آية الولاية في القرآن

من إمامةبيديا

تمهيد

تسمى الآية 55 من سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[١] بآية الولاية.

إطلالة على سورة المائدة

إنّ سورة المائدة تشتمل على قسم مهم من آيات الولاية لأنّ هذه السورة كما رأينا نزلت في أواخر عمر الرسول الأكرم (ص)، ومن جهة اخرى فإنّ مسألة الوصي والخليفة تطرح بشكل طبيعي في أواخر عمر القائد، ولهذا فإنّ هذه السورة تتضمن آيات متعددة من آيات الولاية، وعلى أية حال فإنّ الآية الشريفة أعلاه نموذج آخر من الآيات التي تدلّ بوضوح على ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).[٢]

علائم الولي‌

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا[٣]

نحن نعلم أنّ كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر، وعليه فإنّ وليكم أيّها المؤمنون هم الثلاثة المذكورون في هذه الآية الشريفة لا غير، وهؤلاء الثلاثة عبارة عن:

  1. الله عزّ وجلّ.
  2. رسول الله (ص).
  3. الذين آمنوا.

وبالطبع ليس المراد جميع المؤمنين بل بعضهم الذي يتمتع بالشروط المذكورة في نفس الآية. ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[٤].

فالطائفة الثالثة من أولياء الله المؤمنين ليس هم جميع المؤمنين بل المؤمنين الذين يقيمون الصلاة أوّلًا، ويؤتون الزكاة ثانياً، وأن يكون إيتاء الزكاة في حال الركوع ثالثاً.

والنتيجة، هي أنّ ولي المؤمنين هم هؤلاء الثلاثة فقط:

  1. الله عزّ وجلّ
  2. النبي الأكرم (ص)
  3. المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون.

سؤال: ما هو المراد من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا[٥] في هذه الآية؟ وما معنى الولي هنا؟

إن الآية الشريفة أعلاه تتضمن نقطتين مبهمتين: الاولى: ما هو المراد من كلمة «الولي» في هذه الآية؟ حيث نعلم لكلمة الولي معانٍ مختلفة ولهذا يجب السعي لتشخيص المعنى المراد من هذه الكلمة في هذه الآية.

و الآخر هو: ما المراد بعبارة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا[٦] والذين تتوفر فيهم الشروط الثلاثة المذكورة آنفاً؟ هل المراد بهؤلاء شخص معين، أو أيّ شخص تتوفر فيه هذه الصفات الثلاث؟

الجواب: هنا بالإمكان أن نسلك طريقين للجواب عن هذا السؤال كما تقدّم فيما سبق، ثمّ نجيب على بعض الأسئلة الاخرى‌ الذي يطرحها بعض الأشخاص المتعصبين الذين أسدل حجاب التعصّب ستاراً على عقولهم ومنعهم من فهم العقائد الجلية.[٧]

الطريق الأوّل: تفسير الآية مع غض النظر عن الروايات الشريفة

في البداية نأتي لكلمة «ولي» ونبين المراد منها لأنه لو اتضح معنى هذه الكلمة فإن الكثير من المسائل والتعقيدات في هذه المسألة سوف تجد لها طريقاً إلى الحلّ، فبعض‌ المفسّرين من أهل السنّة وبهدف إبعاد أذهان مخاطبيهم عن المعنى الواضح للآية الشريفة فإنّهم ذكروا معانٍ كثيرةٍ لهذه الكلمة وصلت إلى سبعة وعشرين معنى‌ [٨] لكي يقول أن هذه الكلمة هي لفظ مشترك بين معان مختلفة ولا نعلم مراد الله عزّ وجلّ منها وأن أيّ معنى من هذه المعاني هو المقصود في الآية الشريفة، إذن فإنّ هذه الآية مبهمة ولا تدلّ على شي‌ء، ولكن عند ما نراجع كتب اللغة وكلمات ونظريات اللغويين نرى أنهم لم يذكروا لمعنى الولي سوى اثنين أو ثلاث معان، وعليه فإن سائر المعاني المذكورة لهذه الكلمة تعود إلى هذه المعاني الثلاثة وهي:

  1. «ولي» بمعنى ناصر والولاية بمعنى النصرة.
  2. «الولي» بمعنى القيّم وصاحب الاختيار.
  3. أنها تأتي بمعنى الصديق والرفيق حتّى لو لم يؤد هذا الإنسان حقّ النصرة لرفيقه ولكن بما أنّ الصديق في دائرة الرفاقة والصداقة ينهض لنصرة صديقه غالباً فإن المعنى الثالث يعود للمعنى‌ الأوّل أيضاً، وعليه فإنّ كلمة «ولي» في نظر أرباب اللغة تطلق على معنيين، وسائر المعاني المذكورة لها تعود إلى هذين المعنيين.[٩]

«ولي» في استعمالات القرآن‌

والآن نعود إلى القرآن الكريم لنرى‌ موارد استعمال هذه الكلمة في الكتاب الكريم.

إنّ كلمة «ولي» و«أولياء» جاءت في سبعين مورداً في القرآن الكريم وبمعان مختلفة:

  1. نقرأ في بعض الآيات الشريفة أن كلمة «ولي» جاءت بمعنى الناصر والمعين كما في الآية 107 من سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ[١٠]
  2. و جاءت هذه الكلمة في آيات اخرى بمعنى المعبود كما في الآية 257 من سورة البقرة: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا... وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ[١١] فكلمة الولي في هذه الآية جاءت بمعنى المعبود، فالمعبود للمؤمنين هو الله عزّ وجلّ، ومعبود الكفّار هم الطواغيت والشياطين والأهواء النفسانية.
  3. و جاءت هذه الكلمة في القرآن الكريم بمعنى الهادي والمرشد أيضاً كما نقرأ في آية 17 من سورة الكهف: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا[١٢]. فنرى في هذه الآية الشريفة أنّ كلمة «ولي» جاءت بمعنى الهادي والمرشد.
  4. و قد وردت هذه الكلمة في كثير من الآيات الشريفة بمعنى القيّم وصاحب الاختيار كما في الآيات التالية:
ألف) نقرأ في الآية الشريفة 28 من سورة الشورى‌ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ[١٣].
ب) ونقرأ الآية 33 من سورة الإسراء في حديثها عن الولاية التشريعية: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا[١٤]. فالولي في هذه الآية جاء بمعنى القيّم وصاحب الاختيار لأن حقّ القصاص لم يرد في الشريعة لصديق المقتول بل لوارثه ووليه.
ج) ونقرأ في أطول آية من آيات القرآن الكريم وهي الآية 282 من سورة البقرة وهي تتحدث عن كتابة وثيقة الدين والقرض‌ [١٥] وتقول: «فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ». أي أن من كان الحقّ في ذمته ولا يستطيع أن يملل على الكاتب فيجب أن يملل وليه نيابة عنه مع رعاية العدالة، ففي هذه الآية الشريفة وردت هذه الكلمة بمعنى القيّم وصاحب الاختيار.
د) ونقرأ في الآية 34 من سورة الأنفال قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ[١٦] فالولي هنا بمعنى القيّم والمسئول وصاحب الاختيار وإلّا فمن الواضح أنّ الكفّار والمشركين ليست لديهم أدنى‌ علاقة وصداقة مع هذا المكان المقدّس.
هـ) ونقرأ في الآية 5 و6 من سورة مريم: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ[١٧]. ومن الواضح أنّ الورثة يرثون المال بعد موت الولي فلا تأتي هنا بمعنى الصديق والناصر.

والنتيجة هي أن كلمة «الولي» استعملت في الآيات الشريفة بمعان مختلفة ولكنّها وردت في أكثر هذه الموارد بمعنى القيّم وصاحب الاختيار.[١٨]

المراد من الولي في الآية محل البحث‌

ونظراً لما تقدّم آنفاً فما هو المراد من كلمة «ولي» في آية الولاية؟ هل أنّ المراد منها هو الصديق والناصر؟ إنّ هذا المعنى يخالف أكثر موارد استعمال هذه الكلمة في جميع الآيات القرآنية.

