الملكية

قال الإمام الحسين(ع): « أنتَ رَبّي وَمَليكُ أمْري»[٤٨].

التوحيد في الملكية بمعنى أن الله تعالى هو المالك الواحد، سواء الملكية الحقيقية (وهي السلطة التكوينية على الشيء)، أم الملكية الحقوقية (وهي السلطة القانونية على الشيء)، فهو تعالى مالك لكل شيء، ومالك لما يملكه الناس، فإن الملك مالك لما تملكه رعيته، وأن له أن يتصرف فيما يملكونه، لكن من دون أن يكون تصرف الناس في ملكهم معارضاً لتصرفه تعالى، ولا تزاحم مشيئتهم مشيئته، فهو من قبيل الملك على الملك، وهو ما يُصطلح عليه بالملك الطولي، كملك المولى للعبد وما في يده.

لكن الملك على نوعين:

  1. الملك الحقيقي: وهو الملك التكويني، وهو لله تعالى كما قال الإمام الحسين(ع): « لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ»[٤٩]. والملك الحقيقي الثابت له تعالى له آثار حقيقية، كما في قولهم(ع) في الدعاء: « أَمْسَيتُ لَكَ عَبْداً داخِراً لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً، وَلا مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً»[٥٠]، وكما في قولهم(ع): « وبِيَدِكَ لا بِيَدِ غَيرِكَ زِيادَتي وَنَقصي»[٥١]، ولا ينفك الملك الحقيقي عن التدبير، فإن الشيء إذا افتقر في وجوده إلى شيء ولم يستقل عنه في وجوده، لم يستقل عنه في آثار وجوده، فهو تعالى رب لما سواه؛ لأن الرب هو المالك المدبر. ويمكن الاستدلال على الملك الحقيقي بما تقدم في البحث السابق من الاستدلال على التوحيد في الربوبية، حيث ثبت أن له تعالى الربوبية المطلقة والقيومية المطلقة على كل شيءٍ، وأنه تعالى خالق كل شيءٍ كما تقدم في التوحيد الأفعال، وأن كل ما يُسمى مخلوقاً فهو قائم الذات به، مفتقر الذات إليه لا يستقل دونه، فلا يمنعه في ما أراده، وهذا هو معنى الملك. وأما الدليل على أنه تعالى مالك على الإطلاق، فهو لازم كونه مالكاً للموجودات على الإطلاق؛ لأن الموجودات أنفسها يملك بعضها بعضاً كالأسباب التي تملك مسبباتها، والأشياء التي تملك قواها الفعالة والقوى الفعالة تملك أفعالها، فالإنسان - مثلاً - يملك أعضاءه وقواه الفعالة من البصر والسمع وغيرهما، والقوى الفعالة تملك أفعالها، وحيث إن الله سبحانه مالك لكل شيء، فهو يملك كل من يملك منها شيئًا، ویملك ما یملكه، وهذا هو المُلك، فهو مالك علی الإطلاق، كما قال الإمام الحسین(ع): « لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ»[٥٢]، وقال تعالی: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[٥٣]، ومن المعلوم أنَّ المُلك الحقیقی لا ینفكّ عن التدبیر؛ فإنَّ الشیء إذا افتقر فی وجوده إلی شیء ولم یستقل عنه فی وجوده، لم یستقل عنه فی آثار وجوده، فهو تعالی ربٌّ لمِا سواه؛ لأنَّ الربّ هو المالك المُدبّر، وهو تعالی كذلك. هذا كلّه فی المُلك الحقیقی.
  2. الملك الاعتباری: وهو كون الرابطه بین المالك والمملوك بالوضع والاعتبار، كملك الإنسان نفسه ووُلده وماله وغیر ذلك، وهو لله سُبحانه حقیقهً، وللإنسان بتملیكه تعالی فی الظاهر مجازاً؛ ولذا یجوز فیه التغیّر والتحوّل من قَبیل أنَّ زیداً الیوم یملك الدار، ثمَّ ینقلها إلی شخص آخر بالبیع، أو الهبه، أو سائر أسباب النقل، وكانتقال المال من شخص لآخر، ومن الواضح أنَّ الله تعالی هو المُعطی لهذا المُلك الاعتباری؛ لأنَّه تعالی هو المالك للجمیع، فهو المُعطی لكلّ مَن یملك شیئاً من المال، ولو لم یملك لم یصح منه ذلك، ولكان مُعطیاً لمِا لا یملك، فكلّ ما یملك الناس من نعمه فهی من الله تعالی، كما قال الإمام الحسین(ع) فی دعاء عرفه: « وَلَوْ حَرَصْتُ وَالْعادُّونَ مِنْ أَنامِكَ أَنْ نُحْصِيَ مَدى إِنْعامِكَ، سالِفَةً وَآنِفَةً، لَما حَصَرْناهُ عَدَداً، وَلا أَحْصَيْناهُ أَبَداً، هَيْهاتَ أَنَّى ذلِكَ وَأَنْتَ الْمُخْبِرُ عَنْ نَفْسِكَ فِي كِتابِكَ النّاطِقِ، وَالنَّبَإِ الصَّادِقِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لَا تُحْصُوهَا[٥٤]»[٥٥].[٥٦]

خلاصه المبحث

المراد من التوحید الأفعالی هو أنَّ كلّ ما یقع فی العالم من العلل والمعلولات، فهو بإرادته تعالی فی حدوثه وبقائه وتأثیره، فكلّ شیء قائم به، وهو القیّوم المُطلق.