إذن فالإنصاف يدعونا إلى فهم الولي في هذه الآية بمعنى القيّم وصاحب اختيار لا بمعنى الصديق والناصر لأنّه:

أوّلًا: كلمة «إنّما» الواردة في صدر الآية تدلّ على الحصر، أي حصر الولي للمؤمنين بهؤلاء الثلاثة لا غير، في حين أنّه لو كان المراد من كلمة الولي بمعنى الصديق فلا معنى للحصر حينئذٍ، لأنّ من الواضح وجود طوائف اخرى غير هذه الطوائف الثلاثة المذكورة في الآية يمكن أن يكونوا من أصدقاء وأنصار المؤمنين، مضافاً إلى أنه لو كان كلمة «الولي» بمعنى الصديق أو الناصر فلا معنى لورود كل هذه القيود لكلمة «الّذين آمنوا» بأن يشترط فيهم دفع الزكاة في حال الركوع لأن جميع المؤمنين بل وغير المؤمنين من الذين لا يصلّون يمكنهم أن يكونوا من أصدقاء المسلمين، وعلى هذا الأساس فيستفاد من كلمة «إنّما» التي تدلّ على الحصر وكذلك القيود العديدة لكلمة «الذين آمنوا» أنّ الولاية في الآية الشريفة لم تستعمل بمعنى الصديق والناصر بل بمعنى القيّم والقائد وصاحب الاختيار، لذلك يكون مراد الآية أن الله تعالى والنبي والمؤمنين الذين تتوفر فيهم الشروط المذكورة في الآية هم أوليائكم والقيمين على اموركم.
ثانياً: أن الآية 56 من سورة المائدة التي وردت بعد الآية محل البحث أفضل قرينة وشاهد على المدّعى‌ فإنّ الله تعالى ذكر في هذه الآية الشريفة: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ[١٩]. الحزب هنا بمعنى جمع من الناس، ونصرة الحزب بمعنى تفوّقه ونجاحه في حركته السياسية والاجتماعية، وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الآية الشريفة ترتبط بالآية التي قبلها وهي الآية محل البحث، والظاهر أنّهما نزلتا سوية فيستفاد منها أنّ الولاية المذكورة فيها هي الولاية السياسية فيكون معنى الآية هو: إنّ الأشخاص الذين يقبلون بحكومة الله والنبيّ وحكومة الذين آمنوا فإنّ هؤلاء الأشخاص والطوائف هم الغالبون.

والنتيجة هي أننا لو تدبرنا وتعمقنا في كلّ كلمة من كلمات هذه الآية الشريفة مع غض النظر عن الروايات الكثيرة الواردة في تفسيرها يتّضح جيداً أنّ الولي في هذه الآية جاء بمعنى الإمام والقائد والقيّم، وكلّ من يقبل حكومة الله والرسول والذين آمنوا، الذين تتوفر فيهم الشرائط المذكورة في الآية الشريفة هم الغالبون والمنتصرون.[٢٠]

مصداق «الّذين آمنوا» في الآية الشريفة

لقد اتّضح فيما سبق معنى كلمة «إنّما» و«ولي» ولكن ما زال الإبهام يحيط بمعنى وتفسير الآية الشريفة لأنه لم يتضح لحد الآن المراد من عبارة «و الذين آمنوا» في هذه الآية.

وللإجابة على هذا السؤال يجب القول بأنه ليس بين الرواة والمفسّرين وعلماء الإسلام من الشيعة وأهل السنّة إلا ويرى «الإمام عليّ» هو المصداق لهذه الآية الشريفة، وعلى هذا الأساس فهذه الآية تدلّ بالإجماع واتفاق جميع علماء الإسلام على أنّ الإمام علي (ع) هو المصداق لهذه الآية الشريفة، ومن جهة اخرى فإنّ جملة «و الذين آمنوا» لا تتحمّل سوى‌ مصداق واحد وليس هذا المصداق سوى عليّ بن أبي طالب.

والنتيجة ممّا تقدّم آنفاً هو أنه يستفاد من الآية الشريفة ثلاثة امور «بغضّ النظر عن الآيات وروايات المفسّرين».

  1. إن كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر والولاية هنا منحصرة في ثلاث طوائف.
  2. إن هذه الولاية في الآيات الشريفة وردت بمعنى القائد والقيّم وصاحب الاختيار كما في أكثر موارد استعمالها في القرآن الكريم.
  3. إن مصداق‌ «الّذين آمنوا» في هذه الآية هو الإمام عليّ (ع) بلا شك.[٢١]

الطريق الثاني: تفسير الآية بلحاظ الروايات الشريفة

ينقل المحدّث البحراني في‌ «غاية المرام» أربع وعشرين حديثاً من منابع أهل السنّة، وتسعة عشر حديثاً من منابع الشيعة فتشكل بمجموعها ثلاثة وأربعين حديثاً، وعليه فإنّ الروايات الواردة في شأن هذه الآية متواترة [٢٢]، ومضافاً إلى ذلك فإنّ العلّامة الأميني أورد في كتابه القيّم‌ «الغدير» روايات من عشرين مصدراً من المصادر الروائية المعروفة لدى أهل السنّة تتحدّث في شأن الآية الشريفة محل البحث من قبيل تفسير الطبري، تفسير أسباب النزول، تفسير الفخر الرازي، التذكرة لسبط ابن الجوزي، الصواعق لابن حجر، نور الأبصار للشبلنجي، وكذلك تفسير ابن كثير وغيرها من المصادر المعتبرة لدى أهل السنّة، وأما رواة هذه الأحاديث فهم عشرة أشخاص من الصحابة المعروفين.

1- ابن عباس، 2- عمّار بن ياسر، 3- جابر بن عبد الله الأنصاري، 4- أبو ذرّ الغفاري «الذي نقل أدقّ وأطول رواية في هذا المجال»، 5- أنس بن مالك، 6- عبد الله ابن سلام، 7- سلمة بن كهيل، 8- عبد الله بن غالب، 9- عقبة بن حكيم، 10- عبد الله ابن أُبي.

ومضافاً إلى ذلك فإنّه قد وردت روايات من الإمام علي (ع) أيضاً في شأن نزول هذه‌ الآية الشريفة وقد استدلّ بها الإمام عليّ كراراً.

وأما مضمون الروايات أعلاه فهو أنه: كان الإمام علي (ع) يوماً يصلي في مسجد النبي، فدخل سائل إلى المسجد وطلب حاجته من المسلمين فلم يعطه أحد شيئاً [٢٣]، وكان الإمام في حال الركوع فأشار للسائل إلى خاتمه فجاء وانتزع الخاتم من إصبع الإمام وخرج من المسجد، فنزلت حينئذٍ الآية الشريفة.

وهذا المضمون للروايات الشريفة ورد في أكثر من أربعين رواية من الروايات التي وردت في شأن نزول الآية محل البحث، ونحن نقتصر هنا على استعراض ثلاث روايات منها، وهي ما أورده الفخر الرازي في تفسيره:

  1. رَوى‌ عَطاء عن ابْنِ عَبّاس أَنها نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ بْنِ أَبي طالِب‌ [٢٤].
  2. روي أن عبد الله بن سلام قال: لَمّا نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أَنَا رَأَيْتُ عَلِيّاً تَصَدَّقَ بِخاتَمِهِ عَلى مُحْتاجٍ وَ هُوَ راكِعٌ فَنَحْنُ نَتَوَلّاهُ‌ [٢٥].
  3. و هي الرواية الأهم من بين الروايات في هذا الباب وهي نقلًا عن أبي ذرّ الغفاري وهذه الرواية أوردها الفخر الرازي عن أبي ذرّ أنه قال: قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ (ص) يَوْماً صَلاةَ الظُّهْرِ، فَسَأَلَ سائِلٌ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدٌ فَرَفَعَ السّائِلُ يَدَهُ إلَى السَّماءِ وَ قَالَ: «اللهُمَّ اشْهَدْ انِّي سَأَلْتُ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ فَما أَعْطانِي أَحَدٌ شَيْئاً!» وَ عَلِيٌّ كَانَ راكِعاً، فَأَوْمَأ إلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ الْيُمْنى‌ وَ كَانَ فِيها خَاتَمٌ فَأَقْبَلَ السّائِلُ حَتّى أَخَذَ الْخاتَمَ بِمَرْأى النَّبِيُّ (ص) فَقالَ (ص): اللهُمَّ انَّ أَخِي مُوسى‌ سأَلَكَ فَقالَ: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَ احْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي* وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي* هارُونَ أَخِي* اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي* وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي[٢٦] فَأَنْزَلْتَ قُرْآناً ناطِقاً: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا[٢٧] اللهُمَّ وَ أَنَا مُحَمَّدٌ نَبِيُّكَ وَ صَفِيُّكَ فَاشْرَحْ لِي صَدْرِي وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي، عَلِيّاً، اشْدُدْ بِهِ ظَهْرِي. قَالَ أَبُو ذَر: فَوَ اللهِ مَا أَتَمَّ رَسُولُ اللهِ (ص) هذِه الْكَلِمَةِ حَتَّى نَزَلَ جَبْرَئيلُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ: اقْرَأ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ...[٢٨]». [٢٩].[٣٠]

ملاحظتان‌

أمير المؤمنين (ع) وذهبت تلك الفضائل معهم إلى القبر!! إنّ أجواء الإرهاب كانت إلى درجة من الشدّة بحيث إن من يذكر فضيلة واحدة لأهل البيت كان يتعرض للعقاب الشديد بل لو أنّ أحداً سمّى ابنه عليّاً كان يتعرض للعقاب أيضاً.

ومع هذه الظروف الصعبة فعند ما تصل إلينا أربعين رواية فيمكن أن نحدس أنّ أضعاف هذا المقدار قد تلف في طيّات التاريخ.

والنتيجة هي أنه مع الأخذ بنظر الاعتبار كثرة الروايات التي تصل إلى حدّ التواتر وقد أوردنا بعضها بالتفصيل فلا يبقى شكّ أن الآية الشريفة ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ[٣١] نزلت في شأن أمير المؤمنين وأنه (ع) هو الولي بعد الله ورسوله.[٣٢]

شبهات واشكالات‌

وعلى الرغم من وضوح دلالة الآية الشريفة على ولاية أمير المؤمنين فإنّ بعض العلماء قد ذكر بعض الشبهات والإشكالات حول دلالة هذه الآية، وفي الواقع فإنّ الكثير من هذه الإشكالات ليست سوى ذرائع وحجج واهية [٣٣].

وعلى سبيل المثال: [٣٤]

الإشكال الأوّل: كلمة إنّما لا تدلّ على الحصر

رأينا في عملية الاستدلال بالآية أعلاه أنها تقوم على ثلاث دعائم: أحدها أن كلمة «إنّما» في الآية الشريفة تدلّ على الحصر وأنّها تحصر الولاية بثلاث موارد، وعليه فإنّ‌ الولاية مورد البحث لا تثبت لغيرهم.

ولكنّ بعض المفسّرين من أهل السنّة قالوا بأنّ‌ «إنّما» في الآية لا تدلّ على الحصر لأن في القرآن آية اخرى أيضاً وردت فيها كلمة «إنّما» وليس لها دلالة على الحصر. وهي الآية الشريفة 20 من سورة الحديد حيث يقول الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ...[٣٥].

فهنا نرى أنّ كلمة «أنّما» في الآية أعلاه لا تدلّ على الحصر لأننا نعلم أن الحياة الدنيا لا تنحصر في هذه الموارد المذكورة في الآية الشريفة بل تشمل لذاّت اخرى وعبادات ونشاطات وتحصيل علم وغير ذلك من الامور، وعليه فكما أنّ كلمة «أنّما» في هذه الآية لا تدلّ على الحصر فكذلك في آية الولاية لا تدلّ على الحصر، فالاستدلال بهذه الآية على المطلوب ناقص.

الجواب: هذا الإشكال من جملة الإشكالات الواهية التي لا تقوم على أساسٍ متين لأننا نعتقد بأنه:

أوّلًا: إنّ كلمة «إنّما» في هذه الآية أيضاً وردت بمعنى الحصر، فالدنيا في نظر الإنسان المؤمن والعارف ليست في حقيقتها سوى اللهو واللعب وأمثال ذلك، وقد يتصور الإنسان المتورط في حبائل الدنيا اموراً اخرى‌ في هذه الدنيا ولكن لو نظر بعين الحقيقة لرأى أنّ جميع أشكال الحكومات والمقامات الدنيوية والقصور الفخمة وأمثالها من مظاهر الدنيا ليست سوى لهو ولعب حيث يلهو بها أبناء الدنيا.
ثانياً: وعلى فرض أنّ كلمة «إنما» هنا لم ترد في معناها الحقيقي فهذا لا يدلّ على أنّ الموارد الاخرى في استعمال هذه الكلمة تحمل على غير معناها الحقيقي.

والنتيجة هي أنّ كلمة «إنّما» الواردة في الآية الشريفة تدلّ على الحصر بلا شكّ والاستدلال بهذه الآية كامل.[٣٦]

الإشكال الثاني: إعطاء الخاتم فعل كثير مبطل للصلاة

أمّا الإشكال الثاني الذي ذكره بعض المفسّرين من أهل السنّة فهو أننا سلّمنا أن الآية الشريفة نزلت في شأن الإمام عليّ (ع) ولكن القيام بهذا الفعل من قبل عليّ بن أبي طالب في الصلاة «إنّما هو فعل كثير» والفعل الكثير يؤدي إلى بطلان الصلاة فهل يعقل أن الإمام علي (ع) يتصرف في صلاته بما يؤدي إلى بطلان الصلاة.

الجواب:

  1. إن فعل الكثير كما هو الظاهر من هذه الكلمة يطلق على أداء أعمال كثيرة لا ربط لها بالصلاة بحيث تهدم هيئة الصلاة للمصلّي كأن يقوم شخص في أثناء الصلاة وبسبب سماعه لخبر مفرح بالتصفيق والقفز ويمتلكه الهياج وأمثال ذلك، وأما أن يشير إلى السائل والمسكين ليأخذ خاتمه من يده بحيث إنّ الإمام نفسه لم يخرج الخاتم من يده، فهل يقع ذلك في دائرة «الفعل الكثير» [٣٧]؟ كيف يكون مثل هذا العمل فعلًا كثيراً في حين أنّ الروايات الشريفة تبيح للمصلّي بأن يغسل أنفه فيما لو خرج الدم منه بالماء في أثناء الصلاة ويستمر في صلاته؟ ولو أنه واجه حيواناً خطراً على مقربة منه جاز له قتله والاستمرار في الصلاة. هل هذه الأفعال ليست بأفعال كثيرة ولكن الإشارة هي فعل كثير؟
  2. إنّ أمثال هذه الحجج والمعاذير ترد على الله أيضاً لأن الله تعالى مدح الإمام عليّ (ع) في هذه الآية على عمله، فلو كان ذلك العمل باعثاً على بطلان الصلاة فهل أن الله تعالى يمدحه ويثني عليه وينزل في حقّه آية من القرآن؟!

النتيجة هي أن هذا الإشكال بمثابة ذريعة وتبرير نابع من التعصّب واللجاجة لا أكثر.[٣٨]

الإشكال الثالث: الخاتم الثمين‌

طبقاً لبعض الروايات أن ذلك الخاتم كان ثميناً جداً حتّى أنه ورد أن ثمنه يعادل خراج منطقة بكاملها مثل الشام، أ لا يعتبر تملك مثل هذا الخاتم الثمين من قبل عليّ بن أبي طالب من الإسراف المحرّم؟

أمّا جواب هذه الشبهة فواضح لأنه:

  1. لم يرد هذا المطلب في أيّة رواية معتبرة بل الظاهر أن الخاتم المذكور لم يكن سوى خاتماً عادياً لأنه لم يتم للمسلمين في ذلك الزمان فتح ايران والشام وأمثال ذلك ولم تصل مثل هذه الثروات الكبيرة إلى أيدي المسلمين بل الفتوحات المذكورة حدثت بعد رحلة الرسول وفي عصر الخلفاء، مضافاً إلى أن الإمام علي (ع) الذي كان طعامه في أيّام حكومته وخلافته بسيطاً إلى درجة أنه لا يأكل سوى من ادام واحد والغالب انه كان يكتفي بقرص الشعير ويلبس الثياب البسيطة من الكرباس والليف فكيف يعقل أن يمتلك مثل هذا الخاتم الثمين؟! وعلى هذا الأساس فلا شكّ في ضعف الرواية التي لا تنسجم مع روايات الباب ولا مع سيرة الإمام علي (ع) ولا تتناغم مع أجواء تاريخ النزول، ولذلك فانها قد وضعت تحت ظروف خاصّة.
  2. كيف يعقل أن يمتلك الإمام علي مثل هذا الخاتم الثمين بحيث يدخل في باب الإسراف المحرم ثمّ يتصدّق به في سبيل الله وينال الثناء الإلهي؟ وعليه فإنّ المستفاد مما ورد من المدح والثناء في هذه الآية الشريفة على هذا العمل كذب هذه الرواية وزيفها وأنها وضعت لتحقيق أغراض معيّنة.[٣٩]

الإشكال الرابع: إنّ هذا العمل لا ينسجم مع حضور القلب‌

بما أن الإمام علي (ع) كان عند ما يصلّي خاصّة يتوجه إلى الله تعالى بكلّ قلبه ويغرق في صفات جلاله وجماله ولا يكون له التفاتٌ إلى غيره أبداً بحيث إنهم كانوا يخرجون السهام من بدنه الشريف في حال الصلاة [٤٠] ولم يكن يتسنى‌ لهم ذلك في الحالات العادية لصعوبته وشدّة ألمه، فمثل هذا الإنسان العارف والمتعلق بالله تعالى إلى هذه الدرجة كيف يلتفت أثناء الصلاة إلى كلام السائل ويتصدّق عليه في حال الركوع بالخاتم؟ والخلاصة أن هذه المسألة تتنافى مع حضور القلب في الصلاة لأمير المؤمنين (ع).

الجواب:

  1. إن السائل بعد أن تملكه اليأس من الحصول على مساعدة الأصحاب توجه إلى الله تعالى بالشكاية وشرع بالقول‌ «اللهُمَّ اشهد....» وعليه فإنّ هذا الكلام وذكر اسم الله ألفت نظر الإمام عليّ إلى وجود السائل، وهذا لا يتقاطع مع حضور قلبه واستغراقه في عالم العبودية في الصلاة. مضافاً إلى ذلك ألا يعقل أن يسمع المأموم في صلاة الجماعة صوت المكبّر أو صوت الإمام ليتابعه في أعمال الصلاة؟ إذا لم يكن يسمع ذلك فكيف يمكنه الاقتداء به في الصلاة؟ وإذا كان يسمع فهل يعني هذا أن حضور القلب غير ممكن في كلّ صلاة جماعة؟
  2. هل أن سماع صوت السائل الذي ورد التعبير عنه في الرواية الشريفة بأنه رسول من الله فيه إشكال؟ إن سماع صوت الرسول الإلهي كيف يتقاطع مع حضور القلب في الصلاة؟ [٤١]
  3. أ لا يكون سماع صوت المظلوم وحل مشكلته حتّى في أثناء الصلاة من العبادة؟ [٤٢] فلو كان هذا العمل عبادة فالإمام عليّ (ع) قد يستغرق في هذه العبادة ويأتي بها من دون أن يكون هناك إشكال في البين بل هي عبادة ضمن عبادة. أمّا ما يمكن أن يكون محل إشكال هو التوجّه إلى النفس والذات الفردية أثناء العبادة والصلاة، وأمّا التوجّه إلى المظلوم وقضاء حاجته الذي يعد في نفسه عبادة فلا إشكال فيه.

والنتيجة هي أن هذا الإشكال مردود أيضاً، وفي الحقيقة أن هدف المغرضين من طرح هذا الإشكال والإشكالات الاخرى هو تهميش هذا العمل وتضعيف دلالة الآية الشريفة على ولاية أمير المؤمنين (ع).[٤٣]

الإشكال الخامس: لما ذا تعود الضمائر في الآية إلى الجمع؟

وكما تقدّم في الآية الشريفة أنها تقرر الولاية لثلاث طوائف، وفي الثالثة تعود الضمائر في الأفعال واسم الموصول إلى الجمع كما في قوله:

1- الَّذين 2- آمنوا 3- الّذين 4- يقيمون 5- يؤتون 6- هم 7- راكعون.

فالكلمات السبعة المذكورة في الآية تتناسب مع الجمع، ومعنى هذه الكلمات هي أن هناك أشخاصاً متعددين قد تصدّقوا على الفقير في حال الركوع في حين أن جميع الروايات تذكر الإمام عليّ (ع) فقط كمصداق للآية الشريفة حيث تصدّق بخاتمه على الفقير في حال الركوع وبالالتفات إلى هذا المطلب فهل هناك روايات اخرى وردت في شأن نزول الآية الشريفة تتناغم مع أجواء الآية؟ ومن الواضح أنه لو كان هناك اختلاف وتباين بين الآية الشريفة والروايات التي تتحدّث في شأن نزولها فلا بدّ من الإعراض عن الرواية أو الروايات والعمل بمضمون الآية الشريفة. إذن فالتعارض المذكور بين الآية الشريفة والروايات المذكورة يتسبب في عدم اعتبار هذه الروايات.

الجواب: إنّ العلماء والمفسّرين من أهل السنّة قد أجابوا على هذا الإشكال فالفخر الرازي يقول في الجواب على هذا السؤال:

«إنّ الجمع يطلق أحياناً على المفرد للاحترام وعلى سبيل التعظيم والآية مورد البحث من هذا القبيل» [٤٤].

ويذكر الآلوسي في روح المعاني جواباً آخر ويقول:

«قد يستعمل الجمع في المفرد لبيان عظمة الشخص تارة، ولبيان عظمة العمل اخرى، وهذا مشهور في لغة العرب ولكن بما أن هذا الاستعمال على سبيل المجاز فيحتاج إلى قرينة» [٤٥].

و أمّا جوابنا على هذا السؤال فهو:

أوّلًا: أنه كما رأينا أن استعمال صيغة الجمع بدل المفرد قد يكون متداولًا لبيان احترام المخاطب وبيان عظمته، وفي الآية مورد البحث قد ورد مثل هذا الاستعمال في سياقها والقرينة على مجازية هذا الاستعمال الوارد في الآية هو أن أيّ واحد من العلماء حتّى المتعصبين من أهل السنّة لا يرون غير الإمام علي (ع) مصداقاً لها والذي تصدّق بخاتمه في حال الركوع، وهذا هو أفضل قرينة على استعمال لفظ الجمع في مورد المفرد.
ثانياً: هناك موارد كثيرة وردت في القرآن الكريم واستعملت فيها صيغة الجمع للمفرد، وكمثال على ذلك نكتفي بذكر سبعة موارد منها:
1. نقرأ في الآية 215 من سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ[٤٦]
ففي هذه الآية الشريفة وردت جملة «يسألونك، ينفقون، انفقتم وما تفعلوا» بصورة الجمع، وفي البداية يظهر من الآية أن جماعة من المسلمين طرحوا السؤال المذكور ولكن طبقاً لشأن نزول الآية فلم يكن السائل سوى شخص واحد واسمه «عمرو بن جموح» [٤٧] الذي كان رجلًا ثرياً، وعليه ففي هذه الآية الشريفة ورد لفظ الجمع واستعمل في المفرد إما على أساس بيان عظمة هذا العمل وهو الانفاق أو بيان الاحترام للسائل وهو عمرو بن جموح.
ملاحظة: إنّ الموضوع الملفت للنظر في هذه الآية الشريفة هو أن الله تعالى في مقام جوابه على سؤال عمرو بن جموح ذكر مطلباً آخر لأن عمرو سأل عن نوع المال الذي يجب انفاقه، والله تعالى تحدّث عن الأشخاص الذين يجب الإنفاق عليهم، فعليه فمثل هذا الجواب يبين أهمية مصرف الإنفاق وأن الإنسان يجب أن يهتم بالدرجة الاولى بأبيه وامّه وأقربائه ثمّ يتوجّه إلى الآخرين في عملية الإنفاق.
2. يقول سبحان وتعالى في الآية 274 من سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ[٤٨].
ففي هذه الآية الشريفة نقرأ عبارات من قبيل‌ «الّذين، ينفقون، أموالهم، فلهم، أجرهم، ربّهم، عليهم، هم، يحزنون» فكلّها جاءت بصيغة الجمع ولكنّ الكثير من المفسّرين قالوا بأن المراد منها هو الإمام علي بن أبي طالب (ع) الذي كان ينفق بالليل والنهار وسرّاً وعلانيةً، وطبقاً لرواية واردة في هذا المجال أن الإمام كان يمتلك أربعة دراهم فتصدّق بأحدها ليلًا وبالآخر نهاراً وبالثالث علانية وبالرابع سرّاً فنزلت الآية أعلاها لتشير إلى شأن هذا الإنفاق‌ [٤٩].
سؤال: هل يعقل أن تنزل آية قرآنية على بعض الأعمال الجزئية من قبيل إنفاق أربعة دراهم؟
الجواب: إنّ المهم في نظر الإسلام هو كيفية العمل لا مقداره، وعليه فإذا كان العمل قد أتى‌ به المكلّف بإخلاص بالغ فيمكن أن تنزل آية قرآنية حتّى على إنفاق أقل من أربعة دراهم ولو أن شخصاً أنفق جبلًا من ذهب ولكن لم يكن يتزامن مع الإخلاص والتوجّه القلبي إلى الله تعالى فليس له أية قيمة ولا تنزل في حقّه آية شريفة.
3. ونقرأ في الآية 173 من سورة آل عمران: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ[٥٠].
هذه الآية الشريفة نزلت في حرب أحد عند ما تخلّف بعض المسلمين عن امتثال أمر رسول الله (ص) وتركوا مواقعهم واشتغلوا بجمع الغنائم الحربية فاستفاد الأعداء من هذه الفرصة ومن غفلة المسلمين وداروا حول جبل أحد وهجموا على المسلمين من ورائهم وحققوا نصراً كبيراً على المسلمين وقتلوا سبعين مسلماً في تلك الواقعة.
إن الكفّار والمشركين لم يقنعوا بهذا النصر على المسلمين فعند ما كانوا يعودون إلى مكّة قال أحدهم: نحن الذين حقّقنا هذا النصر فلما ذا لم نقتل محمّداً لنختم على هذه الدعوة الجديدة ونقلعها من جذورها؟ فإذا لم نفعل ذلك في هذا اليوم فالإسلام والمسلمين سوف يزدادون قوّة ويتفوّقون علينا في المستقبل.
و قد أثر كلامه هذا في أفراد جيش المشركين وعزموا على العودة إلى المسلمين وقتالهم، ولكن كان بينهم شخص يدعى «نعيم بن مسعود» أو «معبد الخزاعي» الذي لم يقبل باستمرار القتال وقبل أن يصل الكفّار إلى المسلمين أخبر هذا الشخص المسلمين بعزم الكفّار وتصميمهم على القتال فخاف من ذلك بعض المسلمين واصابهم الرعب وقالوا: إننا قد خسرنا المعركة وكنّا أقوياء وسالمين ولكن الآن وبعد الهزيمة وكثرة القتلى والمجروحين كيف يمكننا الوقوف أمام جيش الكفّار، ولكن بعضاً آخر من المسلمين قالوا: «نحن لسنا على استعداد فقط لقتالهم بل سوف نذهب إليهم ونتحرك لقتالهم مع المجروحين من جيش الإسلام، فعند ما فهم الأعداء ذلك وأن المسلمين توجّهوا إليهم مع المجروحين منهم دبّ في قلوبهم الخوف والرعب وقنعوا بذلك المقدار من النصر وانصرفوا عن قتال المسلمين مرّة اخرى.
الآية الشريفة أعلاها تتحدّث عن هذه الواقعة وتعبّر عن «نعيم ابن مسعود» أو «معبد الخزاعي» الذي أبلغ المسلمين بعزم الكفّار بكلمة «الناس» في حين انه لم يكن سوى نفر واحد ولكن بما أن عمله هذا كان عظيماً للغاية، فلأجل بيان أهمية هذا العمل ذكرت الآية الشريفة كلمة الجمع بدل المفرد.
4. يقول تعالى في الآية 61 من سورة آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ[٥١].
هذه الآية الشريفة نزلت في واقعة المباهلة، ففي هذه الواقعة كما هو معروف لدى الجميع أن النبيّ الأكرم (ص) جاء مع عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) لميدان المباهلة، والمراد من‌ «أبْنائنا» في الآية الشريفة هم الحسن والحسين عليهما السلام والمراد من‌ «نِسائنا» فاطمة الزهراء عليها السلام والمراد من‌ «أَنْفُسَنا» عليّ بن أبي طالب (ع). وهكذا ترى‌ أنها كلمات وردت‌ بصيغة الجمع واريد بها المفرد [٥٢].
5. ونقرأ في أول آية من سورة الممتحنة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ[٥٣].
ذكر الكثير من المفسّرين أن هذه الآية الشريفة نزلت في «حاطب ابن أبي بلتعة» وكان رجلًا واحداً واستعملت في حقّه صيغة الجمع‌ «الّذين، آمنوا، لا تتّخذوا، عدوّكم» وهذا يدلّ على العمل العظيم الذي أراد القيام به، وهو أن رسول الله (ص) عند ما عزم على فتح مكّة قام بسد المنافذ والطرق المؤدية إلى مكّة لكي لا يصل خبر تجهيز جيش المسلمين إلى الكفّار والمشركين في مكّة ليتم الفتح بسهولة ويسر ومن دون إراقة دماء ولكن (حاطب) الذي كان يمتلك بعض المال والثروة في مكّة قال في نفسه: إنني لو أخبرت أهل مكّة عن استعداد جيش المسلمين لقتالهم فأضمن سلامة أموالي وأتمكن من إخراجها من أيدي المشركين وكما يقول السياسيون في عصرنا الحاضر: «أربح امتيازاً».
و لهذا كتب رسالته بهذا الغرض إلى رؤساء مكّة وسلّمها لامرأة تدعى «سارة» لتوصلها إلى مكّة فاخفت الرسالة في طيات شعرها وتوجهت إلى مكّة.
فنزل جبرئيل وأخبر النبي (ص) بالمؤامرة المذكورة فأرسل الإمام عليّ (ع) وبعض الأشخاص لكشف هذه المؤامرة، فتوجّهوا نحو المرأة المذكورة وأخيراً استطاعوا أن يكتشفوا الرسالة ويعودوا إلى المدينة، وهنا نزلت الآية الشريفة في توبيخ حاطب وقال بعض الأصحاب: دعنا نقتل حاطب ولكن النبي (ص) الذي رأى حالة الندم على حاطب وكان من المجاهدين سابقاً واشترك في حرب بدر عفى عنه وأطلقه‌ [٥٤]. ففي هذه الآية نرى أيضاً أن «حاطب» رجل واحد ولكنّ الآية وردت بصيغة الجمع.
6. نقرأ في الآية 52 من سورة المائدة: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ...[٥٥].
حيث أمر النبي الأكرم (ص) المسلمين بقطع علاقاتهم وروابطهم مع الكفّار والمشركين ولكن أحد المنافقين وهو «عبد الله بن ابي» قال: إذا قطعنا العلاقة معهم فإنّ حياتنا ومعيشتنا ستتعرض للاهتزاز والارتباك ونصاب بمشكلات عديدة، فنزلت الآية المذكورة في شأن هذا المنافق‌ [٥٦].
و هكذا نرى أن الشخص الذي كان يتحدّث عن ضرورة إبقاء الرابطة مع الكفّار والمشركين شخص واحد، ولكن الآية الشريفة وردت بصيغة الجمع‌ «الّذين، قلوبهم، يسارعون، يقولون، نخشى وتصيبنا» وهذا يعني أن استخدام صيغة الجمع في حقّ المفرد لا بأس به.
7. ويقول تبارك وتعالى في الآية 8 من سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ[٥٧].
الآية أعلاها نزلت بعد غزوة بني المصطلق في السنة السادسة للهجرة في منطقة «قديد» وكان هناك اختلاف بين أحد المهاجرين وأحد الأنصار فما كان زعيم المنافقين «عبد الله بن ابي» إلّا أن قال: أوقد فعلوها؟ قد كاثرونا في بلادنا، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذل‌ [٥٨]. وهكذا نرى أن القائل لم يكن سوى رجلًا واحداً ولكن الآية تحدّثت عنه بصيغة الجمع‌ «يقولون، رجعنا».
و النتيجة هي أن القرآن الكريم أورد في هذه الآيات السبعة المذكورة آنفاً وفي آيات اخرى أيضاً صيغة الجمع بدل المفرد، وهذا يدلّ على أن مثل هذا الاستعمال شائع في أجواء الآيات القرآنية.
: و على هذا الأساس فإنّ آية الولاية إذا ذكرت صيغة الجمع في حقّ المفرد وهو «عليّ بن‌ أبي طالب» الذي تصدّق في ركوعه فلا يوجد محذور في مثل هذا الاستعمال بل يدلُّ على عظمة هذا العمل الذي قام به الإمام علي (ع).[٥٩]

الإشكال السادس: ما ذا تعني ولاية الإمام عليّ (ع) في حياة النبي (ص)؟

الإشكال الآخر الذي أورده الفخر الرازي وآخرون هو: «أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورون في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنين موصوفين بالولاية في الحال. أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف» [٦٠].