  • كلمات الإمام الحسین(ع) فی المقام، علی صنفین:
  1. الصنف الأوّل: كلماته(ع) التی تُفید التوحید الأفعالی وأنَّ نظام الخلق منسوب إلی الله تعالی من دون واسطه.
  2. الصنف الثانی: كلماته(ع) التی تُفید أنَّ للعوامل الطبیعیّه أنحاء مُتعدده من التأثیر.
  • الجمع بین كلمات الإمام الحسین(ع) هو أنَّ الفاعل الحقیقی هو الله تعالی، لكن الله تعالی أعطی القوه والقدره لمخلوقاته، فهو الذی أعطی السببیه للنار كما أعطی لها الوجود، فهی تؤثر بإذنه وتقدیره.
  • فروع التوحید الأفعالی:
  1. التوحید فی الربوبیّه.
  2. التوحید فی المالكیّه.[٥٧]

المراجع والمصادر

  1. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني

الهوامش

  1. انظر: الخرازي، محسن، بداية المعارف الإلهية: ج١، ص٥٣.
  2. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٨٩.
  3. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢١٨، مقطع من دعاء عرفة.
  4. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢٢٦، مقطع من دعاء عرفه.
  5. سورة الرعد، الآية ١٦.
  6. سورة الزمر، الآية ٦٢.
  7. سورة فاطر، الآية ٣.
  8. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٩١-١٩٢.
  9. سورة المؤمنون، الآية ١٤.
  10. سورة الروم، الآية ٤٨.
  11. سورة البقرة، الآية ٢٢.
  12. سورة التوبة، الآية ١٤.
  13. سورة الأنعام، الآية ٦١.
  14. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٩٢-١٩٤
  15. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٩٤
  16. سورة الرعد، الآية ١٦.
  17. انظر: بدوي، عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين: ج١، ص١٥٥. التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد: ج٢، ص١٢٥.
  18. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٩٤-١٩٥
  19. اُنظر: الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف: ج٨، ص١٥٤.
  20. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٩٥-١٩٦
  21. انظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج٧، ص ٢٩٨.
  22. الصدوق، محمد علي، عيون أخبار الرضا(ع): ج٢، ص١٤٨. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم(ع)، موسوعة كلمات الإمام الحسين(ع): ص٦٥١.
  23. سورة الإسراء، الآية ٢٠.
  24. سورة الإنسان، الآية ٣٠.
  25. الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج٦، ص ٢٥٥.
  26. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص١٩٦-٢٠٠
  27. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٨٦. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢٢٤.
  28. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٠١
  29. سورة سبأ، الآية ١٥.
  30. سورة الصافات، الآية ١٨١.
  31. سورة الشعراء، الآية ٢٦.
  32. انظر: الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: ص٣٣٦.
  33. انظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١١، ص ٢٨٩.
  34. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٧٤. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢١٦.
  35. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٠١-٢٠٣
  36. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٠٣
  37. سورة الأنبياء، الآية ٢٢.
  38. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٧٨. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢١٦.
  39. سورة يوسف، الآية ٣٩.
  40. كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ سورة الإسراء، الآية ٨٤.
  41. سورة المؤمنون، الآية ٩١.
  42. الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١٥، ص٦٢.
  43. سورة النمل، الآية ٨٨.
  44. سورة الملك، الآية ٣-٤.
  45. الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١٤، ص ٢٦٧.
  46. سورة الروم، الآية ٤١.
  47. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٠٣-٢٠٧
  48. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٧٩. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥، ص٢١٩.
  49. الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجد: ص٥٥، دعاء العثرات. لجنة الحديث في معهد باقر العلوم(ع)، موسوعة كلمات الإمام الحسين(ع): ص٩٣٩.
  50. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٢، ص٣٤٨. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥: ص١٤٧.
  51. ابن طاووس، علي بن موسى، إقبال الأعمال: ج٣، ص٢٩٦.
  52. ابن طاووس، علی بن موسى، مهج الدعوات: ص١٤٩. لجنه الحدیث فی معهد باقر العلوم(ع)، موسوعه كلمات الإمام الحسین(ع): ص٩٣٩.
  53. سورة القمر، الآية ٥٥.
  54. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
  55. المجلسی، محمد باقر، بحار الأنوار: ج٩٥: ص٢١٨. لجنه الحدیث فی معهد باقر العلوم(ع)، موسوعه كلمات الإمام الحسین(ع): ص٩٤٩.
  56. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢٠٧-٢٠٩
  57. علي حمود العبادي، أصول العقيدة في النص الحسيني، ص٢١٠