الجواب: وجواب هذا الإشكال واضح لأن ولاية الولي والوصي والخليفة تكون بالقوّة لا بالفعل، وأساساً فإنّ هذا المطلب موجود ضمن سياق الآية الشريفة حيث إنّ زكريّا الذي طلب من الله تعالى الولي والوارث واستجاب الله تعالى لطلبه وأعطاه يحيى‌ [٦١] فهل أنّ يحيى كان وارثاً ووليّاً لأبيه في حياة زكريا أو أن ذلك تحقّق له بعد وفاة الأب؟ من الواضح أن هذه الامور تحققت له بعد وفاة أبيه.

وهذه المسألة سائدة في العرف وسيرة العقلاء، فمن يكتب وصية ويعين وصياً له فهل أن هذا الوصي له ولاية واختيار قبل وفاة صاحب الوصية أو أن هذه الوصية تتعلق بما بعد الوفاة؟ الفخر الرازي كان قد كتب وصيته حتماً وقد عيّن وصياً له، فهل أن ذلك الوصي وهذه الوصية كانت فعلية في زمن حياته أو بعد مماته؟ وأكثر من ذلك فإنّ جميع القادة والزعماء والملوك في العالم يتحركون في أواخر حياتهم لتعيين خليفة لهم، ولكنّ هؤلاء الخلفاء لهم لم يكونوا أصحاب قدرة فعلية في حياة هؤلاء الملوك والزعماء بل كانت قدرتهم ومسئولياتهم تتحقق لهم بعد وفاة القائد الفعلي.

وعلى هذا الأساس فإن الولاية في الآية الشريفة جاءت بمعنى القيّم وصاحب الاختيار وإمام الامّة ولكن جميع هذه المعاني لا تكون فعلية للإمام عليّ (ع) إلّا بعد رحيل الرسول الأكرم (ص).

مضافاً إلى ذلك فإنّ مسألة تعيين الخليفة لا تختص بهذه الآية الشريفة بل إنّ النبيّ الأكرم (ص) وطيلة زمن نبوته 23 سنة كان يذكر مسألة الوصية بالخلافة للإمام علي (ع) دائماً، وأوّل مورد لذلك هو ما ورد في حديث يوم الدار، وذلك عند ما تحرك النبي الأكرم (ص) بعد ثلاثة سنوات من الدعوة السرية إلى الإعلان والإجهار بإبلاغ الرسالة وفي أوّل خطوة لذلك جمع قادة قريش ودعاهم إلى ضيافته وبعد أن انتهوا من تناول الطعام طرح مسألة النبوّة والرسالة وقال لهم في آخر المطاف: «أَيُّكُمْ يُوازِرُنِي عَلى هذَا الْامْرِ.» فلم يكن يجيب بالإيجاب على هذا الطلب سوى أمير المؤمنين (ع)، فما كان من رسول الله إلّا أن قال له في ذلك المجلس: «انْتَ وَصِيّي».

في حين أن النبي الأكرم كان على قيد الحياة، وما ذا يصنع بالوصي والخلافة في ذلك الوقت؟

النتيجة أن الجواب على مثل هذه الإشكالات والشبهات واضح، وفي الحقيقة أنها لا تعدو سوى حجج وتبريرات غير منطقية وبعيدة عن خط الحقّ والإنصاف.[٦٢]

الإشكال السابع: ما هو المراد من الزكاة؟

رأينا أنّ البعض أورد حجج وشبهات مختلفة حول دلالة آية الولاية بحيث أنهم ذكروا شبهات لكلِّ كلمة من كلمات الآية محل البحث من قبيل‌ «إنّما»، «وليّ»، «راكعون»، «الزكاة» فكلّها وردت في حقها إشكالات وشبهات.

ويتساءل الفخر الرازي وآخرون: ما المراد من الزكاة في هذه الآية الشريفة؟ هل المقصود الزكاة المستحبة أو الواجبة. ومعلوم أنه ليست لدينا زكاة مستحبة، وعليه فإنّ المراد من الزكاة هنا هو الزكاة الواجبة، وإذا كان كذلك وقلنا بأن الآية الشريفة نزلت في‌ عليّ ابن أبي طالب (ع) سنقع في تناقض لأنّ الإمام علي لم يكن من حيث التمكّن المادي والاقتصادي بحيث تجب عليه الزكاة وتتعلق الزكاة الواجبة في أمواله لأنه طبقاً لما ورد في شأن نزول سورة الإنسان (سورة الدهر) بأن الإمام علي وأهله كانوا قد صاموا في ذلك اليوم وجاء سائل على الباب وطلب منهم طعاماً فأعطوه طعامهم الذي كانوا قد أعدّوه للافطار وأفطروا ذلك اليوم بالماء القراح، والخلاصة أن الإمام علي لم يكن يمتلك طعاماً ليوم آخر، فكيف تتعلق في ماله الزكاة الواجبة حتّى يؤديها في حال الركوع؟

الجواب: في مقام الجواب على هذا الإشكال وبالأحرى هذه الشبهة نقول:

أوّلًا: إنّ الأحكام الشرعية في الإسلام تتضمن الزكاة الواجبة والمستحبة لأن جمع الزكاة تم بعد هجرة النبي إلى المدينة في حين أن السور المكيّة تتحدّث عن الزكاة أيضاً وكانت تحث المسلمين على أداء الزكاة في مكّة، والمراد منها حتماً الزكاة المستحبة أو الزكاة الواجبة التي لم تكن تجمع قبل زمن تشكيل الحكومة الإسلامية.
و نلفت النظر إلى ثلاث نماذج من الآيات الشريفة النازلة في مكّة:
  1. نقرأ في الآية الرابعة من سورة المؤمنون التي هي سورة مكيّة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ[٦٣]. في هذه الآية الشريفة ذكرت صفة من صفات المؤمنين وهي أداء الزكاة، وبما أن هذه السورة مكيّة والآية نزلت قبل تشريع حكم الزكاة فنعلم أن المراد من الزكاة هنا هي الزكاة المستحبة.
  2. و نقرأ في الآية الثالثة من سورة النمل في وصف المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[٦٤]. ومعلوم أن سورة النمل من السور المكيّة، وعليه يكون المراد من الزكاة هنا هي الزكاة المستحبة.
  3. و نقرأ في الآية 39 من سورة الروم: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ[٦٥]. فهذه السورة من السور المكيّة أيضاً والمراد من الزكاة هنا الزكاة المستحبة. وعليه فطبقاً لما ورد في القرآن الكريم أن الزكاة تشمل الواجبة والمستحبة كما ورد في فقه الشيعة أن بعض الأجناس تتعلق بها الزكاة الواجبة وبعضها تتعلق بها الزكاة المستحبة.
ثانياً: أنه ليس من الصحيح قياس الحالة الاقتصادية للإمام علي (ع) عند نزول آية الولاية التي نزلت في أواخر عمر النبي الأكرم (ص) مع زمان نزول آيات سورة الدهر لأن وضع المسلمين في بداية ظهور الإسلام في مكّة لم يكن وضعاً مناسباً بصورة عامة وكان أغلب المسلمون يعيشون في ضائقة مالية وخاصة أنهم كانوا في مكّة يعيشون الحصار الاقتصادي، ولكنهم عند ما هاجروا إلى المدينة وتخلّصوا من الحصار الاقتصادي الذي فرضه عليهم المشركون في مكّة واشتغلوا بالزراعة والتجارة تحركت حالتهم الاقتصادية وانفتحت عليهم أبواب الرزق وتحسنت حالتهم المعيشية بحيث إن وضع أغلب المسلمين في أواخر عمر النبي الأكرم (ص) كان جيداً من الناحية الاقتصادية، ونظراً إلى أن آيات سورة المائدة نزلت في أواخر عمر النبي الأكرم (ص) فإنه لم يكن من البعيد أن تتعلق الزكاة الواجبة بأموال الإمام علي (ع) ولا ينبغي قياس حالة الإمام عليّ (ع) الاقتصادية في هذا الزمان الذي كان المسلمون يعيشون في حالة الانفتاح الاقتصادي والتمكّن المالي مع زمان نزول آيات سورة الإنسان (التي نزلت في أوائل الهجرة كما يقول الشيعة أو قبل الهجرة كما يقول بعض أهل السنّة).

حيث كان المسلمون يعيشون أزمة اقتصادية ومالية لأن ذلك يعني أن التناقض المزعوم يفتقد بعض شروط الوحدة وهي الوحدة في المكان والآخر الوحدة في الزمان لكي يصح دعوة التناقض، وهنا لا يوجد مثل هذا التوحّد في الزمان والمكان. مضافاً إلى كلّ ذلك فقد ورد في الروايات الواردة في شأن أمير المؤمنين (ع) أنه‌ «اعْتَقَ الْفَ مَمْلُوكٍ مِنْ كَدِّ يَدِه» [٦٦].

فمن الواضح أن الإمام عليّ (ع) لم يتسنى‌ له العمل والكسب في زمان خلافته لكي يمكن القول بأنه أعتق هذا المقدار من العبيد من كدّ يده، إذن فهذا العمل كان قد صدر منه قبل تصديه للحكومة والخلافة قطعاً.

والنتيجة هي أن دفع الخاتم من قبل الإمام علي (ع) حتّى لو قلنا بأنه من قبيل الزكاة الواجبة لم يكن ذلك بمستبعد وعجيب.

والحقيقة أن هؤلاء المخالفين وقعوا في تناقضٍ بيّن، فإنهم من جهة يذكرون أن الإمام علي قد دفع خاتماً ثميناً جداً إلى الفقير بحيث يدخل في دائرة الإسراف والتبذير، ومن جهة اخرى يشكّون في أصل هذا العمل بسبب عدم التمكّن المالي للإمام علي (ع).

والنتيجة هي أنه على رغم الإشكالات والشبهات الكثيرة التي احتفت بدلالة آية الولاية والتي ذكرنا أهمها آنفاً وأجبنا عنها فإن دلالة الآية الشريفة على الولاية لا تخفى على أحد حيث تقرر الآية الشريفة الولاية والقيادة والإمامة لثلاث أولياء:

  1. الله تعالى
  2. النبي الأكرم (ص)
  3. أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).[٦٧]

ملاحظة مهمة جداً!

إذا كان من المقرر أن تطرح مثل هذه الشبهات والإشكالات التي مرت آنفاً حول كلّ آية من آيات القرآن الكريم فإنّ أوضح الآيات وأحكمها كآيات التوحيد لا تتخلص من الإشكال، فلا يبق شي‌ء يصلح للاستدلال، في حين أننا نرى أن مثل هذه الإشكالات والشبهات لا تطرح حول سائر الآيات القرآنية، والظاهر أن هذا الاسلوب من طرح الشبهات يختص بالآيات المتعلقة بفضائل أهل البيت (ع) وولايتهم فقط.

وإذا أردنا استكشاف السبب في مثل هذه المواجهة المتباينة مع الآيات القرآنية فلا بدّ من القول أن مثل هؤلاء الأشخاص لم يذعنوا للقرآن الكريم ولم يتعاملوا معه بأدبٍ ونزاهة كما هو المتوقع، والمفروض على المسلم أن يجلس أمام القرآن كالتلميذ أمام استاذه بل يريد هؤلاء أن يكونوا أساتذة للقرآن ويستخرجوا منه ما يؤيد مسبوقاتهم الفكرية، وهذا هو التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه بشدّة في الروايات الإسلامية [٦٨].

أيها القارئ الكريم! إذا أردنا أن نستفيد من القرآن والوحي أو روايات المعصومين (ع) استفادة صحيحة ونتوصل من خلالها إلى كشف الحقيقة فيجب علينا أن نتتلمذ على يد القرآن والأحاديث الشريفة ونستوحي مفاهيمنا الدينية من هذين المنبعين الغنيين بتعاليم الوحي والدين حتّى لو كانت على خلاف رغباتنا وميولنا وإلّا فإنّ التفسير بالرأي وبذر الإشكالات والشبهات حول مدلول الآيات الشريفة سينتهي إلى عواقب وخيمة وإنكار المسلّمات الدينية.

وورد في رواية شيّقة تتحدّث عن عاقبة نوعين من أنواع التعامل مع القرآن الكريم حيث قال رسول الله (ص): «... مَنْ جَعَلَهُ امامَهُ قادَهُ الى الْجَنَّةِ وَ مَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ ساقَهُ إلَى النّارِ». [٦٩]

والحقيقة أن هذه الرواية الشريفة يجب أن تهز كيان الأشخاص الذين يتعاملون مع القرآن من موقع التفسير بالرأي وإسقاط مفاهيمهم وأحكامهم المسبقة على الآيات الشريفة.[٧٠]

توصية آية الولاية

إنّ الآية الشريفة محل البحث مضافاً إلى أنها تثبت ولاية أمير المؤمنين (ع) فإنها تتضمن توصية مهمة لشيعة وأتباع هذا الإمام بل لجميع المسلمين في العالم وهي:

إن الإمام علي (ع) لم يكن ولياً وإماماً للمسلمين وخليفة للنبيّ الأكرم (ص) بصورة اعتباطية بل وصل إلى هذا المقام بسبب عوامل مهمة قد ذكرت في الآية نفسها، فالإيمان الراسخ وإقامة الصلاة والمحافظة على الارتباط الوثيق بين العبد وخالقه ودفع الزكاة وتوثيق العلاقة بين الإنسان وأفراد المجتمع كلّها من الأسباب التي رشّحت الإمام عليّ (ع) ليكون أميراً للمؤمنين‌ [٧١].

وعليه فإن الآية الشريفة أعلاه توصي شيعة أمير المؤمنين بأنه إذا أردتم أن تكونوا من شيعة هذا الإمام وتصلوا إلى المراتب العليا من الكمالات المعنوية والإلهية، فيجب عليكم أن تتحلوا بالإيمان الراسخ والقوي، وتسعوا إلى تقوية هذا الإيمان وتعميق الرابطة مع الله تعالى وعدم الغفلة عن الصلاة والعبادة، وكذلك عدم الغفلة عن دفع حقوق الآخرين من قبيل الزكاة حتّى في أثناء الصلاة وخاصّة في شهر رمضان المبارك شهر العبادة واليقظة وتهذيب النفس، فيجب مضاعفة السعي في هذا المجال والتدبّر في مضامين الأدعية الواردة في هذا الشهر الكريم ليتسنّى‌ للإنسان أن يخطو عملًا نحو رفع الفقر والمحرومية عن المساكين والمحتاجين والمرضى والذين لا يستطيعون أداء ديونهم وأن نتحرك في دعاءنا ومناجاتنا مع الله تعالى في طلب المغفرة للمرحومين والذين انتقلوا إلى الدار الاخرى‌ ونسعى في التقليل من مصاب البائسين ونواسيهم في آلامهم وهمومهم.[٧٢]

المراجع والمصادر

  1. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن

الهوامش

  1. سورة المائدة، الآية 55.
  2. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص51.
  3. سورة المائدة، الآية 55.
  4. سورة المائدة، الآية 55.
  5. سورة المائدة، الآية 55.
  6. سورة المائدة، الآية 55.
  7. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن،، ص51-52.
  8. و قد ذكر العلّامة الأميني في كتابه القيّم «الغدير»: ج 1، ص 362 جميع هذه المعاني السبعة والعشرين.
  9. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص52-53.
  10. سورة البقرة، الآية 107.
  11. سورة البقرة، الآية 257.
  12. سورة الكهف، الآية 17.
  13. سورة الشورى، الآية 28.
  14. سورة الإسراء، الآية 33.
  15. بالرغم من أن أطول آية في القرآن تتحدّث عن كتابة وثيقة الدين والقرض ولكن المؤسف أن هذا الحكم الإسلامي قد أصبح مهجوراً بين المسلمين وكانت النتيجة هي تورطهم بمشكلات كثيرة وبلايا جمّة بسبب تركهم لهذا الحكم الشرعي.
  16. سورة الأنفال، الآية 34.
  17. سورة مريم، الآية 5-6.
  18. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص53-55.
  19. سورة المائدة، الآية 56.
  20. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص55-56.
  21. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص56-57.
  22. عند ما تكون الروايات في مورد معيّن من الكثرة بحيث يحصل للشخص اليقين بمضمونها فمثل هذه الروايات تسمى «متواترة» ولا حاجة حينئذٍ للتحقيق في سندها.
  23. حيث كان الوضع المادي والاقتصادي للمسلمين في ذلك الوقت عسيراً وكانوا يعيشون في ضائقة شديدة حتّى في ضروريات الحياة؛ التفسير الكبير: ج 12، ص 26.
  24. التفسير الكبير: ج 12، ص 26.
  25. التفسير الكبير: ج 12، ص 26.
  26. سورة طه، الآية 25-32.
  27. سورة القصص، الآية 35.
  28. سورة المائدة، الآية 55.
  29. التفسير الكبير: ج 12، ص 26.؛ 1- إن رواية أبي ذرّ تشير إلى أنّ صدقة الإمام علي (ع) في حال الصلاة لم تكن صدقة عاديّة لمسكين من الناس بل أدّت إلى حفظ وجاهة وقدسيّة مسجد النبيّ الذي يعد مركز الإسلام والصحابة والمسلمين لأنّ المسكين عند ما خرج من مسجد النبي لم يجد من يمدّ له يد العون، ولهذا اشتكى إلى الله من ذلك، فعليه فإنّ صدقة الإمام في حالة الركوع مضافاً إلى أنها رفعت حاجة السائل فإنّها أدّت إلى حفظ اعتبار مسجد النبي (ص) وقداسته وحرمة أصحاب النبي الأكرم (ص) أيضاً. 2- إنّ ادعاء الفخر الرازي المبني على أنّ مجموع الروايات الواردة في هذا الباب ليس بأكثر من ثلاث روايات هو كلام بلا أساس لأنّه كما تقدّم آنفاً أن الوارد من الروايات في هذا الباب أكثر من أربعين رواية، والملفت للنظر أنّ أكثر هذه الروايات وردت في كتب ومصادر أهل السنّة ولكنّ التعصّب والعناد إذا أخذ بناصية الإنسان أدّى إلى أن ينطق بكلمات غير مسئولة وغير متوقعة رغم كونه علّامة كبير مثل الفخر الرازي، مضافاً إلى أنه يمكننا أن ندّعي أنّه إذا قد وصلت لنا أكثر من أربعين رواية في شأن نزول الآية محل البحث فإنّ هناك عدد أكثر من هذا قد اختفى في طيّات التاريخ ولم يصل إلينا وخاصّة في فترة الحكم الاموي الذي كان بنو أُمية يتحركون بصراحة وشدّة في حذف فضائل ومناقب أهل البيت (ع) وطمس معالمها فلم يتجرأ أحد على بيان هذه الفضائل ونشرها. وكم من الأشخاص الذين لم يكونوا يمتلكون الجرأة على بيان فضائل ومناقب‌ وبعد أن ينقل الفخر الرازي هذه الروايات الثلاثة يقول: إنّ جميع الروايات الواردة في هذه المسألة هي هذه الروايات الثلاثة فقط
  30. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص57-59.
  31. سورة المائدة، الآية 55.
  32. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص60.
  33. طبعاً لا شك في أن السؤال نافذة للعلم ومفتاح حلّ المشكلات والمجهولات، ولذا ورد الحث عليه في القرآن الكريم بصورة مطلقة، حيث يقول تعالى في الآية 43 من سورة النحل، وكذلك في الآية 7 من سورة الأنبياء: «فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» هذه الآية الشريفة مطلقة من كلّ جهة، فكلّ من لديه سؤال يمكنه أن يسأل أهل العلم والخبرة، وقد ورد في هذا المورد روايات عديدة، ولكن المهم هو أن يكون السؤال بقصد التوصل إلى الحقيقة لا بدافع من العناد والتعصّب كما في الكثير من أسئلة علماء أهل السنّة حول آية الولاية.
  34. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص60.
  35. سورة الحديد، الآية 20.
  36. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص60-61.
  37. و قد اعترف الزمخشري في تفسيره «الكشاف»: ج 1، ص 649 أن هذا العمل ليس من الفعل الكثير.
  38. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص61-62.
  39. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص62-63.
  40. ذكرنا تفاصيل هذه الحادثة مع وثائقها المعتبرة في كتاب «110 قصة من سيرة الإمام علي (ع)).
  41. ورد في الحديث عن أمير المؤمنين (ع): «إن المسكين رسول الله إليكم فمن منعه فقد منع الله، ومن أعطاه فقد أعطى الله» (وسائل الشيعة: ج 6، أبواب الصدقة، باب 22، ح 11).
  42. هناك روايات كثيرة في فضيلة الصدقة وآثارها، منها ما ورد عن الإمام الباقر (ع) قال: «لأن أحج حجّة أحبّ إليّ من أن أعتق رقبة ورقبة حتّى انتهى إلى عشر ومثلها حتّى انتهى إلى سبعين، ولأن أعول أهل بيت من المسلمين اشبع جوعتهم وأكسو عورتهم وأكفّ وجوههم عن الناس أحبّ إليّ من أن أحجّ حجّة وحجّة حتّى انتهى إلى عشر ومثلها حتّى انتهى إلى سبعين. (وسائل الشيعة: ج 6، أبواب الصدقة، الباب 2، ح 3).
  43. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص63-65.
  44. التفسير الكبير: ج 12، ص 28.
  45. روح المعاني: ج 6، ص 167.
  46. سورة البقرة، الآية 215.
  47. الكشّاف: ج 1، ص 257.
  48. سورة البقرة، الآية 274.
  49. الكشّاف: ج 1، ص 319.
  50. سورة آل عمران، الآية 173.
  51. سورة آل عمران، الآية 61.
  52. الكشّاف: ج 1، ص 368.
  53. سورة الممتحنة، الآية 1.
  54. الكشّاف: ج 4، ص 511.
  55. سورة المائدة، الآية 52.
  56. الكشّاف: ج 1، ص 643.
  57. سورة المنافقون، الآية 8.
  58. انظر تفاصيل هذه القصة في التفسير الأمثل: ج 18، سورة المنافقين، الآية 5، ص 356.
  59. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص65-70.
  60. التفسير الكبير: ج 12، ص 28.
  61. سورة مريم: الآية 5 و6.
  62. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص70-72.
  63. سورة المؤمنون، الآية 4.
  64. سورة النمل، الآية 3.
  65. سورة الروم، الآية 39.
  66. بحار الأنوار: ج 41، ص 43.
  67. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص71-75.
  68. انظر تفاصيل هذا الموضوع في كتاب (التفسير بالرأي) لمؤلفه آية الله العظمى مكارم الشيرازي «مدّ ظلّه».
  69. بحار الأنوار: ج 74، ص 134.
  70. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص75-76.
  71. كما في اصطلاح الفقهاء «أن التعليق على الحكم مشعر بالعليّة» أي إذا ورد حكم لوصف، فمفهومه أن هذا الوصف علّة لهذا الحكم، مثلًا لو قيل: احترم العلماء. فمعنى ذلك أن العلم في هؤلاء الأشخاص هو السبب في لزوم الاحترام.
  72. ناصر مكارم الشيرازي، آيات الولاية في القرآن، ص76-77.